الرحلة ، والدير ، والسكينة ... ثم الشكّ والخلاص ..
وجوه متعدّدة ، وحكايات (مصرية ، سودانية ، أردنية ، إيطالية ، لبنانية ، فلسطينية ...) متنوّعة . الطريق إلى الربّ مفتوح القلب على التوبة ، والدير ( منبع الحكايات / الرواية ) يجلس على باب المدينة العتيقة في العاصمة التونسيّة يضمّد جراح المعذّبات في عالم الخطيئة ، إنّهن الصبايا القادمات من ساحات الندم ، الطالبات لرحمة الأب .
تعدّدت الأصوات والهمّ واحد ، وتنوّعت الأمصار والحلم واحد ، إنّه حلم التخلّص من أدران الخيبات ، والانكسارات ، أو قل هو الهروب الاضطراريّ للربّ ، والبتول ، ويسوع . هكذا حدّث راوي ” باب النور ” ، وهكذا نقل قصص الهاربات للأب بعد فشل في الحياة .
ينقسم النص / الرواية إلى ثلاثة أقسام كبرى :
1-القسم الأول الموسوم بباب البصائر :
ينقسم بدوره إلى أبواب فرعيّة ، وكلّ باب يفتح على حكاية امرأة ، كما الدوائر هو النصّ ، تختلف في أشكالها ووجوه معاناتها ، وتتعانق من بعد ذلك لتصنع الدائرة الكبرى /ا لدير و حكاياه ، والدير فضاء للحكاية الأصل ( الرواية ) ومنبعها . فلا شيء يجمع بين هذه القصص / الأرخبيلات ، ولاصوت يوحّد بين أصواتها إلاّ صوت الألم / الخطيئة ، فهو الجامع بين هذا الكمّ من الحكايا كظلّ الربّ المقصود في الدير والجامع تحت عباءته / غفرانه بين الفتيات الراهبات الباحثات عن الخلاص ، حتّى أنّ النصّ الأمّ / الرواية لحظة معاشرته يبدو لفنّ القصّ أقرب ، وبه ألصق من حيث البناء ، وطرق تصريف مفردات السرد وأدواته ، إنّها نصوص في شكل تداعيات على طريقة الاعتراف الكنسي .
أمّا القسم الثاني الموسوم بعنوان كتاب البشائر :
فقد كان أنضج ، ولعالم الرواية أقرب ، إنّه حديث عن جريمة قتل / حرق لفتاة مصرية قبطية من قبل راهبة (أو هكذا صوّرت نفسها داخل الدّير) سودانية من يهود الفلاشا ، هذه التي دخلت الدير في مهمّة اغتيال راهبة فلسطينية لفائدة الكيان الصهيوني ، ويحكم على الدير من بعد ذلك بالاندثار من خارطة المعالم الدينية في تونس ، ويحكم على الراهبات بالعودة إلى ديارهن الأصلية .
القسم الثالث / كتاب البشائر :
وهو فصل يحتوي على ثلاث رسائل لراهبات عائدات إلى الأوطان والذات ، إنّه قسم يبرز فيه أسلوب المعرّي في لزومياته ، وينتصر فيه السؤال على الوثوقية الدينية ، وتنتصر فيه الرحلة الفكرية على إيمان العجائز وعلى النور المقذوف في القلب ، ويقطع القسم الثالث مع باب النور ليطرق باب العقل ، والتفكّر ، والتدبّر .
عمل حاول فيه محمود طرشونة القطع مع الكتابة النمطية ، ومع الأسلوب الخطيّ القائم على الحبكة التقليدية . هي نصوص تراوح مكانها بين رسم ملاح الأزمنة النفسيّة للشخصيات لحظة دخول الدير ، والزمن الفيزيائي ( زمن البحث عن الخلاص ) الآن وهنا ، والعودة إلى صفاء الروح والرب / الأب ( القسم الأول ) ، ونصوص تفتح على آفاق التوبة المقلوبة ، وعودة الذات إلى جسدها ، والتبشير بنيتشويّة مّا ، وإعلان خفيّ ” لقتل الإله ” على درب نفخ روح السؤال في الروح ، والانتصار بالتالي للحياة ومباهجها بعيدا عن ثقافة قتل الجسد / الخطيئة ، إنّه فصل يطعن مقولة ” الجسد قبر للروح ”بطعنات ثلاث والمتمثّلة في رسائل ثلاث كتبت بأنامل راهبات عائدات إلى الحياة / الجسد ( القسم الثالث ) ، ولكن محور الرواية ، ورمزية القول فيه اختزلها القسم الثاني ، وكان يحمل ملامح الكتابة الروائية الصرفة من حيث صياغة الأحداث ، وتقدّم السرد ، والدفع به نحو أقاصي التشويق ، ومغازلة فضول القارئ مفارنة بالبابين المذكورين المتّسمين بنثرية هادئة ( الباب الأوّل والثالث ) ، هي للتداعيات أقرب ، ولم تكن ذات وظيفة هامّة في نصّ يرنو إلى فكّ رموز الواقع المعيش ، والمشحون بأسئلة حارقة ( دينية ، أخلاقية ، عرقية ، سياسية ) ، بل كانت نصوصا باهتة الملامح ، متشابهة ، لا حراك لها وفيها في عالم السرد ، ولا وظيفة لها في كشف عوالم الرواية الخفيّة ( القسم الثاني ) هذا العوالم المتلبّس بشخوص تحيل على فضاء تضجّ فيه الأسئلة ( علاقة سارة اليهودية السودانية / بلارا القبطية / وماجدولين الفلسطينية ) ....