"من فرط ما نَحنُّ، لا نعود نعرف من نحن."
---
لا أحد يعرف اسمها الحقيقي.
ينادونها بـ"أميرة"، كأنهم يعتقدون أن اللقب سيجعلها أقرب إلى الحكايات، وأبعد عن الواقع.
لكنها كانت تعرف اسمها، وتنساه كلّ صباح، عندما تنظر إلى المرآة وتجد شخصاً غريباً يحدّق بها.
---
تسكن "أميرة" في شقة صغيرة أعلى مبنى قديم، شرفته تطلّ على محطة القطارات.
كانت تحب مراقبة العابرين، تصنع لكلّ واحد منهم قصة، ثم تنساها بعد أن يختفي خلف الضباب.
قالت لها جارتها يومًا:
– "أنتِ لا تعيشين هنا... أنتِ فقط تقيمين مؤقتًا."
فأجابت أميرة بابتسامة باهتة:
– "من قال إن أحدًا يعيش في مكانه حقًا؟"
---
مرت خمس سنوات منذ أن جاءها اتصالٌ عند الثالثة فجراً:
"عذرًا، نحن من المشفى. زوجك تعرّض لحادث..."
منذ تلك الليلة، توقفت عقارب ساعتها.
كلّ شيء أصبح ضبابيًا، كما لو أن الزمن قرر أن يعبر من حولها دون أن يمسّها.
زوجها، "يونس"، كان صورة واضحة لحياة أرادتها أن تكون بسيطة.
يستيقظ، يشرب القهوة، يقرأ الجريدة، ويضع لها وردة على الطاولة.
ثم خرج ذات مساء ولم يعد.
---
لم تزره في المستشفى.
قالوا إن وجهه تغيّر.
قالوا إنه لا يتذكر شيئًا.
قالوا إن الأفضل له أن يبدأ من جديد... دونها.
فهمت الرسالة، ومزّقت كلّ ما يشبهه في بيتها: صوره، كتبه، قهوته، حتى قميصه الأزرق الذي كان يرتديه حين أحبّته أول مرة.
لكن المرآة لم تكن تنسى.
---
كلّ صباح، كانت تقف أمامها وتهمس:
"هل أنا ما زلت أنا؟ أم أنا ما تبقى منه؟"
---
ذات مساء خريفي، في محطة القطار، سمعت ضحكة مألوفة.
استدارت ببطء.
كان هو.
يمشي بجانب امرأةٍ أخرى، تمسك بذراعه، ويضحك لها كما كان يفعل معها.
نفس الخطوة، نفس الملامح، لكن لا أثر لعينيه القديمة.
تقدمت نحوه بخطوتين، ثم تراجعت.
تأملته من بعيد، حتى غاب داخل القطار، كأنه يدخل قصة لم يُكتب لها أن تكون بطلتها.
---
في الليل، كتبت في دفترها:
"لم أكن أرغب في استعادته... كنت فقط أريد أن يراني، ويعرف."
---
في اليوم التالي، أزالت المرآة من الحائط.
علّقتها على الشرفة، نحو السماء.
وقالت:
– "لا أريد أن أرى نفسي بعد اليوم.
أريد أن أرى من أنا حين لا أكون مرآة لأحد."
---