حدود فلسطين التاريخية عبر التاريخ
حتى نصل الى حدود فلسطين ايام الدولة العثمانية لا بد من مقدمة عن حدود فلسطين عبر التاريخ حتى ندرك ان مفهوم فلسطين و حدودها زمن العثمانيين بل و حتى زمن الانتداب لم يكن صدفة و لم يكن اختراع بريطاني كما تزعم الخرافة الصهيونية, بل كان نتيجة تراكم تاريخي طويل و ذاكرة شعبيية حية تناقلتها الاجيال جيل بعد جيل, استفادت منها بريطانيا في رسم الحدود العصرية لفلسطين التاريخية. لفهم التطور الاداري في حدود فلسطين زمن الدولة العثمانية لا بد من أخذ السياق التاريخي بعين الاعتبار.
فلسطين زمن المصريين القدماء 1200 ق م كانت حدودها تشمل الجزء الغربي لفلسطين الحالية من غزة جنوبا حتى شمال يافا (قرية الشيخ مؤنس) وسط فلسطين الحالية وكانت تسمى"بيليست" و هو الاسم الذي أُشتقت منه كلمة "فلسطين" لاحقا.
في زمن الاشوريين 681 ق م امتدت حدود فلسطين من غزة جنوبا حتى الطنطورة شمالا ( بالقرب من حيفا) و بعض المناطق الداخلية كما جاء في معاهدة أسرحدون .
فلسطين أصبحت لها حدود واضحة زمن الفرس, و الاغريق و الرومان و البيزنطيين و العرب حتى الاحتلال الصليبي اي بين عامي 450 ق م حتى 1099 م , و كانت المنطقة داخل تلك الحدود تسمى فلسطين. و هذه الحدود كانت تتمدد و تتقلص حسب تقسيمات الامبراطورية التي تحكمها.
في العصر الفارسي زار المؤرخ الاغريقي هيرودوتس فلسطين سنة 450 ق م و وصف حدودها في كتابه المشهور (Historiae ) فقال فلسطين هي الارض التي تمتد من فينيقيا (لبنان) شمالا حتى مصر جنوبا و من سوريا شرقا حتى البحر غربا (باختصار فلسطين التاريخية).
في العصر الروماني وصف الجغرافي Strabo في كتابه (Geographika) و الفيلسوف Pliny the Elder في كتابه (Naturalis Historia) و الجغرافي Pomponius Mela في كتابه (A Description of the World) , فلسطين بالارض التي تمتد من من فينيقيا (لبنان) شمالا حتى مصر جنوبا ، الجغرافي بطليموس سنة 150 م في كتابه (Geographia) رسم حدود فلسطين
في العصر البيزنطي بين القرن الرابع و السابع الميلادي قُسمت فلسطين الى فلسطين الاولى PI و فلسطين الثانية PII و فلسطين الثالثة PIII و جميعهم ضمن حدود واضحة كما تظهر في الخريطة الوصفية في الاسفل. هذه التقسيمات الثلاث مهمة جدا حتى نفهم لاحقا التقسيمات العثمانية لفلسطين.(ثلاثة في واحد)
فلسطين الاولى PI: امتدت من رفح جنوبا حتى خليج حيفا شمالا مع بعض المناطق في الوسط و كانت عاصمتها قيسارية.
فلسطين الثانية PII: ضمت منطقة الجليل و مرتفعات الجولان و مناطق من غرب الاردن و بعض مدن شرق فلسطين, و كانت عاصمتها بيسان.
فلسطين الثالثة PIII: ضمت اجزاء من مقاطعات رومانية كالعربية و ايدوميا كذلك النقب و اجزاء من سيناء و غرب الاردن و جنوب البحر الميت, و كانت عاصمتها البتراء.
(فلسطين أربعة آلاف عام في التاريخ, نور مصالحة)
مع دخول المسلمين فلسطين قاموا بدمج فلسطين الاولى و الثالثة و جزء من فلسطين الثانية تحت كيان سياسي واحد و اطلقوا عليه اسم جند فلسطين و بنوا مدينة جديدة اصبحت العاصمة و هي الرملة.
دمج الثلاثة في واحد ضمن كيان سياسي واحد.
اعتمد العثمانيون نظام سياسي معين و هو كل شيئ يتبع المركز فأضعفوا من تأثير المقاطعات التي تقع في الاطراف, و قاموا بتقسيم السلطنة الى ولايات و الولايات الى مناطق ادارية او سناجق . فلسطين بدورها قسمت الى مراكز ادارية تتبع بدورها ولاية دمشق. في بدايات الدولة العثمانية لم يتم اعتماد فلسطين كاسم رسمي للبلاد في الدوائر الحاكمة, و لكنها كمفهوم للبلاد ظلت مستمرة و تتردد في الذاكرة الشعبية و في اوساط
المثقفين و القضاة و رجال الدين و الجهات التعليمية ليس محليا و اقليميا فحسب بل و في الغرب الاوروبي.
