![]() |
غسلة الأُم الأخيرة ....
غسلة الأم الأخيرة
لم تكن تغسل الثياب، بل كانت تغسل الوقت، تملأ الطست بالماء الفاتر، وتسكب عليه شيئًا من الصابون، كأنها تُهيّئ يومًا جديدًا، في زاوية الغرفة، كانت الثياب مطوية بعناية، القميص العسكري، والجوارب، والوشاح الذي أصرّ أن تأخذه منه يوم وداعه. تغمسه في الماء ببطء، ترفعه، تشمّه، ثم تعصره كما لو أنها تعصر قلبها. تقول لنفسها: “تأخر اليوم… ربما الطريق مزدحم… سيعود.” تتوقف قليلًا، تنظر إلى الباب، تستمع للريح كأنها تنتظر صوت خطواته على الدرج. ثم تبتسم… وتعود للغسيل. تغسل التراب عن كمّي القميص، وتحدثه كما كانت تفعل وهو طفل: “أوسختموه بالتراب يا ولدي؟ كنتَ تلعب كثيرًا حتى بعد المطر…” تضحك بخفةٍ متعبة، ثم تخفض رأسها لتخفي دمعة تسقط في الماء. الماء أصبح عكرًا، لكنّها لا تغيّره، كأنها تخاف أن تترك أثر يده يغيب مع الرغوة. حين انتهت، علّقت الثياب على الحبل أمام الشمس، وشدّت الأزرار بيديها المرتعشتين، وقالت للريح: “جفّفيها جيدًا يا ريح… سيحتاجها حين يعود.” ثم جلست على الكرسي قرب النافذة، تنظر إلى الثياب وهي تتراقص في الضوء،كأنها تراه يضحك في الريح، يلوّح لها من البعيد. وفي المساء، حين خيّم الظلّ على الحبل، دخلت الغرفة وهمست لنفسها: “غدًا سأكويها، لا أحب أن يراها مجعّدة حين يأتي.” ثم نامت قرب النافذة، كما كانت تفعل حين يسافر. وضعت القميص المكوي على الكرسي المقابل، وأشعلت شمعة صغيرة أمامه، وقالت للظلّ المعلّق على الجدار: “أتعلم؟ كنتَ تعدني أن تعود قبل أن يبرد المساء…” ثم غفت، لكنّ النوم لم يكن نومًا… كان عبورًا خفيفًا بين الأرض والسماء. رأته يقترب من بعيد، بوجهٍ يشبه الصباح، يحمل بندقيته على كتفه، وثيابه جافة كما لو خرج تواً من الشمس. اقترب منها وقال مبتسمًا: “غسلتِها يا أمّي… رائحتها تشبه صدرك حين كنتُ صغيرًا.” مدّت يدها إليه، فلم تلمسه… كان شفافًا كالنور. قالت له بصوتٍ مرتجف: “انتظرتك كثيرًا يا ولدي… ظننتُ الطريق طال بك.” ابتسم وقال:“الطريق انتهى يا أمّي… ولكني جئتُ لأقول إنني ما زلت أسمع صوتك كلما غسلتِ القميص.” مدّ يده نحوها، كأنّه يمسح على شعرها، لكنها لم تشعر إلا بنسمةٍ باردة مرت على خدّها، ارتعشت، فتحت عينيها، فرأت القميص ما زال في موضعه… لكنّ زرًّا واحدًا كان هاربا من مكانه، كما كان يفعل هو دائمًا. ابتسمت… وضحكت خفية، وقالت للفراغ: “كعادتك، لا تعرف كيف تُغلق الأزرار…” ثم قامت، وعلّقت القميص في صدر الغرفة، وجعلته راية بيضاء في بيتٍ صغيرٍ خاض حربه وحده. ومنذ ذلك اليوم، كلما غسلت الثياب، كانت تتحدث إليه لا عن الحرب ولا عن الموت، بل عن الخبز، والريح، والجار الذي رمّم السور، كأنها تعلم أن الروح لا تموت… فقط تنتقل إلى مكانٍ لا يراه أحد. وفي الصباح، وجدها الجيران نائمة قرب النافذة، وفي حضنها القميص، وعلى شفتيها ابتسامة تشبه من رأى مَن ينتظر |
رد: غسلة الأُم الأخيرة ....
