[align=center]طفل وعيد[/align]
كانت آخر الكلمات التي سمعها من أمه " نم يا بني كي تصحو مبكرا لنزور أباك غدا". وضمته إلى صدرها فأغمض عينيه فغلب على ظنها انه نام الا أن الكلمة الأخيرة التي أسقطتها أمه على مسامعه قلبت الموازين عنده وجعلته يتساءل:
كيف سأزور أبي غدا وأمي أخبرتني من قبل أنه فوق في السماء وأنه لن يعود أبدا؟؟!
سافر الطفل في خياله الصغير وعاد يقلب الأمر في ذهنه.. ربما لأن غدا العيد سيعود أبي وألقاه!
أخذت هذه الأفكار تراود ه يبعد إحداها فتقفز له الأخرى حتى غلبه النوم فنام واستكان..
شعر بقبلة دافئة تنحدر على وجنته وسمع صوت أمه : صباح الخير يا عيوني هيا.. هيا استيقظ كي تلبس ملابس العيد وتستعد لموعد الزيارة اذهب وأيقظ جدك من نومه..
انطلق الطفل مسرعا إلى غرفة جده وارتمى بطفولته في حضنه
" جدي .. جدي ..جدي!"
استيقظ الجد وضمه إلى صدره ضما قويا وقال : أهلا بالغالي ابن الغالي .. وقبله قبلة حنونة
ثم أردف: ألا تقول لجدك كل عام وأنت بخير يا جدي؟
ابتسم الطفل ومد يده قائلا بلهجة طفولية ساذجة.. أين " العيدية"؟
أطلق الجد ضحكة عالية وأجاب: كل شيء عندك بثمن!
- هيا يا مجد، هيا نلبس ملابس العيد... لا تزعج جدك..
فقال الجد: اتركيه أملأ عيني منه، ألا يكفي أنني فقدت فلذة كبدي؟ ألا يحق لي أن أشبع من ولده. بكى الجد بكاء شديدا وعادت له الذكريات كأنها عاصفة..
"يا أبا محمود أسرع محمود في المشفى.."
سمع هذه الكلمات وانطلق بعكازه يلهث حتى وصل المشفى فقابله أحد أقربائه قائلا : البقية في حياتك بمحمود!
صــاح الأب..... "لاااااااا"
- صباح الخير يا عمي!
أيقظت العبارة الأخيرة "الختيار" من ذكرياته الأليمة فرد: صباح الخير يا بنيتي .
توجهت الأم إلى ابنها : هيا يا شقي البس ملابس العيد حتى لا نتأخر.
انطلق الطفل إلى أمه وأخذ يعاونها في لبس ملابسه..
وعندما أصبحوا جاهزين قالت الأم للختيار: ألا تريد أن تذهب معنا يا عمي؟
فأجابها بنبرة باكية متوجعة: اتركيني يا بنيتي لحزني وامضي مع طفلك.
انطلقت الأم ومعها صغيرها.. والحزن يسكن كل جزءٍ في نفسها.
- أمي لماذا لا أرى الأطفال يرتدون ملابس جديدة أليس اليوم عيدا؟؟
لا تعرف الأم بماذا تجيب؛ فحال الناس لا يحتاج إلى وصف، أي عيد هذا؟ ولا يوجد بيت في القرية لم يُـفقد له شابٌ أو طفل حتى أصبحت العائلة التي لم تفقد أحدا من أبنائها غريبة عن القرية بل ويمشي أفرادها منكسي الرؤوس!!
- أمي.. أمي أجيبيني ؟
- يا بني سوف يلبسون لا تقلق .. ولا تتكلم في الطريق كي نصل بسرعة.
أخذ الطفل يراقب بعينيه الشوارع فقد رآها حزينة باكية وصور الشهداء تملؤها..
لكنه لاحظ أن كثيرا من الناس تسلك نفس الدرب الذي يمشي فيه!
حتى اقتربا من المقبرة .. دارت الذكريات بخيال الطفل الصغير وأخذ يحدث نفسه:
لقد أتيت إلى هنا قبل هذه المرة!! ثم صاح الطفل
- أمي.. أمي! هذه صورة أبي...
بالفعل كانت صورة أبيه ولكنها معلقة على قبره.
- أين أبي يا أمي ؟ ألم تقولي لي إنني سأزوره؟
أجابته بأنفاس محترقة: نعم.. لكنا لا نراه فهو يسمعنا فقط.. ضمت بعضا من تراب القبر إلى صدرها وقالت وهي تقدم ابنها: يا أبا المجد، لقد جئتك اليوم ومعي فلذة كبدك مجد، أسمعت صوته؟
وقف الطفل أمام قبر أبيه وأخذ يبكي ويقول: أبي العزيز إني اشتقت إليك جدا، اشتقت لكلامك واشتقت لصوتك، أبي لماذا تركتنا؟؟ أبي... إني أحبك جدا، أتسمعني ..؟
استمر الطفل يناجي أباه حتى أبكى جميع من في المقبرة..
حتى إذا استجمع كلماته تابع من جديد: أبي.. ما زلت أحفظ الكلام الذي كنت تردده دوما.
خيبر.. خيبر يا يهود
جيش محمد سوف يعود
علا صوت الطفل حتى جعل جميع من في المقبرة يرددون وراءه، ولم يصمت الطفل حتى قالت إحدى النساء: أسكتيه يا بنيتي فقد مزق قلبي..
هدأت من روعه حتى انخفض صوته. وسمعت في نفس الوقت تلك المرأة تقول لولدها: يا بني جميعهم هربوا من القصف إلا أنت لماذا بقيت؟! عندها قالت لها أم مجد: يا حاجة " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا "
فقالت: ونعم بالله يا بنتي لكن الحزن الذي بقلبي هو الذي يتكلم .
:"يا شهيد ارتاح ارتاح دمك هدر ما راح"كانت هذه مسيرة تحمل رفاة شهيد ٍ جديد فتسائل مجد: أمي هل سيذهب هذا إلى الجنة أيضا عند أبي، إن شاء الله.يا بني.
فتساءل الطفل كيف يذهبون إلى الجنة يا أمي؟ أريد أن أكون معهم! أريد أن أكون مع أبي.
ارتعشت الأم من طلب ابنها وقالت: ما زلت صغيرا يا مجد!!
* بل أنا رجل ولست بصغير.. وسأذهب إلى الجنة مثلهم.
* يا بني هذه الأرض أرض أجدادنا وأرض آبائنا لن ننساها، لكنك ما زلت صغيرا كما قلت لك ... نزع الطفل يده من يد امه منطلقا الى الجنازة هاتفا: خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود..
آخر تعديل م. وليد كمال الخضري يوم 31-10-2005 في 11:52 PM.