بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه , والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي عظم شانه وكمل إيمانه..
لم أكن بحاجة للتحدث عن شيخنا محمد ابن عبد الوهاب (رحمه الله) لأنه علم .. والشمس لا تحتاج إلى دليل ..
لكن نظرا لأن بعض الأخوة الأفاضل يحشر الشيخ في كل شاردة وواردة تارة باسم النجدية وتارة باسم الوهابية ..وما أظن ذلك إلا للتشكيك في دعوته..سقت لكم هذا المقال ليزول ذلك الوهم المسمى بالوهابية ...
الشيخ محمدبن عبد الوهاب و(الاعتقاد عند أئمة الإسلام)
مهما يكن من أهمية للمقارنة التاريخية ، فإن الحقيقةالعظمى الفاصلة تتمثل في المنهج والمضمون ، بل في العبارة ، كذلك..
والسؤالالأكبر ـ ها هنا ـ هو : هل كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب داعية الى طائفة جديدة , أو طريقة مبتدعة ، أو نزعة خارجية .. أو كان ( معبراً ) عن منهج الائمة الاربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل في أصول الاعتقاد ؟
لندع الحقائقالعلمية والمنهجية ـ وحدها ـ تتحدث ، ولندع منهج المقارنة يطبق صرامته على عقيدةالشيخ مَقيسةٌ بعقيدة الأئمة الأربعة :
أولا: عقيدة الإمامأبي حنيفةالتي حررها أبو جعفر الطحاوي (نسبة إلى بلدة طحا المصرية) وابتدأها بقوله :
«هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاءالملة: أبي حنيفة النعمان، وأبي يوسف يعقوب بن ابراهيم الانصاري ، وأبي عبد اللهمحمد بن الحسن الشيباني رضي الله عنهم اجمعين وما يعتقدون من أصول الدين ويدينون بهرب العالمين
نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله : إن الله واحد لا شريكله، ولا شيء مثله ، كما كان بصفاته أزلياً، كذلك لا يزال عليها أبديا، لا رادَّلقضائه ، ولا معقب لحكمه ، ولا غالب لأمره , وأن محمدا رسول الله عبده المصطفىونبيه المجتبى وأنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء , وأن القرآن كلام الله منه بدابلا كيفية قولا ، وأنزله على رسوله وحيا , ليس بمخلوق ككلام البرية , وأن العرشوالكرسي حق ، وهو مستغن عن العرش وما دونه ، محيط بكل شيء وفوقه ..... ولا نكفرأحداً من أهل القبلة بذنب ، نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنةبرحمته ، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ، ولا نقنطهم , وأهل الكبائر من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يخلدون في النار إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونواتائبين , ولا نرى السيف على أمة محمد – صلى الله عليه وسلم - ونحب أصحاب رسول اللهولا نفرط في حب أحدٍ منهم ، ولا نتبرأ من أحدٍ منهم ، ونؤمن بما جاء من كراماتالأولياء ، ونرى الجماعة حقا وصوابا ، والفرقة زيفا وعذابا »
.. يقول ابنتيمية: « وكذلك أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ فإن الاعتقاد الثابت عنه في التوحيد والقدرونحو ذلك موافق لاعتقاد الصحابة والتابعين لهم بإحسان ».
ثانيا: عقيدة الإمام مالك.
وقد جلاّها بن أبي زيد القيروانيالمالكي في مقدمة الرسالة ، فقال :
« هذه جمل من أصول الفقه وفنونه على مذهبالإمام مالك بن أنس وطريقته رحمه الله : الإيمان بالقلب والنطق باللسان: إن اللهواحد لا إله غيره ، ولا شبيه ، ولا شريك ، على العرش استوى وله الأسماء الحسنىوالصفات العلى , لم يزل بجميع أسمائه وصفاته , وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق , وأن الله ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فجعله آخرالمرسلين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا , وأن الله سبحانه ضاعفلعباده المؤمنين الحسنات ، وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات ، وجعل من لم يتب منالكبائر صائرا الى مشيئته ، ومن عاقبه بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله جنته ،ويخرج من النار بشفاعة النبي من شفع له من أهل الكبائر من أمته , وأن الإيمان قولباللسان ، وإخلاص بالقلب ، وعمل بالجوارح , يزيد بزيادة الأعمال ، وينقص بنقصها , وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة , وأنه لا يذكر أحد من صحابة رسول الله إلابأحسن الذكر، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ، ويظن بهم أحسن المذاهب ».
ثالثا: عقيدة الإمام الشافعيوهي :
توحيدالله بأسمائه وصفاته ، وأنه يجب إثبات الأسماء والصفات على
الوجه اللائق بهِسبحانه ، من غير تشبيه ولا تأويل ويقول في ذلك « لله تبارك وتعالى أسماء وصفات جاءبها كتابه وأخبر بها نبيه ، لا يسع أحدا قامت عليه الحجة ردها ، وقد نفى عن نفسهالشبيه فقال جل ذكره « ليس
كمثله شيء » والقول في السنة التي أنا عليها ورأيتعليها الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما :
الإقرار بشهادة ألا إله إلا اللهوأن محمداً رسول الله ، وأن الله عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف يشاء وينزل منالسماء كيف يشاء ، وأن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وأن القرآنكلام الله
غير مخلوق ، وأنه لا خلود في النار للمؤمنين العصاة وإن ارتكبواالكبائر , فمرتكب الكبيرة من أمة النبي – صلى الله عليه وسلم - إذا مات مصراً عليهافهو تحت المشيئة ، إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عذبه إلا أنه لا يخلد في النار، وأنالله تعالى قد أثنى على أصحاب رسول الله في القرآن والتوراة والانجيل ( إشارة الىالآية 29 من سورة محمد) وسبق لهم الفضل على لسان رسوله ما ليس لأحد من بعدهم فرحمهموهنّأهم بما آتاهم من ذلك أعلى مراتب الصديقين والشهداء والصالحين ».