ببساطة أعلق ،،
هذه قصة أكثر بكثير من رائعة ،، بارك الله بك وبقلمك ،، ومنحك التوفيق والرضى ،، تحياتي لك ،، |
رد: غسلة الأُم الأخيرة ....
اقتباس:
|
رد: غسلة الأُم الأخيرة ....
أخي / عبد الكريم قاسم المكرم
حرف وأي حرف ! وأي بهاء ، وأي جمال ! سأثبت هذه البديعة وأعود إليها إن شاء الله .. لك التقدير والاحترام .. |
رد: غسلة الأُم الأخيرة ....
اقتباس:
|
رد: غسلة الأُم الأخيرة ....
للعقل أساليبه التحايلية عندما يرفض الواقع أو يعجز عن تقبله
وما أحلام اليقظة والهذيان إلا معادل نفسي للهروب من هذه الأزمة .. في القصة مشهد وحيد (أم ثكلى تغسل ثياب ابنها الراحل ) لكنه يصاغ من عدة جوانب .. كأننا أمام كاميرا تلتقط المشهد من زوايا مختلفة عن طريق تضييق زاوية الإلتقاط بعدسة مقربة في ( تخفض رأسها لتخفي دمعة تسقط في الماء الماء أصبح عكرا .......أثر يده يغيب مع الرغوة ) ومن قبل توسيع زاوية الالتقاط ( كانت تملأ الطست بالماء الفاتر ........ ) أي أن القصة تقوم على سارد وحيد يحمل كاميرته يحرك عدستها باحترافية .. يتخلل السرد حوار متخيل بين الشخصيتين الرئيسيتين والوحيدتين في القصة ولا أتخيل قصا ناجحا دون عنصر الحوار فبحسب ميخائيل باختين الحوار جوهر الأدب والحياة وهنا بالحوار اكتشفنا عمق المعاناة التي يكابدها قلب مفجوع بالفقد .. أم مكلومة تكاد تستنطق كل ما حولها من قميص وظل على الجدار .. وتستجدي كل ما حولها من ريح وشمس ونسيم أن يجيء ببعض أثر لذاك العزيز .. كان الكاتب بارعا في تجسيد الألم بهذه الصورة العميقة .. الوصفية كانت حاضرة بجماليتها ودقتها تحمل داخلها روح الكاتب ورهافته وحسه الدقيق في اختيار المفردات البليغة في وصف المكان من حبل الغسيل والكرسي قرب النافذة وحتى وصف الأم بوهنها وضعفها وذهولها .. ووصف الزمان من شمس وضوء يفتر ثم شمعة تتراقص أي أن المساء حل بعد شمس الغروب وكأن الكاتب هنا يصف عن طريق إرسال إشارات إلى الوعي الكامن أو إلى ما وراء الوعي يصف رحلة الإنسان عن طريق هذه الشمس تخبو شيئا فشيئا من نور إلى ضوء إلى حلكة نستعيض فيها بشمعة بها نزر من ضوء خافت يتلجلج كأنفاس تحتضر .. وأن ما بين برزخي العتمة والنور تولد أحداث وتكتب أقدار وقد تتحسس اليدان المرتعشتان وجها طالما تاقت إلى لمسه وتشتم رائحة كانت تتوسل إلى الريح أن تأتي بها .. قد تلتقي الروحان ، وتلتمع العينان بصورة تختلف عن المحسوس .. إذا انطفأت مع انطفاء شمعة الحياة التي كانت تكابد البقاء رغم انصهارها بفتيل حزن كان يأكل جوفها من الداخل .. المكرم ، أخي وأستاذي القدير / عبد الكريم قاسم .. كانت لغة مؤثرة وقصة تحمل بعدا إنسانيا عميقا تستجيش العواطف .. تقديري واحترامي .. |
رد: غسلة الأُم الأخيرة ....
راحيل الخير ،،
جميل وعميق ما كتبت ،، القصة تستحق الجهد، لا شك في ذلك ،، تحياتي ودعائي بالتوفيق ،، |
رد: غسلة الأُم الأخيرة ....
اقتباس:
كلماتك هذه تملأ قلبي امتنانًا، وأشعر أنني لم أكتب عبثًا، بل أن النص رافق من يراه ويفهمه بهذه الدقة والعمق. سعادتك بتفاصيل المشهد، وفهمك للكاميرا الروائية والحوارات المتخيلة، وتمعنك في الألم والرمزية، يعطيني شعورًا أن التعبير الأدبي حقًا يصل إلى من يقرأ بعين الاديب البارع . شكرًا لكِ على هذا الاهتمام الجميل وعلى تقديرك لرهافة الحس والروح التي حاولت نقلها. دمتِ بألف خير وخالص تحياتي اختي الغالية |
رد: غسلة الأُم الأخيرة ....
