يظل اسم طه حسين واحداً من أكثر الأسماء حضوراً في الذاكرة الثقافية العربية الحديثة، لا بوصفه أديباً وناقداً فحسب، بل بوصفه رمزاً لمعركة طويلة خاضها الفكر العربي من أجل التجديد والانعتاق من قيود الجمود. وُلِد في قرية "عزبة الكيلاني" بمحافظة المنيا عام 1889 لأسرة متواضعة الحال، وفقد بصره فيالسادسة من عمره إثر مرض لم يُحسن علاجه، لكن هذا الفقد الذي كان يمكن أن يكون نهاية لأي طموح، تحول في مسيرته إلى بداية لرحلة استثنائية من الكفاح المعرفي، حتى غدا يُلقَّب بـ"عميد الأدب العربي"، وهو لقب لم يُطلَق جزافاً، بل عبّر عن مكانة رجل أعاد تشكيل ملامح الحياة الثقافية في مصر والعالم العربي طوال أكثر من نصف قرن. التحق طه حسين بالأزهر الشريف صغيراً، حيث حفظ القرآن الكريم وتلقى علوم الدين واللغة، غير أنه سرعان ما شعر بضيق من الطرق التقليدية في التلقين، فاتجه إلى الجامعة المصرية الحديثة النشأة، ليكون من أوائل طلابها، ثم ابتعث إلى فرنسا حيث نال الدكتوراه من جامعة السوربون. أثار كتابه "في الشعر الجاهلي" الصادر عام 1926 عاصفة من الجدل لم يشهد لها الوسط الثقافي المصري مثيلاً، إذ طبّق فيه منهج الشك الديكارتي على دراسة الشعر الجاهلي. غير أن طه حسين لم يكن ناقداً جدلياً فحسب، بل كان أيضاً روائياً وكاتب سيرة من الطراز الأول، وتُعد ثلاثيته "الأيام" من أعظم ما أنتجته السيرة الذاتية العربية على الإطلاق. إلى جانب إبداعه الأدبي، كان لطه حسين دور مؤسسي بالغ الأهمية في مجال التعليم، فقد تولى مناصب أكاديمية وإدارية رفيعة، من بينها عمادة كلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم منصب وزير المعارف المصري. كان طه حسين أيضاً مترجماً نشيطاً، نقل إلى العربية طائفة من روائع الأدب اليوناني والفرنسي، وأسهم بذلك في فتح نوافذ جديدة على الثقافة الإنسانية العالمية. لم يخلُ مشوار طه حسين من الخصومات والمحن، فقد تعرض لحملات تكفير وتخوين، وفُصل من وظيفته أكثر من مرة لأسباب سياسية. اليوم، وبعد عقود على رحيله عام 1973، يظل السؤال قائماً: ما الذي يجعل أثر طه حسين باقياً رغم تبدل الأزمنة وتغير أدوات المعرفة؟ وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن رحلة طه حسين الفكرية لم تكن لتكتمل لولا شريكة عمره الفرنسية سوزان بريسو، التي تعرف عليها أثناء دراسته في فرنسا. إن استعادة سيرة طه حسين اليوم ليست ترفاً ثقافياً أو نوعاً من الحنين إلى الماضي، بل هي ضرورة لفهم كيف تُبنى الثقافات الحية، وبأن الكلمة الحرة تبقى في النهاية أقوى الأسلحة وأبقاها أثراً.
اضغط هنا لقراءة بقية الموضوع والتعليق...