[frame="7 80"]ا[frame="2 80"]لغــيــرنـــــــيكا[/frame] Guernica
一- [frame="2 80"]المرحلة التي سبقت الغيرنيكا:
في الواقع من أجل الوقوف على عملية تَكوُّن الغيرنيكا لا بد من إضاءة المرحلة التي سبقت ظهورها من أجل تتبع الإرهاصات التي أوصلت إليها من صور وأفكار تجلت في اللوحات التي أنجزها الفنان في هذه المرحلة. فكل لوحة ينجزها الفنان لا يمكن أن تأتي من فراغ ، بل ستكون امتداداً للوحات سبقتها ضمن سياق تجربة معينة . ولم يكن بوسع بيكاسو _ كما يقول جون برجر _ أن يرسم قط الغيرنيكا على النحو الذي رسمه عليه لو لم يقم ببعض التدريبات السابقة على مثل هذه اللوحات .ويقول عبد العظيم محمد الضامن ايضاً " إن الجذور العميقة للغيرنيكا لا تتعلق فقط بعام 1937 م . فقد كان موضوع الحرب الاهلية الاسبانية يشغل بيكاسو حتى قبل أن يبدأ برسم الغيرنيكا " . ويؤكد ذلك قاسم صالح بقوله " إن بيكاسو كان قد قام بدراسات تمهيدية ، وأنجز عدداً من اللوحات التي لها علا قة بالغيرنيكا ، أهمها لوحته المرأة الباكية ورأس الحصان Hed of Horse عام 1937 م " لذا سنقوم ببعض المقارنات والمقاربات الشكلية بين ما سبق إنجازه في اللوحات التي سبقت الغيرنيكا مباشرة ومابين عناصر اللوحة. يقول يوسف فرنسيس " لن يستطيع الفنان أن يخبرنا بصدق عن تاريخ ميلاد لوحة في ذهنه ... فالتاريخ الذي تحمله اللوحة إلى جوار توقيع الفنان... هو تاريخ الانتهاء من رسمها . أما الميلاد الحقيقي للفكرة... فله ذكريات بعيدة في الذهن ، لا يمكن تتبعها بدقة "
إلا أن ثمة حقائق لا لبس فيها حول كل أمر ، وما تبقى يقوم الباحث دائماً باستنتاجه عن طريق العقل والمنطق .
ما هو معروف أن بيكاسو بدء العمل الفعلي بلوحته ( نقصد قيامه بإجراء الكروكيات ) في الأول من أيار1937برسم سريع يمثل ثنائية بين الحصان والثور ( لن تكون واضحة إلا في الرسم التالي ) وامرأة تطل من النافذة تحمل شيئاً ما بيدها ( سيظهر فيما بعد أنه قنديل ) . فمتى كان الظهور الأول لهذه الثنائية ..........؟[/frame]
[frame="10 80"]في أولى اللوحات التي تمثل الصراع بين الثور / الحصان والمسماة بـ -Bull fight- Death of the Toreador ( وهنا قد تكون أول ثنائية للثور / الحصان ) يبدو الحصان في حالة انهزام ، حيث يصهل رافعاً رأسه إلى أعلى اللوحة ، في حين بطنه مبقورة وأمعاؤه خارج بطنه. أما المصارع فهو يتهاوى فوق قرني الثور المليئ بالقوة.
يلاحظ أن الأسلوب يعتمد على الإيهام بالحجم والعمق حيث أن طريقة الاختزال لم تظهر إلا لاحقاً شكل ( 1 ) [/frame]
[frame="9 80"]شكل ( 1 )[/frame]في نفس العام هناك عمل منفذ بالشمع على الورق يمثل حواراً حاداً بين العدوين الثور / الحصان فيما يبدو أنه يسبق الشجار . في هذه الصورة يبدو الحصان وهو يصهل بغضب شديد وبلهجة تحدٍّ ، في حين يعبر وجه الثور عن الدهشة من تهور الحصان وجرأته لأنه لا يقدر - فيما يبدو - قوة الثور التي لا تجارى شكل ( 2 )
[frame="9 80"]شكل ( 2 )[/frame]
في العام التالي 22تموز1934يتحول الخصام إلى صراع دموي فيقوم الثور بافتراس الحصان بطريقة خارقة ( لاحظ أن الثور يفترس الحصان بأنيابه على غرار ما تفعل الوحوش ، خلافاً لما يتميز به الثور حيث يصارع بقرنيه ) وذلك بلا توقف في لوحة اسمها Bull Fight (Corrida) يصور الفنان الثور أشبه بالوحش ، فهو يفتح بطن الحصان المسكين بأنيابه فتحة هائلة بحيث تظهر أحشاؤه ، وثمة أربعة وجوه تطل من الأعلى والجوانب لتتفرج.
