الفعل الأخلاقي و البناء الحضاري
بحث عملي
في المؤثرات الفكرية و النفسية للفعل الإنساني
الجزء الأول
سعد عطية الساعدي
بسم الله الرحمن الرحيم
الطبعة الاولى ـ 1427هـ /2007م – بغداد
المقدمة
إن موضوع البناء الإنساني و الحضاري عبر مراحل نماء الإنسان ومعرفة تركيبته البشرية وماهية طبيعته الانسانية...هل هي في أصلها خيّرة أم شريرة ؟ وما أثر العنصر الطيني ( أي المزاجية ) فيها ؟ وما آثارتلك التركيبة وذلك العنصر على العملية النفسية التي ترافق حركة السلوك الانساني؟ وما هي إنعكاسات كل ذلك على سلوك الفرد وأفعاله؟
هذا الموضوع ليس سهلاً لتداخل فقراته مع خصوصية كل مرحلة من مراحل النمو الانساني، في الكيفيات و المعالجات و الآليات من أجل تكوين وتأسيس منهجية تربوية و وضع خطة توجيهية في عملية الإعداد و البناء الذين يتطلبهما البناء الحضاري والانساني برمّته..
ودليل الصعوبة إختلاف آراء و نظريات الفلاسفة و المنظرين في علم النفس والاجتماع ، و كذلك ما بين النظريات الوضعية و المنظور الإسلامي ..كلها تؤكد صعوبة الامر ، مادام الموضوع يتعلق بدراسة الإنسان لبواطن الإنسان اللامتشابة من حيث الدوافع والإنفعالات والسلوك.
الصعوبة في تحديد الموضوع الآنف إثارةً وحلاً تتطلب استخدام مصادر معتمدة وهدف واضح و خطة ناجحة .
رغم إننا أخذنا من هذا الموضوع زاوية محدودة وهي زاوية تحديد مصادر الفعل الانساني ومنطلقاته النفسية ، إلا إننا اعتمدنا المتطلبات المذكورة تلك .
منهج البحث
اعتمدنا في هذا البحث منهجية إيضاح فكرة الموضوع و تعضيدها من خلال المصادر التي إعتمدناها ، و خصوصاً المصادر المنبثقة من الفكر و التراث الإسلامي . و لهذا إعتمدناها و تمسكنا بمقاطعها المطولة لسببين هما :
الأول ــ من أجل إتمام المعرفة المرجوة في المقطع دفعة واحدة . وهذا في رأينا أفضل من التجزئة التي من شأنها أن تحدث النقص في مضامين البحث أو التقطيع .
الثاني ــ كي لا نضطر للرجوع و التكرار و كأننا ندور في دوائر المصادر و مقاطعها المأخوذة في البحث .
أما تناول الاشكالية و كيفية التعامل مع المصادر من أجل وحدة البحث كموضوع مترابط الفقرات فقدكانت من خلال النظر الى حاجة كل فقرة و ربطها بالمعنى المطلوب من المصادر بالشروحات و التعليقات التي تظمنها المنهج المتبع في علاج مثل هذه الموضوعات واشكالياتها ،شافعين تلك التشخيصات بحلول وسبل للمعالجة و تحديد للآليات و ذكر لوصايا عملية..
خطة البحث
بدأنا بأساسيات الموضوع وصولاً إلى الفرعيات حتى يكون تسلسل البحث منضبطاً ومنطقياً .و كما هو معلوم أن التقديم و التأخير على حساب الأولويات يربك ترابط الموضوع و يضعف وحدته كبناء مترابط مع بعضه.. فيفقد الموضوع فائدته المعرفية المتصاعدة و المتناسقة من حيث التشعب و التفرع .
وقد قسمنا البحث إلى مبحثين الأول : خص الإطار النظري للفعل الإنساني . و الثاني : خص النظرة في الآليات و خطط التحرك .. وذلك للوصول بالبحث إلى هدفه وهو عملية البناء الشخصي بدءاً بالإعداد و انتهاءً بضع اليد على نتائج تربوية عبر المراحل النمائية للإنسان .
و قد ختمنا بحثنا هذا بالخاتمة التي ضمّناها عدة توصيات لمرحلة مهمة و حساسة من مراحل النمو والبناء الإنساني تصورناها في بحث هذا الموضوع و رسم هدفه...
المبحث الأول :
الإطار النظري للفعل الإنساني
تمهيد حول التركيبة البشرية
الإنسان أهم و أكرم المخلوقات من حيث القيمة الوجودية في عالم الكائنات لأنه خليفة الله على الأرض ، و من أجله أنزلت كل الرسالات السماوية .
و من حيث التركيبة الخلقية هو في أحسن صورة و أتم قوام شكلا ً و مضموناً بما خصه الله تعالى بخصائص مشتركة دقيقه يحسن من خلالها التمييز و التفاعل ، عبر الحس و الإدراك مفكراً و منتفعاً من التجربة و مختزناً للخبرة ..يتعاطى مع المستجدات برؤية وقراءة و تصور يفوق آنية الحدث و الحاجة .
إختص بتركيبة ( العقل و الشهوة ) ليكون دوره فعالاً و مؤثراً في محيطه و وجوده ، شديد الاستجابة تجاه المثير ،مختاراً للكيفية و الوسيلة ، داركاً لما يعمل . و هذا عين المسؤولية و تمام التحقيق للارادة و الاختيار في العمل والحركة ، معبراً عن هدف خلقته.
