حلقة مفرغة
أنت سابع إخوتك .تقبعون في وعاء بحجم صندوق عود الثقاب .تتمددون ليلا كخشيبات تلميذ بالسنة الأولى ابتدائي ...مَن يحك ساقه أو صدره، مَن يسعل، مَن يتنحنح ...بيت يتخذ أنماطا متعددة في اليوم ..تغير ملابسك أو تتبول في السطل على مرأى ومسمع الجميع ...
في الصباح تركلك أمك ... فتنهض مذعورا كمن لسعته عقرب، تفرك عينيك فركبتيك، ودون تناول وجبة الفطور، تتأبط محفظك وأنت لا تعلم ما ينقصها أو ما يمكن إضافته إليها ؛ تغادر البيت والأقلام تتسربل من ثقوب زواياها .تصل متأخرا ،.تأخذ مقعدك في آخر الصف، بعد أن يزدريك المعلم بنظراته الشرسة . تجلس وأنت لاتفقه في الدرس شيئا ، لاتعيره أي اهتمام ، باعتباره ينزل عليك كالصاعقة، في شكل طبخة ناقصة الثوابل، من برنامج يتغير بومضة برق على الشاشة الكبرى، خلف الستار وفق اختيارات مرفوضة؛ فيصلك المنتوج مشروخا دون إبداء رأيك فيه، ليسير في حلقة مفرغة نحو طريق مسدود، تختمر فيه المردودية نحو العد العكسي ...لا تدر ي بعد من أين تمسك الشعاع، ولا كيف ترسم الظل، في الوقت نفسه .يتوه أستاذك عن الغاية ناثرا مجهوده في حقل رملي ..تُخرِج الدفتر لتكتب، لاتجد قلما ولا مسطرة ، .من السقف تنهال عليك صفعة برية تزيدك مرارة ؛ تتشرب العلقم ، تتيقن أنك استبطنت متاهة تفقد القرار ،يلوح لك درب الدراسة الطويل ،تراكم الشواهد بلا شغل،ثِقل المحفظة .الوضع المزري، فتركل المدرسة كما تركلك أمك كل صباح، وتركل معها البيت إلى أجل غير مسمى ...
تنضم إلى أطفال الأرصفة ممن حادواعن الطريق، بفعل مفروضات قصرية أو تهميش طائل، وطبعا لاتبحث عنك أمك لأن جنبها ممتليئ عن الآخر، تسأل عنك بين الحين والآخر ببرود " الغائب حجته معه "....
تتضخم أعدادكم، تتوحدون أسرابا .ترشفون عصير الجوارب .أنخاب الصراصير المنقوعة والكحول، مع شم" السيليسون"، لترحلوا عن أرض عجيفة إلى قصور زاهية ألأوراق، تتدربون على النهب والسلب والإغتصاب؛ ولما تشتدّ سواعدكم وتتصلب بناكم، تتطورون إلى عصابات مسثوحشة، تجوبون أركان المدينة، لتعانقوا المارة بالسكاكين ...لما تقعوا في قبضة الشرطة تلك مسرحية أخرى في منحى آخر، تتوغلون في كهوف السجون ،بضروب من الإنتهاكات الوحشة ،مع القمع القاتل للإنسانية ، كأنما عهدكم قد انتهى ، هو ذا معدنكم لا رجاء في تقويمكم بتهيئ تربة أخرى أنظف ،وتشذيبكم من خزي القدر، وخطيئة لا جرم لكم فيها؛ يتم الانسلاخ عن أدنى محاولة لتحويل قطاركم الضال صوب الدرب الصحيح ...تقضي المدة وتعانق حريتك بنفس مدمرة أكثر،وإنسانية مذبوحة ... تعيش حثالة في مصرف إحباط من أوسع نظراته؛ ثم يتملكك اليأس، تتنفس في طين الأرصفة صنوف المذلة، فتضطر إلى البحث عن سموم الفراغ الطائش وقعها أشد وأقوى ، ترحل مؤقتا عن هذا الواقع الجائر، فتقتل فراخ البؤس بالتباطؤ.. يمدك بها أحد الزملاء أو تجلبها أنت بطريقتك الذكية، تغيب، تغيب حتى يتراءى لك بؤبؤ العين قمرا، تجد نفسك في ربيعك العاشر، محمولا من طرف ممرضين إلى المستشفى .يدخلونك غرفة مفروشة بالحنان ،تنام وفراشات ملونة،تحلق فوق رأسك ،طيور بيضاء تترنم بلحن الأعياد،الأطباء يحفون بك ،يتولونك بالرعاية ،لما شفيت تماما ينقلونك بنغمة سمفونية على جناح السلامة ،إلى مساكن خاصة بالأطفال المنبوذين ،وفق شروط تغذي ميولك ،وتلبي حاجياتك ،ثم تغري طموحك ،يتحملون مسؤوليتك على أعلى مستوى ،باعتبارك من يخلف رجل اليوم في الأيام المقبلة ،كدعامة أساسية للوطن، ويعززون ذلك بلافتة معنونة "أطفال اليوم هم رجال الغد"على البناية التي تأويك ..تطرق المشرفة كحمامة السعد مقبلة من رياض الجنة باب غرفتك،ثم تفتحه بهدوء ،تطل بابتسامة كما تطل الشمس في ثوب الصباح ،وأنت والحاسوب تتبادلان المداعبة ،وقهقهاتك تتعالى في حرية ...تقول لك بصوت لطيف:
- ألا تنم يا صغيري ؟
- لم يأت النوم بعد ،ترد وأنت تتابع اللعب.
- قد حان وقت نومك ،تقول بمحيا بشوش.
- اتركيني دقائق معدودات ،ترد ويدك تلامس الأيقونة.
كم؟5-10-15 دقيقة ؟تعيد السؤال مازحة.
15 دقيقة ،ترد غير مهتم.
لا،10 دقائق فقط. تقول بإلحاح
تقتنع وترضخ للأوامر ..تأتي ثانية بقدها الأهيف ،تتفقدك ،فتجدك تغط في سبات أسيل ،تطفئ النور ثم تغلق الباب ...لما استويت تماما من بلوة المخدرات ،خرجت من غمد الدوائر المكتئبة ،إلى فضاء المدرسة المضيء،لتتابع دراستك،وتمارس أنشطتك الموازية ،في صفوف التلاميذ السويين ،ووسائل نقل خاصة تجث تآكل الأقدام ،أصبحت تهتم بدروسك ،تراقب ما تحويه محفظتك ...تستيقظ من نومك كالعادة ،تنزع منامتك، تعلقها في دولابك،تلبس الزي المدرسي ،تعدل ربطة العنق ،تتطيب ،تخرج وأنت تنط نشاطا، مازحا مع زملائك نحو سيارة النقل المدرسي ،تضع رجلك،فتجد نفسك بين الشرطة إلى السجن ثانية...
بتاريخ17/05/2004