[frame="9 80"] شكل ( 3 )
شكل ( 3 )[/frame]تتكرر هذه الثنائية في لوحة أخرى في نفس اليوم ( لاحظ الانتاج الغزير لبيكاسو ) حيث الثور في حالة هجوم شرسة على الحصان الذي _ فيما يبدو _ لا يريد له الفنان أن يتوقف عن الصهيل والتوجع . وهناك شبح أسود يشبه فارساً ، وجهه عبارة عن ساعة تسجل التوقيت و هو الثالثة تماماً ، يسدد من فوق الحصان رمحاً باتجاه الثور شكل ( 4 )
[frame="9 80"]شكل ( 4 )[/frame]يعود بيكاسو إلى تكرار هذا الموضوع بعد خمسة أيام عن طريق لوحة أخرى تمثل نفس المشهد ، و لكن هذه المرة يبدو الأمر أكثر فظاعة ، حيث الحصان مقطع الأوصال و بطنه مفتوحة تماماً ، و شلالٌ من الدماء ينهمر شكل ( 5 )
[frame="9 80"]شكل ( 5 )[/frame]
ثمة لوحة أخرى بالأسود و الأبيض / حبر هندي و قلم رصاص على القماش تمثل صراعاً بين الثور العنيف الذي يخرج أحشاء الحصان بأنيابه شكل ( 6 )
[frame="9 80"]شكل ( 6 )[/frame]
و كم الشبه كبير بين هذا الحصان المفجوع و الدراسة الخطية للغيرنيكا رقم ( 5 ) . كما أننا إذا رجعنا إلى هذه الدراسة التي أجراها الرسام في عام 1917 شكل ( 7 ) نجد أن هذه الفكرة / فكرة الحصان المنكوب / تعود إلى ذلك التاريخ. لكن ثمة سيف مغمود بين كتفي الثور يفجر شلالاً من الدم ، في حين تسجل هذه اللوحة أول ظهور للمرأة التي تحمل القنديل ، حيث تبدو هنا تحمل شمعة كبيرة و هي تمدها خارج النافذة موارية وجهها بيدها اليمنى من هول المنظر. و هذه الفكرة هي نفسها التي سيعتمدها الفنان في الغيرنيكا.
[frame="9 80"]شكل ( 7 )[/frame]
إن حاملة القنديل في / غيرنيكا / _ كما يقول أحمد طرابلسي _ تنتمي إلى فصيلة نساء رسوم و محفورات فترة / المنيتور / اللواتي يواجهن الوحش بشمعة مضيئة أو باقة زهر أو مرآة. كما و أن هذه الثنائية تتكرر بشكل مختلف في لوحة أخرى تحمل اسم Minotauro Machy و هي محفورة بتاريخ 23أذار1935 شكل ( 8 )
[frame="9 80"]شكل ( 8 )[/frame]
في العاشر من ايار1936و في اسكتـش آخر بالحبر الهندي على الورق يعلو الحصـان جسد الثور / المنيتور / المتهالك و نصلة الرمح مغروسة بين كتفيه تحت اسم _Wounded Minotaur Horse and Figures و هذه الحالة الوحيدة التي يصور بها بيكاسو الثور مهزوماً شكل ( 9 ) .
