بقلم/ هشام النجار
قالها نابليون بونابرت القائد الفرنسي الشهير قديماً.. فأخطر تحد يواجه المنتصر هي لحظة الانتصار.. تلك هي النقطة الفارقة.. فإن أحسن استغلالها وتصرف أثناءها بحكمة وموضوعية ووعي.. وإلا فإن غمرة الانتصار وسكرة التفوق ونشوة الظهور ستطيح به وبما قدم من انجازات.
انتصرت الحركة الإسلامية.. وهذا ليس معناه أننا ربحنا المواجهة وأنهينا الصراع وقدمنا كل ما لدينا وحققنا جميع أهدافنا.. فلا يزال الطريق أمامنا شاقاً جداً وطويلاً .
انتصرت الحركة الإسلامية في موقعة الرئاسة.. ووصل أحد رموزها إلى أعلى مناصب الدولة.. وإلى كرسي الرئاسة بما يمثله من ثقل وما له من إبهار.. وهذا ليس معناه أننا نكف عن العمل وعن السعي والكفاح والبذل والعطاء.. وأن نعتمد على أوامر الرئيس وإشاراته التي ستصدر بلا شك لصالحنا!!
ليس معناه أننا نقوم سريعاً بعملية إحلال وإبدال.. فنجلس مكان السادة القدامى في المكاتب المكيفة.. وندور على استوديوهات الفضائيات لتسلط علينا الأضواء.. ونفرح بالمناصب الرفيعة والحقائب الوزارية.. وتنعش غرورنا الوجاهة الاجتماعية !!
بل المفترض علينا - إن كنا نعى بالفعل ثقل المسئولية وحساسية المرحلة التاريخية - أن ننسى كل ذلك ونتخفف من كل ذلك.. وأن نعود أقل تواضعاً وأكثر زهداً وتجرداً مما مضى .
وأن نلتحم بالناس.. نستنشق هواءهم ونأكل طعامهم ونرتدي ثيابهم.. وتلتقط الكاميرات الصور فلا نخرج في المشهد مختلفين عنهم في شيء.. فهذا ليس أوان الجلوس في المكاتب والتأنق في البذلات الثمينة والسيارات الفارهة.. بل أوان النزول إلى الشوارع للعمل مع البسطاء والكادحين.
أنا لا أخشى على هذا النصر من أحد أكثر من خشيتي من أنفسنا عليه .
تعالوا نطل سريعاً على التجربة التونسية.. وسؤالي هو:
هل سيتكرر ما حدث من التيار والحركات السلفية التونسية مع تجربة حركة النهضة في الحكم.. في مصر مع السلفيين والإخوان؟!!
إنه سؤال مشروع.. خاصة وأن المجلس العسكري سيعتمد في الأساس في المرحلة القادمة على هذا التفاوت بين المطالب وحدود المتاح لدى الرئيس الجديد ليقدمه لمختلف التيارات والقوى السياسية.. وفى مقدمتها القوى الإسلامية الأكثر راديكالية بالمقارنة مع الإخوان – إن صح التعبير – والتي ساهمت بالدور الأكبر في صعود الدكتور مرسى إلى سدة الرئاسة.
لا شك ستكون هناك عقبات كثيرة وعوائق كبيرة لإظهار ما ينجزه الرئيس الجديد أقل بكثير من سقف طموحات عموم الحركة الإسلامية.. تلك التي وصلت أثناء التحضير لجولة الإعادة إلى مستوى قد يدركه بعد زمن الرئيس الإسلامي العاشر بعد مرسى.. وليس الرئيس الإسلامي الأول!
فهل سيصبر سلفيو مصر وهل ستتحلى الحركة الإسلامية بمصر بالحكمة.. أم أنهم سيكررون أخطاء السلفيين في تونس.. مطالبين الإخوان والرئيس الإسلامي بالخلافة الآن، والحدود الآن، وفتح القدس الآن، ومنع جميع المنكرات الآن .. الخ؟؟!!
هذا ما أخشاه في مصر.. أن تتحول الحركة الإسلامية والتيار السلفي إلى عائق ونقطة ضعف للرئيس الجديد.. بدلاً من أن تكون عامل قوة.. تساند القوة الناشئة وتدعمها وتحميها.. مدركة حجم التحديات التي تواجهها .
في تونس نسوا أن من بذر البذرة الأولى للثورة ليس إسلامياً.. وقد جاد بنفسه وأحرق جسده ليس للمطالبة بالشريعة والخلافة.. إنما لأسباب اجتماعية قاسية يحياها آلاف الشباب الفقراء والعاطلون في الوطن العربي.
محمد البوعزيزى البائع المتجول التونسي الذي أحرق جسده في ديسمبر عام 21010م يرجع إليه فضل الثورة.. ليس في تونس وحدها.. إنما في تونس ومصر وليبيا وسوريا.. وبعدها انتزع الشعب سلطة الحكم من الشموليين المستبدين ووضعوه أمانة في أعناق الإسلاميين في مصر وتونس والمغرب وليبيا.. وما أثقلها من أمانة.
