في المعتقل
وجدتني أتوسد نفسي في المعتقل ،أقتات من أضلعي لأفك طلسم مصيري المحتوم :إقرار بالإعدام في حقي ، وأنا لم أقتل طفلا سوريا ولاآخر عراقيا ، ولاتطفلت على وزارة ،ولاانخرطت في مناورة ..درويشة ربي اعتدت صلواتي في خلوتي لأجمع شتات منكسراتي ،التي زفتْها إلى منصتي الأيامُ العجاف على مدى 35 سنة ...والذي أدهشني أن المشرفة على هذه الحلقة السوداء قيّمة ظريفة ومتميزة لمكتبة رائعة ، سلبت بلطفها عقول الكتاب والأدباء ولها غرفة دافئة في القلب ، أحِبها حد العبادة ،..فحين نزور المكتبة تحييك بعبق النسيم ،وحين ينطفئ قمَرُها ولايضيء المكان ،تشتد بنا أزمة الشوق إليها ونغادر المكتبة في الحين ..
إلى حد كتابة هذه السطور لاندري سبب ارتداء هذه السيدة ثوبَها الشفاف المترهل بنزع الرقاب وإخماد الأصوات ،وسلّ الأرواح ؟؟؟؟ ومادواعي هذا الانقلاب المفاجئ الذي نجهل تماما كواليسه ؟؟؟ إلى هذه الدرجة أصبحت الأيام مبهمة ينقلب سافلها عاليها دون شرع يذكر ؟؟؟ كنّا منزوين في أركان المكتبة والعيون تتقلب في زوياها تبحث عن صيدها التائه ،والقَيّمة كالعادة تحاورنا بثغر باسم ووجه منشرح ، وعينين ذكيتين وقادتين ؛ إذا بها على مرأى ومسمع من الجميع ،تُشَمّر عن ذراعين مثمرتين ،والزبد يتطاير من شدقيها ، تهتز وتتعثر في أذيالها ، تكبو وتنهض لتسوق كبش الفداء إلى النحر، وهو مفزوع يترجاها ألا تفعل ،لأنه هو الآخر متمسك بذؤابات الحياة ، وله أمل إصلاح ماأفسده المفسدون ..والحاضرون يهتفون متمردين على هذا السلوك اللا إنساني ،الذي يُسكت في أيام الظلام صرخات الحق والحقيقة .. كانت ترُد علينا بابتسامة مؤدبة ونفس مطمئنة بأن الأمر سهل: يحكمُه قرص واحد وينتهي كل شيء دون ألم ؛ امرأة تقية ناسكة تتلبّس وجهتين ،وجهة الخير والصفح تنِمّ عن معاملة طيبة نابعة من عمق القلب ،ووجهة قاتلة تتلبّس كل أوجه الشر تلفح بنار غل تتأجج في الضلوع ...عادت إليّ فوجدتني أترنح جرّاء ألَم في ظهري، ناتج عن صداع في الكليتين ، نظرتْ إلي نظرة إشفاق مُقرّة أنْ ستُمهلني بعض الوقت حتى أشفى ..ومامصير شفاء لم تبق منه إلا ساعات ، ويتدحرج رأسي بين قدميها ..كرّرت التوسل مرة أخرى مُلحة على أن تبيّن لي سبب الإعدام المفاجئ هذا ، فرجّحت أنه عائد إلى سنوات الإضراب التي مرّ عليها أكثر من 35 سنة ،عهد مضى وانقضى.... وشريطي التاريخي منذ ذلك الوقت إلى الآن حافل بالمتاعب ،وسجّل زواجا وزواج الزواج وإنجابا ،وإنجاب الإنجاب ،ومازالت ذاكرة المشرفة في الإعدام لم تتآكل بعد ،وتَحْمل في طيها تنفيذ هذا الإعدام الشنيع الظالم ، لأحاكَم بقطع النفس في الحاضر اعتبارا للماضي ؟؟؟ ولأجل ماذا أُعدَم ؟؟؟؟ألِمجرد حركات نضالية مشروعة تلاشت بين قمم الفوضى ورياح العشوائية ، كانت تطالب بحقوق إنسانية بسيطة لاأقل ولاأكثر،وغارت ذات فترة في دبيب الماضي وتحللت في رواسبه ؟؟؟....فبماذا نُحاكِم جياع الكرة الأرضية على وجه هذه البسيطة ، الذين يطالبون يوميا بالرغيف والمعاملة الإنسانية ؟؟؟ هل نشنقهم كل دقيقة ؟؟؟؟هل نكرر إعداماتهم كل لحظة طالبوا فيها بملء البطن ،لإسكات زعيق المعدة وصرير الأمعاء ،أو العيش بواجبات الإنسانية ؟؟؟؟.....عجيب أمر هذا العالم والأغرب منه مَن يتقلدون المنابر والتخمة تفقدهم التوازن ..عدْتُ إلى أصدقائي الذين زاروني في زنزانتي أن يحركوا مقود الجمعيات الحقوقية ، والمنظمات الإنسانية ،لإلغاء إعدام في حق إنسانة صرخت لتعيش بكرامة ، ومن أجل حدث غار في متاهات 35 سنة ..حدّجوني بنظرات بئيسة تنِم عن الاستحالة ،وكأنهم بذلك يتداولون في السر: أن الموت أهونُ من هذه الحياة الغبراء المشحونة بالكهوف والأغوار ،الملوّثة بأطياف القهر والبؤس ، وخطف الأرزاق من بين الأحضان ، وأن المشانقَ حتما ستظل تركض خلف الأذهان المشرقة ،التي تفرخ عصافير النور ،أو تحاول وضع حسابات دقيقة لخلق التوازن بين البشر، لأن المعلولين بالشراهة الساقطين من أكمام إبليس ، اعتادوا الرغْد على ظهور الفقراء ،وأي باب يفتح في هذا الموضوع يغلق بالمزلاج والسياط معا ،أو ربما التصفية .. على إثر آذان الفجر فتحتُ عيني وتلاشى الكابوس ... فأمسكت ديوان نيتشه ...
مالكة عسال
بتاريخ 09/11/2015