المشهد الثقافي العراقي بعد خمس سنوات على الاحتلال

المثقف العراقي مهمش والثقافة آخر اولويات الحكومة العراقية
المشهد الثقافي العراقي بعد مرور خمس سنوات على الاحتلال
السبتي: اعمال المثقف العراقي داخل العراق خجولة ودوره مهمش
أزمة الثقافة في العراق هي ازمة وطن محتل لا يعرف اليوم سوى ثقافة القتل والتهديد والوعيد
الزبيدي: ما زال دور المثقف العراقي ضعيفاً ولم يرتق الى مستوى المقاومة
زمن العقيلي
بعد ان تسابقت امريكا وحليفاتها على تمزيق جسد العراق واستنزافه على مختلف الاصعدة محاولةً نحر مجده. ضمن سلسلة من الخراب والتفتيت.
وقد شملت طبقة المثقفين والمشهد الثقافي بالمجمل ضمن لوائح الدمار التي صارت من ميزات عراق ما بعد الاحتلال.
فأصبح الواقع الثقافي العراقي الراهن يوصف بأن له دورا مهمشا تماماً على صعيد الساحة العراقية.
والحكومة العراقية قد أثبتت أنها استخدمت في كثير من الأحيان أساليب لا تراعي حق المثقف العراقي.
وبهذا فان الثقافة العراقية ربما هي من اكثر الثقافات في العالم التي مرت وما زالت تمر بمراحل مختلفة ومتقلبة وتتعرض لهزات عنيفة في كل عقد تقريباً منذ أن وجد العراق على هذه الأرض.
وقد ذكر تقرير سابق لمنظمة »كتاب بلا حدود« وصفت به وضع المثقف العراقي والوضع الثقافي والإعلامي في العراق بعد سنوات على احتلال العراق, بـ "الواقع المشوه من جانب, والمهزوم من الداخل من الجانب الآخر, والمفتت في مستوى البناء الثقافي الحقيقي من الجانب الثالث, وجاء هذا التشوه الذي نال المشهد الثقافي العراقي بفعل أطراف عدة تمثلت في المثقف, والمؤسسات الثقافية, والأحزاب السياسية, والاحتلال".
جاء ذلك في التقرير الذي أصدرته المنظمة في عشرات الصفحات,, حيث تناول حقيقة الوضع المتردي الذي يعيشه الوسط الثقافي والأدبي والإعلامي العراقي, والذي يئن تحت وطأة حملة شديدة من التصفيات الجسدية وأعمال الاختطاف والاضطهاد والاعتقال والتهديد والابتزاز بشكل يؤدي إلى استحالة قيامه بمهامه الحضارية.
وحاول فريق البحث من خلال التقرير تسليط الضوء على معاناة الوسط الثقافي نتيجة وقوعه بين القوى المتخاصمة في العراق والاحتلال. وهو وضع -حسب التقرير- شاركت في مسؤولية قيامه بشكل أساسي قوات التحالف الدولي والتي تقر الأمم المتحدة أنها قوات احتلال, وبالتالي تقع عليها مهمة حماية الشعب العراقي بأكمله, إضافة إلى بعض القوى السرية التي تعمل على شق وحدة الصف العراقي.
ودعا التقرير إلى تحرير الثقافة من السياسة, أما المؤسسات الثقافية والأكاديمية فقد دمرت أو أوكلت إداراتها إلى أشخاص غير أكفاء. أما المحتل فإن الشواهد تؤكد عدم قيامه بأية جهود للإسهام في إعادة بناء المشهد الثقافي, وكل ما سعى إليه هو ربط بعض المثقفين بعجلته البراغماتية, ليمارس المثقف دور المروج الإعلامي والسياسي للاحتلال وثقافته.
هذا ما اكده عدد من المثقفين العراقيين من داخل وخارج العراق الذين تحدثوا مع »العرب اليوم« عن ذلك:
يقول الفنان التشكيلي العراقي قاسم السبتي عن وضع المثقف الحالي داخل العراق مشيراً, ان واحدا من الامور التي تستغرب هو ان العراق الذي كان هو دوماً ملهم الحضارات لا يملك الان ساحة لتحرك المثقف العراقي فلا يملك العراق اليوم الا قاعة عرض واحدة للفن التشكيلي ألا وهي قاعة حوار. ويضيف السبتي متحدثاً بغضب عن الحكومة العراقية بقوله انه من المخجل على الحكومة العراقية التي تهدر المليارات منذ خمس سنوات ان تترك المثقفين العراقيين يغادرون العراق طلباً للامن. ويضيف بأن اعمال المثقف داخل العراق هي اعمال خجولة ولا تقارن بمستوى ابداع العراقي.
كما واشار السبتي الى ان ازمة الثقافة في العراق هي ازمة وطن محتل لا يعرف اليوم سوى ثقافة القتل والتهديد والوعيد التي بدأت تطرز بنياشين الاذى والموت.وان عشرات من المنظمات الثقافية التي تضم كل نقابات الفنانين والشعراء والخطاطين والمصورين وغيرهم تعاني اليوم من الاهمال والركود رغم انها تضم ما يعادل عشرين الف مبدع عراقي نصفهم هاجر ومن بقي منهم فمن دون اي معونة حكومية.
ولقد كان المثقفون العراقيون في الماضي يقدم لهم الدعم والتشجيع الدائم, اما الان وفي زمن الديمقراطية الامريكية وديمقراطية اسرائيل وايران الذين اجتمعوا جميعاً على جسد العراق فالمثقف العراقي منزو تماماً ودوره مهمش.
