حين يولد الواحد منا , ويبدأ بالتعرف على من حوله , ثم يخرج إلى الشارع والمدرسة , فتتسع دوائر معرفته وتزداد خبراته , وبالتالي فإنه يكون أشبه بمن دخل على قاعة كبيرة مظلمة , ومملؤة بالأشياء المبعثرة والصناديق والمقفلة , والألات المعقدة إنه يجد نفسه خالي الذهن من أي معرفة سابقة حول كل ما يراه , كما قال سبحانه : ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ) . إنه يشعر أن لديه ألوف الأسئلة لا يملك لها أي جواب , ومن خلال العيش الطويل في تلك القاعة يتعرف على الأشياء البسيطة , ثم تمتد يده ليفتح بعض الصناديق , ويقّلب بعض الألات ... ومن خلال الاحتكاك بالناس واستخدام الأشياء يكشف الكثير مما حوله , لكنه يشعر بعد طول الإقامة والمعايشة أن هناك أشياء كثيرة , لا يعرف عنها أي شيء , هكذا نحن , نحاول اكتشاف أنفسنا واكتشاف الناس من حولنا , كما نحاول فهم سنن الوجود وفهم واجباتنا والتحديات التي تواجهنا , لكن سنخرج أيضا من هذه الدنيا ولدينا أمور كثيرة غامضة وأسئلة حائرة , كما قال الله عز وجل : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) .
ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لنا , إنه يعني الآتي :
- الأصل في الإنسان أن يكون جاهلا ً إلا إذا تعلّم .
- علينا ان نتواضع , وحبذا أن يكون تواضعنا على قدر جهلنا !
- نحن على قدر ما نعرف ومانتقن , وكلما زاد ما نعرفه , وما نتقنه ارتفعت منزلتنا وتحققت أهدافنا وكما قال أمير المؤمنين علي : ( قيمة المرء ما يحسنه ) .
- ما دمنا لا نعرف كل شيء , ولم نحط بكل شيء , فإن علينا إلا نصدر أحكاما ً على الأحداث حتى تنتهي .
- هناك أمور كثيرة ستكون معرفتنا بها جزئية أو سطحية ونحتاج إلى التعمق فيها , وهذا لا يكون إلا من خلال امتلاكنا لعقل مفتوح وروح متعطشة إلى المعرفة .