رابعاً : عقيدة الإمام أحمد بن حنبلوهي :
أن الله فوقسماواته ، مستوٍ على عرشه ، بائنٌ عن خلقه ، وهو وحده
لا شريك له ولا شبيه فيخلقه وتدبيره وأسمائه وصفاته ، قيوم السموات والأرض لا تدركه الأبصار وهو يدركالأبصار، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأنه ابتعث محمدا خاتما للنبيين ورسولا إلىالثقلين بدين الإسلام ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ، وأن القرآن كلامالله غير مخلوق ، فإن كلام الله منه بدا وليس منه شيء مخلوق ، وأن الإيمان قول وعمليزيد بالطاعة وينقص بالمعصية , ومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائبا غير مصرعليه ، فان الله عز وجل يتوب عليه ويقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات ،والإيمان بشفاعة النبي – صلى الله عليه وسلم - وبقوم يخرجون من النار بعدما احترقوا , ومن مات من أهل القبلة موحدا يُصلى عليه ، ويستغفر له ، ولا نترك الصلاة عليهلذنب أذنبه صغيرا كان أو كبيرا , وصحابة رسول الله عدول نشهد بعَدَالَتِهِم كماجاءت بذلك الآثار».
محمد بن عبد الوهاب على خطى الأئمةالأربعة:
إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يبتدع شيئا جديدا في أصولالاعتقاد، بل مشى في خطى الأئمة الأربعة ، واستقى علمه ومنهجه وعبادته منهم ، وهو ـفي ذلك ـ لم يفعل سوى ( إعادة تحرير ) عقيدة هؤلاء الأئمة العظام التي آمنوا بهاوجهروا بها.
والبرهان على ذلك هو: عقيدة الشيخ التي آمن بها ودعا إليها وكافحفي سبيلها..
يقول : « أُشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأُشهدكم أني أعتقد مااعتقده أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث والموت ،والإيمان بالقدر خيره وشره , ومن الإيمان بالله : الإيمان بما وصف به نفسه في كتابهوعلى لسان رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ، بل أعتقد أن الله ( ليس كمثله شيء ) فلاأنفي عنه ما وصف به نفسه ، ولا أحرف الكلم عن مواضعه ، ولا أُلحد في أسمائه وآياته , وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدا وإليه يعود , وأُؤمن بأننبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين والمرسلين لا يصح إيمان عبد حتىيؤمن برسالته ويشهد بنبوته , وإذا بانت لنا سنة صحيحة من رسول الله عملنا بها ، ولانقدم عليها قول أحد كائنا من كان ، بل نتلقاها بالقبول والتسليم لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صدورنا أجل وأعظم من أن نقدم عليه قول أحد , فهذا الذينعتقده وندين الله به.
وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقادبالجنان ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية , وأتولى أصحاب رسول الله , وأذكر محاسنهم ،وأعتقد فضلهم ، وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء ، وأقر بكراماتالأولياء .
إن عقيدتي وديني الذي أدين الله به : مذهب أهل السنة والجماعة الذيعليه أئمة المسلمين مثل : الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة.
هذه عقيدةموجزة حررتها لتطلعوا على ماعندي والله على ما أقول شهيد ».
إنه ( تطابق) بين عقيدة الائمة الأربعة وبين عقيدة الشيخ : تطابق فيالمنهج والمضمون، بل تطابق في ( العبارة ) .
في ضوءهذه العقيدة المجلوّة: فإن قذف الشيخ بلقب ( الوهابية) يمكن أن يتعداه إلى الائمةالأربعة فيوصف أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بأنهم (وهابيون)! من حيث أن عقيدتهمهي نفسها عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وبالتصعيد يمكن أن يوصف التابعونفالصحابة بأنهم وهابيون من حيث إن عقيدة الائمة الاربعة هي عقيدة الصحابةوالتابعين.. وهذا ظلم بواح ، ليس لمحمد بن عبد الوهاب ، ولمن هو أكبر منه من الائمةالعظام ، بل هو ـ كذلك ـ: ظلم بواح لـ( الحقيقة العلمية ) التي تقوم عليها عقيدةالمسلمين أجمعين.
وتمام المقال : حقائق ثلاث :
أ ـ الحقيقة الأولى :
أنالاسماء المعتبرة التي يتعلق بها المدح والذم لا تكون إلا من الأسماء الشرعية التيشرعها الله كالمؤمن والكافر والعالم والجاهل والمقتصد والملحد , وليست ( الوهابية ) في شيء من ذلك ، أي ليست اسما ولا وصفا شرعيا.
ب ـ الحقيقة الثانية ـ بناء علىالأولى :
إن النَبْذ بالوهابية لا يستند ـ قط ـ إلى حقيقة علمية ، ولا سندتاريخي ، ولا شهادة أمينة ، فهو ـ من ثم ـ محض افتراء ، وهو افتراء لم ينج منه سائرأهل السنة. .
ج ـ الحقيقةالثالثة هي:
إن للنبذ بالوهابية ( هدفا سياسيا ) وهو محاولة عزل الذين تأثروابدعوة الشيخ عن سائر المسلمين ، وهي محاولة يائسة على كل حال ، إذ كيف يعزل هؤلاءوهم يحملون عقيدة الأئمة الأربعة الذين يتبعهم معظم مسلمي العالم في أصول الاعتقاد، وفي المرجعية الفقهية ؟
والله أعلم..
للأمانة/المصدر
شبكة النوادر الإسلامية .. وكان الله من وراء القصد ...