[frame="9 80"]شكل ( 9 )[/frame]كذلك تتكرر هذه الثنائية في كل من اللوحات التالية:
· Study for the Curtain for 14 Juilet by Romain Rolland
· Minotaur and Dead Mare Outside a Cave with Young Veiled Girl
· Fawn, Horse and Bird
[frame="9 80"]شكل ( 10 )[/frame]
[frame="9 80"]شكل( 10 )[/frame]بالاضافة إلى الثنائية الثور / الحصان نجد أن المرأة حاملة القنديل تمثـل الركن الثالث في اللوحة. فإلى جانب تلك الثنائية لم تغب هذه المرأة عن اعتبار الفنان طيلة فترة تحضيره للوحة ، بمعنى أنه لم يقم باستبعادها من التكوين إلا في اسكتش واحد هو الاسكتـش رقم ( 12 ) من جملة ما عمله بيكاسو من اسكتشات للوحة ، كما أنها كانت موجودة منذ الرسم الأول . أما عن فكرتها فنستطيع القول أنها ظهرت في اللوحة شكل ( 6 ) في العام 1935.
[frame="7 80"]من خلال مقارنة هذه التجارب مع لوحة الغيرنيكا تتكشف لنا عدة حقائق:
·إن الدور المسند للحصان / الفجيعة ، التوجع / في التجارب السابقة يبقى منسحباً على حصان الغيرنيكا.
· إن الدور المسند للثور / الوحشية ، العدوانية / في هذه اللوحات السابقة ، هو الذي أدى إلى المغالطة في إسناد هذا الدور لثور الغيرنيكا ، علماً بأنه لا توجد أية دلائل تشير إلى هذا الدور في اللوحة ، بل إن الثور أقرب إلى دور المخلص منه إلى المعتدي . فهو عند بعض دارسيه رمزاً للخصب والبسالة ولاسبانيا معاً . أما غارودي فقد اثر أن يتجنب الإشارة إليه لا من قريب ولا من بعيد . رغم أنه جاء على ذكر عدد غير قليل من التفاصيل في الصورة ". و الغريب أن بيكاسو نفسه يدفعنا إلى الحيرة بقوله " إن الثور ليس الفاشية ، و إنما الوحشية و الظلام ... الحصان يمثل الشعب ... جدارية غيرنيكا رمزية ... مجازية . ذلك هو سبب استخدامي الحصان ، الثور ، و غيرهما . إن الجدارية من أجل تعبير و حل محددين لمشكلة ، و ذلك هو السبب في استخدامي الرمزية " ثمة سبب آخر وراء هذا التشوش في دور الثور يفسّره فيرميجيه بقوله "إن صبر بيكاسو على تطوير الثور في التخطيطات الاولى كان ضيقاً ، ولم يتح المجال الكافي لينمو نمواً متكافئاً مع باقي رموز لوحته ومتجانساً ومتساوقاً معها " .
·إن فكرة المرأة حاملة القنديل تعود إلى تلك التجارب السابقة و تحديداً اللوحة شكل
( 6 ) كما أسلفنا.
· أخيراً و ليس آخراً يقول الكاتب Hans L. Jaffe : إن للمرأة الباكية شكل ( 11 ) تأثيراً و حضوراً في الغيرنيكا ، فثمة امراة باكية هي المرأة الحاملة لرضيعها الميت بين يديها و ذلك في الدراسات الأولية للوحة. غير أن الرسام يقوم بازالة التفاصيل فيما بعد ، لكن التعبير سيبقى في اللوحة [/frame]
[frame="9 80"]شكل ( 11 )[/frame]
ب _ مرحلة التحضير للغيرنيكا:
قام بيكاسو بإنجاز احدى و ستين كروكي للغيرنيكا ، حرص أن يوقعها و يضع لها تواريخ محددة . بالإضافة إلى سبع صور فوتوغرافية تمثل سبع مراحل في تطور اللوحة بالإضافة إلى اللوحة ذاتها . و قد قامت بتصويرها صديقة الفنان ، المصورة اليوغسلافية الأصل ، و التي كانت موديلاً له في بعض الأوقات . و قد شكلت هذه الوثائق مادة غنية لإجراء الدراسات حول إنجاز الغيرنيكا.
