البكاء أمام صندوق قديم
 |
|
 |
|
أدخلُ في " يطّـا " (1)
تدخُلُني " يطّـا "
كيف توغّلْنـا
في عُشبةِ هذا اللّيلِ
وأصبحنا غُرَبا ؟!
يطّـا .. يطّـا ..
جرحٌ يَنْزِفُ من خاصرتي
سربٌ من " أُمّ سليمانَ " (2) المنقوشةِ
مثل الوشمِ
على وجه الغسقِ المذبوحِ بعيداً
فوق " المتوسّطِ "
وهْوَ يفجّرُ في الأفْقِ الغضَبا ..
كان البرُّ يُناديني
ينزعُني من دفْءِ فراشي
في الأصباحِ المقرورةِ مثل عظامي
( تلكَ شتاءاتٌ لا تُنسى
ما زالتْ تَمطُرُني كلَّ صباحٍ
وتذوّبُني في الطّينِ الدّمويّ ؛
لأحيــا )
مغموراً بالرّائحةِ البِكْرِ
وأنفاسِ الشّجرِ الغافي
أقفزُ خلفَ البغْلةِ
كالجندُبِ
أمّي خلفي تسحبُ عنزتَها
والعنزَةُ في غفلَتِها
تتلكّأُ عندَ رؤوسِ العشبِ النّابتِ ،
أوْ تتمترسُ في الأرضِ كجلمودِ الحَجَرِ
نصعدُ في الجبل الأجردِ ..
نهبطُ في الصّمتِ الْمُنحَدِرِ
ونُكوّرُ للشّمسِ شموساً أخرى
(( ندْحَلُها )) كغزالاتٍ ترعى
فتجيءُ بشاراتُ الموسمِ في الغيمَةِ
إذ ترصُدُها أمّي :
(( الغيلانُ تُذرّي أرمدةَ القتلى
الغيلانُ ثآليلُ الأرضِ ،
مراسمُ دفنِ الموتى
في الغيمةِ - يا حُبّي - مطرٌ
تشربُهُ الغيلانُ
فَمَنْ للقبّرةِ الهائمةِ العطشى ؟!
مَنْ للأرنبةِ النُّفَساءِ الجوْعى ؟! ))
***
الغيمةُ بكْماءُ كقرْبَةِ أمّي
وأنا أشربُ دمدمَةَ المرعى :
أتُراها قد سحبَتْ بُشراها الغيمةُ ؟!
أمْ أنَّ جنودَ الخوفِ انتشروا
في ردهات القلبِ المشطورِ
بعربدةِ الهمجِ الوحشيّةِ ؟
أمْ ماذا ؟! ..
ليس لنا
إلاّ أن نغمِدَ في ثدْيِ الأرضِ
أصابعَنـا
دمُها يطفحُ بالنّشوةِ
يغمُرُها أو يغمُرُنا
لكنّ المحراثَ يُواصلُ لعبَتَهُ
شَبِقاً كوعولِ البرّيّةِ
منذوراً لإناث الخِصْبِ بمملكةِ الشّهوةِ –
والبغلةُ ترجفُ من سطوتِهِ
ليس لها أن تحبلَ أو تَلِدَ الجبلا (3)
ليسَ لها من شهوتِها
إلاّ أن تحمِلَها كالجمْرَةِ
تنفُخُ فيها الرّيحُ بلا جدوى !!
نستلقي الآنَ على ظهرَيْنا
تُسكرُنا مشمشةُ التّعبِ المغموسَةِ
بالعرقِ المتفصّدِ من صُدْغَيْنا
ويقومُ أبي من رقدَتِهِ
ليجيءَ إلينا
بدُخان سجائرهِ " الهيشي "
أعرفُ ..
أعرفُ يا أمّي
كم تفتقدينَ عذوبةَ عينيهِ ،
وكمْ ترتحلينَ إلى سُمرَةِ زندَيْهِ
بِهسهسةِ التّرتَرِ في ثوبِ العُرسِ ،
وحنّاءِ يديْكِ الباهي ،
وخلاخيل الفضّةِ، والأقراطْ ..
