
" ... تطلقت صغيرة فتربصت بها الذئاب في كل زنقة و عطفة ، فتعاظمت حاجتها إلى
رجل يحميها .
عرفتها في الترولي ذات مساء غائم .
كان الترولي مزدحما بالركاب ،
بركام العائدين إلى بيوتهم بعد يوم شاق من الكدح،
بأمثالي من البطالين بعد يوم فارغ من التسكع ،
باللصوص المتربصين بحقائب النساء و جيوب الشيوخ .
كان إلى جوارها شاب يضايقها و يناور ليحصرها بين ذراعيه و صدره في جرأة و وقاحة و هي تتملص لتحرر نفسها إلى مساحة أوسع .
طبطبت على كتفه :
- احشم شوية على روحك ، لو كانت أختك كنت ترضى لها هذا الشي؟
كنت مستعدا لأن أخوض من أجلها معركة حامية مع ذلك الشاب .
فلم يكن ورائي شيء يشغلني . قلت في نفسي : فلأوظف عضلات جسدي البطال في معركة عادلة هذا المساء ضد الحقرة .
استنفرت قواي ، و هيأت دماغي لأنطحه به على وجهه ، إذ لم يكن ازدحام المكان ليسمح باستعمال الأيدي و الأرجل .
لكن الشاب راجع نفسه و آثر التنحي و الإفساح لها لتتحول إلى مكان بعيد عنه .
- صح .
شكرتني بلسانها ، و لكن شكر عينيها كان أعمق و أبلغ في نفسي ....
و هكذا مثلما تعاظمت حاجتها إلى رجل يحميها وجدت حاجتي تتعاظم إلى امرأة موظفة مثلها .
حين تنزل يد الميت و أعبر الأسابيع من غير أن يدخل جيبي فرنك أحمر كما تقول أمي أجدني مدفوعا إليها بالحاجة ،
بغريزة البقاء ، فألوذ بها من المساءات الجهمة و الأسوار العالية ،
من الآفاق المدلهمة و الجيوب الخاوية .
تمنحني بلا تردد ، تقول :
- ليس بيننا حساب ، نحن لبعض .
أستلم منها و أنا أغوص ، أغوص في الخزي إلى الذقن ..."