امتدت الفترة التي استغرقتها الغيرنيكا من 1أيار عيد العمال و هو اليوم الذي وضع فيه أول رسم للغيرنيكا ( الفكرة الأولى ) إلى الرابع من حزيران1937 حيث وضع الرسام إمضاءه على اللوحة الأصلية.
و قد جاءت اللوحة تلبية لتكليف من الحكومة الاسبانية للرسام بإنجاز لوحة تمثل اسبانيا في معرض باريس الدولي . و كان لوسائل الإعلام دوراً كبيراً في إلهاب الحس القومي و الإنساني لدى الفنان ، مما دفعه للقيام بهذا العمل الخالد. حيث شعر بأن اسبانيا ما زالت موجودة _ حسب غيرتروشتاين _ وإن وجودها أيقظه ، فهو موجود أيضاً وبمثل هذه المعادلة الديكارتية المعكوسة أثبت بيكاسو صلته بالوطن .
يقول الطرابلسي: " إن تأثر غيرنيكا بوسائل الإعلام كان تأثراً مضاعفاً " . غير أن هذا التأثر ليس بالدرجة التي دفعت " يـونـج " لأن يفسر بها لجوء بيكاسو لتنفيذ لوحته بالأسود و الأبيض على أنه انعكاس لألوان الكتابة في الجرائد كما يقول روجيه غارودي فما هو معروف - حسب عبد العظيم محمد الضامن - أنّ بيكاسو كان يفكر بإضافة دمعة حمراء كبيرة على لوحته ، لكن آندريه مالرو أقنعـه بالعـدول عـن ذلك و الإبقاء على اللون الرمادي دون استعمال غيره .
فلنتتبع العمل خطوة بخطوة. اعتماداً على التواريخ المحددة لكل كروكي يتبين أن اثنتان و عشرين منها تم إنجازها قبل البدء بالعمل على اللوحة / القماش /. في حين أن الباقية أنجزت أثناء العمل .
منذ الرسم الأول تبدو الفكرة معروفة لبيكاسو ، هذه الفكرة التي ولدت عنها الغيرنيكا.
و هذا ما سيتضح لنا في الدراسات اللاحقة حيث سنكتشف ما أراده الرسام من خلال هذا الرسم السريع ، حيث سيظهر أنه يمثل امرأة تمتد برأسها و ذراعها الذي يحمل قنديلاً خارج النافذة لتضيئ شيئاً ما يحدث . و ثمة هيكلان يشبهان الحصان
و الثور بالإضافة إلى طائر يرفرف بجناحيه فوق ظهر الثور و هناك خطوط عشوائية تمثل مبنىً / بيتاً / و خطوط منحية تمثل شيئاً غير معين شكل ( 12 ).
ما نريد التأكيد عليه منذ البداية أن هذه الفكرة / الرؤية / ظلَّ الفنان محافظاً عليها حتى اللوحة النهائية و هذا ما يؤكده الفنان نفسه: " على أن هنالك ما يدعو إلى أشد العجب ، و هو أن نلاحظ أن الصورة لا تتغير في جوهرها ، و أن / الرؤية / الأولى بالرغم من تبدل المظهر تبقى كما هي أو تكاد ، فقد يحدث مثـلاً أن يستوقف
[frame="9 80"]
شكل ( 12 )[/frame]
نظري لون قاتم إلى جوار لون ناصع بعد رسمهما على اللوحة. فأبذل جهدي لفصلهما بإقحام لون ثالث بينهما من شأنه أن يخلق شكلاً آخر . و لكنني ألاحظ لدى تصوير تلك اللوحة تصويراً فوتوغرافياً أن ما أضفته لتصحيح رؤياي الأولى قد اختفى. و أن الصورة الفوتوغرافية تطابق في نهاية الأمر تلك الرؤيا الأولى قبل التعديل الذي تشبثت بإدخاله عليها " .
