بجوارها أضجعت دجاجات أمهات ، هادئات مثلها ، و هى جالسة تنظر إلى السماء التى أسدلت الليل فوق كتفيها ، و رسمت بنور هلال صغير بحيرة بيضاء فوق السطح الريفي ، و زبيدة تضم أصابع كفها على فوهة الجرة الخزفية ، تنظر إلى السماء و تنتظر أن تهبها السحب نصيبها اليومى من ماء المطر ، و الصغار الذين استعمرهم العطش ممدون فى صحن الدار بأجسادهم الخشبية التى أزاح العطش كسوتها من اللحم ينتظرون زبيدة تأتيهم بجرتها ، و تسكب الماء فى أفواههم على مهل ، تبلل ريقهم فتدب الروح فى أجسادهم الخشبية و تكتسي بلحم بشرى يغلف عظامهم الوهنة ،
زبيدة و الدجاجات و سماء لا ضوء فيها سوى هلال كمصباح قديم يتأرجح من بعيد ، يخفيه الغمام و يظهره ، و كلما خبت نوره رفعت زبيدة عينها للسماء تناشد السحابة الرمادية تسألها أن تخرج ثديها لترضع جرتها بماء الغيث ، منذ العشاء و زبيدة على هذا الحال ، و انشطار القلب ما بين مناجاة السماء و نهنات الصغار فى بطن الدار ، الماء قصتها المسائية اليومية ، فالقرية الخضراء أصابها الجدب و تصحرت ، تبخرت مياه النهرين فيها فلم تعد تعطيهم سوى لظى جوفها و كأنها تشاركهم الظمأ ، بل و كأنها تعاقبهم فيزيدهم لظاها ظمأ على ظمأ ..
فى انتظار الغيث فوق السطح أسندت زبيدة كوعها على ركبتها و أسندت خدها على قبضة كفها النحيلة ، و هذه الأعين التى تتأرجح نظراتها بين السماء و الأرض ، نظرت حولها إلى البيوت المجاورة ، و كل سطح تعتليه زبيدة ، كلهن يابسات ،عابسات ، مستسلمات لأمر المزن المارة فى السماء ، نظرت إلى الحارات الضيقة بين البيوت الريفية اللبنية الجدران ، إلى كلبة الجيران القابعة على ضفة النهر اليابس تلعق جسدها مستجدية قطرة ماء حتى من عرق.
طال انتظار زبيدة و طالتها الذكريات ، تذكرت كلبة الجيران و هي تعبر النهر من ضفة إلى ضفة ، ثم تخرج من الماء سعيدة تنفض الماء عن جسدها فى بهجة الارتعاش ، تذكرت كيف كانت شابة تجود فى الحقول بعرقها و الخضروات ، و قلتها الماكثة تحت شجرة الجميز مكتسية بالخيش البارد و قبعة من الخوص ، تذكرت جاراتها و الطقوس، الخبيز فى مطلع النهار ، و الأحاديث النسائية على باب النهر حين يغسلن ملابس الصغار ، و بؤجة الغداء للرجال فى انتصاف النهار ، طبعت الذكريات على شفتيها ابتسامة حزينة ، و أعادها إلى السطح صريخ الدجاجات ، ماتت أحداهن حبا فى الحياة ، فى انتظار الغيث يأتى و ماهو بأت ، أعتدلت زبيدة فى جلستها ، أمسكت بالدجاجة الشهيدة سريعا ، و أخرجت من تحت فخذها سكينها سريعا ، نطقت بأسم الله و ذبحتها سريعا ، ثم ألقت بجسدها المكسو بالدماء فى جوف الدار تتبعها دمعتان لا أكثر ، ليس بخلا إنما جفت الدمعات ، ثم اتبعت تلعن الشيخ المشعوذ و اليوم الذى أتى فيه إلى القرية على ظهر حمار أسود ، و تذكرت كلماته المبشرة المنذرة المبهمة ، و خوف الناس منه كلما اعتلى منبرا أو حدث عن سنبلات يابسات ، تذكرت حكاياته المرعبة التى زرعت الخوف فى قلوب الرجال و الفتيات ، و تذكرت جدها الذى أوصاها على فراش الموت ألا تخاف ، تذكرت كلماته لحظات الحشرجة ، لاتخافى يا زبيدة فالخوف إذا ما أصاب قلوب الطيبين ، بارت الأرض و جفت الأنهار ، تذكرت كيف خاف الناس و مذ خافوا أصابتهم اللعنات ،
ها هنا مرت سحابة سوداء فأظلم السطح ، فما كان من زبيدة أنها هبت واقفة كنخلة ، أشارت بأصبعها إلى السماء ، و صرخت فى وجه السحابة السوداء أن أنزلى ماءك أو أرحلى ، و الدجاجت حول أقدامها يصحن و كأنهن يرددن ما تقوله فى شغف، استطردت زبيدة يا سحابة السوء أنا إن مت من الظمأ فلا مناص ، و لكننى لن يقتلنى الخوف من مرورك دون جود بالمطر ، إن كان الموت قدرى فلا داعى أن انتظر ، افيضى أو ارحلى يا سحابة السوء ، افيضى أو ارحلى و لا تخفى القمر ..
لم يزل كل شيء على حاله ، همت زبيدة بالجلوس ثانية ، فعوت كلبة الجيران ، و راحت تقفز فى الهواء و نباحها يسرى بجوف الليل يمزق السكون ، فألتفت زبيدة ناحيتها لتراها ترقص تحت حبات المطر النازل على استحياء ، و أحست بالبلل يلون جلبابها بالماء ، فأسرعت إلى جرتها ، حملتها فوق رأسها ، و راحت ترقص على إيقاع حبات المطر فوق العيدان اليابسة التى تملأ السطح ..