السلام عليكم
أقدّم لكم هذه الدراسة الهامّة على حلقات--
عسى أن تجدوا فيها فائدة-- وهي للدكتور
. ياسين جاسم المحيمد
أستاذ النحو والصرف وعلوم القرآن المشارك
جامعة الإيمان - صنعاء
---------------------------------------------------------------
المقدّمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، وبعد :
يَسّرَ الله لي أن أقرأ تفسير ابن عطية كلمة كلمة ، أثناء كتابة أطروحتي للدكتوراه التي كان موضوعها : (الدراسات النحوية في تفسير ابن عطية) ، وقد اطلعت على جميع طبعات هذا السفر العظيم ، وكنت قد أفدت فائدة عظيمة من طبعة قطر ، التي طبعت على نفقة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر ، حيث اهتم هذا الرجل بخدمة تراث أمتنا الإسلامية ، فجزاه الله عنا خير الجزاء .
أقول وبالله التوفيق : لقد هيأ ابن عطية لنفسه ما ينبغي أن يتوافر من معارف وعلوم وإمكانات، فيمن يتصدى لتفسير نصوص الكتاب الحكيم ، فأعد نفسه لشرف هذه المهمة ، علماً واطلاعاً وفضلاً .
ولقد كان لهذا الإعداد - فضلاً عما كان لذوقه الأدبي اللغوي ، وأسلوبه الرائق - أثره البين في براعته اللغوية ، وتمكنه من معالجة مسائل اللغة وهو يتصدى لمهمة التفسير . ظهر ذلك جلياً في تحليله العميق للألفاظ ، ومعرفته باشتقاقها ، وذكره لجميع الأوجه والاحتمالات اللغوية ، وهو يناقش الآراء المتعلقة بمسائلها ، في سياق عرضه للأقوال والتأويلات الواردة في آيات القرآن الكريم .
ولم يخرج ابن عطية في عمله اللغوي في التفسير عن نطاق أقوال العلماء وتأويلاتهم ، وإن لوحظ عليه أنه يحاول لماماً ، الإفلات مما اختطه لنفسه من منهج لغوي في حالات متفاوتة ومتباعدة ، مما يمكن أن يؤخذ عليه .
وربما تكون حالات الخروج اليسيرة عن منهجه محاولة لإثبات قدراته ، وعرض إمكاناته اللغوية. ومن هذه المآخذ ذكره لشواهد عربية ، لإثبات معان تدور حول لفظ واحد ، يبدو من ورائها أن البحث لغوي لا علاقة لـه مطلقاً بالغرض الأساسي ، وذكر تحليلات صرفية كثيرة ، كان يمكنه الاستغناء عنها ، لكنه عالم راسخ في العلم . فأراد أن يفرغ هذه الإمكانات والقدرات في التفسير .
[line]
وإليك أهم السمات التي امتاز بها منهجه اللغوي :
أ - تتبع مظاهر التركيب اللغوي في الآيات الكريمة : حيث قام بتحليل كثير من الأساليب النحوية كالاستفهام والنداء ، يقول في تفسيره للآية الكريمة :
فأتوا حرثكم أنى شئتم ( ) يقول : (وأنى) إنما تجيء سؤالاً أو إخباراً عن أمر لـه جهات ، فهي أعم في اللغة من " كيف " ومن " أين " ومن " متى " ، هذا هو الاستعمال العربي ، وقد فسر الناس " أنى " في هذه الآية بهذه الألفاظ ، وفسره سيبويه بـ )كيف) ( ) .
ويقول في تفسيره للآية الكريمة … قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها ( ) : (ونداء الحسرة على تعظيم الأمر وتشنيعه ، قال سيبويه : وكأن الذي ينادي الحسرة أو العجب أو السرور أو الويل يقول : قربي أو احضري ، فهذا وقتك ، وفي ذلك تعظيم للأمر على نفس المتكلم ، وهذا التعظيم على النفس والسامع هو المقصود أيضاً بنداء الجمادات ، كقولك : يا دار ويا ريح) ( ) .
ب - الاهتمام بذكر اللغات الواردة في اللفظ ، أو تبيان أصول اللغة التي استشهد فيها بهذا اللفظ : يقول في تفسيره للآية الكريمة : وكأين من نبي قاتل معه ربيون ( ) : ( ... وفي " كأيّن " أربع لغات : كأيّن ، على وزن " كعين " بتشديد الياء المكسورة ، وبفتح العين " وكاين " على وزن " كاعن " وكأين على وزن " كعين " ، بكسر العين وأكثر ما استعملت العرب في أشعارها التي على وزن " كاعن " ، فمن ذلك قول الشاعر :
وكـائن رددنا عـنكم من مدجّجٍ
يجيء أمام القوم يَرْدي مقنّعا ( )
وقال جرير :
وكائن بالأباطح من صديق
يراني لو أصبت هو المصابا ( )
وقال آخر :
وكائِنْ ترى من صامتٍ لك معجبٍ
زيـادتُه أو نقصُه فـي التّكلّم ( )
وقد جاء في اللغة التي ذكرتها أولاً قول الشاعر :
وكأيّن في المعاشر من أناس
أخوهم فوقهم وهم كرام ( )
وهذه اللغة هي أصل هذه اللفظة ، لأنها كاف التشبيه ، دخلت على " أي "... وصرفت العرب " كأين " في معنى " كم " التي هي للتكثير ، وكثر استعمالهم للفظة حتى لعب فيها لسان العرب على اللغات الأربع التي ذكرت ( ) .
ثم يتابع ابن عطية تبيان وجوه الكلمة ، ليأتي بالوجوه الصرفية كالإعلال والإبدال والقلب ، حتى ليظن القارئ أن الموضوع خرج من دائرة التفسير ، إلى بحث لغوي صرف ، وهذا يدل على قدرة الرجل واتساع دائرة معارفه ، في الوقت الذي نراه يلح على رغبته في عرض كفاءته اللغوية .
ج - الاعتقاد بأن ألفاظ القرآن عربية : لقد وردت ألفاظ في القرآن الكريم أصلها أعجمي ، فانتقلت إلى العرب فاستعملوها في محاوراتهم وأشعارهم ، فلاكت بها ألسنتهم ، وجرت عندهم مجرى العربي الصريح .
[line]
يتبع