منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > منتدى العلوم الإنسانية والصحة > منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي

منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي هنا تبحر في عالم الريشة والألوان، من خلال لوحة تشكيلية أو تصميم راق أو صورة فوتوغرافية معبرة.

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع التقييم: تقييم الموضوع: 1 تصويتات, المعدل 4.00. انواع عرض الموضوع
غير مقروء 01-09-2006, 10:30 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبود سلمان
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبود سلمان غير متصل


فن الكروكي واللوحة التشكيلية ؟؟

[frame="7 80"] [frame="2 80"]الكروكي واللـوحة[/frame]

[frame="9 80"]قراءات وبحث : الفنان التشكيلي العربي السوري(محمد عبد الحميد شبيب )من رسالة ماجستير قدمت بجامعة دمشق بكلية الفنون الجميلة قسم التصوير ؟؟ [/frame]

[frame="3 80"]حول : العلاقة الجدلية بين الفكرة و الكروكي ، وكيفية تفاعل كل منهما مع الأخرى حتى كونتا أساساًُ تبنى عليه اللوحة.
في هذا الفصل سنبحث في عملية إنجاز اللوحة ودور الكروكي في هذه العملية بالإضافة إلى العوامل الأخرى :[/frame]
[frame="2 80"]مراحل العمل الفني:[/frame]
يذهب جلُّ الباحثين إلى أن العمل الفني لا بد له أن يمر بعدة مراحل ، منذ انطلاقة فكرته الأولى وحتى الانتهاء منه ، على أن البعض يقول بأن هذه العملية أعقد من أن نقسمها إلى مراحل ، فجميع هذه الخطوات متداخلة مع بعضها البعض . يشير عالم الطبيعة الألماني هـ.فون هيلمهولتز H.Von Helmholts إلى أنه بعد أن تأتي البداية للفنان ويبحث الأمر من عدد من الزوايا والاتجاهات - حسب د.مصري عبد الحميد حنورة - فإنه و على غير انتظار وبدون توقع يجد أن الحل قد أشرق على عقله إشراقاً خلاباً مثل الإلهام . وهذا الانفتاح لا يجيء أثناء الانشغال بالموضوع والانصراف إليه بكل قوة الانتباه . إنه يأتي عندما يكون المبدع في لحظات أخرى خلال نزهة أو رحلة ، أو جلسة مسترخية .
ويعلق باحث آخر هو غراهام والاس G.Wallas على كلام هليمهولتز H.Von Helmholts بأنه من الواضح – وبحسب الدكتور حنورة أيضاً – أن هذا العالم يشير إلى وجود ثلاث مراحل في عملية الابداع هي:
· مرحلة النظر في الأمر من وجوهه المختلفة ، والبحث في جوانبه المتعددة . وهذه المرحلة هي مرحلة الاستعداد Preparation.
· مرحلة لا يلقي فيها الإنسان بالاً إلى موضوع المشكلة . إنه يبتعد عنها أو تبتعد هي عنه . اسم هذه المرحلة الاختمار Incubation.
· مرحلة ظهور الحل أو هبوط الأفكار السعيدة على ذهن المبدع ، وما يرتبط بها من أحداث نفسية أخرى ، وهذه المرحلة هي مرحلة الإشراق Illumination.
وقد وجد هذا التقسيم لدى المفكر الفرنسي هنري بوانكاريه H.Pwancarie مع إضافة مرحلة رابعة هي مرحلة التحقيق Verification.
وقد نقل الكاتب قاسم حسين صالح هذا التقسيم أيضاً – نقلاً عن والاس Wallas – في كتابه الابداع في الفن.
ويحدد الكاتب عبد العظيم محمد الضامن مراحل العمل الابداعي ، متخذاً من لوحة الغيرنيكا لبيكاسو نموذجاً ، وذلك في عدة نقاط هي:
· الإعداد: التعرف على المشكلة وجذورها وفروعها.
· تحديد الأفكار والفرضيات: وتتسم في الفترة اللازمة للتفكير.
· التجربة واختيار الفرضيات المناسبة كحلول.
· الإلهام: هو الإثارة و السرور الذي يأتي فجأة نتيجة للتفكير كحل للمشكلة.
· الاختيار: هي المرحلة التالية للإلهام لتقييم مدى جدوى الحل المقترح.
يضيف الضامن أن هذه النقاط ليست قاصرة على لوحة الغيرنيكا فحسب ، بل هي لكل عمل إبداعي . وعلى ضوء هذه النقاط يقيم الكثير من المحللين والنقاد نظرياتهم وتفسيراتهم حول العمل الفني الذي يتصل بالإبداع.
أما الكاتب محسن محمد عطية فيقسم مراحل تطور العمل الفني إلى المراحل التالية:
· عملية الاختيار ، أي اختيار فكرة من أفكار متعددة يجدها الفنان صالحة لأن تصبح موضوعاً من موضوعات الفن.
· عملية تحديد بؤرة الاهتمام في التكوين الفني.
· عملية تحقيق التوازن الشكلي بين العناصر المختلفة.
· عملية الإيحاء بعنصر الحركة.
تقوم عالمة نفس أمريكية بتقسيم مراحل العمل الفني إلى التالي:
- التحضير Preparation – الحضانة Incubation – الإلهام Inspiration – التشكيل Elaboration .
ويلخص د.محمود ما قاله الفلاسفة عن تجربة الإبداع الفني " أولاً يحول الفنان الأحاسيس إلى حدوس Intuitions ثم يتلقى إلهاماً إلهياً ، فيعيد تفنيط ذرات تجربته المباشرة ، ويجسم تصوراته في شكل محسوس ، وينمي فروضه الأولية حتى يصل إلى صورة مقبولة لعمله الفني تجعله صالحاً للوجود "
يبدو لنا من خلال استعراض هذه التقسيمات أن ثمة قاسماً مشتركاً بينها جميعاً . وحسبنا أن نكون قد غطينا بعضاً منها في الفصلين الأول والثاني ، وما تبقى منها أي المرحلة الأخيرة للعمل الإبداعي ، وهو ما أسماه والاس الإشراق ، وبوانكارييه التحقيق ، ومحسن محمد عطية الإيحاء بعنصر الحركة ، وعالمة النفس الأمريكية التشكيل ، سوف نغطِّيه بعون الله في هذا الفصل.
ومن أجل ان تكون عملية البحث متكاملة لا بد لها أن تشمل ثلاث مراحل:
أ – المرحلة التي تسبق اللوحة .
ب- مرحلة التحضير للوحة .
ج- مرحلة العمل باللوحة .
وقد رأينا أن نعتمد لوحة الغيرنيكا لبيكاسو كمثال على هذه العملية وذلك للأسباب التالية:
_ وجود وثائق ومعطيات كافية من أجل البحث تمثلت بإحدى وستين كروكي أنجز بيكاسو إثنتان وعشرين منها قبل البدء باللوحة ، والأخرى أثناء العمل ، بالإضافة إلى سبع صور فوتوغرافية تمثل مراحل تطور العمل.
_ وجود أبحاث كافية تناولت هذه اللوحة .
_ أهمية اللوحة وأهمية الرسام.
_ شمولية هذه اللوحة لكل ما يتعلق بإنجاز اللوحة عموماً
[frame="2 80"]للبحث صلة ؟؟اخوكم عبود سلمان ؟؟هنا الرياض
؟؟[/frame][/frame]







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 01-09-2006, 10:57 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عبود سلمان
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبود سلمان غير متصل


الغيرنيكا وتداعيات الاسود والابيض والمشاعر ؟بعواطف الفنان ؟؟الرسام ؟؟

[frame="7 80"]ا[frame="2 80"]لغــيــرنـــــــيكا[/frame] Guernica

一- [frame="2 80"]المرحلة التي سبقت الغيرنيكا:
في الواقع من أجل الوقوف على عملية تَكوُّن الغيرنيكا لا بد من إضاءة المرحلة التي سبقت ظهورها من أجل تتبع الإرهاصات التي أوصلت إليها من صور وأفكار تجلت في اللوحات التي أنجزها الفنان في هذه المرحلة. فكل لوحة ينجزها الفنان لا يمكن أن تأتي من فراغ ، بل ستكون امتداداً للوحات سبقتها ضمن سياق تجربة معينة . ولم يكن بوسع بيكاسو _ كما يقول جون برجر _ أن يرسم قط الغيرنيكا على النحو الذي رسمه عليه لو لم يقم ببعض التدريبات السابقة على مثل هذه اللوحات .ويقول عبد العظيم محمد الضامن ايضاً " إن الجذور العميقة للغيرنيكا لا تتعلق فقط بعام 1937 م . فقد كان موضوع الحرب الاهلية الاسبانية يشغل بيكاسو حتى قبل أن يبدأ برسم الغيرنيكا " . ويؤكد ذلك قاسم صالح بقوله " إن بيكاسو كان قد قام بدراسات تمهيدية ، وأنجز عدداً من اللوحات التي لها علا قة بالغيرنيكا ، أهمها لوحته المرأة الباكية ورأس الحصان Hed of Horse عام 1937 م " لذا سنقوم ببعض المقارنات والمقاربات الشكلية بين ما سبق إنجازه في اللوحات التي سبقت الغيرنيكا مباشرة ومابين عناصر اللوحة. يقول يوسف فرنسيس " لن يستطيع الفنان أن يخبرنا بصدق عن تاريخ ميلاد لوحة في ذهنه ... فالتاريخ الذي تحمله اللوحة إلى جوار توقيع الفنان... هو تاريخ الانتهاء من رسمها . أما الميلاد الحقيقي للفكرة... فله ذكريات بعيدة في الذهن ، لا يمكن تتبعها بدقة "
إلا أن ثمة حقائق لا لبس فيها حول كل أمر ، وما تبقى يقوم الباحث دائماً باستنتاجه عن طريق العقل والمنطق .
ما هو معروف أن بيكاسو بدء العمل الفعلي بلوحته ( نقصد قيامه بإجراء الكروكيات ) في الأول من أيار1937برسم سريع يمثل ثنائية بين الحصان والثور ( لن تكون واضحة إلا في الرسم التالي ) وامرأة تطل من النافذة تحمل شيئاً ما بيدها ( سيظهر فيما بعد أنه قنديل ) . فمتى كان الظهور الأول لهذه الثنائية ..........؟[/frame]

[frame="10 80"]في أولى اللوحات التي تمثل الصراع بين الثور / الحصان والمسماة بـ -Bull fight- Death of the Toreador ( وهنا قد تكون أول ثنائية للثور / الحصان ) يبدو الحصان في حالة انهزام ، حيث يصهل رافعاً رأسه إلى أعلى اللوحة ، في حين بطنه مبقورة وأمعاؤه خارج بطنه. أما المصارع فهو يتهاوى فوق قرني الثور المليئ بالقوة.
يلاحظ أن الأسلوب يعتمد على الإيهام بالحجم والعمق حيث أن طريقة الاختزال لم تظهر إلا لاحقاً شكل ( 1 ) [/frame]
[frame="9 80"]شكل ( 1 )[/frame]في نفس العام هناك عمل منفذ بالشمع على الورق يمثل حواراً حاداً بين العدوين الثور / الحصان فيما يبدو أنه يسبق الشجار . في هذه الصورة يبدو الحصان وهو يصهل بغضب شديد وبلهجة تحدٍّ ، في حين يعبر وجه الثور عن الدهشة من تهور الحصان وجرأته لأنه لا يقدر - فيما يبدو - قوة الثور التي لا تجارى شكل ( 2 )

[frame="9 80"]شكل ( 2 )[/frame]
في العام التالي 22تموز1934يتحول الخصام إلى صراع دموي فيقوم الثور بافتراس الحصان بطريقة خارقة ( لاحظ أن الثور يفترس الحصان بأنيابه على غرار ما تفعل الوحوش ، خلافاً لما يتميز به الثور حيث يصارع بقرنيه ) وذلك بلا توقف في لوحة اسمها Bull Fight (Corrida) يصور الفنان الثور أشبه بالوحش ، فهو يفتح بطن الحصان المسكين بأنيابه فتحة هائلة بحيث تظهر أحشاؤه ، وثمة أربعة وجوه تطل من الأعلى والجوانب لتتفرج.
[frame="9 80"] شكل ( 3 )

شكل ( 3 )[/frame]تتكرر هذه الثنائية في لوحة أخرى في نفس اليوم ( لاحظ الانتاج الغزير لبيكاسو ) حيث الثور في حالة هجوم شرسة على الحصان الذي _ فيما يبدو _ لا يريد له الفنان أن يتوقف عن الصهيل والتوجع . وهناك شبح أسود يشبه فارساً ، وجهه عبارة عن ساعة تسجل التوقيت و هو الثالثة تماماً ، يسدد من فوق الحصان رمحاً باتجاه الثور شكل ( 4 )

[frame="9 80"]شكل ( 4 )[/frame]يعود بيكاسو إلى تكرار هذا الموضوع بعد خمسة أيام عن طريق لوحة أخرى تمثل نفس المشهد ، و لكن هذه المرة يبدو الأمر أكثر فظاعة ، حيث الحصان مقطع الأوصال و بطنه مفتوحة تماماً ، و شلالٌ من الدماء ينهمر شكل ( 5 )


[frame="9 80"]شكل ( 5 )[/frame]
ثمة لوحة أخرى بالأسود و الأبيض / حبر هندي و قلم رصاص على القماش تمثل صراعاً بين الثور العنيف الذي يخرج أحشاء الحصان بأنيابه شكل ( 6 )

[frame="9 80"]شكل ( 6 )[/frame]
و كم الشبه كبير بين هذا الحصان المفجوع و الدراسة الخطية للغيرنيكا رقم ( 5 ) . كما أننا إذا رجعنا إلى هذه الدراسة التي أجراها الرسام في عام 1917 شكل ( 7 ) نجد أن هذه الفكرة / فكرة الحصان المنكوب / تعود إلى ذلك التاريخ. لكن ثمة سيف مغمود بين كتفي الثور يفجر شلالاً من الدم ، في حين تسجل هذه اللوحة أول ظهور للمرأة التي تحمل القنديل ، حيث تبدو هنا تحمل شمعة كبيرة و هي تمدها خارج النافذة موارية وجهها بيدها اليمنى من هول المنظر. و هذه الفكرة هي نفسها التي سيعتمدها الفنان في الغيرنيكا.
[frame="9 80"]شكل ( 7 )[/frame]
إن حاملة القنديل في / غيرنيكا / _ كما يقول أحمد طرابلسي _ تنتمي إلى فصيلة نساء رسوم و محفورات فترة / المنيتور / اللواتي يواجهن الوحش بشمعة مضيئة أو باقة زهر أو مرآة. كما و أن هذه الثنائية تتكرر بشكل مختلف في لوحة أخرى تحمل اسم Minotauro Machy و هي محفورة بتاريخ 23أذار1935 شكل ( 8 )


[frame="9 80"]شكل ( 8 )[/frame]
في العاشر من ايار1936و في اسكتـش آخر بالحبر الهندي على الورق يعلو الحصـان جسد الثور / المنيتور / المتهالك و نصلة الرمح مغروسة بين كتفيه تحت اسم _Wounded Minotaur Horse and Figures و هذه الحالة الوحيدة التي يصور بها بيكاسو الثور مهزوماً شكل ( 9 ) .

[frame="9 80"]شكل ( 9 )[/frame]كذلك تتكرر هذه الثنائية في كل من اللوحات التالية:

· Study for the Curtain for 14 Juilet by Romain Rolland
· Minotaur and Dead Mare Outside a Cave with Young Veiled Girl
· Fawn, Horse and Bird
[frame="9 80"]شكل ( 10 )[/frame]
[frame="9 80"]شكل( 10 )[/frame]بالاضافة إلى الثنائية الثور / الحصان نجد أن المرأة حاملة القنديل تمثـل الركن الثالث في اللوحة. فإلى جانب تلك الثنائية لم تغب هذه المرأة عن اعتبار الفنان طيلة فترة تحضيره للوحة ، بمعنى أنه لم يقم باستبعادها من التكوين إلا في اسكتش واحد هو الاسكتـش رقم ( 12 ) من جملة ما عمله بيكاسو من اسكتشات للوحة ، كما أنها كانت موجودة منذ الرسم الأول . أما عن فكرتها فنستطيع القول أنها ظهرت في اللوحة شكل ( 6 ) في العام 1935.

[frame="7 80"]من خلال مقارنة هذه التجارب مع لوحة الغيرنيكا تتكشف لنا عدة حقائق:
·إن الدور المسند للحصان / الفجيعة ، التوجع / في التجارب السابقة يبقى منسحباً على حصان الغيرنيكا.
· إن الدور المسند للثور / الوحشية ، العدوانية / في هذه اللوحات السابقة ، هو الذي أدى إلى المغالطة في إسناد هذا الدور لثور الغيرنيكا ، علماً بأنه لا توجد أية دلائل تشير إلى هذا الدور في اللوحة ، بل إن الثور أقرب إلى دور المخلص منه إلى المعتدي . فهو عند بعض دارسيه رمزاً للخصب والبسالة ولاسبانيا معاً . أما غارودي فقد اثر أن يتجنب الإشارة إليه لا من قريب ولا من بعيد . رغم أنه جاء على ذكر عدد غير قليل من التفاصيل في الصورة ". و الغريب أن بيكاسو نفسه يدفعنا إلى الحيرة بقوله " إن الثور ليس الفاشية ، و إنما الوحشية و الظلام ... الحصان يمثل الشعب ... جدارية غيرنيكا رمزية ... مجازية . ذلك هو سبب استخدامي الحصان ، الثور ، و غيرهما . إن الجدارية من أجل تعبير و حل محددين لمشكلة ، و ذلك هو السبب في استخدامي الرمزية " ثمة سبب آخر وراء هذا التشوش في دور الثور يفسّره فيرميجيه بقوله "إن صبر بيكاسو على تطوير الثور في التخطيطات الاولى كان ضيقاً ، ولم يتح المجال الكافي لينمو نمواً متكافئاً مع باقي رموز لوحته ومتجانساً ومتساوقاً معها " .
·إن فكرة المرأة حاملة القنديل تعود إلى تلك التجارب السابقة و تحديداً اللوحة شكل
( 6 ) كما أسلفنا.

· أخيراً و ليس آخراً يقول الكاتب Hans L. Jaffe : إن للمرأة الباكية شكل ( 11 ) تأثيراً و حضوراً في الغيرنيكا ، فثمة امراة باكية هي المرأة الحاملة لرضيعها الميت بين يديها و ذلك في الدراسات الأولية للوحة. غير أن الرسام يقوم بازالة التفاصيل فيما بعد ، لكن التعبير سيبقى في اللوحة [/frame]
[frame="9 80"]شكل ( 11 )[/frame]

ب _ مرحلة التحضير للغيرنيكا:

قام بيكاسو بإنجاز احدى و ستين كروكي للغيرنيكا ، حرص أن يوقعها و يضع لها تواريخ محددة . بالإضافة إلى سبع صور فوتوغرافية تمثل سبع مراحل في تطور اللوحة بالإضافة إلى اللوحة ذاتها . و قد قامت بتصويرها صديقة الفنان ، المصورة اليوغسلافية الأصل ، و التي كانت موديلاً له في بعض الأوقات . و قد شكلت هذه الوثائق مادة غنية لإجراء الدراسات حول إنجاز الغيرنيكا.
امتدت الفترة التي استغرقتها الغيرنيكا من 1أيار عيد العمال و هو اليوم الذي وضع فيه أول رسم للغيرنيكا ( الفكرة الأولى ) إلى الرابع من حزيران1937 حيث وضع الرسام إمضاءه على اللوحة الأصلية.
و قد جاءت اللوحة تلبية لتكليف من الحكومة الاسبانية للرسام بإنجاز لوحة تمثل اسبانيا في معرض باريس الدولي . و كان لوسائل الإعلام دوراً كبيراً في إلهاب الحس القومي و الإنساني لدى الفنان ، مما دفعه للقيام بهذا العمل الخالد. حيث شعر بأن اسبانيا ما زالت موجودة _ حسب غيرتروشتاين _ وإن وجودها أيقظه ، فهو موجود أيضاً وبمثل هذه المعادلة الديكارتية المعكوسة أثبت بيكاسو صلته بالوطن .
يقول الطرابلسي: " إن تأثر غيرنيكا بوسائل الإعلام كان تأثراً مضاعفاً " . غير أن هذا التأثر ليس بالدرجة التي دفعت " يـونـج " لأن يفسر بها لجوء بيكاسو لتنفيذ لوحته بالأسود و الأبيض على أنه انعكاس لألوان الكتابة في الجرائد كما يقول روجيه غارودي فما هو معروف - حسب عبد العظيم محمد الضامن - أنّ بيكاسو كان يفكر بإضافة دمعة حمراء كبيرة على لوحته ، لكن آندريه مالرو أقنعـه بالعـدول عـن ذلك و الإبقاء على اللون الرمادي دون استعمال غيره .

فلنتتبع العمل خطوة بخطوة. اعتماداً على التواريخ المحددة لكل كروكي يتبين أن اثنتان و عشرين منها تم إنجازها قبل البدء بالعمل على اللوحة / القماش /. في حين أن الباقية أنجزت أثناء العمل .

منذ الرسم الأول تبدو الفكرة معروفة لبيكاسو ، هذه الفكرة التي ولدت عنها الغيرنيكا.
و هذا ما سيتضح لنا في الدراسات اللاحقة حيث سنكتشف ما أراده الرسام من خلال هذا الرسم السريع ، حيث سيظهر أنه يمثل امرأة تمتد برأسها و ذراعها الذي يحمل قنديلاً خارج النافذة لتضيئ شيئاً ما يحدث . و ثمة هيكلان يشبهان الحصان
و الثور بالإضافة إلى طائر يرفرف بجناحيه فوق ظهر الثور و هناك خطوط عشوائية تمثل مبنىً / بيتاً / و خطوط منحية تمثل شيئاً غير معين شكل ( 12 ).
ما نريد التأكيد عليه منذ البداية أن هذه الفكرة / الرؤية / ظلَّ الفنان محافظاً عليها حتى اللوحة النهائية و هذا ما يؤكده الفنان نفسه: " على أن هنالك ما يدعو إلى أشد العجب ، و هو أن نلاحظ أن الصورة لا تتغير في جوهرها ، و أن / الرؤية / الأولى بالرغم من تبدل المظهر تبقى كما هي أو تكاد ، فقد يحدث مثـلاً أن يستوقف

[frame="9 80"]
شكل ( 12 )[/frame]

نظري لون قاتم إلى جوار لون ناصع بعد رسمهما على اللوحة. فأبذل جهدي لفصلهما بإقحام لون ثالث بينهما من شأنه أن يخلق شكلاً آخر . و لكنني ألاحظ لدى تصوير تلك اللوحة تصويراً فوتوغرافياً أن ما أضفته لتصحيح رؤياي الأولى قد اختفى. و أن الصورة الفوتوغرافية تطابق في نهاية الأمر تلك الرؤيا الأولى قبل التعديل الذي تشبثت بإدخاله عليها " .

في الرسم الثاني يسجل الفنان فكرته المتعلقة بالمرأة المطلة من النافذة - تأكيداً منه على حـتمية وجودها - بشكل سريع في أعلى الورقة مع مجموعة خطوط عشوائية . و يركز اهتمامه على القسم السفلي من الرسم ( الثور ، الحصان ، الحصان الصغير المجنح ) بحيث يظهر الثور واقفاً بثبات يعتليه حصان مجنح صغير " بيغاسوس Pegasus " كأنه يمسك بحزامين أحدهما يطوق بطن الثــور و الآخر رقبته كأنه يمتطيه.
إلى جانب الثور ثمة حصان يحتضر و قد امتدت رقبته و رأسه للأعلى بشكل
يشبه القضيب - كما يقول تيموني هلتون -. كما أن الرسام حاول أن يرسم حصاناً يجثو على يديه وراء الثور شكل ( 13 )

[frame="9 80"]
شكل ( 13 )[/frame]

في الرسم الثالث يُـبعد الحصان المحتضر نحو الزاوية العليا اليسرى ليحل محله حصان آخر بجسد عنكبوت ، و ثمة شخصان يملآن الجانب الأيمن من اللوحة شكل ( 14 ) . هنا نستطيع تسجيل ملاحظتين:
الملاحظة الأولى: إن بيكاسو يعود ـ فيما يبدو ـ ليجرب طريقته في الرسم التي اتبعها في لوحة / أحلام و أكاذيب فرانكو / شكل ( 15 ).
الملاحظة الثانية: إن بيكاسو خلال إجرائـه للدراسات المتعلقة بلوحته يطلق العنان لمخيلته فيأتي بأشكال في غاية الاختلاف فيما بينها ، حيث يجرّب هذه الأشكال
و مدى قابلية كل منها لتوظيفها بشكل فعال ضمن اللوحة.
يقول تيموني هلتون: " أما الرسم المرقم برقم ( 3 ) فهو تعاظمي Accretional و ليس تركيبياً. فبعض الأجزاء مفصولة عن بقية الصحيفة بخط دائري متواصل حولها، و مكتوب على جزء واحد كلمة كهذا Bas ليشير من دون شك - لكن لمن ؟ - بأن ينزل هذا الرسم المفرد إلى الأسفل أكثـر . و هنا تدخل موضوعة انتزاع الأحشاء ، مع الإشارة - كما هو واضح - و للمرة الأولى إلى الجسد الإنساني " . في حين تبقى المرأة حاملة القنديل عنصراً أساسياً لن يستغنى عنه.

بعد ذلك يقوم بيكاسو بإجراء دراستين خطيتين للحصان ، الأولى سريعة مختصرة لن تخدم العمل أبداً ، لأنها بعيدة جداً عن جو اللوحة شكل ( 16 ) . في حين أن الدراسة الأخرى شكل ( 17 ) يمكن اعتبارها جدية لأنها - كما رأينا - متصلة مع سلسلة الرسوم المتعلقة بالحصان منذ العام 1917 ، و هي نفسها التي

[frame="9 80"]شكل ( 14 )

شكل ( 15 )

شكل ( 16 )
شكل ( 17 )[/frame]

سيطورها فيما بعد ليصل إلى الشكل النهائي للحصان هذا قبل أن ينتقل إلى الاسكتش السادس فماذا نجد هنا ..... ؟
من الملاحظ أن الخط بدأ يميل نحو الهدوء و الدقة ، حيث تخلى عن توتره و تشتته بعدما كان يطارد الفكرة بشيء من القلق و عدم وضوح الرؤية. خاصة أنه يستخدم في هذا الاسكتش قاعدة من الغيسو Gesso أي لوح من الكونتربلاك Counter black مغطى بصباغ أبيض مخلوط بغراء قابل للذوبان في الماء. و هذا التقنية أكثر ملائمة من القواعد الزيتيتة للطرق التخطيطية.
من الملاحظ أيضاً الظهور الأول للمحارب الشهيد ممداً بطريقة مباشرة و غير مدروسة بين أقدام كل من الحصان و الثور . لذلك يعد هذا الاسكتش تطوراً تصاعدياً من حيث زيادة عناصر و تكوين اللوحة شكل ( 18 ). و لكن ماذا عن العناصر الأساسية للوحة ... ؟

حتى هذه المرحلة ليس هنالك سوى أربعة عناصر رئيسية ـ بعد دخول المحارب ـ و عنصران ثانويان:
· المرأة حاملة القنديل:
يكاد يكون الرسام قد توصل ـ بدءً من هذا الاسكتش ـ إلى الشكل النهائي للمرأة و هذه سنتوقف عندها في مرحلة قادمة.
· الثــور :
يقف خارج الحدث و لا يعبر رأسه و وجهه عن أي تعبير للحزن و الخوف أو العداء ، كما يظهر بشكل متعارض ـ حسب هلتون ـ مع أي مفهوم بأن دوره يتسم بالغل ، في شكل ما من أشكال التكليل بالغار ، كما تدل حركة ذيله على الاعتزاز.

[frame="9 80"]شكل ( 18 )[/frame]·

[frame="4 80"]الـحــصان:
بدءً من هذا الاسكتش حدث تغيير رمزي على عناصر اللوحة - نقصد على الحصان تحديداً - إذ بدءً من هذا الاسكتش سيتحول الحصان إلى فرس ، فجذعه صار أشبه بجذع امرأة حبلى ، لا سيما أن حصاناً مجنحاً صغيراً يخرج للتو من شق كبير في بطن الفرس. ( من هذه اللحظة سوف نطلق كلمة فرس على حصان الغيرنيكا ) و ما يدعم نظريتنا هذه أنه لن تظهر للفرس بعد هذه المرحلة أية أعضاء تناسلية توحي بأنه حصان ، لا سيما و أن بيكاسو لا يتورّع عن رسم الأعضاء التناسلية الذكرية سواء للثور أو للمحارب الشهيد في صياغته الأولى. أضف إلى ذلك ما يقوم به الرسام في الدراسة رقم ( 13 ) من اجراء مقابلة رمزية بين كل من المرأة المفجوعة و الفرس المصابة ( و هذه سنتوقف عندها لاحقاً ). فضلاً عن اللوحة شكل ( 10 ) المسماةباينتور والفرس الميتة.[/frame]
· [frame="3 80"]المحارب:
يذكرنا المحارب من خلال الخوذة التي على رأسه و الرمح الذي بيده بالكلاسـيكية وفرسـان / دافيد / وهو غير عابئ بالحركة والأقدام حوله مستسلماً بوقار لسَكينة الموت. يشير د. فاروق البسيوني إلى أن الرسام في رسمه للمحارب يستلهم رسماً لآنجـر شكل ( 19 ) و كذلك تفصيل من لوحة لروبنز شكل ( 20 )
أما العنصران الثانويان فهما البيت الذي غدى أكثر تنظيماً ووضوحاً، فأخذ شكلاً شبه نهائي ، والحصان الصغير المجنح الذي يظهر الآن وهو يخرج من بطن الفرس الحبلى.

في الثاني من أيار سيغدو رأس الفرس في الاسكتش رقم (6) موضوعاً لثلاث دراسات تفصيلية منفصلة أشكال ( 21 ) (22 ) ( 23 ) اثنتان بالشمع على الورق أما الثالثة فقد نفذت بالزيت على لوحة متوسطة القياس 92.1 × 65 سم وهذه الدراسة سوف تخدم العمل النهائي كثيراً.

في نفس اليوم يقوم الرسام برسم الكروكي رقم ( 10 ) وهي عبارة عن اسكتش من الشمع على كونتر بلاك Counter black مقاس 73×60 سم وهو قياس قريب من الشكل المربع [/frame]


[frame="9 80"]شكل ( 19 )

شكل ( 20 )
شكل ( 21 )

شكل ( 22 )
شكل ( 23 )
( يلاحظ أن بيكاسو لم يتوصل بعد إلى تناسب أبعاد اللوحة الذي سيحدده التكوين بطبيعة الحال) شكل ( 24 ).
شكل( 24 )[/frame]
هنا صارت الحركة أكثر دراماتيكية فالثور الذي كان مزهواً في الاسكتش رقم ( 6 ) هُرع جزعاً وهو ينظر للوراء نحو شيء ما قد حدث ، على أن هذه الحركة تعد من طبيعته - كما يقول هيلتون - فلو كان قد قتل الحصان فليس هناك من علاقة واضحة تشير إلى أنه مسؤول عن معاناة الحيوان الآخر . في حين أن الفرس انكفأت على نفسها والتوت رقبتها حتى صار وجهها عند وجه المحارب "فالحصان يعامل على امتداد العمل مع هذا كحيوان في حالة معاناة ، شخصيته غير قابلة للاختلاف عن عذابه ولا غموض هناك في دوره المسرحي "
نلاحظ أن خطاً واضحاً يفصل رقبة المحارب عن الجسد ، وسواء كان رسم هذا الخط مقصوداً أو بالصدفة فإنه سيوحي لبيكاسو أن يفصل الرأس فيما بعد ليتحول المحارب إلى تمثال محطم . وهنا تظهر امرأة صغيرة ميتة تحت جثة المحارب الكبيرة نسبياً . كل هذا دعى المرأة حاملة القنديل لأن تنحدر برأسها للأسفل قليلاً وتفتح عينيها قليلاً لترى بشكل أحسن . ولتتفاعل تعابير وجهها أكثر مع الحدث ، وهي على العموم تكون هنا قد أخذت شكلها النهائي تقريباً ، أما المحارب فقد تم تحريكه بحيث أخذ وضعاً معاكساً للوضع السابق.
في الدراسة رقم ( 11 ) سيعود الثور إلى طبيعته الوحشية من خلال رسم خطي إنسيابي يمثله وهو فاغر فمه بلسان رفيع يدل على الحدة والعنف . كما أن ذيله المنتصب للأعلى يدل على حالة الهيجان وهو هنا " يرمز للقصف البربري والعنف الفاشي على المدينة الإسبانية الآمنة أثناء الحرب الأهلية فهو تجسيد لقوى الشر والخيانة " بينما ترفع الفرس رأسها عالياً حيث تصهل بشدة كعادتها شكل ( 25 ).
إذا كان الثور قد ظهر في الاسكتش رقم ( 6 ) يافعاً ، ثم جذعاً في الاسكتش رقم ( 10 ) ، فإنه في الاسكتش رقم ( 12 ) يبدو قوياً صنديداً عنيدا ً. فكل ما فيه يوحي بالتحدي والقوة . أما الفرس فقد شُلَّ نصفها السفلي بحيث راحت تجره جراً مخاطبة ببكائها رأس المحارب الذي بين يديها على الأرض . لكن المرأة الصغيرة الميتة اختفت لتظهر أخرى تحمل طفلاً ميتاً بيسراها وتستند إلى الأرض بيمناها ، بينما رأسها شاخصاً للأعلى بحالة هلع نحو الطائرات التي ترمي قنابلها شكل ( 26 ).

[frame="9 80"]شكل ( 25 )
شكل( 26 )[/frame]

ما يجب تسجيله هنا ، هو أن هذا الاسكتش يمثل الغياب الوحيد للمرأة حاملة القنديل من بين كل الاسكتشات التي رسمها الفنان للوحة . بينما يصبح البيت عبارة عن خلفية على مسرح الحدث.

في الكروكي رقم ( 13 ) دراسة تفصيلية للفرس والأم الثكلى كلتاهما بمواجهة بعضهما ، تقومان بنفس الحركة فكلتاهما تجر جسدها بحركة قريبة للزحف ، وثمة تعبير يعلو محيا كل منهما ينم عن الألم والفجيعة . فكأن بيكاسو في هذه الدراسة يجري مقارنة بين كل من الاثنتين شكل ( 27 ).
شكل ( 27 )

[frame="9 80"]أما في الدراسات رقم ( 14 ) ( 17 ) ( 18 ) ( 20 ) ثمة دراسات تفصيلية لكل من المرأة الثكلى والفرس بحالات مختلفة أشكال (28 ) (29 ) (30 ) (31 ) .

شكل ( 28 ) شكل ( 29 )
شكل ( 30 ) شكل ( 31 ) [/frame]

نصل إلى الكروكي رقم ( 15 ) وهذه أهم الكروكيات التي أنجزها الرسام من جملة ما حصلنا عليه من الكروكيات. وهذا الاسكتش بدرجات الأسود والأبيض يمثل الصياغة العامة للشكل النهائي للوحة ، حيث نفذ بالشمع على الورق بقياس 3،45 ×24 سم. وهذا الاسكتش هو الأساس الذي اعتمد عليه الفنان في وضع الرسم الأساسي للوحة على القماش شكل ( 32 ).
[frame="9 80"]شكل ( 32 )[/frame]


أفاد بيكاسو في رسم هذا الاسكتش من التكنيك الخاص بالمدرسة السريالية عن طريق الرسم التلقائي والمباشر . بيد أنه تسوسه الفكرة العامة للوحة . فعن طريق هذه الخطوط المختلفة يقوم الفنان بتفعيل سطح اللوحة ثم يقوم بتنسيق هذه الخطوط وتصويبها نحو ما يريده معتمداً بذلك على المصادفة أحياناً واستثمار الصور والأشكال التي توحي له بها هذه الخطوط أحياناً أخرى.
يعود الثور هنا إلى حالة الذهول والترقب ، في حين تصبح حاملة القنديل أكثر تفاعلاً مع المشهد من خلال حالة الذعر التي غمرت محياها . أما الفرس فهي لازالت تتلوى تحت وطأة الألم لا تبرح مقدمة اللوحة ، يقلبها الرسام من وضعية إلى أخرى . وأما المرأ ة المفجوعة فتبقى كما هي ، لكن ثمة أجساد جديدة شغلت أسفل اللوحة حيث يبدو رجلان وامرأة بالإضافة إلى عجلة تتوسط اللوحة . هذا وقد نشب حريق في الزاوية العلوية اليمنى . وهناك هيكل غير واضح لامرأة في الركن الأيسر مكشوفة الثديين ، وأغلب الظن أنها جاءت عن طريق المشاغبات الخطية التي أجراها الرسام ، وسوف يعتمدها كعنصر أساسي في اللوحة اعتباراً من هذه اللحظة.
لكن تغييراً سيحدث في الدور بينها وبين المرأة المفجوعة ( حاملة الرضيع في الركن الأيمن ) حيث ستستأثر هي بالطفل في حين ستتخلى لها عنه المرأة المفجوعة لتأخذ دور المرأة الهارعة المنطلقة من جهة اليمين نحو مركز الحدث.

[frame="5 80"]نعود إلى الدراسة رقم ( 13 ) - ومع الأخذ بعين الاعتبار سعة اطلاع بيكاسو بحيث أنه من المستبعد ألا يكون قد رأى الرولييف العظيم ( اللبوة الجريحة ) -شكل ( 33 ) نقول وبثقة أن ثمة علاقة بين هذا الرولييف وهذين الشكلين للمرأة والفرس المنكوبتين أنظر الشكل ( 27 ). إذ ما أسرع ما يستشف بيكاسو أشكاله من جميع الاتجاهات والأعماق " إن اللوحة تأتيني من مسافة أميال عدة ... من يدري من أي آماد أحسستها ورأيتها ورسمتها ... ومع ذلك فلست أستطيع في اليوم التالي أن أدرك مافعلته أنا نفسي. فكيف يمكن لإنسان أن ينفذ إلى أحلامي وغرائزي وأهوائي وأفكاري التي استغرقت زمناً طويلاً لتختمر ثم لتبرز إلى حيز الوجود ؟ " .[/frame]
شكل ( 33 )
يقول قاسم حسين صالح على خلفية انجاز بيكاسو للغيرنيكا:"ان بيكاسو قد تعلم من فنون اشور والمصريين القدامى واقنعة الزنوج وكلاسيكية اليونانيين " .ويشير د.فاروق بسيوني هنا الى ان بيكاسو استفاد في رسمه لهذا الشكل من ذلك التفصيل في لوحة دافيد (نساء سابين)
[frame="9 80"]شكل ( 34 ) .


شكل ( 34 )[/frame]



[frame="2 80"]مع اطيب التمنيات
لكم [/frame]

[/frame]







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 01-09-2006, 11:02 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عبود سلمان
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبود سلمان غير متصل


الحرية تقود الشعب ؟؟

[frame="7 80"]وكما أشرنا من قبل فإن بيكاسو يعدّ النموذج الأوضح للمصوّر الذي يمتلك كلتا المقدرتين: مخيلة خارقة مع مقدرة على الرسم لا تجارى. ولعل هذا يفسر التنوع الهائل في الطروحات التي قدمها بيكاسو في مسيرته الفنية.
قدّم الرسام في الدراسة ( 16 ) مقترحاً في غاية الروعة للمرأة المفجوعة ، بحيث جعلها تتسلق سلـّماً معدنياً بصورة معبرة لدرجة عظيمة. إن من يمعن النظرفي هذا الرسم سيدرك أن هذه الأم لن تتمكن من التسلق وهي على وشك السقوط وهذا ما تأكده حركتها وتعبير وجهها اليائس شكل( 35 ).
[frame="9 80"]شكل ( 35 )[/frame]

لكنه سيقوم بتكرار هذه الدراسة بالشمع الملون شكل ( 36 ) ، وهذه من الدراسات القليلة الملونة. فهل كان في ذهنه حين رسمها صورة الرجل الذي يتسق السلم هرباً من المنيـتور Minotaur في المحفورة المسماة مينتور ماشي شكل ( 8 ) قبل سنوات عديدة.
[frame="9 80"]شـكل ( 36 )[/frame]
في العاشر من أيار أي قبل البدء بالعمل على اللوحة بيوم واحد ، أجرى بيكاسو خمس كروكيات من بينها بورتريه Portrait للثور بالشمع شكل ( 37 ) ، حيث أعطاه وجه آدمي فيه شيء من وجه الرسام نفسه. و هو بدون شك يصنف مع سلسلة رسوم فويلاّر / المنيتور / Minotaur حيث يرسم بيكاسو ـ كما يقول الطرابلسي ـ صورته المثالية عن نفسه متجسداً شكل الثور ، رمزاً للقوة و الفحولة و بين هذين الحدين ـ الثور رمزاً للوحشية و الظلامية
[frame="9 80"]/ الثور رمزاً للجمال و القوة ، تجري عمليات مراجعة و تصحيح و تعديل و تحجيم و توازن إلى أن يستقر الفنان أخيراً على تحديد موقع الثور من اللوحة و بنائها الإجمالي ، و علاقاته بسائر الشخصيات ، حركته ، التفاتته ، اتجاه نظرته ... إلخ ، واستقراره على شخصية الثور / المخلـّص لا يتم إلا بعد أن ينقل جسمه الذي كان يحتل النصف الأيسر إلى الزاوية اليسرى منها فقط. ( انتهى كلام الطرابلسي ) . و هذا لن يتم إلا في المرحلة الرابعة من مراحل العمل باللوحة.و قد جرّب الرسام هذا المقترح قبل أن يعتمد الوجه الذي نراه في الاسكتش رقم ( 15 ) بعد أن أدار وجهه من جديد نحو مركز اللوحة. لكنه سيركـّب هذا البورتريه على جسد الثور في اليوم ذاته الذي وضع فيه التخطيط الأولي للوحة على القماش ليتـبـيّـن ( يجرّب ) النتيجة فيم إذا كان سيعتمده هو أم الشكل الآخر. و بالطبع لم يرق الرسام هذا الشكل لأن طابعه يختلف عن الطابع الاختزالي المميز لشخوص اللوحة شكل ( 38 ). هذا بالإضافة إلى المقترحين ( 39 ) و ( 40 ).

عندما كان يحاول في التخطيطين ( 19 ) و ( 22 ) - حسب د. شاكر عبد الحميد - أن يحدد شخصية الثـور وصل إلى أسلوب للجمال الكلاسيكي كان من الممكن ألا يتم إدراكه في ضوء اللوحة الجدارية ككل. و بناءً على ذلك فإن الثـور الذي كان يحاول الوصول إليه ( ثــور الغيرنيكا ) وجد أن النتيجة التي وصل إليها بشأنه قد جاوزت الهدف ، و من ثم كان لزاماً عليه [/frame]
شكل ( 37 ) شكل ( 38 )
شكل ( 39 ) شكل ( 40 )
أن يقوم بتصحيحها وفقاً لمتطلبات التصور الكلي ( انتهى كلام د.شاكر عبد الحميد ) .و هذا يرجح أنه تم رسمه قبل الشروع باللوحة.
جـ ـ مرحلة العمل بالغيرنيكا:
سنقسم مراحل العمل باللوحة إلى سبع مراحل و ذلك وفقاً للصور الفوتوغرافية السبعة الموجودة بين يدينا بالإضافة إلى صورة اللوحة الأصلية.
المرحـــلة الأولى:

شكل ( 41 )
[frame="9 80"]ذكرنا أن الاسكتش رقـم ( 15 ) كان الأساس الذي نقل عنه الرسام تخطيطه إلى اللوحة الرئيسة. لذا نجده قد رسم الثور بنفس الوضعية الموجودة في هذا الاسكتش ، حيث رأسه ملتفتاً نحو مركز اللوحة. لكنه سرعان ما سيمسحه ليديره نحو جهة اليسار . و هذا الوضع للرأس صار نهائياً حتى اللوحة النهائية. أمـا السبب من وراء ذلك فالرسـّام أعلم. غير أننا نمتلك تفسيراً ربما يكون منطقياً ، و هو ظهور المرأة الثكلى حاملة الطفل بهذا الوضـع ، حيث ظهرت جالسة تمد رجليها كمن لا حول له و لا قـوة تندب ( تعوي ) كذئبة بـيأس و قنوط ، ما دعا الثور للاستجابة لاستغاثتها حيث اقترب وجهه من وجهها. و هكذا نرى أن عملية إنجاز اللوحة هي عملية تسلسل للأحداث يشارك فيها الفنان حيث يـبني و يهدم " . فيما مضى كان الفنان يدرج في رسم لوحاته خطوة خطوة. كان كل يوم يأتي إليها بجديد. و هكذا كانت اللوحة بمثابة مجموع إضافات. أما عندي فاللوحة هي مجموعة اختزالات. إني أرسم صورة ، ثم أهدمها ، على أنها في النهاية لا تفقد شيئاً ، فاللون الذي انتزعته من مكان يظهر في مكان آخر. "
فهو يتصرف في الفن تصرفه مع الأشياء. " فسيّان عندي أن أرسم نافذةً و أن أطل من نافذة.
و إذا لم يرقني منـظر نافذة مفتوحـة في إحدى لوحاتي أغلقتها و أسدلتُ عليها الستار مثلما قد أفعل في غرفتي تماماً " كما أن هذه المرأة أخذت وضعها و شكلها النهائي. " ثـدياها العاريان لا يعلنان أية رغبة في الإثـارة ... و رأسها المنخلع إلى الخلف يطلق عويلاً نفهمه بأية لغة كانت. " و بالتالي أهمل كلٌ من المقترحين اللذين يمثلانها تتسلق السلم.
في الواقع فإن كبر مساحة اللوحة اضطر الفنان لإجراء هذا العدد الكبير من الكروكيات
- و هذه ميزة الجداريات - و كذلك لجوئـه إلى تسجيل مراحل تطورها عن طريق التصوير الفوتوغرافي . و من المؤكد أن عملية التصوير هذه عملية تكنيكية بالدرجة الأولى . و ليس القصد منها التوثيق أو إنارة سير إنجاز اللوحة ، لأن بيكاسو نفسه يقول: " إني أرغب في بلوغ مرحلة لا يصبح فيها بوسع انسان أن يدرك كيف أرسم لوحاتي. فما الغاية من ذلك ؟ لا شيء سوى أني لا أريد أن تعبـّر لوحاتي إلا عمـّا يعتلج في نفسي."
كل هذا مكـّن الفنان من السيطرة على أدواته معتمداً على مجموعة من المحاور الرئيسة للعمل و مجموعة من الأشكال التي تمّ اعتمادها على الورق لتنقل - كما هي - إلى المساحة الكبيرة. من هذه العناصر المرأة حاملة القنديل بحيث يشكل محور هذا القنديل محوراّ رئيسياً ينصـّف اللوحة شاقولياً ، متجاوزاً جسد الفرس و رأسها وصولاً إلى حافة رأس المحارب الممدد. بالإضافة إلى محورين مائلين يشكلان هرماً يمثـل ثقل اللوحة. " إن جسم الجدارية يحتله مثلثٌ كبيرٌ يرتسم بين ذروة عند طرف قنديل الزيت و بين ضلعين ينحدران منه إلى قدم المرأة الهارعة يميناً و يد المقاتل الشهيد يساراً. و هكذا ترتسم بنية اللوحة ببساطة هندسية. مستطيلٌ كبيرٌ يضم مثلثاً و مستطيلين ( مصراعين ) عند كل طرف من أطرافه. " يشير د. فاروق البسيوني إلى أن بيكاسو استفاد في إحكام تكوين اللوحــة من التكوين الهرمي للوحة دولا كروا ( الحريـة تقـود الشعـب ) [/frame]


و من هذه العناصر أيضاً البيت و الثور و الفرس. أما التعديلات و الشخوص التي أضافها في التخطيط الأول فهي:
1ـ في أقصى اليمين ظهرت إمرأة تعج بخطوط متشابكة على شكل ألسنة اللهب بحيث تبدو محترقة. يداها مرفوعتان للأعلى و كذلك رأسها ، و قد امتدت ألسنة اللهب حتى سطح البيت
و النافذة الخلفية . يربط د. بسيوني بين هذا الشكل و هذا الرسم للرســام الفرنسي آنـجـر شكل ( 42 ) ، و تفصيلاً من لوحة دافيــد ( نساء سابيــن ) شكل ( 43 ) في تصوير حركة الاستغـاثـة و امتداد الذراعين لأعلى.


شكل ( 42 )
شكل ( 43 )
2ـ ظهور طائر يتجه للخروج من خاصرة اللوحة اليمنى ، و لن يرتاح له الرسام أبداً لذا لن يلبث أن يمحوه بدائرة سوداء في المرحلة الثانية. ففي الصياغات الأولى - يقول أحمد الطرابلسي -
" لا يتردد الفنان في إطلاق العنان للتعبير عن مشاعره و انطباعاته و صوره الأشد غريزية و فجاجة و بدائية و مباشرة. إلا أنه في صياغات لاحقة لا يلبث أن يجابه كل حالة من هذه الحالات بنقيضها. و هو في حالة من ردّ الفعل و المراجعة الدائمة تجاه انطباعاته و انفعالاته و صوره. "
3ـ من بين الأجساد التي كانت ممددة أسفل الاسكـتش رقـم ( 15 ) تمّ اعتماد جسدين:
الأول:
امرأة ممددة بشكل متناظر مع جسد المحارب حيث وجهها للأعلى مستسلمةً - بسكينة - لموتٍ أقربَ للنوم . حتى ظهرتْ عندَ قمةِ رأسها زهرةٌ . ينسب الطرابلسي هذه الزهرة إلى يدِ المحاربِ " من قبضةِ المقاتلِ تشبُّ الزهرة الصغيرةُ العنيدةُ. يفاجئكَ حضورُها وسط هذا الركام
و الموت . لكنـّها التفصيل الصغير الذي يعيد تركيب المشهد كلـّه من جديد ، مانحاً إياه زخماً
و دينامية جديدين. فكأنها تسند الجدارية كلـّها و تشكلّ نقطةَ توازنِها السحريةَ ، و لكنـّه توازن هشّ مضطرب. "
في بداية الرسم ظهرت الوردة ملاصقة لرأس المرأة الميتة. لكنه بدءً من المرحلة الثانية ( وفقاً لاعتبارات شكليـّة و تعـبيريـّة ) تمّ تصغيرُ الرأسِ فابتعدتْ الوردةُ عنهُ قليلاً. و حينما قررّ إلغـاءَ الرأسِ كلـَّه بقيت الوردة وحيدة مما دفعه إلى منحها إلى يد المحارب ، و هذا ما دفع الطرابلسي لأن ينسبها لهذه اليد. أما قدما المرأة فقد ضاعتا وسط الخطوط الممثلة للمرأة المحترقة.

الثـانــي:
المحارب - يسميـّه الطرابلسي مصارع الثيران - و قد تمّ رسمُه بطريقة مباشرة و بدائية ، عارياً مكشوف العورة. و ثمة ذراعٌ لا يمكن أن تـنـتمي له تشريحياً ، رُفِعـَت للأعلى كمحور شاقولي ثانٍ ، و في الوقت الذي من المفترض فيه أن تمثل ذراع المحارب اليمنى ، فهي تبدو مثل دراسة تشريحية لذراع يسرى لتمثال مرفوعة للأعلى تحمل مشعلاً أو شيئاً آخـر. و هذا ما سيفعله في المرحلة الثانية. يقول أرنهيم: " إنّ هناك عدة عيوب في هذا الحل الذي حاوله بيكاسو في هذه الحالة - أي وضع ذراع المحارب الثابت المتجه لأعلى في منتصف اللوحة - فاتجاه الذراع يعمل على مضاعفة وظيفة الثور و كذلك العمود المركزي الذي يوجد على قمته مصباح الضوء الذي تحمله المرأة - و قد تمت الإشارة إليه في الرسم بواسطة خط رأسي - و هذه المضاعفـة لمراكز أو أبراج القوة ـ كما يقول أرنهيم لم تقم بتقوية التكوين ، و لكنها أضعفته. فقبضة اليد يمكنها بالكاد أن تجاري رأس الثور أو المصباح في دلالاتهما. إنها مجرّد قـوة كتلة من العظام و العضلات ، غير قادرة على الرؤية أو الكلام ، أو حتى ابتعاث الضوء . " في حين تمتدّ يده اليسرى بنصلة الخنجر لتلامس رأس المرأة القتيلة التي يظهر طائراً ميتاً بجوارها. و وفقاً لما سبق معرفته - يقول د. شاكر عبد الحميد - من الاسكتشات وخاصةً( 2 ) ، ( 6 ) فإنه اشارةً الى أنّ حتى روحها قد ماتت .
4_ أما المرأة التي ظهرت في الاسكتش ( 15 ) تحمل الطفل فقد تخلـّت عنه لصالح الأخرى التي استجاب لهاالثور فانطلقت وحيدة باتجاه مركز الحدث ، حافية القدمين - كما يقول الطرابلسى - مكشوفة العورة نصف عارية . وفي أحد أطوار تأليف الجدارية ، وضع بيكاسو في يدها قطعةً من ورق المراحيض ، تجسيماً لعنصر المباغتة ، بل دفعاً لحد الهزل والعبث ولتصبح هكذا" علامة استفهام حية"
المرحــلة الثانـيـة :
شكل ( 44 )

من جهة الرسم فان شيئاً لم يتغيّر بشكل جوهري عدا بعض الإضافات والتعديلات الجزئية ساعد عليها قيا م الفنان بما يمكن تسميته بالفرز اللوني لبعض مساحات اللوحة .

بين محور القنديل والمحور الشاقولي الثاني الموازي له من جهة اليسار ، قام الرسام بتظليل هذه النقطة من جسد الفرس . بحيث أعطى للشكل ثقلاً لونياً مركزيّاً .ثمّ ظلّـل رقبة الفرس ورأسها موضحاً تفصيلاتهما تأكيداً منه على مركزيّة الفرس في اللوحة. كما قام بتفعيل لغالبيّة القسم السفلي من اللوحة عن طريق تظليل لمساحات معيّنة وفقاً لمحاور وخطوط معيّنة. وهذه العمليّة يقصد بها _ عادةً_ إثارة معطيات ومفاتيح جديدة من أجل الارتقاء بالشكل .
إنّ أكثر هذه الخطوات لفتاً للنظر تلك الدائرة السوداء التي أزال بها طائر الجهة اليمنى ، وكأنّ الرسّام هنا يتعامل مع اللوحة بمنطق المعركة. فالدائرة السوداء ليست الاّ(قنبلة لونيّة) رماها الفنّان في أقصى اليمين ليرى ما ستحدثه من معطيات بصريّة وما سينجم عن وجود هذا الثقل اللوني
/ Tone / في هذه المنطقة .

من خلال قيام الرسّام بهذا الفرز اللّوني للمنطقة السفلى نجد أنّ ثمّة تغييرات حدثت . من جملتها جسد المرأة الميتة حيث ظهر لها قدمان وتنّورة. بينما تحوّل الطائر الميت إلى يد لها ، كما ظهرت يد أخرى فوق وجهها يحار المرء فيماذا كانت لها أو للمراة الهارعة . وهذه الأخيرة ستفيد كثيراً من هذه العمليّات بحيث انّ ثمّة خطّاً أفقيّاً يرسمه الفنّان بنهاية كعب المرأة المحترقة ، سيقود الفنّان الى خطوة هامّة بحيث سيمنح هذه القدم مع الساق القوي الى المرأة الهارعة ، وهذه ستمثّل تطوّراً وكشفاً سارّاً للفنان ، وما دفع الفنان إلى هذه الخطوة ضياع النصف السفلي للمرأة الهاربة حيث راح الرسّام يفتّش لها عن ساقين وهذا الصراع بين المرأتين على الحيّز / المكان / ستحسمه المرأة الهارعة لصالحها ، وستخلي لها الأخرى المكان لاحقاً .
يوضّح لنابيكاسو هذه العمليّة وتعقيداتها بلسانه قائلاً " عندما نبدأ في رسم لوحة ، كثيراً ما نقع على كشوفات فـتّانة . ولكن علينا أن نحترس منها . ونحطّم ما صنعناه . ونعيد صنعه مرّات عدّة . فالفنّان إذ يحطّم كلّ كشف برّاق لا يقضي عليه فعلاً وإنّما يطوّره ويركّزه ويستخلص زبدته . والذي يتمخّض في النهاية هو ثمرة الكشوفات المنبوذة . فما لم نفعل ذلك أصبحنا كمن يتملّق نفسه ، وانّي لأرفض التغرير بنفسي ...!!"

كما سيقوم بتحوير وجه الميتة ليصبح أكثر تجريداً وتعبيريّة .ولكن ماذا عن المحارب ؟ منذ بداية التخطيط بدا رسم المحارب يعاني من مشاكل عدّة (وهذا ما يؤكّده لجوء الفنّان إلى تغييره مرّات عدّة أثناء العمل ) لذلك يقوم الفنّان عن طريق المساحة السوداء التي شغل بها جسد الفرس بقطع هذه اليد لأنّها تسبّب مشكلة بعبورها - كما يقول د. شاكر عبد الحميد - منطقة ذات أهميّة حاسمة ( جسم الحصان ومركز الهجوم والتدمير ) وكي يستبعد بيكاسو هذا العبور تمّ فصل القبضة عن جسم المحارب ومن ثمّ تحميلها باقة من السنابل على خلفيّة لقرص الشمس (هل هو قرص عبّاد الشمس أم الشمس نفسها ؟ ) كلّ هذا بالإضافة إلى الدرجات السوداء التي وضعها في الأسفل حول جسد المحارب جعله في وضع مشتّت تماماً ، دفع الرسّام للبحث عن حل لهذه المشكلة .


المرحـلة الثـالثـة :

شكل ( 45 )

تمثّل المرحلتين الثالثة والرابعة أهم مرحلتبن في انجاز اللوحة على الإطلاق . ففي هاتين المرحلتين حدثت أهم التطورات في بناء اللوحة لذلك سنعمد إلى دراسة كلّ عنصر على حدا في هاتين المرحلتين :
- الفرس :
كنّا ذكرنا أنّ الكروكيّات من ( 23 ) إلى ( 61 ) أجراها الفنّان أثناء العمل باللّوحة . فإذا عدنا إلى الدراستين رقم ( 28 ) ، ( 29 ) شكل ( 46 ) و ( 47 ) نستطيع القول أنّهما ألهمتا الفنّان القيام بإجراء التغيير على رأس الفرس. فبطريقة لا يقدم عليها أحد آخر سوى بيكاسو يقوم بنزع الأنف والجبين من أسفل الرأس ( لأنّه كان مقلوباَ في المرحلة الثانية ) ووضعه في الأعلى . ثمّ نزع الأذنين كذلك ووضعها في منطقة علويّة لاتنتمي للرأس حتّى ، تاركاً أنيابها العلويّة الكبيرة هكذا في الفك السفلي ....!! كما وضع عينان دائريّتان اختار لهما مثلّثاً بين الوجه والأذنين . يقول
- جون برجر - "إنّ ما تتعرّض له شخصيّات اللّوحة (الغيرنيكا ) خلال عمليّة الرسم هو المعادل الخيالي ، لما تعرّضت له في لحمها وهكذا نتحسّس الألم بعيوننا ، وما الألم إلا احتجاج الجسد" طبعاً هذه العمليّة تعطينا فكرة بليغة عن طريقة بيكاسو في التفكير . اذ أعطى لنفسه مقداراً من الحرّية بحيث لم يعد ثمّة ما يردعه عن إجراء أي خطوة على مستوى الشكل . وقد قيل عنه أنّه الوحيد الذي يستطيع أن يدير ظهره للعالم.
وهكذا فمن خلال هذه العمليّة أخذت الفرس بمحاولة النهوض وهذه لها نتيجة هامّة حيث ستمهّد لخطوة كبيرة.
في خطوة جديدة يقوم الرسّام ببعض الكشط للمساحة السوداء في جسد الفرس ، وهنا يظهر جرح كبير في ظهر الفرس استفاد الرسّام في رسمه من خلال الخطوط الممثّلة لمرفق الذراع المرفوعة للمحارب .

_ المحارب :
كما ذكرنا فإنّ المحارب صار في وضع مشوّش جداً في المرحلة الثانية . وها هو بيكاسو يقوم بتعديل موقعه بشكل معاكس فيصبح رأسه من الجهة اليسرى منكبّاً على وجهه . يقول د .شاكر عبد الحميد "ربّما كان من غير المناسب جعل الثور يقف على _ بروفيل _ الوجه الجانبي للانسان ، وربّما ايضاً أنّ الفكرة المتعلّقة بالتواصل الضروري مع الثور كانت قد بدأت في الاتضاح لدى بيكاسو ، أو أنّ فكرة العزل أوالفصل العضوي البسيط للمجموعة عن بعضها البعض كانت وما زالت لها الغلبة والسيادة في اللّوحة " . كما يكشط المساحة السوداء التي غطّت جزءً كبيراً من رأسه وجذعه في المرحلة الثانية ليقوم ببعض التفصيلات. كما تحوّلت ساقه اليمنى الى يده اليمنى لتصبح اليد الممسكة بنصلة الخنجر هي اليسرى . وبالرغم من إجراء دراسة مستقلّة لها رقم (24) فانّه سيبقي عليها كما هي ولتبقى منتمية لجسد المحارب بطريقة ما . أمّا الذراع المرفوعة فقد تم بترها و إزالتها من المنطقة العلوية لسببين:
一- أنها تمثّل تكراراً للمحور الّذي يشكّله القنديل.
二- أنّها تمثّل رمزاً نضاليّاً خشي الفنّان أن يفسّر على أنّه إشارة للحزب الشيوعي الّذي ينتمي له من جهة ثانية ، وهذا ما يرفضه بيكاسو لأنّ غايته الشموليّة النضاليّة للّوحة ضدّ القهر. هذا فضلاً عن الرسم الضعيف لهذه اليد.
إن الغيرنيكا -كما يقول هيلتون – ذات مقاصد سياسية بالتأكيد ، لكن لا شيء هناك غير الوسائل الفنية . بيكاسو لم ينس أربعين عاماً من كونه فناناً جمالياً ومتباهياً وحاذقاً نتيجًة لغارة قصف. وأي نوع من التمعن في الصورة باعتبارها تعليقاً على أحداث راهنة سيغفل بالضرورة كل ما نعرفه عن بيكاسو كإنسان وفنان. عدا ذلك إن (الرمزية) لا تساعد على تقديم تفسير سياسي. و قد استطاعت غيرنيكا - كما يقول عبد العـظيم الضامن - أن تحقق توازناً دقيقاً بين صفتيها في العمل و وظيفتها في الإيحاء ، بما تريد أن تؤكده فنياً و سياسياً . و هذا ما تذهب إليه جيرترود شتاين أيضاً . وقد محيت القبضة المطبقة ، ولم تدخل الصورة . أما د.شاكر عبد الحميد فيقرأ هذا التعديل من زاوية تشكيلية على أن له جوانبه السلبية أيضاً فنصوع ( أو إضاءة ) المشهد العلوي الشديدة يقلل من ضوء المصباح الصغير . لذلك فهو يضعف بطريقة سيئة إسهام المرأة حاملة الضوء وهو أقوى تماماً من أن يكون متضمناً داخل المساحة الموجودة فوق مؤخرة الثور وأكثر من ذلك فإنه يصنع ( يكوِّن ) رمزاً إيجابياً يحتكر المنطقة التي لا بد من أن العدو قد هاجمها. وهكذا يخفي الرسام الحصان عن الأنظار الذي لا بد من أنه تعرض لنفس الهجوم. وهكذا تم تغيير وضعية المحارب – الكلام لشاكر عبد الحميد – واستبعاد يده مما ساعد كثيراً في إراحة الحشد الموجود بالمنطقة المركزية . والآن بالقرب من الثور والأم فإن رأس المحارب يقيم رابطة قوية بين المثلث المركزي والجناح الأيسر من اللوحة .

_المرأة الهارعة:
قام الرسام بما عزم عليه في المرحلة الثانية وهي ضم الرِّجل الكبيرة مع ساقها التي كانت تنتمي للمرأة المحترقة إلى المرأة الهارعة . وهذا استوجب ساقاً قوية يمنى ، ومن أجل هذه القدم ضحى الرسام بجسد المرأة الميتة غير نادم فهو قد حصل على شكل في غاية الروعة للمرأة الهارعة لا سيما و قد رسم لها يداً تتدلى. وأكمل خط الكتف فأضاف لها إليتان جعلتاها تتحول من وضعية جر نفسها إلى وضعية الاندفاع فبعد أن كانت تبدو تجر جسدها بصعوبة أصبحت تندفع بسرعة لكن ظهرها غدا شبه مكسور. وهكذا ذهب جسد المرأة الميتة وكذلك كُنِّس عود الزيتون الملقى عند قدم الفرس . و بقي رأس هذه المرأة لعلَّ الرسام ينظر في وضعه في وقت لاحق . بعدما وصل الرسام إلى هذه التعديلات لجأ إلى عملية تكتيكية من أجل المحافظة عليها ومن أجل إظهار عناصره الرئيسية وتوضيحها ، وهي إشغال الخلفية بالأسود / تعتيمها / وهكذا برزت أشكاله تماماً ، أما المرأة المحترقة بعدما خسرت قدمها اليسرى حلقت في الهواء وأعطت الانطباع الآن بأنها ألقت بنفسها من شرفة أو نافذة لكن الحريق انطفأ في البيت . وقد ترك الرسام المنطقة التي تعلو ظهر الثوردون تعتيم بعد أن أُلغيت الذراع مع السنابل كما تحول عباد الشمس إلى شكل أفقي سيصبح مصباحاً كهربائياً فيما بعد.

حين نظر الرسام إلى الصورة الفوتوغرافية للمرحلة الثانية لاحظ دون شك الفراغ الذي ساد المنطقة اليسرى / الزاوية العليا / من اللوحة ، فعمد إلى قسم المنطقة قسمين ليشغلها بصرياً حيث عتم ما حول المرأة الباكية . وحين وجد أن هذا لا يكفي رسم هلالاً ....!! وهذا الهلال ستكون له أهمية كبيرة جداً.
من خلال الدراسات
التي رسمها بيكاسو أثناء عمله باللوحة الأصلية ندرك أن شكل المرأة الباكية ظل يؤرقه . لذا يحاول من خلال الدراسات،
الوصول إلى بديل عن الشكل المرسوم ، إلا أن واحدة من هذه الدراسات لم تقنعه لذا أبقى عليها حتى النهاية.
يقول د.فاروق بسيوني ان بيكاسو هنا يستلهم ايقاع الحركة التعبيرية في تمثال ( برنيني )
هذا و بعد أن تم نوع من التمايز في الدرجات اللونية توضحت الأشكال أكثر ، لذلك صار الآن بمقدورنا أن نجري مقارنـــة بين المرأة حاملة القنديل ولوحة سلفادور دالي
( إغفاءة ) . علما ان اللوحتان موقعتان في نفس العام 1937
. ويشير د.فاروق بسيوني
الى ان بيكاسو حين رسمه للمرأة حاملة القنديل يستلهم وجه تمثال افروديت شكل
للنحات الاغريقي براكستيل ، وكذلك يستلهم بساطة التحوير في ذلك الوجه الاغريقي
، مازجا كليهما في توليفة شكلت ملامح العديد من شخوصه بعد ذلك ثم يعود د.بسيوني للقول بــأن بيكاسو استلهم حركة الذراع وشكل رأس المرأة في لوحة دولا كروا
و كذلك شكل رأس المرأة في رسم للفنان الفرنسي آنــجـر
حيث نجد أن الرأس في اللوحات الثلاثـة يأخذ شكلاً واحداً تـقـريبـاً يتميز في هيئته بالاندفاع من اليمين لليسار.
ما ينطبق على المرأة الباكية ينطبق على الثور ، فبيكاسو يترك جميع الأبواب مفتوحة والخيارات متعددة للوصول إلى أشكاله ، و لعل غزارة مخيلته وأفكاره هي التي تضعه أمام هذه الخيارات المتعددة . وهكذا فبرغم الدراستين
فإنه لن يُجري على الرأس سوى تعديلات بسيطة ليس لهاتين الدراستين علاقة بها في حين أن الشريط الأسود الذي يعبرمؤخرة الثور – كما يقول عبد الحميد – يعلن أن هذه المنطقة من اللوحة تشير إلى عنصر الإدانة لما حدث .

في هذه المرحلة حدث تغيير جذري في حركتي كل من الثـور و الفرس تحديداً يمكن أن يوصف بأنه عمل عبقري حيث كان بيكاسو مُلهَماً في تلك اللحظة ولا شك . لكن هذا لا ينفي حقيقة أن ثمة أربعة عوامل دفعت بالفنان لأن يقوم بهذا الإجراء الهام - الذي و لا شك - اعتبره الرسام نفسه فتحاً عظيماً.

أ ـ ظهور الهلال في الزاوية اليسرى ، مما أوحى للرسام أن يحرف جسد الثور للجهة المعاكسة. يقول أرنهايم: " إن أي فراغ هو دعوة للابتكار ، فالحيز الخالي عند الطرف الأيسر تم وضع هلال فيه و يبدو أن هنالك معنىً بسيطاً يرتبط بهذا الجسم العلوي الجديد . إنه يبدو كما لو كان يجيب ببساطة عن النداء بأن أحداً يجب أن يكون هناك . هل كانت الحاجة لهذا الذي ملأ الفراغ هي التي أوحت بتدوير الثـور . إن التقدم ملحوظ . فبحركة استراتيجية واحدة قام المصور بتعديل اتجاه الثور ، فالثور الآن يواجه المنظر و مع ذلك فإن رأسه بعيد عنه ، و المساحة الفارغة باليسار تم ملؤها بذيله المتحرك ، و الأم و الطفل تم تطويقهما و تدعيمهما بواسطة جذعه ، و تم استعادة الجذع الخلفي من جسم الحيوان من منطقة المركز ، و قد اعتبر أرناهيم هذا ابتكاراً عبقرياً." لكن فيرمجيه يذهب إلى النقيض من ذلك بقوله" إن حركة الإستدارة التي فـُرضت فرضـاً على الثـور قد زادت من عـدم ارتـباطـه و غرابة حضوره. إنه لا يشارك في الذي يجري حوله بل و يمثل هول المشهد الذي نراه ، و هكذا يمكن أن نعـتبره رمزاً ليلياً شريراً بالنسبة للرمز النهاري الغني بعطائه ، و المتمثل بحاملة المصباح. " لكنه يذهب إلى أبعـد من ذلك - حسب الضامن أيضاً - حين يرى فيه الثور الذي لا يدل على شيء ، و حتى يمكن القول في حدود معينه بأنه لا شيء ..... يمكنه أن يكون أي شيء ترغـب فيه تصورات المشاهد: الشر ، القوة الشرسة ، الخيـر ، فضيلة المقاومة ، أو مجرد ثـور في استطبل. غير أن فارقـاً كبيراً في لغـة كل من آرنهايم و فيرمجيه ، فالأول يقيّم هذه الخطوة من منظار تشكيلي بحت ، أما الثاني فينظر إليها بما تحمله من رموز و دلالات.
ب ـ ظهور الفراغ فوق ظهر الثور بعد مسح الذراع و السنابل.
ج ـ تشتت جسد الفرس و حالة الارتباك التي ظهرت بها هذه المنطقة من اللوحة.
د ـ الشكل اللامعقول لرأس الفرس الذي توصل إليه الرسام.
و هكذا يرسل الرسام جسد الثور إلى اليسار ليصبح على نقيض الشكل الذي ظهر به في أول تخطيط على اللوحة ، مما أوجد مساحة كبيرة دفعت الرسام ليرفع رأس الفرس عالياً إلى ما تحت المصباح الكهربائي بحركة مسرحية تماما ً. و هكذا تبدو الفرس و قد أفلتت من يد الرسام الذي ما فتئ منذ بداية الرسم يُعمِل في تشريحها و التمثيل بها ، مطلقة صهيلاً قوياً يذكر
. و قد ظهر ثقب آخر في بطن الفرس ورمح قصير مغروز في ظهرها ، وثمة عصاً مكسورة كأنها إحدى قدمي الفرس. يقول د.عبد الحميد: إنه أثناء العملية الابداعية فإن الثغرات و العقبات و المنافذ المادية أيضاً تتفاعل بطريقة مستمرة مع متطلبات المعنى . و أن العمل يثمر من خلال التقدم عبر هذه المستويات المختلفة للموقف المُشكَّل بطريقة متأنية . فالمعنى يتطلب ضرورة أن يرفع الحصان رأسه ( كل الذين تناولوا هذا الموضوع أطلقوا على فرس الغيرنيكا ـ الحصان ـ ) بحيث تحدث صرخة الاستغاثة
و المعاناة التي يطلقها عند نفس المستوى و الفخر أو الزهو الذي يكون عنده الثور محتفظاً بهدوئه و تماسكه و رأسه المراقب للأحداث . و لدرجة أن الاستغاثة توجه و تنتقل إلى ذلك البعيدالثاني الذي هو قريب في نفس الوقت ولم يكن الحصان ليستطيع أن يرفع رأسه ما لم تكن هناك مساحة تمكِّنه أن يضع رأسه فيها " .
نعود إلى المرأة المحترقة حيث يقوم بيكاسو بإلغاء يدها اليمنى و رسمها في الأسفل كما لا يجد ما يفعله بالدائرة السوداء فيقوم بدمجها وسط التعتيم الذي عمَّمه على كامل اللوحة تقريباً لكي يتعرف على ما أنجزه.
هناك ملاحظة صغيرة: ثمة خطان كانا يمثلان ما بين كتفي الثور قبل دورانه ، و بعد الدوران سيبقى هذان الخطان يشكلان مساحة بيضاء وسط العتمة و هذه المساحة ستصبح السكين االتي ستذبح الطائر فوق الطاولة . إن تنظيم المساحة ذاتياً قد لا يكون هو الهدف الأساسي للفنان لأن المساحة ـ كما يقول د.عبد الحميد ـ هي فقط وسيلة من أجل الغاية. و لكن أن نهمل المشكلات و الفرص الشكلية ، أو نتجاهلها باعتبارها أقل أهمية ، فإن هذا معناه أننا نتناسى أن الفنان يفكر من خلال الأشكال. قبل أن يترك بيكاسو هذه المرحلة يقوم بوضع قطعة من الكولاَّج collage على جسد المرأة الهاربة ليجرب فيما إذا كان سيعمد إلى زخرفة ثوبها أم لا.


يلاحظ في المرحلة الرابعة أن جميع الأشكال قد أخذت شكلها النهائي تقريباً ، عدا ثلاثة عناصر رئيسة هي: المحارب ،و المرأة المحترقة ، و رأس المرأة الميتة . لذلك سيتم التغيير على هذه العناصر بالإضافة إلى المساحات السوداء الكبيرة التي شغلت سطح اللوحة حيث صارت بحاجة للمعالجة . أضف إلى ذلك بعض التعـديلات البسيطة هنا و هناك.
بعدما أجرى الفنان دراسة منفصلة ليد المحارب اليمنى رقم ( 45 ) شكل ( 64 ) نقلها إلى اللوحة مع الذراع. أمـا رأس المرأة الميتة فقد بَرِم به الفنان . إذ لم يعد له مكاناً . و لن يكون وجود هذا الرأس مقطوعاً شيئاً لطيفاً فمسحه مع الوردة.

أما المرأة المحترقة فقد كادت تضيع وسط العتمة ، لذلك أعاد الفنان صياغتها من جديد فأصبحت بحال أحسن / غرافيكياً / و ذلك عن طريق إعطائها درجة فاتحة جداً كما رفعت يديها الاثنتين للأعلى ، فعملت _ مع النافذة و ألسنة اللهب _على إعادة التوازن لهذه المنطقة . و قد تم جعل شكل المرأة المحترقة /المتهاوية/ أكثر انسيابية "والهندسة الجديدة للأضواء جعلتها أكثر تناسباً مع الأسلوب الأكثـر شكلية للوحة، مما كان عليه حالها السابق الأكثر واقعية" .
في هذه المرحلة يقوم الفنان بمعالجة المساحات القاتمة ، عن طريق إشغالها بأشكال
و مساحات بين الأسود و الأبيض . فحتى هذه المرحلة لم تكن مسألة التدرج اللوني واضحة بشكل كاف. و هذا عن طريق عمل تمايز في الدرجات على جسد الثــور ، و إيجاد مساحة رمادية فوق المرأة حاملة القنديل ، و حول المرأة الهاربة بالإضافة إلى جسد المرأة المحترقة الذي تحول - فيما يبدو - إلى قطعة من الحطب.
من الملاحظ هنا نزع قطعة الكولاَّج collage عن جسد المرأة الهاربة.
بين المرحلتين الخامسة و السادسة لا نرى أي تطوير أو تغيير على مستوى الشكل . لكننا نستطيع القول أن الرسام قام بتصوير اللوحة بعدما وضع أربع قطع كولاَّج collage ليرى تأثيرها فيما إذا كان سيعتمدها أما لا ، واحدة فوق جسد المرأة الناحبة ، و اثنتان فوق المرأة الهاربة ، الأولى على جذعها و الثانية على شعرها . أما الأخيرة فمثلت جسد المرأة المحترقة ( لم يشر أي من الدارسين إلى مسألة الكولاج collage التي لجأ إليها بيكاسو. لكن د.شاكر عبد الحميد يشير إلى التعديلات البسيطة ، بينما ليس هناك ثمة تعديل في اللوحة ) .
لم تعجب الرسام أي من هذه الكولاجات فقام بنزعها جميعاً . لكنه سيستعيض عن ذلك بشغل جسد الفرس بنوع من التهشير ليعطي تنوعاً بصرياً و هو ما كان يسعى إليه من وراء الكولاَّج collage غير أن هذا العمل دفع مصطفى يحيى للقول " فنرى القتلى الأبرياء يتشبثون بالسكين التي ذبحوا بها ، و يطعنون حصان الإشاعات الصحفية الزائفة ، و النساء غاضبات في مقاومة شديدة ، و ذلك الثور الغاشم المسيطر على التكوين و الحصان الصاهل الصارخ"
و هذا التحليل مستغرب تماماً كما تحليل فيرمجيه حيث يصف الحصان" كريهاً سافلاً و هو يمثل بدون شك في نفسية الرسام إسبانية العنصرية." و قد انفرد فيه مصطفى يحيى دون غيره.
لقد أحيط مصباح الكهرباء باللون العاتم ، كما رسمت ( لمبة ) كهربائية داخله و ثمة تغيير طفيف طرأ على وجه الثور زاد من قوة التعبير . أما الفراغ العاتم بين رأس الفرس و الثور فقد شغله الرسام برسم طائر تذبحه سكين من جسده هو فوق طاولة خشبية . ففي هذا الركن المنزوي في مؤخرة اللوحة إلى اليسار ـ يقول الطرابلسي ـ تمسي الطاولة مذبحاً و الطائر ذبيحة و اللقطة صورة طقوسية . من الملاحظ أن موضوع المحارب ظل يسبب المتاعب للفنان حتى ما قبل الانتهاء من اللوحة . فرسم له العديد من الدراسات التي تميزت بالتعبير الصارخ إلى درجة الرعب في كل من الدراسات
و الضعف و البدائية في الدراستين
إلى أن يصل إلى الوجه المناسب تماماً في الدراسة
من خلال الدراسات التي تميزت بالتعـبير المفزع نتوقع بأن بيكاسو كان يضمر في نفسه أن يفصل الرأس . و ما أن يصل إلى الشكل المقنع حتى يقوم بذلك . حيث تتوضح قدم الفرس اليسرى فتتقدم للأمام و تفصل رأس المحارب عن جسده . و في حركة ينسف فيها كل الدراسات التي أجراها للرأس يقرر أن هذا الرأس لتمثال و ليس كما كان يحاول هو أن يجعله مفزعاً . و ثمة سهم عند مكان الفصل. و قد أدير الوجه للأعلى بشكل نهائي . إن هذا التغيير باتجاه الرأس يرتبط مباشرة بابراز المساحة ثلاثية الأبعاد ـ كما يقول د.شاكر عبد الحميد ـ في الجناح الأيسر من اللوحة . و قد خدمت الأرضية المستوية للوحة في حماية وجه المحارب من إمكانية تهشيم قدم الثور له أو إخفائها للتعبيرات البادية عليها . تمت دراسة شعر المرأة حاملة القنديل بخطوط متعرجة ، و بعد هذه المرحلة سوف لن يكون هناك أي تعديل باستثناء الخطوط / التقليمات على ثوب المرأة الباكية و توضيح الوردة التي صار لها مغزىً جديداً بعدما ارتبطت باليد المبتورة للتمثال.[/frame]


[frame="2 80"]مع ارق الاماني لكم
بالفائدة [/frame]







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 06-09-2006, 12:41 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
حسين أحمد سليم
أقلامي
 
الصورة الرمزية حسين أحمد سليم
 

 

 
إحصائية العضو







حسين أحمد سليم غير متصل


افتراضي مشاركة: فن الكروكي واللوحة التشكيلية ؟؟

بسم الله وبه نستعين

رائع هذا البحث
شكرا للفنان الذي أعده : محمد عبد الحميد شبيب
وشكرا لك أخي عبود سلمان لعرضك البحث
فيه الكثير الكثير من الإفادة الفنية
حري بالتوثيق


وإلى اللقاء






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 07-09-2006, 03:26 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
خلود آل سالم
أقلامي
 
الصورة الرمزية خلود آل سالم
 

 

 
إحصائية العضو







خلود آل سالم غير متصل


افتراضي مشاركة: فن الكروكي واللوحة التشكيلية ؟؟

استاذ عبود تحية طيبة واشكرك جزيل الشكر على هذا البحث القيم ، مجهود رائع منك .







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 22-02-2007, 04:32 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
سعاد شهاب
أقلامي
 
إحصائية العضو






سعاد شهاب غير متصل


مشاركة: فن الكروكي واللوحة التشكيلية ؟؟



تحية ابداعية لهذا الموضوع وللاخ محمد شبيب ؟؟ لبحثه القيم ؟؟والى الامام
سعاد







التوقيع

 
رد مع اقتباس
غير مقروء 08-03-2007, 11:01 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
مها الشهراني
أقلامي
 
الصورة الرمزية مها الشهراني
 

 

 
إحصائية العضو







مها الشهراني غير متصل


افتراضي مشاركة: فن الكروكي واللوحة التشكيلية ؟؟

السلام عليكم
الموضوع جدا قيم اشكرك علية والله يكثر من امثالك
ماتتخيل قد ايش حنا الفنانين محتاجين لهذة الدرسات التي تزيد من ثقافتنا .تحياتي لك







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 09-03-2007, 02:06 AM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
يوسف شغري
أقلامي
 
الصورة الرمزية يوسف شغري
 

 

 
إحصائية العضو







يوسف شغري غير متصل


افتراضي مشاركة: فن الكروكي واللوحة التشكيلية ؟؟

[frame="4 80"]الأقلامية الفنانة مها الشهراني

نرحب بك اجمل ترحيب في منتدى الفنون والتصميم . و نشكرك و نتمنى تواصلك الدائم مع منتدانا

مع فائق مودتي و احترامي العميقين[/frame]







التوقيع


كلما اتسعت الرؤيا .. ضاقت العبارة
 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التشكيليون وتأسيس الجمعية السعودية للفنون التشكيلية (والفرحة الكبرى لنا بها ) عبود سلمان منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي 0 27-07-2006 08:48 AM
تنظيم المعارض التشكيلية بمقولة ايها المنظمون ؟؟؟من اين لكم هذا ؟؟ عبود سلمان منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي 0 23-05-2006 07:16 PM
قاعات الفنون التشكيلية في الرياض ل عبد الرحمن سليمان عبود سلمان منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي 0 17-04-2006 11:55 AM
انها الفنانة التشكيلية بفضيحة تشكيلية عبود سلمان منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي 0 17-03-2006 06:15 AM
رواد حضور المعارض التشكيلية عبود سلمان منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي 0 17-03-2006 06:12 AM

الساعة الآن 08:57 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط