منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة > قسم الرواية

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 18-07-2026, 04:02 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبدالكريم قاسم
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالكريم قاسم
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالكريم قاسم متصل الآن


افتراضي إرثٌ قبل الرحيل

إرثٌ قبل الرحيل
لم يحلم سليمان، بعد اثنين وأربعين عاماً قضاها معلماً، بثروة يتركها خلفه؛ بل تاق إلى أيام يسترد فيها ما سلبته المهنة والأبوة من جسده. آمن أن الإنسان، إذا أدى رسالته في الحياة، استحق أن يجلس أخيراً إلى ظل عمره، وأن يمسك يد رفيقة دربه من غير أن يطارده جرس مدرسة، أو قسط جامعة، أو فاتورة بناء.

لذلك، حين عاد من إسبانيا برفقة مريم، لم يحمل من غرناطة سوى هدايا صغيرة، وصورٍ لابتسامة تأخرت أربعين عاماً حتى تولد. واستقبلتهما ابنتهما سماهر في المطار بعناق طويل، ورأت فيهما عاشقين نجوا أخيراً من صخب الحياة إلى هدوئها. بينما نظرت مريم إلى زوجها بعينين امتلأتا امتناناً؛ فقد رأت في تلك الرحلة تعويضاً متأخراً عن شباب أنفقاه، بلا تردد، في صناعة مستقبل أبنائهما.

غير أن الصور نفسها قُرئت، في بيت ابنهما فارس، بلغة أخرى.

لم ترَ ميساء، زوجة فارس، في وجه الشيخين راحة استحقاها، بل رأت أموالاً ظنت أن الأولى بها أن تتحول إلى شقق للأحفاد، أو أرصدة تحمي الأبناء من غدر الأيام. ولم تكن تحدث زوجها عن الطمع، بل عن الحكمة؛ فالأطماع، حين ترغب في الظهور بثوب البراءة، تتدثر بالخوف على المستقبل.

وما برحت تقول له، كلما عادت تقلب صور رحلة جديدة في شاشة الهاتف:
"أبوك رجل صالح، لكنه لا يحسن التفكير في الغد. ما يجمعه الآباء في أعمارهم لا ينبغي أن يذوب في المطارات. سيأتي يوم يحتاج فيه أولادك إلى سند، ولن يجدوا إلا صوراً معلقة على الجدران."

قاوم فارس هذا المنطق في بادئ الأمر، وذكّرها بأن أباه لم يبخل عليه يوماً، وأنه وأخاه لم يبلغا ما بلغا إلا لأن رجلاً وامرأة اقتطعا من أفواههما ليزرعا العلم في رأسيهما، ويبنيا لهما طريقاً لم يكن ممهداً إلا بدمع الصبر وطول الانتظار.

غير أن الكلمة، إذا تكررت، لا تبقى ندىً عابراً على جفن العقل، بل تتسرب كالماء إلى مسام الصخر، فتنحت في أعماق اليقين مجرى لا يُرد. وأعادت ميساء غرس فكرتها في تربة نفسه، متلفعةً بثوب الخوف على الأولاد والغلاء الذي يلفح الجيوب، وما لبثت تلك الشتلة أن ضربت في أعماقه، حتى صار يحسبها من غرسه هو، لا من يدها. ومن حيث لا يدري، لم يعد يرى في رحلات الشيخين سفراً إلى الروح، بل رحيلاً عن ميراث لم يحن قطافه؛ فكأن كل ميل تقطعه الطائرة قطعة نقد تسقط من كف غده.

أما في بيت فراس، فرأت رندة الأمر بعين أخرى. كانت تؤمن أن أجمل ما يورثه الأب لأبنائه ليس ما يتركه في الحسابات، بل ما يتركه في القلوب؛ أن يشيخ مطمئناً، وأن يضحك في آخر عمره كما ضحك في أوله. فالمال، إذا خرج في إسعاد صاحبه، لم يضع، بل عاد أثراً طيباً في أهله.
وجاءت الجمعة.

تحلقوا حول المائدة التي حفظ خشبها حزوز سكاكين الطفولة، وبقايا أسماء حفرها الصغار ذات مساء بريء. كانت المائدة تحمل ذاكرة البيت كلها؛ ضحكات صغيرة، وأصوات أقدام تركض في الممرات، ويدين امتدتا سنوات طويلة لتقسما الرغيف قبل أن تقسما التعب.

وزعت الأم مريم هدايا متواضعة، لا تزيد قيمتها على ثمن ابتسامة ارتسمت على وجهها، لكنها حملت رائحة المدن التي مرّا بها؛ فقد كانت فرحتها في العطاء أكبر من قيمة ما أعطت. ابتسم الجميع، إلا أن ميساء لم ترَ في العقد الذي أهدته لها سوى رقم كان يمكن أن يبقى في حساب مصرفي. ولم تكن تعرف أن بعض الشرارات لا تأتي من نار كبيرة؛ أحياناً يكفي أن تسقط على قلب متعب حتى تشتعل.