وقد شارك السبتي الرأي المحلل السياسي والاعلامي وليد الزبيدي بقوله متحدثاً عن المثقفين العراقيين: بأن المثقفين ينقسمون الى ثلاث فئات منهم من سار مع ركب الاحتلال وخدمه وهناك من انزوى اما خوفاً من التصفيات او بسبب عدم وضوح الرؤية على الاقل في السنة الاولى من الاحتلال اما الفئة الثالثة فقد اظهرت موقفاً حازماً ضد الاحتلال.
ويضيف الزبيدي اما الخلاصة الان فهي باعتقادي أن من انزوى من المثقفين العراقيين يفترض ان يعود الان لقول الكلمة وتأدية الدور الوطني بعد انكشاف الحقائق.
كما اشار بحديثه الى ان القلة ممن تمسكوا بالموقف الوطني وساروا بذلك الطريق كانوا نموذجاً حذى حذوه الكثيرون حيث التحق بهذا الركب العشرات من المثقفين وهذا يعود الى مدى فشل المشروع الامريكي فقد تمكنت قوة سلاح المثقف من هزيمة الدبابة الامريكية.
ويلتفت الزبيدي بحديثه أن هناك نقطة جديرة بالاهتمام اعتمد عليها الاحتلال في بداية مشروعه عندما جاء ببعض الشيوعيين ووظفهم في واجهة المشهد العراقي الثقافي الرسمي افتراضاً منه انهم سيكونون مسوّقين لخطاب الاحتلال الامريكي
واعطيت لهم المفاصل المهمة في المشهد الثقافي العراقي لكن هذا الجهد فشل ايضاً لسببين الاول هو ان الارضية الثقافية العراقية تستند الى الكثير من الرصانة والموضوعية وتتعامل مع المتغيرات بوعي حتى في احلك الظروف كتلك التي مر بها العراق والعامل الثاني ان المشروع الامريكي في العراق سرعان ما اتضحت اوراقه لمجرد ان بدأت هزائمه العسكرية امام المقاومة في العراق فاضطر الكثيرون الذين انبهروا بالبهرجة الامريكية باجراء مراجعات لاكتشاف ان ما يهدف اليه الامريكيون ابعد بكثير من الذي تحاول فعله الدبابة الامريكية وهناك مرتكز اساس لتفتيت البنية التعليمية والثقافية للعراق واتضح ذلك بجلاء خلال السنتين الاخيرتين لكن رغم ذلك ما زال دور المثقف العراقي ضعيفاً ولم يرتق الى مستوى المقاوم الذي حقق انجازاً عسكرياً يتجاوز التسعين بالمئة على طريق اجلاء الاحتلال من ارض الوطن.
ويعود السبتي للحديث عن مدى معاناة المثقف العراقي واضعاً نفسه كمثل لذلك بقوله: ان على صعيد مساهماتي الشخصية كان لدي مشروع استعادة الاعمال الفنية وتأهيل معهد الفنون حيث قمت بالتبرع بأعمال مقدارها خمسة وعشرون عملا من اعمال رواد الفن العراقي وكبار فنانيه التشكيليين وكنت قد طالبت الحكومة العراقية بتمويلي بمبلغ بسيط فقط لشراء اعمال اخرى لفنانين عراقيين تباع خارج العراق من اجل اعادتها الى المتحف الفني العراقي لكن ليس هناك من مجيب ولا حياة لمن تنادي فوزير الثقافة العراقي يصرف ما يعادل احد عشر مليونا فقط على حراسته الشخصية وانا اطالبهم بثمن خمسين عملا فنيا لخمسين فنانا تشكيليا عراقيا ولا احد يبالي من قبل الحكومة العراقية.
وبهذا يمكننا القول بعد حديث المثقفين العراقيين بأن الإرث الثقافي ليس كلمة في الفضاء تلهو بها الريح أو تستقر بالمصادفة, إنما هي نتاج مزدوج من العديد من العوامل عبر الحقب الزمنية ولا يمكن ان تباد بسهولة وخاصة اذا كانت ثقافة شعب له تاريخه العريق مثل العراق.
لكن هذا لا يمنع ان يكون إرث العراق وآثاره ضمن الخطر الذي يهدد العراق بالمجمل حيث صرح مؤخراً الخبير الهولندي بالاثار عن آثار العراق وتراثه: إن آثار ما قبل الإسلام تم مؤخراً اعتبارها"أوثاناً". وهذا ما سيلحق أضراراً هائلة بالآثار الواقعة في محافظة ذي قار مثلاً, وهي محافظة تضم آثاراً يمتد تاريخها من عام 3200 قبل الميلاد وحتى عام 500 بعد الميلاد.
ورغم ان العراق عُرِف بأنه موئل الكتاب وسوقهم, إذ أنَّ العراقي شغوف بالقراءة حتى انه لا يكتفي بمنتجه المعرفي على الرغم من تنوعه بل اتجه دائما لقراءة النتاج الثقافي الإنساني وهذا ما جعل المكتبة العراقية غنية دائما وممتلئة بأنواع الكتب التي تصدر في محيطه سواء القريب او البعيد...
وليس غريبا على العراقي بأطيافه ولغاته القومية المتعددة مثل هذا الأمر فهو سليل أجيال أسَّست أول مدرسة وكتبت أول حرف وبَنَت أول مكتبة وكانت عاصمة عالمية للمعرفة حيث زمن دار الحكمة والجامعة المستنصرية..
ولقد اعتنى العراقيون بسوق الكتب وبمكتباتهم العامة والخاصة والشخصية.. لكنَّ ذلك لم يكن إلا مفردة بين مفردات الحركة الثقافية لديه.
المصدر: جريدة "العرب اليوم".
بتاريخ: 7 أبريل 2008
منقول دون تصرّف من طرف إديري