تراتيل الخنوع
يا إخوتي يا أهل الدار الفسيحة.. هذا صوتي ينادي عاليا.. أتجهلونني... أتجهلونني.... معذرة يا من قاسمونا الحياة في الأرحام.. تمزقت الحجب وانكشفت الأغطية..اعترتكم، وأنتم في كامل قواكم العقلية، نوبات من خنوع وغباء.. داهمتكم من أسيادكم أضغاث أحلام عطلت فيكم النخوة وشلت حركة الإباء.. يا علية القوم والدهماء.. اسمعوا ولو دثر رؤوسكم منديل الغباء.. أرهفوا السمع لحفيف الزيتون.. انظروا إلى الصوامع والكنائس.. ما لبيتنا يفرد إفراد شاة جرباء.. أليست الدار على سعتها ملك لنا جميعا؟
يا إخوتي يا أهل الدار .. يا هؤلاء.. وهيا أولئك.. كيف ساغ لكم أن تصدوا أبواب بيوتكم.. تكتفوا بالتفرج من الكوة على الأشقاء شحنهم الهمز واللمز.. تنكروا لدواتهم ولم يتورعوا في استباحة دماءهم أمام أعين أم جريحة؟... وعلى الفئران تداهم البيت.. تقرض الأخضر واليابس.. تشق الأنفاق جحورا، ثم تلوذ بما أنشأت من أغوار وجحور؟
ما للعي شل ألسنتكم؟.. ما لسمائكم جفت غيومها..؟ وسواعدكم تفككت أوصالها؟
من يصدق بأن أسودكم، وجوامح أفراسكم نال من أجسادها طاعون الطواغيت ووباء الجنون؟.. بهذه الميوعة تغص الصولة في حلوقكم؟!
يا لخيبة الأمل واندحار الثأر.. يا لسوء الظن فيكم ويا لعبث الأقدار ؟
أختكم لاتؤرقها الحاجة للقوت ولا تهاب الموت من جوع .. جذورها الضاربة في غور الأرض تختزن ما يكفي من الماء والهواء.. سامقات النخيل التي أطعمت العذراء رطبا ما تزال تحتفظ لنا بالنصيب الأوفر... ولكن استعصى في حيادكم مغول العصر.. استأسدت الجرذان، ولم يجد معها فخ ولا حجر.. أرهفوا السمع يا إخوتي وانزعوا عن أدنكم سدادة العار.. شقيقتكم لا تلتمس حجرا ولا هراوات بات حالها عقيما قاصرا.. هاتوا سلاح العقل وسداد الحكمة..
يا إخوتي يا أهل الدار الفسيحة، استحضروا إن أسعفتكم الذاكرة .. استفتوا الأرض، ففي رحمها تكمن الحقيقة كالجوهرة.. ردوا إن أسعفتكم الألسنة..
أين بطاقة هويتنا المحفورة بخيوط من لجين الضاد.. بطاقة كاللوحة البهية، مزاجها دم وتراب ولكنة لسان غير ذي عجمة.. بطاقة هوية تحكي في نغمة سرمدية عن صفاء المنبع والمحتد..؟!
يا إخوتي ويا أهل الدار.. تزعجني بلاغات الوجود.. تهمس في أذني أرواح اللحود، و أنات الصبية في المهود.. تسمعني تراتيل الخنوع وأناشيد الانبطاح:
ـ يا أم يا زينة النساء.. يا خال في خد العذراء.. يا من تحتضن معراج السماء.. تملي في من قاسموك الدم والضرع.. ها هم أولاء وأولئك يصرون على أن يجرعوك كؤوس الخذلان ويدرونك جزر الذئاب وتحت أنواء الطوفان..
ـ وحال بطاقة الهوية؟!
وضعوها في الجيوب الخلفية...
أخفوها في الجوارب وتحت الوسائد كالتمائم.. أثثوا بها رفوف النسيان.. ألبسوها إطارات من زجاج.. وزينوا بها المكاتب الفارهة..
ـ تبت يداهم.. تبت يداهم..لله أبوهم..
محمد غالمي
قصبة تادلة في 20يناير 20007