وفي ليلة انكسار الظل، لم يكن فارس وحده الذي يتحدث؛ كان الخوف حين يرتدي ثوب الحكمة، والطمع حين يقنع نفسه بأنه ليس سوى حارس أمين على الغد. شرع يتحدث بنبرة المحاسب الذي يدير صفقة، ثم قال بجفاء:
"إن كنتما تريدان الموت مستمتعَين، فأنا أريد العيش مستوراً. كُفّا عن هذه الرحلات، ولا تتركاني أتحسر على مالٍ كان من المفترض أن يبني حياتي، فتبدّد في نزوات خريف العمر."
هبطت الكلمات كالشفرة في أعمق طبقات القلب.
شحب وجه الأم، وصدمت الكلمات الأب الذي كان يظن أن الجدران التي شربت ضحكات صغاره ما زالت تملك من الدفء ما يكفي لرد صقيع العتاب. لم يخطر بباله أن المائدة التي شهدت اقتسام الخبز والملح ستشهد سؤالاً بارداً يختبئ خلف الكلمات: "ماذا تركت لنا؟"
لم يسأل أحد سليمان عن ليالٍ ذاب فيها ضوء السراج وهو يصحح دفاتر تلاميذه، ولا عن أحلام صغيرة دفنها في صدره كي تنبت في صدورهم حدائق. لم يكن جرحه أن ابنه يشتهي الفضة والذهب؛ فالمال طينٌ يروح ويغدو، بل كان الجرح الشاخص أن فارس لم يرَ خلف غبار المادة يداً تشققت، وظهراً انحنى كالقوس ليعبروا عليه. في تلك اللحظة العارية، سمع سليمان صدىً مبطناً يقول بلا مواربة: "لقد نفد زيت سراجك يا أبي، وانتهى زمن العطاء... ولم يبقَ منك سوى الحساب."

صمتت مريم، لكنّ صمتها يعج بصخب الذكريات؛ تسمع في أعماقها صوت الأيام حين كانت تقتسم الرغيف الواحد مع زوجها ليرتوي الصغار. أما سليمان، فقد تلبسه هدوءٌ غريب يشبه وقار الغابات بعد العاصفة. كان يدرك بروح المعلم القديم أن بعض الفصول لا تُواجه بالصراخ؛ فالصراخ لا يعيد للقلب ما انكسر فيه.

نظر إلى ابنه طويلاً، كفلاحٍ وقف حائراً أمام شجرةٍ ارتوت من ماء عينيه، فلمّا نضج ثمرُها، أنكرت طعمَ الجذرِ الذي أخرجها، وبرئت من عرق الطين الذي ضمّها. ثم همس في محراب نفسه: "يا ليتك سألتني المال يا فارس.. لو طلبت كل ما في جيب غدي لاهتز قلبي فرحاً ووهبتك إياه. لكنك طلبت مني أن أقف على أطلال عمري، لأشعر أن كل ما قدمته لم يكن حباً، بل مجرد مشروعٍ ينتظر التصفية."

وفي تلك الساعة، حين آوى سليمان إلى فراشه، لم يكن يحمل في صدره غلاً، بل كان ينوء بخيبة خفيفة كالغبار، ثقيلة كالصخر؛ خيبة الأب الذي اكتشف متأخراً أن بعض الأبناء يطولون في القامات، ويتسع غناهم في الأرقام، لكنهم يظلون قاصرين عن فك الحروف الأولى في كتاب "العطاء".

هناك، في أعمق موضع من الأبوة، حدث الشرخ الأخير. فالجلطة لم تبدأ حين انقبض الشريان، ولكنها بدأت حين نظر الأب إلى اليد التي أمسكها ذات يوم ليعلّم صاحبها المشي، فإذا بها تشير إلى ميراثه قبل أن تشير إلى أبيه







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 19-07-2026, 04:20 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
راحيل الأيسر
المدير العام
 
الصورة الرمزية راحيل الأيسر
 

 

 
إحصائية العضو







راحيل الأيسر غير متصل


افتراضي رد: إرثٌ قبل الرحيل

يالها من لغة !
يالها من صياغة بهية !

سرد متقن ولغة بلغت قنة الجمال ..
كم هو مؤلم
عندما تتكئ على حافة العمر روح منهكة كقنديل يلوذ بآخر قطرات الضوء ..
يحاول أن يحميها من هبوب يفضح صقيعا ممتدا يخادع نفسه بنزر من سراج ينوس ..
فإذ بالريح تأتيه عاصفا من حيث لم يحتسب أبدا ..
عندها يجف العتب في ترائب الصمت
ويغدو الأمس قطارا يجر ثقله فوق سكك الضلوع فيفريها ..