في الرسم الثاني يسجل الفنان فكرته المتعلقة بالمرأة المطلة من النافذة - تأكيداً منه على حـتمية وجودها - بشكل سريع في أعلى الورقة مع مجموعة خطوط عشوائية . و يركز اهتمامه على القسم السفلي من الرسم ( الثور ، الحصان ، الحصان الصغير المجنح ) بحيث يظهر الثور واقفاً بثبات يعتليه حصان مجنح صغير " بيغاسوس Pegasus " كأنه يمسك بحزامين أحدهما يطوق بطن الثــور و الآخر رقبته كأنه يمتطيه.
إلى جانب الثور ثمة حصان يحتضر و قد امتدت رقبته و رأسه للأعلى بشكل
يشبه القضيب - كما يقول تيموني هلتون -. كما أن الرسام حاول أن يرسم حصاناً يجثو على يديه وراء الثور شكل ( 13 )
[frame="9 80"]
شكل ( 13 )[/frame]
في الرسم الثالث يُـبعد الحصان المحتضر نحو الزاوية العليا اليسرى ليحل محله حصان آخر بجسد عنكبوت ، و ثمة شخصان يملآن الجانب الأيمن من اللوحة شكل ( 14 ) . هنا نستطيع تسجيل ملاحظتين:
الملاحظة الأولى: إن بيكاسو يعود ـ فيما يبدو ـ ليجرب طريقته في الرسم التي اتبعها في لوحة / أحلام و أكاذيب فرانكو / شكل ( 15 ).
الملاحظة الثانية: إن بيكاسو خلال إجرائـه للدراسات المتعلقة بلوحته يطلق العنان لمخيلته فيأتي بأشكال في غاية الاختلاف فيما بينها ، حيث يجرّب هذه الأشكال
و مدى قابلية كل منها لتوظيفها بشكل فعال ضمن اللوحة.
يقول تيموني هلتون: " أما الرسم المرقم برقم ( 3 ) فهو تعاظمي Accretional و ليس تركيبياً. فبعض الأجزاء مفصولة عن بقية الصحيفة بخط دائري متواصل حولها، و مكتوب على جزء واحد كلمة كهذا Bas ليشير من دون شك - لكن لمن ؟ - بأن ينزل هذا الرسم المفرد إلى الأسفل أكثـر . و هنا تدخل موضوعة انتزاع الأحشاء ، مع الإشارة - كما هو واضح - و للمرة الأولى إلى الجسد الإنساني " . في حين تبقى المرأة حاملة القنديل عنصراً أساسياً لن يستغنى عنه.
بعد ذلك يقوم بيكاسو بإجراء دراستين خطيتين للحصان ، الأولى سريعة مختصرة لن تخدم العمل أبداً ، لأنها بعيدة جداً عن جو اللوحة شكل ( 16 ) . في حين أن الدراسة الأخرى شكل ( 17 ) يمكن اعتبارها جدية لأنها - كما رأينا - متصلة مع سلسلة الرسوم المتعلقة بالحصان منذ العام 1917 ، و هي نفسها التي
[frame="9 80"]شكل ( 14 )
شكل ( 15 )
شكل ( 16 )
شكل ( 17 )[/frame]
سيطورها فيما بعد ليصل إلى الشكل النهائي للحصان هذا قبل أن ينتقل إلى الاسكتش السادس فماذا نجد هنا ..... ؟
من الملاحظ أن الخط بدأ يميل نحو الهدوء و الدقة ، حيث تخلى عن توتره و تشتته بعدما كان يطارد الفكرة بشيء من القلق و عدم وضوح الرؤية. خاصة أنه يستخدم في هذا الاسكتش قاعدة من الغيسو Gesso أي لوح من الكونتربلاك Counter black مغطى بصباغ أبيض مخلوط بغراء قابل للذوبان في الماء. و هذا التقنية أكثر ملائمة من القواعد الزيتيتة للطرق التخطيطية.
من الملاحظ أيضاً الظهور الأول للمحارب الشهيد ممداً بطريقة مباشرة و غير مدروسة بين أقدام كل من الحصان و الثور . لذلك يعد هذا الاسكتش تطوراً تصاعدياً من حيث زيادة عناصر و تكوين اللوحة شكل ( 18 ). و لكن ماذا عن العناصر الأساسية للوحة ... ؟
حتى هذه المرحلة ليس هنالك سوى أربعة عناصر رئيسية ـ بعد دخول المحارب ـ و عنصران ثانويان:
· المرأة حاملة القنديل:
يكاد يكون الرسام قد توصل ـ بدءً من هذا الاسكتش ـ إلى الشكل النهائي للمرأة و هذه سنتوقف عندها في مرحلة قادمة.
