#كرامة الجوع#
يا مَنْ يُوارِي الوَجْهَ خَجْلاً، أنْتَ ذُو النُّبْلِ
لَسْتَ الذَّلِيلَ وَلا مَنْ عَابَهُ الفَضْلُ
قِفْ فِي الطَّوَابِيرِ التِي امْتَدَّتْ بِلا خَجَلٍ
فَلَيْسَ يُقَاسُ العِزُّ بَامْتِلاءِ الأَكْلِ
لَكِنْ بِثَبْتِكَ حِينَ القَوْمُ قَدْ سُحِقَتْ
كَرَامَةُ النَّفْسِ التي أَكْرِمْ بِهَا النَّصْلُ
لا تُخْفِضِ الرَّأْسَ الأَبِيَّ فَلَيْسَ ذُلّاً أَنْ
تَسْعَى لِلُقْمَةِ عَيْشٍ سَدَّهَا الهَزْلُ
لَكِنَّهُ الذُّلُّ المُبِينُ بِأَنْ تَرَى قَوْماً
فَوْقَ العُرُوشِ بِهِمْ لا يَنْفَعُ العَقْلُ
يَتَفَرَّجُونَ عَلَى الآلامِ قَدْ عَظُمَتْ
وَكَأَنَّهُمْ لا يَشْكُو حَالَهُمْ غَفْلُ
هُنَاكَ لا يُدَانُ الجَائِعُ المَحْرُومُ مِنْ
قُوتٍ، وَلَكِنْ يُدَانُ الظَّالِمُ الخَذْلُ
في وَجْهِكَ المَنْهُوكِ أَسْطُورَةٌ بُنِيَتْ
عَنْ صَبْرِ مَنْ جَرَّعَهُ الدَّهْرُ مَا يَغْلُو
فِي راحَتَيْكَ اللَّتَيْنِ ارْتَعَشَتَا بُطُولَةٌ
أَعْظَمْ بِهَا مِنْ جُيُوشٍ سَارَ بَهَا الخَيْلُ
وَفِي انْتِظَارِكَ فَوْقَ الدَّرْبِ مُعْتَصِماً
بِالصَّبْرِ، عِزٌّ بِهِ التَّارِيخُ يَحْتَفِلُ
شَرَفٌ تَنَاءَى عَنْ عُيُونِ القَوْمِ مَا نَظَرَتْ
لِوَجْعِكَ الدَّامِي، فَأَعْمَاهَا بِهِ الجَهْلُ
اِبْقَ واقِفاً رَغْمَ انْحِنَاءِ الجِسْمِ مِنْ
جُوعٍ بِهِ الأَحْشَاءُ يَعْصِفُ بِهَا الوَيْلُ
فَمَنْ تَعَوَّدَ لِلْآلامِ قَدْ صَبَرَ
لَنْ يَكْسِرَ العَزْمَ طَابُورٌ وَلا القِدْرُ
هَذَا رَوَى قَلْبِي وَعَيْنِي كُلَّمَا نَظَرَتْ
لِوَجْهِ نَازِحِ قَوْمٍ سَادَهُمْ الهَوْلُ
أَعِدُّ زَاداً لِقَوْمٍ أَنهَكَتْهُمْ
نَارُ الجُوعِ حَتَّى كَادَ يَفْنَى بِهِمُ النَّسْلُ
خَمْسٌ وَثَمَانُونَ تَلْوِيهَا بِمِئَتِهَا
مِنْ أَهْلِ غَزَّةَ عَنْ دُورِهِمْ قَدْ زُلْزِلُوا قَلُّوا
عَلَى التِّكَايَا صَارَ عَيْشُهُمُ
وَقُوتُهُمْ يَسُدُّ الرَمَقَ مَا أَطْفَأَ الغُلُّ
وَهَلْ وُجُودُ تِكَايَا الغَزِّ يَكْفِيهِمْ
لِشَعْبٍ رَأَى التَّهْجِيرَ وَالقَتْلَ وَالخَطَلُ؟
#نور الدين بليغ#