علينا أن نتعلم من دروس الماضي.. وندرك جيداً فداحة الخطب وخطورة المرحلة وعظم الاختبار.. فالجماهير قد تصبر مرة وتعطى فرصة مرة ومرتين.. لكنها لا تصبر كل الوقت.. وقد تسارعت لديها وتيرة التغيير والقابلية للثورة وانفجار الغضب.. فلم تعد بالسنوات إنما بالشهور.
عليهم أن يدركوا أن تيمة الثورة قد عُرفت وحُفظت علامة وماركة مسجلة باسم محمد البوعزيزي وخالد سعيد.. وهما بالأساس لا ينتميان إلى التيار الإسلامي أو إلى فكر أية حركة إسلامية.
عليهم أن يعترفوا بأنهم أخطأوا كثيراً جداً طوال الفترة الماضية لحداثة عهدهم بالسياسة.. ولخروج مشروعهم السياسي من رحم المشروع الدعوي.. الذي يختلف تماماً في أولوياته وأبجدياته وخطابه وأهدافه عن المشروع السياسي.. مما أدى إلى اضطراب المواقف وارتباك الخطاب وارتكاب أخطاء فادحة.. خصمت من رصيد الإسلاميين الشعبي.
أخطأوا في الثقة المفرطة تجاه المؤسسة العسكرية مما ساهم في تفكك الحالة الثورية قبل أن تعود إلى توهجها وألقها مع انتخابات الرئاسة.. لتنطلق الثورة الثانية المكملة لأسباب قدرية أخرى متعلقة بالخوف من عودة الاستبداد والحكم الديكتاتوري.. ليصلح الإسلاميون في الحالتين هم المحضن والملجأ والملاذ.. وليسوا نقطة الانطلاق.
أخطأوا في التلكؤ في مسألة تطهير مؤسسات الدولة من الرموز الفاسدة المرتبطة بالنظام السابق.. والظن بأن الانتخابات هي الحل الوحيد.. مما كرس من الخسائر في اتجاه الاستقطاب الأيديولوجي والانقسام الثوري.
أخطأوا في الحديث المتسرع المتعجل عن أهداف مؤجلة كبيرة لا تعلن عنها إلا قوة إقليمية متوازنة لها مكانتها المرهوبة وكلمتها المسموعة.. مما أدى إلى النظر المبكر لها كخطر على التوازنات الإقليمية والدولية القائمة.. وليس كشريك يمكن قبوله من حيث المبدأ في المعادلة.
أخطأوا في إقصاء الشباب الثوري والقوى الثورية التي كان لها الدور الأول والأهم في الثورة.. وكان لهم نصيب الأسد من التضحيات.. ورغم ذلك لم يحصلوا على شيء من المغانم والامتيازات .
هذا أراه السبب الأكبر – مع الفشل في طمأنة الكثير من التيارات والطوائف والقوى - في النسب المتقاربة في نتيجة الانتخابات الرئاسية في الجولة الحاسمة.. لأن نخباً غير محسوبة على الإسلاميين وليست مرتبطة بالنظام السابق أعطت منافس مرشح الثورة والإسلاميين صوتها خوفاً من الإقصاء وخطر الانفراد بالسلطة.. الذي قرأت بوادره فيما حدث مع الشباب والقوى الثورية .. مما أظهر الإسلاميين – مع حملة التشويه الإعلامي – كأعداء للديمقراطية وكخطر ماحق على الدولة المدنية.
الإسلاميون أولاً وأخيراً بشر يخطئون ويصيبون وليسوا ملائكة معصومين.. لكن الأخطاء في المرحلة القادمة ثمنها أغلى وأفدح.
فلا يكونوا عوناً لغيرهم على أنفسهم.. ولا ينساقوا إلى ارتكاب أخطاء صغيرة وتافهة يتمناها لهم خصومهم لتضخيمها واللعب عليها.. وإحراز المكاسب المجانية بها.
ليكونوا أكثر وعياً وإدراكاً بخطورة وأهمية الفترة التاريخية التي نمر بها.. تلك التي لا تتكرر كثيراً في التاريخ الإنساني.. والتي سيصل تأثيرها إلى كل بيت عربي.. وسيمتد عبر عقود قادمة.
لا تأخذهم العزة بالنصر.. ولا تغرهم قوتهم وكثرتهم.. وحضورهم الجماهيري الطاغي.
لا يجعلونا نتذكر حين نذكرهم ما قاله أبو حامد الغزالي في الإحياء:
"إن آخر ما يخرج من قلوب الصالحين حب الرئاسة "
بل ليجبروننا على تذكر ذلك العبد الذي وعده رسول الله بمنزلة رفيعة في الجنة مقابل المنزلة والمنصب الرفيع الذي تنازل عنه في الدنيا تقديماً للمصلحة العامة:
" طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة " ليتواضعوا وليصبروا وليكونوا أكثر ذكاءً ورشداً وحكمة.. فان أخطاء المرحلة القامة قاتلة.
الأربعاء الموافق:
7-8-1433هـ
27-6-2012م