· الثــور :
يقف خارج الحدث و لا يعبر رأسه و وجهه عن أي تعبير للحزن و الخوف أو العداء ، كما يظهر بشكل متعارض ـ حسب هلتون ـ مع أي مفهوم بأن دوره يتسم بالغل ، في شكل ما من أشكال التكليل بالغار ، كما تدل حركة ذيله على الاعتزاز.
[frame="9 80"]شكل ( 18 )[/frame]·
[frame="4 80"]الـحــصان:
بدءً من هذا الاسكتش حدث تغيير رمزي على عناصر اللوحة - نقصد على الحصان تحديداً - إذ بدءً من هذا الاسكتش سيتحول الحصان إلى فرس ، فجذعه صار أشبه بجذع امرأة حبلى ، لا سيما أن حصاناً مجنحاً صغيراً يخرج للتو من شق كبير في بطن الفرس. ( من هذه اللحظة سوف نطلق كلمة فرس على حصان الغيرنيكا ) و ما يدعم نظريتنا هذه أنه لن تظهر للفرس بعد هذه المرحلة أية أعضاء تناسلية توحي بأنه حصان ، لا سيما و أن بيكاسو لا يتورّع عن رسم الأعضاء التناسلية الذكرية سواء للثور أو للمحارب الشهيد في صياغته الأولى. أضف إلى ذلك ما يقوم به الرسام في الدراسة رقم ( 13 ) من اجراء مقابلة رمزية بين كل من المرأة المفجوعة و الفرس المصابة ( و هذه سنتوقف عندها لاحقاً ). فضلاً عن اللوحة شكل ( 10 ) المسماةباينتور والفرس الميتة.[/frame]
· [frame="3 80"]المحارب:
يذكرنا المحارب من خلال الخوذة التي على رأسه و الرمح الذي بيده بالكلاسـيكية وفرسـان / دافيد / وهو غير عابئ بالحركة والأقدام حوله مستسلماً بوقار لسَكينة الموت. يشير د. فاروق البسيوني إلى أن الرسام في رسمه للمحارب يستلهم رسماً لآنجـر شكل ( 19 ) و كذلك تفصيل من لوحة لروبنز شكل ( 20 )
أما العنصران الثانويان فهما البيت الذي غدى أكثر تنظيماً ووضوحاً، فأخذ شكلاً شبه نهائي ، والحصان الصغير المجنح الذي يظهر الآن وهو يخرج من بطن الفرس الحبلى.
في الثاني من أيار سيغدو رأس الفرس في الاسكتش رقم (6) موضوعاً لثلاث دراسات تفصيلية منفصلة أشكال ( 21 ) (22 ) ( 23 ) اثنتان بالشمع على الورق أما الثالثة فقد نفذت بالزيت على لوحة متوسطة القياس 92.1 × 65 سم وهذه الدراسة سوف تخدم العمل النهائي كثيراً.
في نفس اليوم يقوم الرسام برسم الكروكي رقم ( 10 ) وهي عبارة عن اسكتش من الشمع على كونتر بلاك Counter black مقاس 73×60 سم وهو قياس قريب من الشكل المربع [/frame]
[frame="9 80"]شكل ( 19 )
شكل ( 20 )
شكل ( 21 )
شكل ( 22 )
شكل ( 23 )
( يلاحظ أن بيكاسو لم يتوصل بعد إلى تناسب أبعاد اللوحة الذي سيحدده التكوين بطبيعة الحال) شكل ( 24 ).