وهذه التركيبة الثنائية حمّلته كامل المسؤولية للأمانة والتي حملها و قبل بها فيما. بعد 0بعدأن اشفقت من حملها الجبال 0 ليكون المخلوق الافضل والاهم والاكمل 0يحوز على هذا الكمال بمجرد أن يحافظ على هذه الامانة 0 ويكون غشوما جهولأ كما عبر الذكر الحكيم -أن تجاهلها وضيّعها -وذلك عندما يتيه في ظلاميات الوهم والشهوات 0 يقول الامام علي( ع)0( ان الله ركّب في الملائكة عقلا بلا شهوة 0 وركبّ في البهائم شهوة بلا عقل 0 وركبّ في بني ادم كليهما 0 فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة 0 ومن غلبت شهوته عقله فهو اشر من البهائم ) ا
إن هذا النص الاسلامي يحدد لنا الاصل المحرك للسلوك من خلال سمة رئيسية تطبع (( الاصل )) المذكور وهي سمة ((الثنائية)) في هذا الاصل . بمعنى ان هناك طرفين يتجاذبان الكائن الادمي في بحثه عن اللذة وإجتنابه عن الألم هما (( العقل و الشهوة )) أو الخير و الشر أو الموضوعية و الذاتية أو الأوامر و النواهي الشرعية .
هذا التركيب الثنائي الذي يرثه الفرد فطرياً يجسد الجانب ( الوجداني ) من الارث ، و يقابله جانب ((إدراكي)) من الارث هو الوعي بمبادئ كل من ( العقل ) و ( الشهوة) ، بمعنى أن الشخص حينما رُكّب فيه ( الاستعداد ) أو (القابلية ) على ممارسة الخير أو الشر ( العقل و الشهوة ) : قد رُكّب فيه أيضاً (ادراك) كل من الخير و الشر ، حتى تصبح ممارسته للسلوك خاضعة لعملية ( اختيار) و ليس لعملية (إجبار) ، مما يترتب على ذلك تحمل مسؤولية السلوك الذي يمارسه ().
إذاً فالانسان مخلوق مميز في تركيبته الثنائية و التي جمعت العنصر الأعلى (العقل) و العنصر الأدنى (الشهوات) . ولم يكن هذا المخلوق مختزلاً بحدود هذه التركيبة رغم أساسيتها في تكوينه ، فهنالك أمور هي محركة له من الخارج كالفطرة و والايمان تعينه على ترويض الشهوات دعم العقل ليكون الانسان بالتالي متعالياً عن الدناءة و الوضاعة والسقوط .
وهذا هو هدف كل الرسالات السماوية ؛ إغناء العقل البشري بالفكر النقي و العقائد الصائبة وتهذيب نفس الانسان هدايته إلى سبيل الرشاد .
ورغم المشتركات الخلقية الآدمية ، لكن الانسان متنوع المزايا والطبائع في كثير من الدقائق و الصفات و الأمزجة و التي لم تجعل أثنين متشابهين في كل شيء رغم وحدة الأسرة و التربية و البيئة .
وهذا يعني ان إنعكاسات تفاعله مختلفه في الجوانب الحسية و الاداركية كالاستجابة للموثرات و كيفية التعامل معها في التفاصيل ، رغم التشابه في العموميات مثل الحاجة للطعام و الشعور بالخوف و طلب اللذة و الراحة .و لكن الرغبات و الغايات هي التي تكَّون الاختلاف .
و لهذا كثرت النظريات و الدراسات التي إهتمت بتركيبة الأنسان و سلوكه و أخلاقه و نزعاته النفسية ، و لم تحقق كامل الحقيقة بسبب التنوع و الاختلاف وإن كان ضئيلا ، و لكنه دقيق من شخص لآخر .
و تبقى هذه الدراسات غير منتهية لأنها لا تحصر كل البشر كأفراد و ما يحملون من نزعات ورغبات و سلوك ، و لكنها تبقى نافعة في كل ما تتوصل له وإعطاء أفضل البيانات و المعلومات عن الأمراض والسلبيات و كيفية معالجتها بالوسائل و الأساليب العلمية المدروسة .
و من الميزات الفريدة التي اختص بها الانسان سعيه للعلم وطلبه للمعرفة بلا توقف والذي أصبح جزء مهماً من حياته ووجوده . ومنها دراسة نوعه وجنسه متقدماً فيها بجد ودقه.
وقد إنبثقت من الدراسة تلك ثلاثة علوم مهمة مرتبطة بهدف واحد ( هو معرفة الانسان للانسان )من خلال علم النفس والاخلاق وعلم الاجتماع .
ورغم الاختلاف في بعض النظريات والآراء ، إلا إنها أعطت نتائجها العلمية . وهذا دليل على عظم مضمون الانسان وأهمية تركيبته البشرية وما يترتب منها من سلوك وأفعال وماهية الاستجابة ونوع المثير المسبب .
( يعني علم النفس . بسلوك الكائن الادمي في شتى مجالات نشاطه إلا أن الزواية التي يشدد عليها النشاط تنحصر في العملية التالية (( الاستجابة )) حيال (( مثير )) معين . هذه العملية النفسية القائمة على الاستجابة قبال المثيرات تتناول جانبين من
الشخصية :
1 الجانب الادراكي مثل التفكير . التخيل . التذكر . النسيان . الخ .
2 الجانب الوجداني مثل الارادة . الرغبة . الانفعال ... الخ .
السلوك الآدمي يظل قائما ًبأكمله على العملية النفسية المذكورة فيما تشكل هذه العملية مادة علم النفس )() .
أعطتنا هذه الفقرة مشتركات العملية النفسية كونها إنعكاسات ومردودات طبيعية للاسباب والدوافع التي تؤديها في حركة الانسان وتفاعلة بين الاستجابة والمثير والتي يتولد منها الجانبان المذكوران – الادراكي – والوجداني . ليؤدي من خلالها الانسان كامل تفاعله النفسي ، رغم سعة مساحته الفعلية المتنوعة ..
ولابد لنا من التعرض للطبيعة البشرية ( الفطرة) أولاً ، ثم التعرض للطبيعة المزاجية ( العنصر الطيني ) كونهما أساسين في التركيبة البشرية ومؤثرين في العملية النفسية .
أولاً : الطبيعة الانسانية ( الفطرة )
الانسان خليفة الله على الارض وهو مكلف بالعمل على ضوء هذه المهمة _ الامانة التي أشفقت منها الجبال . ومن أجل هذا التكليف والواجب العظيم كان الانسان بهذه التركيبة الخلقية والمضامين الدقية المتنوعة والتي ميزته عن باقي المخلوقات حتى يؤدي دوره الوجودي وفق أحكام السماء وشروط التكليف .
ولهذا فهو غير عاجز عن معرفة الخير والشر وتشخيص الحاجة والضرورة بالعقل وادراك النفع لذاته و دفع الألم عن نفسه. إن الله ـ تعالى ـ لطف بالانسان و جعل طبيعته تميل للخير ، بعد أن هداه الله تعالى النجدين و خصّه بفطرة نقية مجبولة على التوحيد و طاعة الخالق .و من الخطأ الاعتقاد بأن الله تعالى قسم الناس دون إرادتهم إلى أشرار و أخيار و يسيء الظن بعدله و لطفه.
( يولد كل إنسان بفطرة نقية توحيدية بحيث إذا بقي بعيداً عن تأثير العوامل الخارجية -كالتربية و الصداقة و الاعلام- التي تسبب إنحراف عقيدته سلك طريق الحق . فليس ثمة شرير بالولادة و الخلقة بل الشرور و لقبائح أمور ذات صفة عارضة و طارئة تنشأ بسبب العوامل الباطنية و الاختيارية .و لهذا فإن فكرة المعصية الذاتية في آدم المطروحة من قبل المسيحية المعاصرة ، لا أساس لها من الصحة قط )() .
هذه هي حقيقة الطبيعة الانسانية المعتمدة على الفطرة حيث يستعين بها الانسان في صراعه الدنيوي والنفسي لئلا ينهزم أمام قوة الغرائز وينساق بسهولة للإستجابة حيال المثير.
والفكرة المسيحية ليست هي الوحيدة التي يسجل عليها هذا التقاطع لأصل الطبيعة الانسانية والعدل الالهي ، بل هناك بعض المسلمين اعتقدوا بمثل هذا الاعتقاد وهو قريب من تلك الفكرة بالمضمون والاساس . الذين اعتقدوا بمبدأ الجبر والذي يصور الانسان مجبوراً في أفعاله حيال الخير والشر ولا ارادة له أوخيار في أفعاله .
لقد اختلفت آراء الناس وأفكارهم في هذه المسالة الضخمة ومساحتها ودقتها مع عمق باطن الانسان وكثرة تنوع الاشياء وتشابه الامور ، ومن هؤلاء : المفكرون والفلاسفة وكل المنظرين في علوم الانسان كعلم النفس والاخلاق منذ القدم منقسمين بين أنواع من الآراء والاوصاف للطبيعة البشرية ومصادر الفعل والسلوك العام . بين الشر المطلق – والخير المطلق . أوالخلط بينهما ، وكأن العملية غير منضبطة وفق نظام الخلق والعدل المحكم.
أربعة آراء في الفطرة
وسنناقش بعضا ً من أفكار الفلاسفة والمنظرين في هذه الخصوص ، لنرى وجه الاختلاف والتعارض فيما بينها ،كما سوف نرى الخلط بين الطبيعة البشرية العامة المميزة للانسان عن باقي المخلوقات ( الفطرة ) بما ألهمت هذه الطبيعة بالثنائي المشترك ( العقل والشهوة )، وبين العنصر الطيني ( المزاجية ).
( إختلفت وجهات نظر الفلاسفة والمربين حول طبيعة الفطرة الانسانية وهل أنها جبلت على خصال الخير والفضيلة فتكون الاصالة لخصال الخير ؟- أم أن الاصالة لخصال الشر والرذيلة ؟ على أربعة آراء )().
هنالك أربعة آراء ينقلها السيد عبد الهادي الشريفي _معقباً عليها_ إرتأينا نقلها لتتضح لنا الفكرة ومن ثمّ نحاور ها :
أولاً :رأي سقراط والرواقين ومن حذا حذوهم والكونفوشيين : حيث ذهبوا إلى أن الطبيعة الانسانية خيرة في أصل الخلقة وأن الناس جميعاً خلقوا أخياراً بالطبع . ثم يصيرون أشراراً بمجالسة أهل الشر والميل الى الشهوات الرديئة.ودور التربية وفقاً لهذه الرأي هو تنمية الروح الخيرة الفطرية في الانسان. فإذا ما صدر من أحد شر يجب حمله _ وفقا لهذا الرأي_ على إنه خطأْ في التعبير من غير قصد أو ارادة شر .
وقد عقب السيد الشريفي على هذا الرأي بأنه غير صحيح ، وتساءل :إذ لو كان الناس جميعاً أخياراً بالطبع فمن هم الاشرارالذين يجالسونهم ؟ ومن أين جاؤوهم ؟ أليسوا منهم ؟
فإن كانوا منهم فكيف نحكم على الجميع بأنهم أخيار، وإن كانوا أخياراً بالطبع فكيف يميلون الى الشرور ، وهذا معناه أن فطرتهم تستبطن إستعداداً للشر فهم إذن ليسوا أخياراً بالطبع .
ثانياً : رأي أفلوطين المصري ومن تبعه من اليوسيعين وهوبز : وهو الرأي الذي يرى أن الناس مطبوعون على الشر وإنما يصيرون أخياراً بالتأدب والتعلم ، إلا أن فيهم من هو في غاية الشر لاتصلحه التربية ، ومنهم من ليس في غاية الشر .
وتعقيب الشريفي هنا يركز على أن تحويل الطباع المجبولة على الشر أمر غير ميسور . ومن يريد أن يغير الطباع يحاول أن يغير خصائص الاشياء التي خلقها الله سبحانه ولا أحد يقدر على ذلك الامن منحها هذه الطبيعة .
ثالثاً : رأي الفيلسوف الالماني كانت الذي يرى أن الطفل منذ ولادته الى سن محدودة ليس له حياة أدبية ، فلا تنسب فطرته الى الخير ولا الى الشر ، لانه لايعقل مايفعل .
كما يعتقد أصحاب هذا الاتجاه أن الطبيعة الإنسانية محايدة ، ليست خيرة و لا شريرة في أصل خلقتها و فيها إستعداد للخير أو للشر بحسب التربية و ظروف البيئة .و قد ذهب إلى هذا الرأي أيضاً كثير من علماء الأخلاق و الفلاسفة المحدثين .
رابعاً : رأي جالينوس و هو أن من الناس من هو خيّر بطبعه، و هم قليلون و لاينتقل هؤلاء إلى الشر .
و منهم من هو متوسط بين هذين . و هم ينتقلون بمصاحبة الأخيار وموعظهتم ، وقد ينتقلون بمخاطبة أهل الشروإغوائهم .
وهذا مذهب معتدل موافق للعقول وقريب من هذه الآراء فلاسفة الشرق () .
ويمكن القول :إن أصل طبيعة الانسان خيّرة ليست على إنهم أخيار لا يعلمون الشر -كالرأي الأول- طالما أسهمت النفس في الفجور و التقوى ، و لكن في طبيعتها بواطن تحب الخير مثل الفطرة و العقل و الضمير .
و الذي يهمنا أنه أصبح الظلم و الشر و السوء كلها منكرة و مرفوضة إنسانياً على طول العصور و تعاقب الأجيال . و هذا الرفض مسألة خالدة في أصل الطبيعة الانسانية كما أن فعل الخير و الصدق و الاحسان مقبول إنسانياً .
يقول الأستاذ جعفر السبحاني في هذا الصدد : ( الأسس الأخلاقية التي تمثل في الحقيقة ــ أسس الهوية الإنسانية و لها جذور فطرية أسس ثابتة و خالدة . و هي لا تتغير بسبب مضي الزمان و طروء التحولات و التطورات الإجتماعية . فمثلا ً ، حسن الوفاء بالعهد و العقد أو حسن مقابلة الأحسان بالأحسان قضية خالدة ثابته و هذا القانون الأخلاقي لا يتغيير أبداً . و هكذا الحكم بقبح الخيانة و خلف الوعد . و على هذا الأساس فإن في الحياة البشرية الاجتماعية طائفة من الأصول و الأسس التي أمتزجت بالفطرة و الطبيعة البشرية و تكون ثابتة و خالدة )() .
هذه الأصول و الاسس كما عبر الأستاذ السبحاني بالهوية الأنسانية هي التي قصدنا بالطبيعة الخيّرة في أصل خلق الأنسان مع وجود التروع للأهواء و ما يترتب منها أفعال شريرة . و هي التي تتقابل مع تلك البواطن و الأصول الخيّرة .
الأراء الأربعة التي ذكرها السيد الشريفي و تعقيبه عليها كانت قيمةً لما حملت من تناقض و التي أنحصرت بين كلية الخير و كلية الشر في الرأيين الأولين ..و أما الثالث فقد صور الطبيعة الانسانية أنها ليست متصارعة بين الخير و الشر بل و كأنها خاملة الدوافع و الاستجابة حيال المثير في أصل الطبيعة.
و أما الرأي الرابع وهو أكمل من تلك الأراء الثلاثة . و لكنه عام . و عيبه أنه قسم الناس الى اشرار واخيار و كأنهم قد خلقوا كذلك . و هذا مخالف لأصل الخلق ، فما هو ذنب من خلق شريرا و ما فضل من خلق خيّرا ؟.
و الملاحظ إن جالينوس حاول أن يجمع و يعبر عن الناتج السلوكي العام و يجعله في طبيعة الخلق .و هذا هو الخطأ الكبير الذي أعطى الصورة العامة لآرائه . و هذا خلط لآراء العينات من الناس .
أقول :حقيقة الطبيعة خيّرة و لكن هذا لا ينهي الصراع الباطني ، لوجود الشهوات ( الفجور ) ، فيكون لكل إنسان ما سعى بمحض الخيار و الارادة .
فلا تعني الطبيعة الخيّرة بأن البشر كلهم أخيار ، والا فمن أين أتى اليهم فعل الشر ، بل الطبيعة خيّرة لوجود بواطن محفزة لحب الخير مقابل الفجور أو الشهوات كدوافع تميل للشر خارج الحق و المشروع و إنها غير خامله بل مؤثرة و بشكل كبير ليحصل أهل الخير على فضل الجزاء الوفير و كذلك أهل الشر على العقاب الأليم .
فالأفعال و السلوك هي المجسدة لأي جهة يميل الفرد و إلى أي هدف يتجه ... و منه نداخل الموضوعة الثانية المتعلقة بمفردة المزاجية ..
ثانياً : المزاجية و آثارها ( العنصر الطيني )
المزاج عنصر مؤثر في تركيبة البشر الخلقية . و له آثاره في توجيه سلوك الفرد لما يُكوّنه من سمات بعضها الحاد و بعضها البارد في شخصيته .
في علم النفس الحديث هناك التحليلات و الآراء حول آثار المزاج ، و كذلك النظريات و الآراء الأسلامية و التي أكدتها أقوال و آراء الأئمة الأطهار -كما يثبتها الدكتور محمود البستاني في كتابه( الأسلام و علم النفس )..
وسنأخذ رأي أمير المؤمنين علي (ع) فهو يعطينا صورة واضحة و معرفة أكيدة في هذا المقصد العلمي .
يرى الإمام علي عليه السلام أن الناس يختلفون في طبيعتهم و جبلتهم إختلاف معادن الأرض و طبيعتها : قطعة جد حصبه . وأخرى جد سبخه ومجدبه وبينهما مراتب كثيرة .
روي ذعلب اليماني عن أحمد بن قتيبه عن عبد الله بن يزيد عن مالك بن دحية قال :كنا عند أمير المؤمنين عليه السلام فقال - وقد ذكر عنده أختلاف الناس - :
(إنما فّرق بينهم مبادئ طينهم ( أي عناصر تكوينهم ) وذلك كانوا فلقة من سبخ أرض وعذبها . وحزن تربة وسهلها . فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون وعلى قدر إختلافها يتفاوتون . فتامّ الرواء ناقص العقل . وماد القامة قصير الهمه . وذاكي العمل قبيح المنظر وقريب القعر بعيد السير . ومعروف الضريبه منكر الجلبيبه . وتائه القلب متقرف اللب وطليق اللسان حديد الجنان )() .
لقد بين لنا أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الحديث سبب إختلاف الناس والذي ينعكس على بنائهم النفسي وكيانهم الشخصي والذي يحدث آثاراً في السلوك والتوجه العام للفرد وخصوصاً عند الاثارة من شئ بعد الاستجابه له سلباً أو إيجاباً.
والمزاجية تبدأ مع الانسان منذ طفولته المبكرة فيكون سلوكه مزاجي مع بدأة الفطرة وقبل أكتمال أثر وقوة الثنائي المشترك ( العقل والشهوة ) وهي فترة براءة الطفولة المحققة لعفوية الخطوات الاولى للانسان في مرحلة الطفولة المبكرة . ولهذا نرى الطفل متلمساً للاشياء قبل أدراكها وهو الدافع البدائي الممزوج بين الفطرة والمزاج ، وهو الفرق فيما نشاهده من طفل متحرك ومشاكس وآخر عنود وثالث هادئ أو خامل .
هذه السمات المزاجية تبقى ملازمة للانسان لاتنسلخ عنه لانها خلقية في تركيبته وليست مكتسبة . وكل آثارها ومساحتها الفاعلة في توجيه سلوك الفرد متأتية من مدى تأثره بالبيئة والعالم الخارجي بكل تفاصيلة كمثيرات ومهيجات لهذه السمات حتى يؤدي الجانب النفسي التفاعلي دورة من مبدأ (الاستجابه – والمثير) حيال أمر أو حاجة ما .
وما يؤكد عليه الدكتور البستاني في هذا المجال ،ومن المنظور الاسلامي، في غاية الاهمية ،حيث يبين لنا أثر المزاجية في التكوين والتركيب البشري ، يقول
يقصد بالسمات الداخليه أو المزاجيه : الطابع العام للشخصيه فيما يغلب على سائر سماتها الاخرى ، وهو طابع تربط من خلاله – بعض الاتجاهات النفسيه – بينه وبين العنصر الوراثي الذي يتحدد في ضوء غلبة أحد عناصر التكوين الجسمي على الاخرى بحيث ينعكس في مزاج عام يطبع تصرفات الشخص وهذا من نحو : الانبساط مقابل الانطواء أو المرح مقابل الكآبه أو النشاط مقابل الكسل ، وهكذا وقد لا يرتبط بالعنصر الوراثي الذي يصل بين التكوين الجسمي والسمات بل مطلق الوراثة : عضوية كانت أم وظيفية وقد لايرتبط أساساً باي عنصر وراثي يقدر إرتباطه بالبيئة فحسب . المهم أنها تشكل طابعاً عاماً متجهاً نحو داخل الشخصيه الإسلاميه. ويمكننا أن نستخلص من قائمة السلوك للامام الصادق (ع) جمله من هذه السمات :
الفرح = الحزن . الراحة = التعب .
الرجاء = القنوط الخ ... ().
هذا البيان من خلال المنظور الاسلامي المفسر لتوجيهات المزاجيه وما تنتج من آثار في البناء النفسي كسمات مؤثرة في سلوك الفرد . ولقد بين لنا الدكتور البستاني الوثيقة الاسلامية في قول الامام الصادق (ع) يؤكد لنا أن المزاجيه وما تخلفه من سمات ليست أثر جانبي , هامشي كما يعبر البعض وكانها إضافات طارئه أو زائده خارجه عن البناء التكويني للفرد بحيث يتعلم فيها لان يكون مزاجي أو لامزاجي في وضع أو مثير معين .
وما ذكره الدكتور البستاني في هذا المجال يبين لنا بأن المزاجيه عنصر تكويني ثابت . وهذا متطابق مع قول أمير المؤمنين (ع) الذي نقلناه سابقاً . كما يبين لنا أثر هذا العنصر في التأثر حيال المثيرات والانعكاسات البيئية .
( ولعل الوثيقة الاسلامية التي تحدثت عن ( خلق الانسان وتركيبه ) ..قد توفرت بنحو ملحوظ على دراسة السمات المزاجيه حيث عرضت لسمات عصابيه وذهانيه من نحو ما وقفنا عليه عن التكوين الجسمي :
(( فاذا حلت به الحرارة : أشِر وبطر وفجر واهتز ونبغ ، واذا كانت باردة اهتم وحزن واستكان وذبل وتسي وآيس... ))().
وملخص ما نفهمه من ذكر الدكتور البستاني في خصوص المزاجيه هو إنعاكسها على شخصية الفرد وسلوكه كدوافع باطنية للفعل .
وبعد ، فموضوع المزاجية شغل فكر الانسان منذ القدم وتناوله الفلاسفه كتقسيمات الاغريق للامزجة وجعلها أربعة أنواع: الدموي ، الصفراوي ، البلغمي ، السوداوي .وكالتصنيف الحديث للاشكال ثنائيه أو رباعيه أو خماسيه .
ويحاول الباحثون من خلالها إيجاد الصلة بين التركيب الجسمي والمزاجي ، من نحو إيجاد الصلة - مثلاً - بين الشكل الجسمي للبدين وبين ميل صاحبه الى الانطوء و الكآبة () .
الفكر والمنظور الإسلامي عالج كل المسائل وبيّن الكيفيات بالعلم اليقين ، في هذه المسميات المتعلقة بعلوم الانسان. ولهذا كانت العقائد والتربية الدينية من أجل بناء الانسان بناء نفسياً سوياً متجهاً بكل تركيبته البشرية وعمليته النفسية نحو الخير والفضيلة ومكارم الاخلاق ، بعد تحريره من العبوديات الباطلة .
وعليه ، فحريّ بنا أن نلقى شيئاً من الضوء على تحليل خرائط الآثار الايجابية التي تتركها الافكار والعقائد والرؤى الكونية على موضوعة الفعل الانساني الخلاق المتميز...
أثر العقائد في صدور نوعية الفعل الأخلاقي
العقائد مرتكز فكري لا يمكن أن تنفصل عن واقع الإنسان وحقيقة خلقه وارتباطه بالخالق الواجد . ويكون توجه الإنسان من مصدر أخلاقي رسمته له السماء . ضمن منهج عبادي وتربوي متكامل ليكون الإنسان طموحاً ساعياً بأفعاله وسلوكه إلى الخير والفضيلة.
يروض ( شهوته ) لعقله مستعينا ًبطبيعته الخيرة المجبولة على حب الإيمان والتوحيد وطاعة المعبود حتى لا تؤثر عليه الطباع المزاجية حيال المثيرات . ولهذا أكدت الشريعة السمحاء على حسن الخلق وترك الغضب والميل للتسامح والتقوى والتسابق لفعل الخيرات .
وهذا يتطلب التروي والتريث حيال المثيرات الغرائزية والمزاجية والابتعاد عنها أو الصبر عليها .
( نحن نعتمد في أخذ العقائد والإحكام الدينية على حجتين إلهيتين هما :العقل والوحي . وعمدة الفرق بين هذين هو أننا نستفيد من (( الوحي )) في جميع المجالات ، بينما نستفيد من (( العقل (( في مجالات خاصة .
إن العقل والوحي يؤيد كل منهما حجية الآخر ، وإذا أثبتنا بحكم العقل القطعي حجية الوحي فإن الوحي بدوره يؤيد كذلك حجَّية العقل في مجاله الخاص به)() .
ولهذا كان العقل حجة الله –تعالى- في باطن الإنسان ومؤثراً بشكل غير عاجز عن أداء وظيفته النفعية أزاء الفجور والذي يقيم الإنسان كي لا يهوى إلى مستوى البهائم ويرتقى فوق الملائكة في ( الثنائية المشتركة ) التي ميزته عن باقي المخلوقات . وكان موضوع الوحي والرسالات والعقائد رحمة من الله تعالى عبر كل الأزمنة والعصور .
( والنزعات الإيمانية الدينية تؤدي إلى أن يقوم الإنسان بجهود رغم نزعات الطبيعة الفردية ويضحي بوجود ه في سبيل إيمانه أحياناً وهذا يتيسر في حال تجد فيه فكرة الإنسان حاله قدسية وسيادة مطلقه على وجود الإنسان . والقوة الدينية فقط هي التي تتمكن من أن تهيأ القدسية للأفكار وتجعل حكمها نافذاً على الإنسان بقدره تامة )() .
إن هدف السماء ليس عبادياً فقط بل بنائياً عملياً يريد ان يحرر الإنسان والمجتمع من كل الممارسات العبادية الباطلة والسلوكيات المنحرفة التي جعلت الفرد أسير أفكار اختلط فيها الشعور بالظلم مع التقاليد ، تلك التقاليد التي جعلت الفرد يحتمي بالقبيلة وفق ممارسات شخصية دون الرجوع إلى الله – تعالى – في سياق حكمة الخلق وعدالة السماء .
وخيردليل على ذلك جهاد الأنبياء وصبرهم على الأذى من أجل الرجوع إلى الله وتأكيد أن الخلق ليس عبثاً و أن الأفعال السيئة تستحق العقاب الأليم طالما الإنسان مرتبط حياتياً بالدارين الأولى و الآخرة .
فأثر العقائد الدينية في سلوك الفرد و المجتمع إيجابي لصالح الإنسان حتى يجسد المعنى الحقيقي لذاته ووجوده ، فالعقائد تركز في ذهن الانسان أنه مخلوق مكرم من الله تعالى ، وأن قضية هدايته مخصوصة بكل هذا الكم من الأنبياء والرسالات والتضحيات ..ليسير بالمحصلة النهائية نحو مكارم الأخلاق والفضيلة بواعز باطني لا يمكن أن ينتزع منه بعد أن يكون إيماناً وعقيدة راسخة لديه .
وأثر العقائد في السلوك والأفعال هو تحرير مصادرها من الشبهات والظلال والانحراف ليكون الإنسان عاملاً متحرراً من عبوديات الأهواء والغرائز ، متوجهاً بسلوكه إلى الله تعالى ، وبالتالي يكون الفعل وفق معيايير خاصة كالحلال والحرام والخير والشر والقبح والحسن والثواب والعقاب ..متجرداً من العبث واللهو والاهواء والاذواق ..ولهذا آثار حضارية كبيرة وكثيرة ، سنقرأ ذلك في الفقرة التالية :
أثر العقائد في البناء الحضاري للمجتمع
المجتمع الإيماني يحرص أكثر من غيره على بنائه الإنساني باعتبار الفرد جزءاً لا يمكن إهماله أو التفريط فيه بل مكفول الحقوق مثلما هو مطالب بالواجبات ضمن الجهد الاجتماعي العام - المشروع . وكذلك كل فرد لا يمكنه الانفصال عن مجتمعه بل يحرص عل مكانته القيمية من خلال الممارسات الأخلاقية والالتزامات الاجتماعية ..
وهذا يجسد عقائدياً بمشاركات الفرد النافعة لأنه جزء مساهم اجتماعيا تحكمه الروابط الإيمانية:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ الحجرات/15
وكذلك صلة الأرحام والتي حث الشرع الحنيف على التمسك بها:
وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌالانفال/75
عندها يكون المجتمع و من خلال أفراده حريصا على إيجاد روابط تشد أجزاءه أخلاقياً نحو البناء المتصاعد في المساهمات الخيّرة . و بالمعرفة و الإيمان يتجه نحو العلم النافع و الحضارة الإنسانية .
إن( العلاقات الرئيسية بالرغم من أن السماء رسمت علاقات خاصة بين البشر ك ( العلاقات العائلية و القرابية و الرفاقية .... الخ ) إلا إنها طالبت بأن تكون أمثلة هذه العلاقات من أجل الله تعالى تمشياً مع عملية التوظيف العبادي أو النية العبادية التي أشرنا إلى أنها تجسد علاقة الإنسان مع السماء . و هذا يعني أن البشر حينما يقيمون علاقات مع بعضهم الآخر : بالرغم من أن هذه العلاقات ينتفعون بها دنيوياً ، إلا أنها مسبوقة بعلاقة رئيسية هي : العلاقة مع الله تعالى )().
هذه العلاقات الاجتماعية هي انعكاس للعلاقة الرئيسية مع الله تعالى و التي يحرص عليها الفرد ليعززها اجتماعياً . و لقد حث الإسلام على تجنب إثارة الخلافات و ذم النمام و المدح أهل العفو و التسامح من أجل المحافظة على العلاقات و البنية الاجتماعية و خصوصاً صلة الأرحام و التي تمد جذورها في كل النسيج الاجتماعي و هذه من أهم الآثار العقائدية في البناء الاجتماعي .
( إن التوازن الاجتماعي لا يصبح ( ممكناً ) إلا بقدر خضوعه لأفعال أو عمليات اجتماعية يتفاعل الناس في آليات خاصة من السلوك و في مقدمتها عملية ( التعاون ) فيما بينهم ، أو عملية( (الصراع ) مع القيم المنحرفة أو ( التنافس ) إلى أهداف مشتركة أو ( التكيّف) مع بيئات تتطلب تنازلاً عن الذات أو تمثيلاً و توحداً مع قيمة جديدة ، أو الانسحاب أساساً من ميدان التفاعل : حفاظاً على قيمة إيجابية .... الخ )() .
ما نلاحظه في هذا المقطع الآليات الخاصة من السلوك كما عبر عنها الدكتور البستاني لأنها أساسية في العلاقات الاجتماعية و مبدأ التعاون هو اللبَّنة الأساسية في قوة البناء و التلاحم بدءا بالأسرة و الأقارب و انتهاءً بالمجتمع و الأمة . التعاون المخلص يفضي حتماً إلى التفاني و نكران الذات و نبذ المطامع و المنافع الشخصية الضيقة على حساب الأكثر و كذلك تنقية المعاملات من كل أشكال الرباء و المزايدات على حساب جهد و مكانة الآخرين بل تشكل قيمة المجموع من قيمة الفرد نوعاً و سلوك .
و المبدأ الآخر الذي أكده الدكتور البستاني هو الصراع مع القيم المنحرفة . وهذا أساس بناء مطلوب لتصحيح الميول و الانحرافات كون عين المجتمع مراقبة لمثل هكذا اتجاهات أن توسعت أصبحت خطرة تهدد العقائد والبناء فهي كالوباء إن أنتشر دمر النسيج الاجتماعي في أصل الأساسيات وهي المبادئ والقيم التي تشكل الهوية العامة والميزة الانتقائية للانتماء العقائدي للأمة .
وحتى في البناء الحضاري فلا خلاف بين العقائد السماوية في مثل هكذا بناء ، بل حثت كل الرسالات السماوية الإنسان على الانتفاع من الخيرات كي يحقق الرفاه المعيشي والسير نحوالتقدم الحضاري والعلمي من أجل بناء مستقبل متصاعد النمو عبر مراحل الزمن .
و هذا البناء المستقبلي انما يتمّ وفق القيم والمعايير الاخلاقية والقواعد العلمية كي يحسن استخدام مكتسبات العلم والحضارة وفق منظور السماء الإيماني وحكمة الخلق التي لاعبث فيها ، والتي حذرتنا من كل أشكال الضرر والانسياق وراء المغريات والتصورات العبثية التي تؤدي إلى التحلل الفكر ي والاجتماعي كما هي الحضارة الغريبة اليوم والذي أسست قواعدها العلمية والحضارية على علم مجرد من العقيدة والإيمان .
و( العلم بلا إيمان سيف بيد زنجي سكران . وسراج في منتصف الليل بيد لص لسرقة أفضل البضائع ولهذا فإن الإنسان العالم بلا إيمان لا يختلف عن الجاهل بلا إيمان...)().
ويعطينا الشهيد مطهري في مقطوعته هذه الصورة والمثال معاً على مدعي الحضارة اللا إيمانية والتي عادت للجاهلية وان بأساليب ووسائل مختلفة عما كان عليه وسائل وأساليب العصور القديمة لأنها معبرة من خلال السلوك والأفعال على نقص الإيمان وفقدان العقيدة المحررة للسلوك من ظلاميات الشهوات ووهم التحضر .
( فالمكان الذي كان العلم فيه ويبقى مكان الإيمان فارغاً يشبه بعض مجتمعات العصر الحاضر حيث بذلت جميع الطاقات العلمية في سبيل الأنانيات وطلب الزيادات والافضليات والاستثمارات والاستعبادات والحيل والمكر ومن الممكن اعتبار القرنين أو الثلاثة الماضية عصر عبادة العلم والهروب من الإيمان واعتقد الكثير من العلماء أن جميع مشاكل الإنسان سوف تنحل بطرف إصبع العلم ولكن التجربة أثبتت عكس ذلك )() .
البعض يعتبر منظور العقائد بعيداً أو مختلف عن منظور الأخلاق كما ضن الغربيون . بأن منظور وقواعد العلم تتخلف عن منظور ومنطلقات الإيمان وساروا نحو الحضارة دون الرجوع إلى الله ورقابته حتى وجدوا إنفسهم في متاهات جهل العصر المتضارب الأفكار والأهداف فأنتجوا هلوسة حضاريه اختلطت فيها كل المتناقضات . علم متطور وحضارة مهدومه أخلاقياً مفرطة في العمران ومهدومه الإيمان مما أنعكس سلوكياً على المجتمع عموماً . وما نراه ونسمعه خير دليل .
( فأن المسيرة الإنسانية لكي تتقدم نحو الأفضل عليها أن تقوم باء صلاح نفسها من الداخل . وإلا مهما كانت الإصلاحات الخارجية عظيمة من دون أن تمس الضمير الداخلي للإنسان فان مصيرها الفشل وإن طال أمرها )().
إذن الإصلاح الداخلي عمل تربوي ضخم يجعل من الإنسان منتجه نحو السمو أو الخير على أقل تقدير ليغلب فيه العقل على الشهوة وتتحرر مصادر أفعاله من الشائنات والنواقص الشهوانية ويكون فرداً خيراً يحمل أخلاقا فاضلة وشخصية قويمة يحقق الإنسان فيها هدف السماء وعليه يكون البناء الشخصي على الصعيد الفردي هو النواة في التحرك الجديد ..