ملاحظة : كتبت هذه المقالة / المقامة على إثر حصول شاعرة تونسية على جائزة وطنية تعنى بالكتب المنشورة في حين أنّ الكتاب الفائز الموسوم بعنوان " ذاكرة الطير " لجميلة الماجري لم ينشر بعد و قد أثار هذا التجاوز القانوني و المدرج في خانة التزوير الثقافي حبرا كثيرا في تونس و خارجها و هذه الحادثة ليست تونسية فقط جلّ كل مبدعي الوطن العربي مريض بداء الجوائز و العظمة و لو بغير وجه حقّ
المقالة / المقامة
حدثني ذات خيال قارئ مستاء قال : دوام الحال من المحال ، و دار لقمان الشعرية – أعزّك الرحمان - عرضة آجلا أم عاجلا لزوال ، فالساحة الملطخة بالأخطاء و النصوص الرثّة و المجاملات و الكتب و الجرائد الغاصّة في إسراف بالأصوات الباهتة فنيّا و المحكومة بالزكام و السعال و إضاعة الوقت و تبذير الأموال وإفساد ذوق العيال لن يشملها ذكر الدهر في مدوّنات الفرسان .
فهذه شاعرة كونية ، و الأخرى شاعرة فضائية ، وتلك سيدة للشعر التونسي لا صنو لها في البريّة على مدى الزمان ، ونحن بين هذه و تلك - جمهور القرّاء - طريحي الغثيان ، نعاقر قسرا في النحو جرائم و في الصرف كوارث وفي البديع زلازل وبركان …. شعر تربطه صلة رحم و وشائج قربى بالهذيان ، وبعد طول سكوت – غفر لك اللّه الذنوب و الآثام - شاءت الصدف وأرادت الأقدار أن تكشف النقاب عن أسرار ذلك الديوان الحاصل على جائزة وطنية ذات بال ، فللّه الحمد من بعد ومن قبل ، فلقد تطوّر بين ظهرانينا الشعراء في تحيّن الفرص و كسدت تجارتهم في النّظم و تطريز الكلام لا كما ذهب بك – يا صاحبي - الظنّ الحسن وبريء الخيال في باب الترصيع و الأوزان ، فديوان ذاكرة الطير يا لبيب مازال نطفة في ظهر الغيب لم يظهر للعيان ورغم ذلك حصد الجوائز و الاستحسان . وباركه بكراماته الشاعر يوسف رزوقة و بعض الإخوان ممن احترفوا التهليل و التكبير في كلّ عصر و أوان عملا بمأثور الأمثال – ما تفعله اليوم تلقاه غدا – فجائزة أبي القاسم الشابي و عديد الجوائز الأخرى و كذلك جائزة كومار قد جانبت الصواب في تشجيع المبدعين و جيّد الشعر و السّرد و الأقلام و استحالت بفضل لجان التحكيم حكرا على بعض الإخوان ، و تلك مصيبة ساحتنا الثقافية يا ندمان ، ساحتنا المجبولة حديثا على تبادل المنافع في الجوائز الوطنية و الملتقيات الإبداعية و الأمسيات الشعرية في كلّ مصر و عصر ، فمن منكم لم يسمع قصيدة * وادي النمل * في أكثر من منبر حتّى حفظها عن ظهر قلب وبات من روّاتها على مذهب قائلها في كلّ مجلس بان للعيان ، فلله درّ أحفاد أمّ كلثوم في الأنام ، و ما أتعس الشعر على هذه الأيّام ، لقد غادره التجديد و البيان و حلّ به مرض التكرار و الترديد و التحنيط و فارقه الخلق و الرجحان و شدّ وثاقه للجوائز بالأغلال . رحم اللّه زمانا كان فيه الشعراء بكلّ واد يهيمون و على جديد الصور الشعرية يبحثون ، حتّى السرد أصبح كلعبة النرد يتقلّب كتّابه على سرير الجوائز فإذا يمّنت الجائزة يمّنوا مصعّرين للفنّ خدّ الأقلام ، فهذا ابراهيم الدرغوثي و حكايته الغريبة مع روايته العجيبة المتحصّلة على جائزة بولينا ، فلقد تقدّم بها لنيل جائزة شركة الحرية و لمّا رجع مخطوطه بخفّي حنين زكّاه و صقله و نفخ فيه قولا جديدا و رشّحه لجائزة بولينا فآلت إليه .