أعرفُ يا أمّي
سرَّ وشاح الحزنِ
وكُنْهَ قناعِ الصّمتِ
فضُمّيني
ضُمّيني يا أمّي ضُمّيني
فأنا بعضٌ من غمرَتِهِ الأولى
أنمو في ذكرى شفتيهِ .. فضمّيني
وأنا مثلُكِ أتشظّى بالصّمتِ
فلُمّيني
واحتضنيني احتضنيني
كي أخرجَ يا أمّي من شرنقتي
لفضاء اللهِ اللامتناهي
كي أحلبَ يا أمّي
لبنَ العصفورةِ في جمجمةِ الجوعِ ،
وأستلَّ من الصّخرةِ قُوتي !!
***
كانَ أبي صوفيّاً يدّخرُ التّسبيحَ
وحُبَّ النّاسِ ،
ويبذُرُ كلَّ فَلاةٍ
كنبيٍّ موكولٍ بنباتِ الأرضِ وطيرِ البرِّ ،
وكانَ يُخبّئُ ما شاءَ من الأنجُمِ والأقمارِ
لسوسنةِ الرّوحِ ؛
فتأوي لعروقِ يديْهِ ينابيعُ الأُلفةِ
والصّلواتُ
ونوّارُ اللّوزِ
وأزهارُ الرّمّانْ .
كانَ أبي بحراً من نعناعٍ وشمندرْ
فلماذا حينَ تعلّمْتُ العومَ تبخّرْ ؟!
ورماني بالملحِ .. وكبّرْ ؟! ..
ولماذا حين لجأْتُ إلى الملحِ .. تبعثرْ ؟!
وتذرّى ذرّاتٍ ذرّاتٍ
كيما يتماهى في كلِّ صنوبرةٍ
تنطحُ بطنَ اللّيلِ
لينسابَ اللّيلُ نعاساً وكوابيسَ ،
فأنساب نعاساً وكوابيسَ :
(( تخاصمْتُ مع النّجمةِ والجذْوةِ
فاحترَقَتْ أهدابي
وجَثا ( الرّابوصُ ) بكلْكَلِهِ
فوقَ ضلوعي
يغزلُ للغولةِ معطفَها الشّتويَّ ،
ويوقدُ في عينيهِ النّارَ ؛
ليشوِيَ قلبي قرباناً
حينَ تؤوبُ الغولةُ من جولتِها اللّليّةِ
مُدْماةَ الشّفتيْنِ ،
تتوقُ لفاكهةِ اللّحمِ البشريِّ .. ))
وأصحو ..
أصحو مسلوباً دون دمي
تُفزعُني همهمةُ الرّيحِ وراءَ البابِ الموصَدِ
تطرُقُهُ " العلاّكاتُ " (4) بأظلافٍ جارحةٍ
وقرونٍ كقرونِ الأكباشِ الجبليّةِ ..
غاضبةً تدهمُني العلاّكاتُ
وتصرخُ في وجهي ..
أينَ أُواري وجهي ؟!
أينَ أفرُّ بجِلْدي ؟!
سَبَحَتْ في السّقْفِ الطّينيِّ ملايينُ الحيّاتِ
وراحتْ تتدلّى
تتدلّى
تتدلّى
أرتدُّ إلى صوتي
إذ أطعنُ صمتَ اللّيلِ :
- أبي .. أمّي أمّي !![/SIZE] |
|
 |
|
 |
=================================
الهوامش :
(1) : يطّا : بلدة فلسطينيّة تقع جنوب مدينة الخليل .
(2) : أم سليمان : حشرة ربيعيّة حمراء أو خمريّة موشومة بنقط سوداء ( الدّعسوقة ) .
(3) : في المعتقد الشعبي القديم أنّ البغلة لو حملت فستلد صخرة، وأنّ هذه الصّخرة ستظل تنمو وتكبر حتّى تصبح جبلاً .
(4) : العلاّكات : في الأساطير الشعبيّة الفلسطينيّة : كائنات خرافيّة تظهر للمستوحدين الخائفين لإفزاعهم وبثّ المزيد من الرّعب في قلوبِهم .