انفراج الضيق بفعل العطاء: قراءة في تحوّل الذات في «قد يكون للسعادة أسباباً خفية»
-
كيف يمكن لثقل الضيق أن يتحوّل فجأة إلى خفة ورضا؟ وأيّ لحظة قادرة على إعادة تشكيل وجدان الإنسان ليرى العالم بعينين جديدتين؟ هل يكون السرّ في تبدّل الظروف، أم في تبدّل النظرة إليها؟ النص يضعنا أمام حكاية إنسان غارق في همّ دائم، على الرغم من اكتمال عناصر الاستقرار المادي والعاطفي في حياته، ليطرح تساؤلاً أعمق عن جوهر السعادة ومصدرها.
-
تبدأ القصة بمشهد واضح المعالم: حامد، المهندس الناجح والمتزوج من امرأة جميلة وودودة، يعيش في بيت مستقر وله أسرة محبة، ومع ذلك يلازمه شعور ثقيل بالهم والضيق منذ عقدين. هذا التناقض بين الواقع المادي المريح والحالة الشعورية المتأزمة يخلق توتراً سردياً أولياً. الأحداث تنعطف عندما يقوده انزعاجه من ضجيج جيرانه إلى زيارة شقتهم، وهناك يكتشف فجوة إنسانية واسعة تفصل بينه وبين أسرة فقدت معيلها وتعيش في ظروف قاسية. هذا الاكتشاف يصبح نقطة تحول في مساره، إذ يتخلى عن موقف الضجر ويتبنى مبادرة فعلية لمساعدتهم، فيتحقق الانقلاب الدرامي من الضيق إلى السعادة.
-
القاص أحمد فؤاد صوفي يوظف أسلوباً قصصياً يقوم على البناء الخطي الواضح، مع اقتصاد في التفاصيل غير الضرورية، لصالح إبراز لحظة التحول المركزية. لغته تميل إلى المباشرة في الوصف والسرد، لكنه يمنح لحظة الاكتشاف ثِقلاً عاطفياً من خلال المفارقة بين توقعات البطل وما يراه فعلاً. هذه التقنية ليست غريبة عن نصوصه الأخرى التي تميل إلى استحضار القيم الإنسانية عبر أحداث مألوفة، يشتبك فيها اليومي بالاستثنائي.
-
القارئ هنا ليس متلقياً سلبياً، بل شريك في إعادة تعريف مفهوم السعادة. النص يضعه في موقع المراقب المشارك، الذي ينتقل مع البطل من الضيق المبرر ذاتياً إلى الانفتاح على الآخر، ليختبر بدوره إمكانية أن تكون السعادة نتيجة للعطاء لا للاكتفاء بما نملكه. مساحات الغموض في النص ضئيلة، لكنها موجودة في سؤال: لماذا استمر الضيق طيلة عشرين سنة، ولماذا احتاج البطل إلى صدمة إنسانية ليتغير؟ هذا الفراغ التأويلي يمنح القارئ حرية التفكير في النفس البشرية وممانعتها للتغيير.
-
في التحليل السردي، يشكّل العنوان "قد يكون للسعادة أسباباً خفية" عتبة سيميائية مفتوحة، تحفّز القارئ على البحث عن تلك الأسباب داخل النص. البنية السردية مستقيمة، تنطلق من عرض الحالة المستمرة للبطل، ثم عقدة الانزعاج من الضجيج، فحدث الزيارة والاكتشاف، وصولاً إلى القفلة التي تمثل انفراجاً شعورياً شاملاً.
السارد بضمير الغائب ذو معرفة شاملة، يكشف دواخل الشخصية ويصف محيطها، وهو تبئير خارجي وداخلي في آن. الزمان ممتد زمنياً في المقدمة (عشرون عاماً من الضيق) ثم ينضغط في زمن الحدث المحوري، ما يعزز تأثير لحظة التحول. المكان يتوزع بين شقة البطل، شقة الجيران، والحي، في فضاءات تحمل دلالة الطبقية والاختلاف المعيشي. الشخصيات ثانوية باستثناء حامد، الذي يمر بتحول جوهري من شخصية ثابتة متمركزة حول ذاتها إلى شخصية دينامية منفتحة على الآخر. التقنيات السردية تشمل المفارقة (ضيق البطل رغم النعيم المادي)، والتكرار في وصف حالته المزمنة لتأكيد عمق الأزمة، والإيجاز في رسم الشخصيات الأخرى بما يكفي لدعم المحور الرئيسي.
-
وربما يترك النص سؤالاً معلقاً: ماذا لو لم يذهب حامد إلى شقة جيرانه في تلك اللحظة؟ هل كان سيبقى أسيراً لضيق لا يعرف سببه؟ أم أن الحياة كانت ستجد سبباً آخر، خفياً أيضاً، لتكشف له أن السعادة قد تكمن في أن نمد يدنا قبل أن نشعر بالامتلاء؟