[align=center]
" شَذَا الأيّـــــــــــام "
قصَّــة قصـيرة
أيمن جعفر
\
/
\
تصدير :
" للأيام شذاها .. وفي الذاكرة ، حيثُ ُتسْتَوْدَع ُ اللحظات ، وُتخْـتَـزَنُ
المواقف ، يظلُّ شذا تلكم الأيّـام السالفة حاضرا ً
ويظلُّ لماضينا ولحاضرنا ولمستقبلنا شذا
وإنْ هو إلاّ شذا الأيّـام !!"
أ. ج
********************
كان يوما ً مطرّزا ً بخمائل البهجة ، متضوِّعا ً مسكا ً ، أنيقا ً ، و هاهو الآن يوشكُ على الرحيل نحو الذاكرة . أحداثه ليسَ بوسعي نسيانها ما حييتُ ، مثلما ليس بوسعي نسيان أيَّــامي السّـالفة ذات الوجه المعجون بالحزن .
أنّى لي نسيان يوم ٍ فيه رست أفراحي فيَّ أخيرا ً بعد رحلة ٍ في بحار الألم ؟؟!!
لكن ، و قبلَ شروعي في سرد الأحداث عليكَ و إخبارك بما جرى لي ، أعذرني و اغـفـر لي لتقصيري الشديد في حقك عليّ ، إذ لم أخبرك بما حدث لي من قبـلُ ، كما اعتدتُ أنْ أفعل ، لا لشيء سوى سرقة الزمن إيَّـايَ ، و عدم تصديقي لما جرى . الآن في نشوة الفرح هاته أخبركَ .
ما سأخبرك به ، هو الذي كنتَ تحلمُ معي به ، تحنّ إليه ، و تتمناه لي ، ها هو يجيء أخيرا ً ربيعا ً مكتحلا ً بسنى الأمنيات ، يكـنسُ حزني ، و يهيئني لاستقبال السعادة على نحو ٍ يطيبُ لها المقامُ فيَّ .
إذ أنـَّه قبل شهر ٍ تماما ً أطحتُ بنظام المعاناة المتغطرس ، و ألقيتُ في يمِّ الذاكرة آلامي ، جرّاء مكالمة ٍ هاتفيَّــة ٍ زوّدتني بفيتامينات الفرحة !!
تلك المكالمة الهاتفية التي لستُ أنساها ، و ذاك الصوتُ المخبر إيَّـايَ قبول توظيفي في إحدى الشركات التي تقدّمتُ إليها . ليتكَ وقتها كنتَ معي ، بجواري ،نقتسمُ ـ أنا و أنت ـ السعادة ، مثلما قاسمتني ليال ٍ و صباحات ٍ حالكة ٍ تنفث آلاما ً و تتناسلُ إحباطات ٍ لا تحدّ !!
لم أصدّق بادئ ذي بدء ذلك . خلتُ ذلك حلقة ً جديدة ً من مسلسل أحلام اليقظة ، أو حلما ً أو مقلبا ً من أحد الأصدقاء ، بيد أنني أطلقتُ أهازيج الفرح ما أنْ ثبت لي أنّ الأمر حقيقة ، سيما بعد تأكدي من أنّ رقم الاتصال كان رقم الشركة ذاتها !
أجل لم يكن حلما ً ، و لا حلم يقظة و لا مقلبا ً .. كان حقيقة ً !!
تذكرتكَ عندها ، لم تغني مباركاتُ الجميع من حولي .. الجميع .. عن مباركتك لي التي كنتُ أتوق إليها شيئا ً . تذكرتُ كذلك الأيام السالفة و حالي فيها أنا الذي شيّدتْ فيَّ الأحزانُ امبراطوريتها !!
ألازلتَ تذكرها ؟
أنا لا زلتُ أتذكر ما كنتُ عليه لثلاثة أعوام ٍ مضت ، فماذا عنكَ ؟
ألازلتَ تذكرُ العاميْـن الأولييْـن ثم في العام الثالث رحلتَ عنا ؟
أتذكرُ الخيبات المتزاحمة في شارع عمري بعد إتمامي دراستي الجامعية ؟.. الحالةَ التي استبدت بي و أنا أسيرُ البيت .. شاخَ قلبي حزنا ً ، و احتضرت الأمنيات على سرير الوقت الصدئ !! فيما الدهرُ يسحقُ براعم التفاؤل كلما نبتت ، و العمرُ يرتطمُ بجدار الإحبــاط دوما ً !!.. أتذكرُ ذلك .. أتذكر ؟؟
أتذكرُ، أيضا ً، ما قلته لي ذاتَ مرّة ٍ حينما كنتَ تصبّرني ، فأقولُ متبرّما ً : " إنّه مرٌّ لا يُسْتساغ .. " . تقاطعني بلطف ٍ : " كذا ُتنَــالُ الأمور .. بالمرارة !! "
الآن فقط أدركتُ ما رميْتَ إليه ، ولهي مناسبة ٌ لأصدقك َ القول : " إنّنا في أحايينَ كثيرة لا ُندركُ ما يُقالُ لنا ، ولا ندركه إلاّ بعد تجربة ٍ وتمحيص .. فكأننا ننشدُ تجربة ً كي ندرك !! فلِمَ لا ندركُ القولَ من قبلُ ؟؟ أهو حمق ٌ فينا ؟؟ أم أنَّ ذلك توافق ٌ بين القول والفعل ولابدّ من فعل ـ بالطبع ـ أولا ً ؟؟!!"
بالنسبة لي فإنني أتذكر جلَّ تلك الأيام ، لكن بمشاعر غريبة عليّ ، بنظرة ٍ لم أنظر بها من قبلُ إطلاقا ً . و لا أعلمُ لِمَ ؟؟!!
*************
يومها و لمَّــــا ارتدت السماء ثوب الليل المطرّز بالقمر اللجينيّ و النجوم ، كنتُ قد خلعتُ ثوب الهمِّ ، و ارتديتُ ثوب الأمل الأنيق . في الشرفة حلَّقت روحي في سماوات الأحلام ، و تعطشتُ للغد . و بعد أنْ انتهيتُ من تناول وجبة العشاء و التي تناولتُ فيها مجموع ما أتناوله في يوميْـن عزمتُ على النوم ، إذ أنَّ ما ينتظرني أو بالأحرى ما أنتظره في الغد يجعلُ من النوم باكرا ً أمرا ً محبذا ً . لا كما في الليالي السابقة حيث الليل لا يختلف كثيرا ً عن الصباح ، ما يجعلني عديم الاكتراث بهذه المسألة .
على أنَّ الأرق طردَ النوم . رحتُ أبحثُ عنه في طرقات الوقت عبثا ً فيما التخيلات تذهبُ بي بعيدا ً تخيّـلا ً لما في الغد . و بين الحين و الآخر أتابع بقلة صبر مشي الوقت وئيدا ً ما جعلني أتساءل إنْ كان الليل طويلا ً إلى هذا الحدّ ، أم إنَّ الصباح بعيدٌ كلّ هذا البعد ؟؟!!
ما أنْ لمحتُ طيف ضوء ٍ حتى يممتُ صوب النافذة . أزحتُ ستائرها فانهمرت أمواج الفجر في مقلتيّ . أدركتُ ساعتها أنَّ سفن الصباح آتية عمَّــا قريب و لذا و بعد انتهائي من أداء صلاة الصبح وجدتُ النومَ أخيرا ً أو وجدني !!
حلقتُ ذقني و من ثمَّ في الساعة السابعة تماما ً استيقظتُ على عجل ، استبدلتُ ملابسي بأخرى أنيقة . القميص فيروزيّ و البنطال كحليّ مخمليّ .
أكادُ أجزمُ أنك لو رأيتني حينها لما وسعكَ كتمُ ابتسامات الإعجاب .
ثمّ إنني خرجتُ مسرعا ً ، مستعينا ً بورقة ٍ دوَّنتُ فيها وصفا ً دقيقا ً لموقع الشركة وفقما وصفه لي المتحدّث إليَّ في الهاتف . لمَّــا وصلتُ إليها ، توهجت تخيّـلاتي و سمعتُ نداء الشركة :
" حَيَّ على خير العمل " . لبيتُ النداء و دخلتُ بسرعة ٍ .
سألتُ عن مكتب التوظيف و رحتُ أبحث عنه حتى وجدته . انتظرتُ طويلا ً حتى دلفتُ إلى المكتب ، ثم تمَّت الإجراءات بكلّ يسر .
هأنذا أخيرا ً أتوظفُ . لي عملٌ و مكتبٌ أنيق و جهاز حاسوب و هاتف .
ليتكَ معي ساعتئذ ٍ تشربُ الشاي أو القهوة أو حتى كأس ماء في مكتبي !!
************
[/align]
[align=center]يتبع ...[/align]