شكل( 24 )[/frame]
هنا صارت الحركة أكثر دراماتيكية فالثور الذي كان مزهواً في الاسكتش رقم ( 6 ) هُرع جزعاً وهو ينظر للوراء نحو شيء ما قد حدث ، على أن هذه الحركة تعد من طبيعته - كما يقول هيلتون - فلو كان قد قتل الحصان فليس هناك من علاقة واضحة تشير إلى أنه مسؤول عن معاناة الحيوان الآخر . في حين أن الفرس انكفأت على نفسها والتوت رقبتها حتى صار وجهها عند وجه المحارب "فالحصان يعامل على امتداد العمل مع هذا كحيوان في حالة معاناة ، شخصيته غير قابلة للاختلاف عن عذابه ولا غموض هناك في دوره المسرحي "
نلاحظ أن خطاً واضحاً يفصل رقبة المحارب عن الجسد ، وسواء كان رسم هذا الخط مقصوداً أو بالصدفة فإنه سيوحي لبيكاسو أن يفصل الرأس فيما بعد ليتحول المحارب إلى تمثال محطم . وهنا تظهر امرأة صغيرة ميتة تحت جثة المحارب الكبيرة نسبياً . كل هذا دعى المرأة حاملة القنديل لأن تنحدر برأسها للأسفل قليلاً وتفتح عينيها قليلاً لترى بشكل أحسن . ولتتفاعل تعابير وجهها أكثر مع الحدث ، وهي على العموم تكون هنا قد أخذت شكلها النهائي تقريباً ، أما المحارب فقد تم تحريكه بحيث أخذ وضعاً معاكساً للوضع السابق.
في الدراسة رقم ( 11 ) سيعود الثور إلى طبيعته الوحشية من خلال رسم خطي إنسيابي يمثله وهو فاغر فمه بلسان رفيع يدل على الحدة والعنف . كما أن ذيله المنتصب للأعلى يدل على حالة الهيجان وهو هنا " يرمز للقصف البربري والعنف الفاشي على المدينة الإسبانية الآمنة أثناء الحرب الأهلية فهو تجسيد لقوى الشر والخيانة " بينما ترفع الفرس رأسها عالياً حيث تصهل بشدة كعادتها شكل ( 25 ).
إذا كان الثور قد ظهر في الاسكتش رقم ( 6 ) يافعاً ، ثم جذعاً في الاسكتش رقم ( 10 ) ، فإنه في الاسكتش رقم ( 12 ) يبدو قوياً صنديداً عنيدا ً. فكل ما فيه يوحي بالتحدي والقوة . أما الفرس فقد شُلَّ نصفها السفلي بحيث راحت تجره جراً مخاطبة ببكائها رأس المحارب الذي بين يديها على الأرض . لكن المرأة الصغيرة الميتة اختفت لتظهر أخرى تحمل طفلاً ميتاً بيسراها وتستند إلى الأرض بيمناها ، بينما رأسها شاخصاً للأعلى بحالة هلع نحو الطائرات التي ترمي قنابلها شكل ( 26 ).
[frame="9 80"]شكل ( 25 )
شكل( 26 )[/frame]
ما يجب تسجيله هنا ، هو أن هذا الاسكتش يمثل الغياب الوحيد للمرأة حاملة القنديل من بين كل الاسكتشات التي رسمها الفنان للوحة . بينما يصبح البيت عبارة عن خلفية على مسرح الحدث.
في الكروكي رقم ( 13 ) دراسة تفصيلية للفرس والأم الثكلى كلتاهما بمواجهة بعضهما ، تقومان بنفس الحركة فكلتاهما تجر جسدها بحركة قريبة للزحف ، وثمة تعبير يعلو محيا كل منهما ينم عن الألم والفجيعة . فكأن بيكاسو في هذه الدراسة يجري مقارنة بين كل من الاثنتين شكل ( 27 ).
شكل ( 27 )
[frame="9 80"]أما في الدراسات رقم ( 14 ) ( 17 ) ( 18 ) ( 20 ) ثمة دراسات تفصيلية لكل من المرأة الثكلى والفرس بحالات مختلفة أشكال (28 ) (29 ) (30 ) (31 ) .
شكل ( 28 ) شكل ( 29 )
شكل ( 30 ) شكل ( 31 ) [/frame]
نصل إلى الكروكي رقم ( 15 ) وهذه أهم الكروكيات التي أنجزها الرسام من جملة ما حصلنا عليه من الكروكيات. وهذا الاسكتش بدرجات الأسود والأبيض يمثل الصياغة العامة للشكل النهائي للوحة ، حيث نفذ بالشمع على الورق بقياس 3،45 ×24 سم. وهذا الاسكتش هو الأساس الذي اعتمد عليه الفنان في وضع الرسم الأساسي للوحة على القماش شكل ( 32 ).
[frame="9 80"]شكل ( 32 )[/frame]
أفاد بيكاسو في رسم هذا الاسكتش من التكنيك الخاص بالمدرسة السريالية عن طريق الرسم التلقائي والمباشر . بيد أنه تسوسه الفكرة العامة للوحة . فعن طريق هذه الخطوط المختلفة يقوم الفنان بتفعيل سطح اللوحة ثم يقوم بتنسيق هذه الخطوط وتصويبها نحو ما يريده معتمداً بذلك على المصادفة أحياناً واستثمار الصور والأشكال التي توحي له بها هذه الخطوط أحياناً أخرى.
يعود الثور هنا إلى حالة الذهول والترقب ، في حين تصبح حاملة القنديل أكثر تفاعلاً مع المشهد من خلال حالة الذعر التي غمرت محياها . أما الفرس فهي لازالت تتلوى تحت وطأة الألم لا تبرح مقدمة اللوحة ، يقلبها الرسام من وضعية إلى أخرى . وأما المرأ ة المفجوعة فتبقى كما هي ، لكن ثمة أجساد جديدة شغلت أسفل اللوحة حيث يبدو رجلان وامرأة بالإضافة إلى عجلة تتوسط اللوحة . هذا وقد نشب حريق في الزاوية العلوية اليمنى . وهناك هيكل غير واضح لامرأة في الركن الأيسر مكشوفة الثديين ، وأغلب الظن أنها جاءت عن طريق المشاغبات الخطية التي أجراها الرسام ، وسوف يعتمدها كعنصر أساسي في اللوحة اعتباراً من هذه اللحظة.
لكن تغييراً سيحدث في الدور بينها وبين المرأة المفجوعة ( حاملة الرضيع في الركن الأيمن ) حيث ستستأثر هي بالطفل في حين ستتخلى لها عنه المرأة المفجوعة لتأخذ دور المرأة الهارعة المنطلقة من جهة اليمين نحو مركز الحدث.
[frame="5 80"]نعود إلى الدراسة رقم ( 13 ) - ومع الأخذ بعين الاعتبار سعة اطلاع بيكاسو بحيث أنه من المستبعد ألا يكون قد رأى الرولييف العظيم ( اللبوة الجريحة ) -شكل ( 33 ) نقول وبثقة أن ثمة علاقة بين هذا الرولييف وهذين الشكلين للمرأة والفرس المنكوبتين أنظر الشكل ( 27 ). إذ ما أسرع ما يستشف بيكاسو أشكاله من جميع الاتجاهات والأعماق " إن اللوحة تأتيني من مسافة أميال عدة ... من يدري من أي آماد أحسستها ورأيتها ورسمتها ... ومع ذلك فلست أستطيع في اليوم التالي أن أدرك مافعلته أنا نفسي. فكيف يمكن لإنسان أن ينفذ إلى أحلامي وغرائزي وأهوائي وأفكاري التي استغرقت زمناً طويلاً لتختمر ثم لتبرز إلى حيز الوجود ؟ " .[/frame]
شكل ( 33 )
يقول قاسم حسين صالح على خلفية انجاز بيكاسو للغيرنيكا:"ان بيكاسو قد تعلم من فنون اشور والمصريين القدامى واقنعة الزنوج وكلاسيكية اليونانيين " .ويشير د.فاروق بسيوني هنا الى ان بيكاسو استفاد في رسمه لهذا الشكل من ذلك التفصيل في لوحة دافيد (نساء سابين)
[frame="9 80"]شكل ( 34 ) .
شكل ( 34 )[/frame]
[frame="2 80"]مع اطيب التمنيات
لكم [/frame]
[/frame]