|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
غسلة الأم الأخيرة لم تكن تغسل الثياب، بل كانت تغسل الوقت، تملأ الطست بالماء الفاتر، وتسكب عليه شيئًا من الصابون، كأنها تُهيّئ يومًا جديدًا، في زاوية الغرفة، كانت الثياب مطوية بعناية، القميص العسكري، والجوارب، والوشاح الذي أصرّ أن تأخذه منه يوم وداعه. تغمسه في الماء ببطء، ترفعه، تشمّه، ثم تعصره كما لو أنها تعصر قلبها. تقول لنفسها: “تأخر اليوم… ربما الطريق مزدحم… سيعود.” تتوقف قليلًا، تنظر إلى الباب، تستمع للريح كأنها تنتظر صوت خطواته على الدرج. ثم تبتسم… وتعود للغسيل. تغسل التراب عن كمّي القميص، وتحدثه كما كانت تفعل وهو طفل: “أوسختموه بالتراب يا ولدي؟ كنتَ تلعب كثيرًا حتى بعد المطر…” تضحك بخفةٍ متعبة، ثم تخفض رأسها لتخفي دمعة تسقط في الماء. الماء أصبح عكرًا، لكنّها لا تغيّره، كأنها تخاف أن تترك أثر يده يغيب مع الرغوة. حين انتهت، علّقت الثياب على الحبل أمام الشمس، وشدّت الأزرار بيديها المرتعشتين، وقالت للريح: “جفّفيها جيدًا يا ريح… سيحتاجها حين يعود.” ثم جلست على الكرسي قرب النافذة، تنظر إلى الثياب وهي تتراقص في الضوء،كأنها تراه يضحك في الريح، يلوّح لها من البعيد. وفي المساء، حين خيّم الظلّ على الحبل، دخلت الغرفة وهمست لنفسها: “غدًا سأكويها، لا أحب أن يراها مجعّدة حين يأتي.” ثم نامت قرب النافذة، كما كانت تفعل حين يسافر. وضعت القميص المكوي على الكرسي المقابل، وأشعلت شمعة صغيرة أمامه، وقالت للظلّ المعلّق على الجدار: “أتعلم؟ كنتَ تعدني أن تعود قبل أن يبرد المساء…” ثم غفت، لكنّ النوم لم يكن نومًا… كان عبورًا خفيفًا بين الأرض والسماء. رأته يقترب من بعيد، بوجهٍ يشبه الصباح، يحمل بندقيته على كتفه، وثيابه جافة كما لو خرج تواً من الشمس. اقترب منها وقال مبتسمًا: “غسلتِها يا أمّي… رائحتها تشبه صدرك حين كنتُ صغيرًا.” مدّت يدها إليه، فلم تلمسه… كان شفافًا كالنور. قالت له بصوتٍ مرتجف: “انتظرتك كثيرًا يا ولدي… ظننتُ الطريق طال بك.” ابتسم وقال:“الطريق انتهى يا أمّي… ولكني جئتُ لأقول إنني ما زلت أسمع صوتك كلما غسلتِ القميص.” مدّ يده نحوها، كأنّه يمسح على شعرها، لكنها لم تشعر إلا بنسمةٍ باردة مرت على خدّها، ارتعشت، فتحت عينيها، فرأت القميص ما زال في موضعه… لكنّ زرًّا واحدًا كان هاربا من مكانه، كما كان يفعل هو دائمًا. ابتسمت… وضحكت خفية، وقالت للفراغ: “كعادتك، لا تعرف كيف تُغلق الأزرار…” ثم قامت، وعلّقت القميص في صدر الغرفة، وجعلته راية بيضاء في بيتٍ صغيرٍ خاض حربه وحده. ومنذ ذلك اليوم، كلما غسلت الثياب، كانت تتحدث إليه لا عن الحرب ولا عن الموت، بل عن الخبز، والريح، والجار الذي رمّم السور، كأنها تعلم أن الروح لا تموت… فقط تنتقل إلى مكانٍ لا يراه أحد. وفي الصباح، وجدها الجيران نائمة قرب النافذة، وفي حضنها القميص، وعلى شفتيها ابتسامة تشبه من رأى مَن ينتظر |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||
|
ببساطة أعلق ،، |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | |||
|
اشكرك ايها الاديب الجميل وانت الاروع وحضورك يثري النص ويمنحه جمالا ابهى ... خالص مودتي وتقديري
|
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 4 | |||||
|
أخي / عبد الكريم قاسم المكرم
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 5 | |||
|
الاخت الغالية راحيل ممتن جدا لهذا الحضور البهي والاهتمام بخالص تحياتي وشكري سعيد انها اعجبتك سيدتي وهي اخر ما كتبت ..بكل تقديري لك
|
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 6 | |||||
|
للعقل أساليبه التحايلية عندما يرفض الواقع أو يعجز عن تقبله
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 7 | |||
|
راحيل الخير ،، |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 8 | ||||
|
اقتباس:
كلماتك هذه تملأ قلبي امتنانًا، وأشعر أنني لم أكتب عبثًا، بل أن النص رافق من يراه ويفهمه بهذه الدقة والعمق. سعادتك بتفاصيل المشهد، وفهمك للكاميرا الروائية والحوارات المتخيلة، وتمعنك في الألم والرمزية، يعطيني شعورًا أن التعبير الأدبي حقًا يصل إلى من يقرأ بعين الاديب البارع . شكرًا لكِ على هذا الاهتمام الجميل وعلى تقديرك لرهافة الحس والروح التي حاولت نقلها. دمتِ بألف خير وخالص تحياتي اختي الغالية |
||||
|
|
|
رقم المشاركة : 9 | |||
|
أخي العزيز احمد فؤاد اشكرك جزيل الشكر على الاهتمام والتقدير لفصتي وثناؤك عليها . دمت بكل خير وبركة
|
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 10 | ||||
|
اقتباس:
لم تبكِ… فقط أطبقت كفّيها على الهواء، كأنها تمسك آخر أنفاسه. ما أشدّ أن تفقد أمٌّ ولدها..مؤلمة جدا هذه الومضة وبديع منك التقاط هذه اللحظة الانسانية المؤثرة.. |
||||
|
|
|
رقم المشاركة : 11 | |||
|
الطريق الذي دلّ عليه القلب |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 12 | |||||
|
الأديب الأريب عبدالكريم قاسم ، حين يكتب القلب، تصمت اللغة إجلالًا، وحين يغسل الحرف وجع الفقد، تتطهر الأرواح من غبار الغياب. قصة "غسلة الأم الأخيرة" صلاةٌ تُرتّلها الأمهات في محراب الانتظار، كل سطرٍ فيها كان دمعةً مؤجلة، وكل جملةٍ كانت نداءً لا يسمعه إلا من فقد. لقد نسجتَ من الحنين قميصًا، ومن التراب ذاكرة، ومن الريح وعدًا لا يخبو، فكان النص مرآةً للروح، ومحرابًا للغائبين الذين لا يموتون في قلوب أمهاتهم. دمتَ مبدعًا لا يكتب إلا من نبض الحقيقة، وساردًا يعرف كيف يُنطق الصمت، ويُلبس الغياب وشاح الضوء.
|
|||||
|
![]() |
|
|