روح أمه!
حدثني صديقي "العبد لله" فقال:
أنا (الحيلة)؛ وحيد والدي، ومن شدة الحرص عليَّ؛ أمي تصر على التهامي كل ما في الصحون، تحثني على لعقها لا بإصبعي فقط، ولكن بلساني أيضًا، قائلة: اللعق من السُّنة وفيه بركة الطعام، وأكرر لأمي:
♦ شبعت.
فتدس في فمي رغمًا عني قائلة:
♦ (عاوزاك تكبر يا وله، وتبقى فتوة بشنبات).
كنت أسهي أمي، وأخبئ عنها بعض الطعام، وألقيه في القمامة، وأوهمها بأني (طفحته).
ومن خوفها علي؛ منعتني من اللعب مع العيال، أو ركوب الدراجات، أو لعب الكرة؛ مخافة ضربي أو كسري، أو مجرد إجهادي.
تخنقني بتلبيسي ثقيل الملابس حتى يلجمني العرق، فإذا تمردت، وخلعت، عنفتني أمي وأسرعت بستري، وغلق النوافذ والأبواب؛ حتى لا يلفحني الهواء البارد! مع أن الدنيا مكتومة، والواحد قاطع النفس.
يومًا رجوت أمي أن أجلس مؤدبًا أمام باب المنزل.
أنظر فقط للشارع، وما فيه، وعَدتها بعدم المشاركة بأي لعبة، فوافقت بشرط أن أغير ملابس المنزل، وأرتدي ملابس الخروج الأنيقة؛ حتى لا يقال: أمه ليست نظيفة.
وأحضرت لي كرسيًّا على الرصيف ملاصقًا لجدار بيتنا، فجلست أنظر الرائح والغادي، واللاعبين والجادين.
فهذا بائع (خد الجميل) تبرز عروق رقبته العجفاء من كثرة نفخه زمارته، جرى ريقي شهوة لتفاحه الأخضر المطربش بالكراملة الحمراء، فالتفت لأمي, أشرت إليه وإلى فمي راجيًا، فقالت: سأعده لك بيدي؛ فلا نضمن نظافته، فوجمت.
وذلك الولد يركب دراجة صغيرة، ليت لي مثلها! تخيلت أني أجيد قيادتها خيرًا منه؛ إنه كثير التعثر، ولا ييئس من المحاولات اللذيذة.
قلت لأمي: (عاوز عجلة زي دي).
ردت: (لما تكبر).
ومجموعة تلعب (الاستغماية).
وهذه فرقة تلعب الكرة الشراب.
أما هؤلاء الكبار - مثل أبي وأمي - فإنهم يلعبون لعبة شد الحبل؛ واللعبة مرة هذا الطرف غالب، ومرة مغلوب، والضحك والصيحات ينداح صداها...
فجأة (دب!) طوبة اندكت في جبهتي ومعها على الفور ( آي!) والدم ساح، والصراخ مباح.