اقتباس:
|
رد: غسلة الأُم الأخيرة ....
اقتباس:
لم تبكِ… فقط أطبقت كفّيها على الهواء، كأنها تمسك آخر أنفاسه. ما أشدّ أن تفقد أمٌّ ولدها..مؤلمة جدا هذه الومضة وبديع منك التقاط هذه اللحظة الانسانية المؤثرة.. |
رد: غسلة الأُم الأخيرة ....
الطريق الذي دلّ عليه القلب
كلّ حكاية عن أمٍّ فقدت ولدها هي مرآة لامرأةٍ أخرى لم تتكلم بعد. قرأت “غسلة الأم الأخيرة”، فشعرت أنّ الكاتب لم يكتب عن الغياب، بل أيقظ الغياب فينا. هناك جروح لا تُقرأ، بل تعود لتتنفّس. وأنا، حين انتهيت من النص، تذكّرت امرأة من لحم هذه الأرض… كانت إحدى قريباتي، في زمنٍ كانت الريح تعرف أسماء الموتى قبل الناس. تلك الليلة، سمعنا في الجوار رشقات رصاص. الكلّ ظنّها بعيدة، إلا هي. رفعت رأسها عن الخبز الذي كانت تجهّزه، ونظرت إلى الباب كمن يسمع نداءً من جهةٍ لا يراها أحد. لم تنتظر خبراً، لم تسأل عن المكان. القلب هو الذي ناداها، خرجت بخطاها الصغيرة، وشالها الأسود يرفرف كراية تعرف وجه الريح. صاحوا خلفها: ــ “ارجعي، المنطقة خطيرة!” لكن الأم التي عرفت صوت ولدها في رحمها، تسمع الآن صوت موته في الهواء، فلا تعود إلى الوراء. كانت تمشي مثل نسمة حنان في الطريق الترابي، كأن الأرض تفتح صدرها لها، كأن الحصى يتراجع أمام وجعها. وعندما وصلت، كانت الرشقات قد صمتت، وكانت السماء مائلة نحو الغروب.. في تلك الايام، لم يكن هناك فرق بين الليل والنهار. رأته هناك، بثيابه العسكرية، وجهه مائل كأنه يستمع لآخر دعاءٍ من أمّه البعيدة. ركعت عنده، وضعت كفّها على صدره وقالت: ــ “كنتُ أعلم يا ولدي… قلبي سبقني إليك.” لم تبكِ، لأنّ الدموع أضيق من ذلك الحزن. لم تصرخ، فقط جلست صامتة، والريح تمرّ من حولها وتبكي نيابةً عنها. منذ تلك الليلة، كلّما سمعنا في القرية صوت رصاصٍ في البعيد، تضع النساء أيديهنّ على قلوبهنّ، لا خوفًا، بل انتظارًا لذلك النداء الخفيّ الذي لا يُخطئ طريقه أبدًا. إلى كلّ الأمهات اللواتي دلّهنّ القلب قبل الخبر، إلى اللواتي غسلن الغياب بالماء والدموع، سلامٌ عليكنّ… أنتم الطريق الذي لم ينتهِ بعد. |
رد: غسلة الأُم الأخيرة ....
الأديب الأريب عبدالكريم قاسم ، حين يكتب القلب، تصمت اللغة إجلالًا، وحين يغسل الحرف وجع الفقد، تتطهر الأرواح من غبار الغياب. قصة "غسلة الأم الأخيرة" صلاةٌ تُرتّلها الأمهات في محراب الانتظار، كل سطرٍ فيها كان دمعةً مؤجلة، وكل جملةٍ كانت نداءً لا يسمعه إلا من فقد. لقد نسجتَ من الحنين قميصًا، ومن التراب ذاكرة، ومن الريح وعدًا لا يخبو، فكان النص مرآةً للروح، ومحرابًا للغائبين الذين لا يموتون في قلوب أمهاتهم. دمتَ مبدعًا لا يكتب إلا من نبض الحقيقة، وساردًا يعرف كيف يُنطق الصمت، ويُلبس الغياب وشاح الضوء. |
| الساعة الآن 02:15 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط