[align=center]
وهذه مشاركتي كما كانت في المنتدى القديم وأتمنى من الذين شاركوا هناك أن ينقلوا مشاركاتهم إلى هنا
كما أتمنى أن توجد مشاركات جديدة!!
الأديب الذي سأتحدث عنه هو من أعظم الأدباء في القرن العشرين بل ربما أعظمهم.
ولكن للأسف فإن تاريخنا الأدبي المتهالك لم يظهر هذا الأديب العظيم إلا كما يظهر ضوء الشمعة إذا وضع بين مصابيح وضاءة...
أديبنا من سوريا,لكنه عاش في مصر طوال حياته.
وربما هذا هو السبب في التعتيم الذي طرأ على هذا الأديب وحجبه عن الأجيال التي تلته.
الأديب هو مصطفى صادق الرافعي.
ولد أديبنا العظيم في قرية بهيتم في مصر عن أب وأم سوريين ,وكان والده يعمل قاضيا في أحد المحاكم ما جعله ينشأ نشأة إسلامية طيبة.
وعندما بلغ العاشرة من عمره أدخله أبوه إحدى المدارس,ثم انتقل والده ليصبح رئيسًا لمحكمة المنصورة فانتقلت الأسرة معه فأدخل مصطفى مدرستها التي نال منها الرافعي شهادة الابتدائية سنة 1897م وعمره سبع عشرة سنة. ثم انتقلت الأسرة إلى طنطا سنة 1898م وفي هذه السنة يجمع كاتبو سيرته أنه كان فهمًا وشرهًا في الاطلاع ذا ذاكرة قوية سريع الحفظ. يروي الشيخ محمود أبو رية أنه بدأ يكتب الشريعة كالتفسير والحديث وعلوم القرآن والنحو والفقه. وكان لوالده أثر كبير في ذلك فقد كان يتعهد ابنه حتى غدًا متبحرًا في علوم الشريعة. ثم تحول إلى كتب الأدب فشغف بكتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني ومؤلفات الجاحظ. ثم قرأ النثر والشعر العباسي، واستمر بعد ذلك في عمق الاطلاع والشغف به حتى مات.
لن اسرد قصة الرافعي بالتفصيل بل أود التحدث عن نقد الرافعي وأده الراقي
لم يكن الرافعي بسهل الجانب في النقد فهو سيال القلم يهاجم من يود نقده بقوة فويل لمن يقع فيه نقد الرافعي....
نقد الرافعي في حياته الكاتب طه حسين وخصوصا عندما أصدر هذا الأخير كتابه عن الشعر في العصر الجاهلي وبدأ يطعن في الإسلام,فكان الرافعي ينشر مقالاته تباعا في إحدى الجرائد في نقد طه حسين.
كما نقد العقاد بعدما اختلف معه الأخير حول كتاب ((تحت راية القران))الذي أصدره الرافعي ردا على طه حسين.
وقد اختلف الرافعي مع العقاد بعد أن كانا أصدقاء ,بسبب اختلاف بينهما في إحدى الحوادث.
يقول أديبنا العظيم حول الحادثة:
سعيت لدار المقتطف لأمر فوافقت العقاد هناك ولكنه لقيني بوجه غير الذي كان يلقاني به فسألته الرأي في إعجاز القرآن فكأني ألقيت حجرًا في ماء آسن فمضي يتحدث في حماسة وغضب وانفعال فأخذت أناقشه الرأي وأبادله الحوار في هدوء. لقد كان العقاد كاتبًا من أكبر كتاب الوفد وإنه ليرى له عند سعد منزلة لايراها لكاتب من الكتاب. ولكن سعدًا لم يكتب له عن كتاب من كتبه "كأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم" ومن هنا كانت ثورته ثورة الغيرة. قلت له: أنت تجحد فضل كتابي فهل تراك أحسن رأيًا من سعد؟ فقال العقاد: وما سعد؟ وما رأي سعد. قلت: أتراك تصرح برأيك هذا في سعد لقرائك. وما قلت ذلك -وإن ورقته في يدي أشد عليها بأناملي- حتى تقبض وجهه وتقلصت عضلاته ثم قال في غيظ وحنق: ومع ذلك فما لك أنت وسعد. إن سعدًا لم يكتب هذا الخطاب ولكنك أنت كاتبه ومزوره ثم نحلته إياه لتصدر به كتابك فيروج عند الشعب. فما أطقت الصبر بعد هذه التهمة الشنيعة ولا ملكت سلطاني على نفسي فهممت به فدخل بيننا الأستاذ صروف فدعا العقاد أن يغادر ليحسم العراك فخرج والباب يبصق في قفاه.
التقى الرافعي بالعديد من الأدباء والشعراء في عصره ,وكانت له صداقة حميمة مع الشاعر حافظ إبراهيمامتدت فترة طويلة.كما كانت له صداقة مع الشاعرأحمد شوقي وغيرهما...
وتعرف على عبدالرحمن البرقوقي في سنة 1904م التي تزوج فيها الرافعي من أخت الأديب البرقوقي.
كما تعرف على العديد من النقاد والأدباء.
الرافعي كاتب مبدع صعب الاسلوب فلا تظن أنك إذا قرأت له ستفهم ما يقوله بالبساطة التي تفهم بها كتب غيره من الأدباء,لأن كتاباته تعتمد على أسلوب صعب ,تدل على تعمق كبير وعلم واسع في اللغة العربية وعلومها.
ولكن مع صعوبة أسلوب الرافعي فأسلوبه يباغ من الروعة والجمال ما يجعلك تنسى الوسط الذي تعيش فيه منتقلا معه في خياله الواسع.
ولم يكن للرافعي بلاغة بلا خيال ,بل اجتمع فيه البلاغة الواسعة المتينة مع الخيال الفذ المتعمق...
هاجم الرافعي العديد من الكتاب في عصره وانتقد العديد منهم لاسيما طه حسين.
ومن العجيب أن يتهم بعض الأدباء الرافعي الذين كانوا على اختلاف معه,أنه لم يحترم مصر ولم ينتصر للقضية المصرية لأنه من الشام,مع أن الرافعي لم يكن كذلك بل كتب قصيدة كاملة لمصر واضعا فيها عاطفته تجاهها ,في إحدى دواوينه.
كما أنه هل يجب عليه أن يهتم لقضية مصر وهو ليس منها؟
ومع ذلك فالرافعي لم يكن كذلك...
الرافعي أهمل إهمال عجيب في الأجيال اللاحقة بعده,مع صعود طه حسين وشهرته الواسعة بين الناس حتى يومنا هذا,ومع صعود العقاد والزيات والمازني وغرهم مع أن الرافعي هو الأحق بذلك,لأنه وضع أدبه وعلمه وبلاغته في خدمة أمته ودينه...
ونحن لا ننكر على هؤلاء تبرؤهم من الأمة إلا أن الرافعي كان أحق منهم بالشهرة ,ويكفي لذلك سببا أسلوبه الرائع وبيانه الفذ...
لن أطيل في الحديث عن هذا الكاتب العظيم وسؤورد بعض كتبه:
أصدر الرافعي الجزء الأول من ديوانه عام 1903
وهو ديوان رائع قرظه عدد كبير من الأدباء والشعراء في عصره.
وأصدر سنة 1906 ديوانه النظرات
ثم ترك الشعر وتفرغ للنثر
فألف كتابه الرائع في تاريخ الأدب العربي سنة 1911 الذي نال استحسان قطاع كبير من الأدباء فقال عنه شكيب أرسلان في جريدة المؤيد: "لو كان هذا الكتاب خطًا محجوبًا في بيت حرام إخراجه للناس منه لاستحق أن يحج إليه". وقال يعقوب صروف: "إنه كتاب السنة"
واصدر كتاب إعجاز القران الكريم ,والذي كان عداء كبير للعقاد ,والذي طبعخ في الفترة التي كان فيها شاعر الملك فؤاد بن اسماعيل.
وفي عام 1917م أصدر الرافعي كتابه رسائل الأحزان.
وكتابه حديث القمر
وفي عام 1936 أصدر كتابه وحي القلم الذي كان اخر كتاب للرافعي لكن أول مايجب أن يقرأ له,فقد وضع فيه عاطفته وذكرياته ,وهو كتاب يتناول قضايا متعددة غير محددة.
إلى جانب العديد من الكتب التي أثرت الأدب العربي إلى يومنا هذا.
وفي سنة 1936 كانت القطيعة بين الأستاذ محمد سعيد العريان والرافعي واستمرت حتى وفاة الأخير.
وفي عام 1937 في 10 مايو استيقظ الرافعي على عادته وتوضأ وجلس في مصلاه يسبح ويقرأ القران حتى أحس ببعض الألم فتناول بعض الدواء وعاد إلى مصلاه ,ولما استيقظ ابنه محمد سامي الذي كان يعمل طبيبا أعطاه بعض الأدوية وطلب منه الرجوع إلى النوم ,وخرج ابنه من البيت مسافرا للقاهرة على عادته.
وعندما استيقظ الرافعي بلا ألم ولا علة بعد ساعة ذاهبا إلى الحمام سمع أهل بيته سقطة قوية جلجلة البيت فهرعوا إلى المكان فوجدوا الرافعي انتقل لربه ....
ودفن في طنطابعد ظهر الاثنين 10 مايو 1937م بجانب أبويه ولم يشيعه إلا بضع عشرات من أصدقائه وأهله.
وهكذا رحل ذلك الأديب الشاعر الناقد الذي وضع أدبه وبيانه وعلمه في خدمة أمته ودينه ,فترك للمكتبة العربية كتبا تغنيها إلى يومنا هذا بعد أن عاش 57 سنة تاركا للمكتبة العربية كتبا تغنيها إلى يومناهذا...[/align]