مع ذلك, كانت الحكومة العثمانية تدرك معنى فلسطين و الامتداد الجغرافي التي تمثله فكانت"الارض المقدسة" مرادفة ل "فلسطين" كما جاء في ترجمة قاموس انجليزي-عثماني
ظل الوضع كذلك حتى دخلنا منتصف القرن التاسع عشر و هي فترة التنظيمات/الاصلاحات, فتم تقسيم فلسطين و اعادة تنظيمها الى ثلاث مقاطعات او سناجق: سنجق القدس, سنجق نابلس , سنجق عكا. هذا التقسيم لم ياتي من فراغ او نتيجة عمل عبثي, بل كان اعادة احياء "الاجزاء
الفلسطينية الثلاث" المستوحاة من تاريخ فلسطين الروماني و البيزنطي و العربي الاسلامي, و الذي ظل محفورا في الذاكرة الشعبية و يعبر عن ادراك السلطات العثمانية لمفهوم فلسطين العام و حدودها.هذه الخرائط الثلاث الغربية و العثمانية توضح مجال فلسطين الجغرافي و الذي يغطي السناجق الثلاث:
يشكل يوليو 1872 حدثا تاريخيا بالنسبة لفلسطين و أهلها, حيث اصدر السلطان العثماني فرمانا يقضي بإعلان سنجق القدس ولاية مستقلة (متصرفية) تخضع فيه مباشرة للسلطان في اسطنبول, بعد ان كانت تابعة لوالي دمشق و اصبح لها ممثل رسمي في البرلمان العثماني, و اصبحت مدينة القدس عاصمة للولاية الجديدة. هذا الاهتمام الكبير من السلطان لرفع مستوى سنجق القدس الى ولاية مستقلة جاء بسبب التغلغل الغربي المتزايد في القدس, فالولايات تخضع جميعها للسلطان مباشرة تاتيه اخبارها اول باول بينما السناجق تخضع للولاة و بالتالي تتاخر اخبارها حتى تصل للسلطانالحدث الثاني و المهم يتمثل باصدار السلطان العثماني فرمانا جديدا يقضي بدمج سنجق نابلس و سنجق عكا بولاية القدس لتصبح و لاول مرة منذ الغزو الصليبي فلسطين بحدود واحدة من لبنان شمالا الى مصر جنوبا. قام القناصلة الاوروبيين بالقدس بالاحتفال لما اسموه "توحيد فلسطين" , مما زاد ذلك من حفيظة السلطان العثماني و زاد من شكوكه نحو الاوربيين
استمر هذا الدمج لعدة اسابيع, و لكن بسبب شهية الغرب و طموحهم في فلسطين , قرر السلطان العثماني فصل سنجق نابلس و سنجق عكا عن ولاية القدس و اعادتهما الى والي دمشق, ليبعد اطماع الاوروبيين عن فلسطين, و لكنه احتفظ بالقدس كولاية مستقلة.
كان يطلق احيانا على ولاية القدس اسم فلسطين, كان هذا منتشرا في الاوساط الحاكمة و المثقفة و بين السكان المحليين, كما ان حاكم ولاية القدس كCevdet Bey عام 1911 يسمي نفسه "حاكم فلسطين" و كان الاوروبيين ينادونه بهذا اللقب.
كما اظهرت بعض الخرائط العثمانية تسمية فلسطين
مكان متصرفية القدس . هاتين الخريطتين العثمانيتين في اطلس Jughrafiya-i Osmani عام 1913 تظهران ولاية القدس و فلسطين اسمان لمكان واحد, كما تظهر القدس بالخريطة الاولى عاصمة لفلسطين و ذلك قبل الانتداب البريطاني عندما دخل العثمانيين الحرب العالمية الاولى اعدوا كراسا حربيا يسمى Filastin Risalesi عام 1915 يشرح خرائط فلسطين و حدودها و سكانها و تضاريسها , عندها قدم العثمانيون فلسطين كما هي بحدودها التاريخية المعروفة لهم و لسكانها و كانت تلك آخر خرائط عثمانية لفلسطين و هي تحت حكمهم , بحدود معروفة من لبنان شمالا الى مصر جنوبا. لقد قام الانتداب البريطاني من الاستفادة من التقسيمات العثمانية و التي
و هي تحت حكمهم , بحدود معروفة من لبنان شمالا الى مصر جنوبا. لقد قام الانتداب البريطاني من الاستفادة من التقسيمات العثمانية و التي سبقت البريطانيين بتحديد ملامح فلسطين .
الخلاصة: فلسطين عرفت اول حدود سياسية واضحة لها في فترة التقسيمات الادارية الفارسية قبل 2500 عام كما ظهر في وصف هيرودوتس 450 ق م , أُكّد على ذلك في الفترة الرومانية ككيان سياسي واحد, فضل البيزنطيون تقسيمها الى ثلاث مقاطعات فلسطين الاولى و الثانية و الثالثة , اعاد العرب دمجها في حدود
سياسية واحدة, ختمها العثمانيون بتقسيمها الى ثلاث سناجق, شبيهة الى حد كبير بالتقسيمات البيزنطية و لكن بدل ان يكونوا الاولى و الثانية و الثالثة , أُعطوا اسماء اخرى القدس و نابلس و عكا, قاموا بدمجهم ضمن كيان سياسي واحد لفترة قصيرة قبل ان يتجزؤا مرة اخرى و لكن انهوا حكمهم لفلسطين بمفهومها التاريخي الموحد, اعاد البريطانيون ما قام بهالعثمانيين عام 1872 بدمج السناجق الثلاثة و اطلقوا عليها اسم فلسطين الانتدابية, و التي كانت اصلا تخطيط عثماني.