زيادة الإيمان و نقصه
فقد وردت أكثر من آية في كتاب الله عن زيادة إيمان المؤمنين وما يقبل الزيادة فانه يقبل النقصان أي إن المعنى الظاهر لهذه الآيات أن الإيمان يزيد وينقص بمعنى يقوى ويضعف فقد قال تعالى ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ) وقوله : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكروا الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) وقوله : ( هو الذي انزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) .
و قوله تعالى ( و إذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذي أمنوا فزادتهم إيمانا ) .
و قد قيل في فهم هذه الآيات و تفسيرها أقوال مختلفة ، فهناك من يرى أن نفس الإيمان قابل للزيادة و النقصان ، بمعنى تضافر الأدلة و تعاضد الحجج و البراهين موجب للزيادة و الاطمئنان و قوة اليقين ، و هناك من يرى أن نفس الإيمان لا يقبل الزيادة و لا النقصان فهو من حيث الكيفية واحد عند جميع المؤمنين وإنما زيادته المؤمن به أي كلما نزلت آية صدق بها المؤمن فزاد إيمانه عددا وأما نفس الإيمان فهو بحاله وقيل ان الإيمان واحد وأهله في أصله سواء والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازم الأولى
وارى انه ينبغي أولا أن نعرض لواقع الإيمان والعقيدة وكيف يحصل الاعتقاد ومن ثم نفهم هذه الآيات على ضوء فهمنا لمعنى الاعتقاد والإيمان
ولتوضيح ذلك أن العقيدة هي ما انعقد عليه القلب والقلب يطلق على العق ويطلق على القلب المعروف ويراد منه في هذه الحالة الوجدان ومعنى انعقاد القلب عليها هو احتواؤه لها؛ وضمها إليه ضما كاملا وأكيدا بارتياح وهذا يعني أن يأخذ الوجدان هذه الفكرة ويشدها إليه ويوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم فالاعتقاد أصله انعقاد القلب على موافقة العقل لها لهذا التصديق فقد حصل انعقاد القلب أي حصلت العقيدة بمعنى الاعتقاد .
وهنا نلاحظ أن هناك أمرين يتضافران لحصول الاعتقاد أي الإيمان عند الإنسان
وهما : القلب أي الوجدان ؛ والعقل .
الناحية العقلية في الإيمان :
أما العقل فهو مناط التكليف ويسأل الإنسان عن قبول عقله للإيمان أو رفضه له وقبول العقل للإيمان إما أن يكون بالتسليم وإما أن يكون بالبرهان أي بالدليل القاطع وهذا الإيمان العقلي تسليما أو بالبرهان لا يزيد ولا ينقص ولا يقوى أو يضعف بل هو باق ما بقي التسليم بالعقيدة وباق كذلك بوجود البرهان عليها ويزول هذا الإيمان بحصوله الشك عند المؤمن أو بالجحود والنكران فالإيمان إذا أخذناه باعتبار العقل الذي هو مناط التكليف ، فإن أهله فيه سوء ، لا تعتريه الزيادة أو النقص ، فوجودا اليقين عند الشخص بعقيدة معينة يجعله مؤمن بها ، فإن اعترى إيمانه شك خرج من دائرة الإيمان .
فالذي يقول أشك بوجود الله ، كالذي يقول أنكر وجود الله ، كلاهما كفر و ليس مؤمناً .
و بما أن هذا هو واقع الإيمان من حيث التكليف و مناط التكليف ، فهذا يعني أن حال المؤمنين من حيث الإيمان المكلف به واحدة و هم فيه سواء ، و هذا بدوره يعني أن المؤمنين لا يتفاضلون في الجنة بأيمانهم ، بل يتفاضلون بأعمالهم ، فالجنة لا يدخلها الا المؤمنون والمؤمنون الذين يدخلون الجنة يتفاضلون ويكونون في منازل مختلفة حسب ما قدموا من أعمال، فالأعمال هي ميزان التفاضل في الجنة وعلو منزلة المؤمن يأتي من مقدار التزامه بالفرائض والمندوبات وبمقدار اجتنابه للمعاصي والمعاصي هي السيئات وتجنب من اجل ترك الإثم ولا تجنب من اجل عدم أضعاف الإيمان لان من حيث التكليف لا يضعف ولا يقوى ويسال العبد عن إيمانه أو كفره كما يسال عن أعماله
المسالة الثانية من حيث النظر لزيادة الإيمان و نقصانه و هي مسالة الوجدان :
وفيما يتعلق بالوجدان فالوجدان إحساس غريزي أو شعور داخلي يظهر بوجود واقع محسوس يتجاوب معه أو من تفكير بما يثير هذا الشعور ويحصل هذا الشعور الداخلي إما بناء على دافع مشاعري مقرون بمفاهيم غريزية وأما بدافع فكري مقرون بمشاعر حركها نفس الفكر الدافع أي بحيث يكون هذا الدافع الفكري مقرون بمشاعر غريزة التدين وهي الإحساس بالعجز والحاجة إلى الخالق المدبر وهذا الإحساس الغريزي والشعور الداخلي عند الإنسان يقوى ويضعف بحسب المفاهيم المربوطة بالمشاعر ويتأثر وجدان الإنسان سلبا أو إيجابا بالوقائع المحسوسة وتبعا للتفكير بما يثر هذه المشاعر وما يخمدها ولذلك فان وجدان الإنسان تعتريه حالة القوة والضعف وتثير فيه الوقائع ويثير فيه التفكير إحساس ومشاعر يذوق معها حلاوة الإيمان وقوته وتمر بالإنسان أحوال من الوقائع والتفكير يغيب فيها الواقع أو الفكر الذي يثر فيه هذا الإحساس الغريزي والشعور الداخلي فيضعف إيمانه .... .
هذه هي زيادة الإيمان ونقصانه .
و أما الذين تأولوا الآيات القرآنية على أنها لا تعني أصل الإيمان ، بل ما يؤول إليه من تقوى و خشية و ما إلى ذلك ، فإن تأويلهم مقبول أيضاً ، على اعتبار أن المؤمنين من حيث التكليف و مناطه ، إيمانهم واحد لا يزيد أحدهم عن الآخر و لا ينقص و هو ما يؤول إليه إيمانهم من تقوى و خشية و غير ذلك .