اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد كركاس
تناصية العنوان: داء الدواء
أخال العنوان يحاور بالتقابل قول الشاعر أبي نواس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء * وداوني بالتي كانت هي الداء
فالشاعر أبو نواس يرد على عاذله الذي يعتقد اللوم علاجا ناجعا لإدمان أبي نواس على معشوقته الراحِ وأخواتها؛ بتشبث الشاعر المعلَن بالراح دواء؛ وهو الموقن من تبعاتها السلبية؛ بل هي الداء كلُّه..
أما القاص عبد الرحيم التدلاوي فيعاكس الصورة بالحديث عن "داء الدواء".. فكأني به يشير إلى الآثار السلبية التي تترتب عن استعمال الدواء؛ ليس تذكيرا فحسب، ولكن تمثيلا وتطبيقا بالدرجة الأولى؛ وهو ما سيؤكده مضمون النص..
وفي العنوان - أيضا - طباق إيجاب بين الداء وضده الدواء، وهو ما يمكن اعتباره "تقابلا داخليا"، بين المعنى وضده، انسجاما مع ما سيفصح عنه النص، من تعارض بين بوْح ومحْو.. بين اعتراف وسحْق!! ولي في الأمر التوضيح التالي:
يتصدر النص تفاعل إنساني بين طرفين:
- طرف ضعيف يثير الشفقة نظرا لما يعلو وجهه من صفرة أرق لعلة ما؛ ولعله منشغل بأمر جَلَلٍ أذهب عنه النوم وأدخله في دائرة الهم والغم إلى أن علا الاصفرار وجهه؛ مما أثار شفقة "شريكته".."رقت لحاله"
- طرف في موقع قوة، مؤهل للملاحظة الدقيقة المتفحصة، بشكل مكنه من كشف حالة الوهن الواضح على محيا الطرف الأول، فإبداء الرقَّة حياله؛ وما ذلك إلا للعلاقة الحميمية بينهما.. وقد ترجمت الشريكة ذلك بالانتقال من مرحلة الشفقة، إلى طور التدخل العملي في تفاصيل حياته وأسَّ وجوده؛ (أحلامه) التي تجسد ماضيه وحاضره ومستقبله..
"طلبت منه أن يمدها بأحلامه.."
وما تردد في تلبية الطلب بناء على إحسانه الظن بمن طلبت، أو الثقة المتبادلة بينهما، أو حرصا منه على الوضوح تجاهها، أو رغبة منه في إشراك شريكته في أحلامه إجمالا وتفصيلا.. وها قد فعل؛ فكشف الغامض، وأماط اللثام .. وأزال/ أسقط القناع.. فماذا كانت النتيجة؟
يُفترض أن الوضوح يواجه بالوضوح، والبوحَ يقابل بمثله، وإلا فبالتعاضد والتعاطف الصادقين، بعيدا عن كل ألوان النكاية أو التَّشَفِّي.. وبعيدا عن كل أشكال الانتقام وتصفية الحسابات.. بعيدا عن كل صيغ السَّحْق والْمَحْو.. لكن التفاعل الإيجابي للبطل سيواجه بعقاب شديد من قبَل شريكته!! وهنا مفارقة إضافية: فقد ظن صاحبنا أن من رقّت لحاله، وتعاطفت معه في محنة أرقه واصفرار وجهه من جراء ذلك؛ فاستجاب لطلبها، وأمدها بأحلامه؛ فماذا كانت النتيجه:
لقد "مزّقتها شَرَّ تمزيق"..
واستعمال المفعول المطلق المضاف "شرّ" ( لبيان النوع: شرَّ مضاف إلى المفعول المطلق: تمزيق، فحلَّ محلَّه)، دليل دامغ على شراسة رد فعل الشؤيكة تجاه شريكها:
فكأني بلسان حال الكاتب يقول: لقد كادت له كيدا؛ بأن انتزعت منه أحلامه انتزاعا جعله بلا ماض ولا حاضر ولا مستقبل..
"ثم قالت له : يمكنك الأن الخلود إلى النوم."
!!!
وبغض النظر عن هدفها من هذا الإجراء التصفوي الإقصائي الانتقامي.. فالأكيد أنها قد جردته من كل أسلحته ومبررات وجوده..
** فعن أي نوم تتحدث بعد اليوم؟!
** فما قيمة نومه بعد ذلك؟!
** بل ما السبيل إلى النوم بلا أحلام؟
** أليست الأحلام مبرر الإبداع والرغبة في الاستمرار والتحدي والمواجهة والكدح والاكتشاف والاختراع والانتشار في الأرض؟
... يبدو أنها استدرجته ليخلد إلى الموت..
تلك حصيلة تأملي للنص منذ يوم إدراجه المخالف لقانون مدة الإدراج أستاذنا المبدع عبد الرحيم التدلاوي، وقد تعمدتُ عدم التعليق عليه إلى أن استوفى شرطَ مدةِ وجوده القانوني هههههههههه.. وأنتَ من نبّهتني إلى ذلك هههه..
لا عتاب ولا لوم أخي الفاضل..
بل كيف يمكننا أن نحرمك من نشوة الإبداع التي لا نستشعرها إلا بالنشر؟
إنْ فَعلنا مارسنا معك ما مارسَتْه الشريكة في حق شريكها في النص حين جرَّدته من مبررات وجوده.. أليس كذلك مبدعنا؟
صادق التقدير والاحترام أخي وصديقي سي عبد الرحيم.
|
رائع رائع رائع
قراءة تسر الخاطر و تحليل عميق و مفيد
كل عبارات الشكر لن توفيك حقك.
الشامخ ابداعا و نقدا، اخي الراقي، محمد كركاس
ارفع قبعتي.
بوركت.
دمت شامخا.
مودتي