قص موجع بأحداثه
ماتع بلغته
هادئ النبرة يسير وقورا كبطل القصة
أدى رسالته ثم رغم الزوابع في صدره استكان متأملا..



المكرم أخي وأستاذي / عبد الكريم قاسم

قص يستحق التثبيت ..







التوقيع

لم يبق معيَ من فضيلة العلم ... سوى العلم بأني لست أعلم .
 
رد مع اقتباس
غير مقروء 19-07-2026, 04:26 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
راحيل الأيسر
المدير العام
 
الصورة الرمزية راحيل الأيسر
 

 

 
إحصائية العضو







راحيل الأيسر غير متصل


افتراضي رد: إرثٌ قبل الرحيل

صحيح
نسيت أن أخبرك لقد أنشأ لنا المؤسس
قسم للصوتيات .. لو شئت أن تشاركنا فافعل ..


( راح أدوش دماغكم .. بالقسم الجديد و زف خبره ) 😅







التوقيع

لم يبق معيَ من فضيلة العلم ... سوى العلم بأني لست أعلم .
 
رد مع اقتباس
غير مقروء 19-07-2026, 01:37 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عبدالكريم قاسم
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالكريم قاسم
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالكريم قاسم متصل الآن


افتراضي رد: إرثٌ قبل الرحيل

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة راحيل الأيسر مشاهدة المشاركة
يالها من لغة !
يالها من صياغة بهية !

سرد متقن ولغة بلغت قنة الجمال ..
كم هو مؤلم
عندما تتكئ على حافة العمر روح منهكة كقنديل يلوذ بآخر قطرات الضوء ..
يحاول أن يحميها من هبوب يفضح صقيعا ممتدا يخادع نفسه بنزر من سراج ينوس ..
فإذ بالريح تأتيه عاصفا من حيث لم يحتسب أبدا ..
عندها يجف العتب في ترائب الصمت
ويغدو الأمس قطارا يجر ثقله فوق سكك الضلوع فيفريها ..

قص موجع بأحداثه
ماتع بلغته
هادئ النبرة يسير وقورا كبطل القصة
أدى رسالته ثم رغم الزوابع في صدره استكان متأملا..



المكرم أخي وأستاذي / عبد الكريم قاسم

قص يستحق التثبيت ..
لمكرمة الأستاذة راحيل الأيسر،

ما أبهى الكلمات حين تأتي من قلم يعرف كيف يزن نبض الحكاية ويتحسس أوجاع أبطالها بين السطور! تعليقك هذا هو بمثابة ارثا ابداعيا اخر يضاف الى القصة المتواضعة امام فيض كلماتك النابعة من فكر ادبي بالغ العمق يطوق النص برداء من الثناء والتقدير الباذخ، والتثبيت الحقيقي هو أن تترك الكلمات هذا الأثر في وجدان أديبة مثلكِ. دمتِ عامرة بالبهاء اختي الغالية راحيل .. خالص مودتي وتقديري






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 19-07-2026, 01:39 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عبدالكريم قاسم
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالكريم قاسم
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالكريم قاسم متصل الآن


افتراضي رد: إرثٌ قبل الرحيل

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة راحيل الأيسر مشاهدة المشاركة
صحيح
نسيت أن أخبرك لقد أنشأ لنا المؤسس
قسم للصوتيات .. لو شئت أن تشاركنا فافعل ..


( راح أدوش دماغكم .. بالقسم الجديد و زف خبره ) ��
يشرفني ان اكون معكم وسأكون حاضرا بإذن الله ما استطعت الى ذلك سبيلا
اشكرك جزيل الشكر على الدعوة . ولكن كيف الوصول الى هذا القسم ؟






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 19-07-2026, 04:33 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
راحيل الأيسر
المدير العام
 
الصورة الرمزية راحيل الأيسر
 

 

 
إحصائية العضو







راحيل الأيسر غير متصل


افتراضي رد: إرثٌ قبل الرحيل

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالكريم قاسم مشاهدة المشاركة
يشرفني ان اكون معكم وسأكون حاضرا بإذن الله ما استطعت الى ذلك سبيلا
اشكرك جزيل الشكر على الدعوة . ولكن كيف الوصول الى هذا القسم ؟
القسم من فكرة وإشراف الأستاذ المكرم أخي / وليد شادي
الفكرة أن تنتقي نصوص لك
أو لغيرك تلقيه بعد أن تسجله صوتيا

طبعا لمن يريد ..
هو كتب هناك مشكورا
مردوده الأدبي والفائدة المرجوة
من مثل هكذا خطوة ..

هذا الرابط ..

https://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=88


تحت قسم الأدب العام ..






التوقيع

لم يبق معيَ من فضيلة العلم ... سوى العلم بأني لست أعلم .
 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 12:44 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط