[justify]"شهادة مبتورة من الحقيقة: الكذب بالتواطؤ وتقاسم الجريمة"
هل تكفي الحقيقة الناقصة لتبرئة الجاني؟ وهل يمكن للكذب أن يتخذ هيئة الصدق إذا قُدّم مجزأً؟ وكيف يتحوّل القسم إلى أداة للتلاعب بالعدالة بدلًا من خدمتها؟
عبدالرحيم الجزائري، يوظف التكثيف السردي في قصصه القصيرة جدًا، مستثمرًا المفارقة والرمز لتسليط الضوء على تعقيدات الأخلاق البشرية، وكيف يمكن للتحايل اللغوي أن يُخفي الجريمة أو يبررها. يحكي النص عن شخصين اشتركا في سرقة ثمار البستان: الأول كان الراكب، والثاني الحامل. عند محاسبتهم، يدلي الأول بشهادة جزئية بأنه لم يطأ البستان بقدميه، بينما يكتفي الثاني بالقسم أن يديه لم تقطف ثمرة. كلاهما قال "صدقًا" من زاوية ضيقة، لكنه في الجوهر أخفى الحقيقة الكاملة عن فعلته. القصة تقوم على مفارقة لغوية وأخلاقية، حيث يتم التلاعب بالصدق من خلال تجزئته، فيتحول إلى أداة للإفلات من المسؤولية. القسم هنا لا ينفي الجريمة، بل يلتف حولها عبر تقنية "الحذف الانتقائي للحقيقة". المكان (البستان) يمثل رمزًا للملكية أو الحق، والثمار هي رمز للخير أو المكسب المشروع. اقتحام هذا المكان وسلب ثماره هو فعل اغتصاب للحق، لكن اللافت أن النص لا يركّز على الجريمة ذاتها بقدر ما يركّز على لحظة "التبرير الكاذب".
الزمان ضيق ومكثف، من فعل السرقة إلى لحظة المواجهة، مما يخلق إيقاعًا سريعًا يضع القارئ أمام المفارقة مباشرة، ويجبره على التفكير في المعنى الأخلاقي أكثر من التفاصيل الحدثية. القصة يمكن قراءتها أيضًا كرمز للتواطؤ السياسي أو الاجتماعي، حيث تتوزع أدوار الفعل الخاطئ بين أطراف مختلفة، بحيث لا يظهر أي منهم "مذنبًا" كاملًا في الظاهر، لكن النتيجة النهائية تبقى جريمة مكتملة.
إلى أي مدى يمكن أن يكون "الصدق الجزئي" أشد خطرًا من الكذب الصريح؟ وهل العدالة قادرة على كشف الأفعال عندما تتقن الأطراف توزيع الأدوار وإخفاء الأثر؟[/justify]