علي مثل الشمس....
أتلهف علي قرار إعفائي من الخدمة. وحيد والدي.متشوق للحياة المدنية لأسهر كما يحلوا لي، وأنام ملئ جفوني.
قال دفعتي المؤهلات:أعلمك لله :
-استرض المساعد الإداري؛ يستعجل القرار.
علبة سجاير، وورقة من فئة الخمسين قرشا، وستجد كرشه- أقصد- درج مكتبه مفتوحا علي اتساعه فعمره بالدخان واغره بالخمسينة.
- لا يا أخ. يلبسني جريمة رشوة.
- أنت عيل عبيط. افعل ما تتهيبه؛ تجده يسألك.
- ما طلباتك؟
قلت متلعثما مرتعشا.
- قرار إعفائي.
انشغل عني صامتا في أوراقه. ..
ثم مستغربا
- مازلت هنا؟ سأكلم المختص.
انصرفت قلقا.
بعد ساعة ناداني :
- لنذهب معا للوسيط.
أسرعت إلي خيمتي طائرا علي جناح فرحتي العارمة.
ظني أن مشكلتي حلت.
كان الجو باردا ممطرا.
أثناء الطريق يحادثني متوددا مكررا:
- صديقي خياط مسكين معدم. دكانه لا يليق بترزي. وأهل الحارة يمدون إليه أيدي المساعدة رحمة به.
زوجته جرجرته للمحاكم ظلما.
وبعد قليل يسألني:
- ما اسم الترزي؟
- وجمت..
قال مكشرا.
- تذكر ما أقول!
تذمرت نفسي. ولماذا؟ هل مقبل علي امتحان؟
خفت أن يتخلي عن خدمتي.... فأصغيت مرغما.
وهو يلقني عن الخياط المعوز.
قالت نفسي: ما شأننا وهذا.
دلف بي إلي دكان.
وهو يشير إلي:
- هاهو الشاهد.
- نطت نفسي في جوفي زاعقة سيورطك ياغر.
رحب بي الترزي قائلا :
- تشرفنا
تساءلت نفسي مستنكرة:
- شاهد؟ ولم؟ وعلي ماذا؟
- وأنا كيف أشهد رغم أنفي؟
انشغل رفيقي بالحديث مع الخياط. ثم التفت إلي قائلا :
-اخلع (الفانيلا) الصوف ليتدفأ بها أخينا..
تجمدت كأني لم أسمع.
تمتم الترزي محرجا:
- دعه َليصاب بالبرد.
انصرف بي حتى وصلنا الميدان ننتظر الأتوبيس ليذهب بنا للتوسط عند المختص.
السيارات تجري في الميدان من جميع الأنواع. وفجأة أشار بيده وقال متحسرا:
- هاهو؛ انصرف المختص بسيارته.. عد للمعسكر واستعد للخروج معي إليه باكرا.
نبهتني نفسي:
- أنت مساق لعمليات نصب، و جشع، وجناية.
اصطحبني مبكرا، وهو يلقني ذات المعلومات السمجة.
وصلنا لمبني مدون أعلي مدخله:
" محكمة مصر الجديدة"
ولولت نفسي في أعماقي .
ستلبس الحديد إن لم تهرب..
انفجر قلبي عاصفا، وشلني الخوف.
شدني لقاعة فارغة.علي بابها حاجب. سدد لي نظرة حادة كالسهم شكت صدري.
وقال لمرافقي متشفيا :
يا حضرة.القاضي انصرف.
فخررت ساجدا.