الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > منتديات اللغة العربية والآداب الإنسانية > منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي

منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي هنا توضع الإبداعات الأدبية تحت المجهر لاستكناه جمالياته وتسليط الضوء على جودة الأدوات الفنية المستخدمة.

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-06-2006, 08:02 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
د.أيمن الجندي
أقلامي
 
إحصائية العضو






د.أيمن الجندي غير متصل


افتراضي نجيب محفوظ شحاذا

في لغة شفافة مرهفة – لا تكاد تصدق – يقطع لنا نجيب محفوظ قطعة من روحه ليرينا كم الألم الذي صاحب رحلته الروحية في بحثه عن معنى لوجوده ولذلك الكون المنتصب أمامه كلغز هائل مستعص على التفسير..هل يمكن للإنسان – بمعزل عن الدين – أن يصل لحقيقة القوة الخالقة المهيمنة في هذا الكون ؟ ، هذا ما تحاول الرواية الإجابة عنه عن طريق الرمز والإشارة .
الرواية تبدأ بمشهد حافل بالدلالات والرموز ..وهو تلك اللوحة المعلقة في صالة الانتظار للعيادة الطبية التي قصدها بطل الرواية عمر الحمزاوي ..في وصف مدقق لتلك اللوحة تطالعنا صورة أبقار ترعى بطمأنينة راسخة ( في إشارة واضحة للغفلة السعيدة التي يحياها أغلب البشر الذين يقنعون بالإجابات الجاهزة ) .. وطفل يمتطي جوادا خشبيا يتطلع إلى الأفق عارضا جانب وجهه الأيسر وفي عينيه شبه ابتسامة غامضة، وأفق ينطبق على الأرض من أي موقف ترصده مثل سجن لا نهائي .
بطل هذه الرحلة الروحية المؤلمة هو ليس عمر الحمزاوي المحامي الثري وإنما هو في الحقيقة ذلك الطفل بجواده الخشبي العاجز لأن أي إنسان يقف أمام لغز الكون منفردا ليس أكثر من مجرد طفل ..ووسيلته لحل إشكالية الوجود والموت والمعضلة الكبرى - سواء بعقله أو بقلبه - أشد عجزا من جواد خشبي.
…………………………..
أبطال رواية " الشحاذ " هم الأصدقاء الثلاثة "عمر الحمزاوي " الشاعر الحالم سابقا والمحامي الناجح حاليا ، ومصطفي المنياوي الذي هجر المسرح الجاد ليصبح وسيلة للتسلية ، وعثمان خليل العقائدي الماركسي الذي يعمل للإنسانية جمعاء وليس لمجرد الوطن ، والمسجون حاليا بعد أن تم القبض عليه في العهد الملكي دون أن يشي برفاقه في الخلية السرية ..تتابعت السنون وقامت الثورة وأنشغل كلاهما بحياته ولكن ظلت ذكرى عثمان خليل مثارا للحزن وتأنيب الضمير .
التحول الحاد في حياة عمر الحمزاوي ومصطفي المنياوي كان بسبب فتنة العلم الحديث ، وما يتسم به من دقة وحياد وقابلية للتكرار بعكس الفنون والنشاط الروحي للإنسان عموما..تلك الفتنة التي حملتها رياح البحر المتوسط من الجانب الآخر بعد صراع العلم المرير مع الكنيسة وسببت تحولات فكرية هائلة ومخاض عسير في ثلاثينات القرن الماضي حينما كان نجيب محفوظ نفسه في مرحلة التكوين..يقول مصطفى المنياوي لصديقه مبررا تحوله عن المسرح الجاد إلى تسلية الناس :
-العلم لم يبق شيئا للفن ، ستجد في العلم لذة الشعر ونشوة الدين وطموح الفلسفة ..صدقني لم يبق للفن إلا التسلية ..اقرأ أي كتاب في الفلك أو الطبيعة أو أي علم من العلوم وتذكر ما تشاء من المسرحيات أو دواوين الشعر ثم أختبر بدقة إحساس الخجل الذي سيجتاحك .
لكن العلم قد أصاب إيمانهما بالدين أيضا في مقتل ..حينما أحب عمر الحمزاوي الفتاة المسيحية كاميليا فؤاد ( والتي صارت زينب فيما بعد ) وتزوجها رغم معارضة الأسرتين قال صديقه بوضوح:
- تضحيتك لا تقاس بتضحيتها ..وللعقائد طغيان حتى على الذين نبذوها .
ولذلك فإن عمر الحمزاوي - رغم نجاحه غير المحدود في مهنته وحبه الحقيقي لأسرته - كان يحمل في داخله بذور تعاسته ..الشعر الذي هجره مع العقيدة التي نبذها ..وذلك الإحساس المزمن بتأنيب الضمير تجاه عثمان خليل
............................................
أزمة عمر الحمزاوي كانت في إحساسه الملح بالخمود وانعدام الرغبة في العمل والضيق بالدنيا والناس والأسرة ..وأسئلة متكررة عن معنى حياته نفسها .. لا يوجد تاريخ محدد سوى حوار عابر مع أحد عملاءه في مكتب المحاماة حينما قال له في امتنان :
- أنت محيط بتفاصيل الموضوع بدرجة مذهلة تليق باسمك الكبير وإن أملي في كسب القضية كبير
- وأنا كذلك ، فضحك الرجل بسرور وإذا به يشعر بغيظ لا تفسير له فيقول :
- تصور لو تكسب القضية اليوم ثم تستولي عليها الحكومة غدا ( ملحوظة : أحداث القصة في الستينات )
هز الرجل رأسه في استهانة قائلا
- المهم أن نكسب القضية ..ألسنا نعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله سيأخذها.
يقول عمر الحمزاوي أنه سلم بوجاهة منطقة ولكن دار رأسه بذهول مفاجئ وكأنه يعلم هذه الحقيقة لأول مرة ..والحقيقة أنه كان يعاني من تغير خفي مستمر جعل تأثره عظيما بهذا الكلام الذي تردده الملايين كل لحظة دون أن يحدث أي أثر لأي إنسان .
في البدء تصور صديقه مصطفى أن الترف هو سبب ذلك الخمود والضيق ..لقد بلغ أقصى آيات النجاح في عمله وأسرته فلم يعد هناك ما يتطلع إليه ..لكن عمر الحمزاوي يناجي صديقه في وجدانه بسره الخفي " تريد أن تعرف سري حقا يا مصطفى ؟ اسمع ..حينما أمضني الفشل جريت نحو القوة التي آمنا من قبل أنها شر يجب أن يزول "..وهكذا كانت العقيدة تعطيه – مثل كل إنسان - معنى متكاملا وهاهو يحاول أن يملأ الفراغ .
وهكذا بدون خلفية من دين فقد الإيمان به على أثر فتنة العلم ، يبدأ بحث الإنسان – ممثلا في شخص عمر الحمزاوي - عن سر هذا الكون ووسيلة لملامسة الحقيقة الكبرى والقوة الخالقة المهيمنة التي لم يكف أبدا عن الإيمان بوجودها ..
ووسط هذا الركود العظيم الذي يعذبه يعود إلى الشعر والكتب القديمة الذي هجره باحثا عن نغمة ضائعة فيشعر بحركة طارئة تدب في نفسه سرعان ما تجمدت ..
وذات ليلة وهو في السينما يرى وجها جميلا فيشعر بحركة تدب في أعماقه ليؤمن لحظتها أن الحركة – أو النشوة – هي مطلبه وخلاصه وكأنها النصر الدائم وسط الهزائم المتلاحقة ..وهي السبيل أيضا لنشوة الخلق المفقودة ..
تتعدد مغامراته النسائية لأول مرة في حياته دون أن تكون الشهوة دافعه لها على الإطلاق ..لم يكن عمر الحمزاوي أبدا حيوانا تحركه شهوة ولكنه كان معذبا ويائسا .
وما يجب الإشارة إليه في هذا الصدد أن الإنسان القديم في طريقه الطويل لمعرفة خالقه المجيد – بمعزل عن الديانات السماوية – قد عرف الطقوس الجنسية كوسيلة للتقرب من الرب والتطهر من الذنوب وبلوغ الكمال لما يؤدي إليه من معجزة الخلق .
وكلما حاول صديقه مصطفى مخاطبة ضميره مشفقا من تلك الأحزان المريرة التي تعانيها زوجته التي نبذت كل شيء من أجله يقول في حدة أن ألمه أعنف من ترف الضمير وها هو ذا ينتظر اللحظة الإلهية التي وهبت الكون يوما سر جديدا ، وهاهو ذا يقف على أعتابها مستجديا باسطا يديه في ضراعة للأفق والظلمة لعل قبسا يشتعل في صدره كما ينبثق الفجر .
يهجر عمر الحمزاوي بيته رغم صادق حبه لأسرته ويقيم معبدا للغرام دون أن يعبأ بلوم صديقه مصطفى قائلا له :
- سأدق الجدار الأصم في كل موضع حتى يرن صوت أجوف يشي بالكنز المفقود .
ويستغرقه البحث عن السر / الحركة / النشوة / المعنى حتى يظن الناس بعقله الظنون لكنه يعلم جيدا أن أحدا لن يفهمه ، ويقول :
- منذا يفرق بين قاتل وعابد ؟
..............................
لكن الركود العظيم يعاوده والنشوة تستعصي عليه ويتجاوز تلك المرحلة الجنسية كما تجاوزتها الإنسانية في طريقها الطويل لخالقها المجيد..بوضوح تام يعلم أنه يبحث عن معادلة بلا تأهيل علمي ولذلك لم يبق أمامه سوى التسول ( من هنا كان اسم الرواية الشحاذ )..فيذهب وحده للصحراء في عتمة الليل وهناك تحدث المعجزة....
كانت الظلمة كثيفة غامرة وقد وقف مفقودا في اليأس والسواد رافعا عينيه إلى النجوم ضارعا إلى الصمت أن ينطق وإلى حبة الرمل أن تطلق قواها الكامنة ..فإذا بالظلام يرق وتنبث فيه شفافية وتتلون السماء بضوء عجيب ويرقص القلب بفرحة ثملة وتشمله سعادة غامرة جنونية ويظله يقين عجيب يقطر منه السلام والطمأنينة ..ويرتفع فوق كل رغبة وتترامى الدنيا تحت قدميه حفنة من تراب .
راح يلهث ويهتف بعد اختفاء الضياء: هذا هو اليقين بلا جدال .. أنفاس المجهول وهمسات السر .
وأغلب الظن أن محفوظ كان يقصد بهذا المشهد المذهل في الصحراء وحي السماء واتصالها بالأرض .
......................................
يعود عمر الحمزاوي بعدها لبيته مؤمنا أن الغبار حول روحه أكثف من أن يزول بنفضة واحدة ..وأنه لم يخرج بعد من الغربة الأبدية ولا يكف عن انتظار رحمة الفجر إلى الصحراء وأفراح الضياء ..
فجأة يظهر عثمان خليل بعد خروجه من السجن بصلابته المعهودة ..ورغم السجن الطويل والأقدام التي انهالت على رأسه من صميم الشعب الذي سجن من أجله إلا أنه أسترد إيمانه – الذي أوشك أن يفقده - بأن عمره لم يضع هدرا وأن ملايين الضحايا المجهولين منذ عهد القرد – على حد تعبيره – قد رفعوا الإنسان إلى مرتبة سامية .
لكن عمر الحمزاوي كان يتساءل في لوعة – وهو يتذكر أفراح الضياء التي لم تعد ثانية – هل يسعفنا القلب إن فاتنا أن نكون من العلماء ؟ ..فيرد عليه عثمان الماركسي العقائدي أن القلب مجرد مضخة للدم ومن الخرافة أن نعتبرها وسيلة للحقيقة ..وهو في تطلعه للنشوة أو الحقيقة المطلقة لا يملك وسيلة ناجحة للبحث فيلوذ بالقلب كصخرة نجاة أخيرة لكنها مجرد صخرة تجعله يتقهقر إلى ما وراء التاريخ وبذلك يضيع عمره هدرا ..أما الوسيلة الوحيدة المؤكدة لأي حقيقة فهي العقل والعلم والعمل وليس القلب والمعارف الروحية .
لكن عمر الحمزاوي لا يأبه لكل هذا الكلام قائلا لنفسه أن عثمان معذور لأنه لم يشهد الفجر في الصحراء ولم يشعر بالنشوة وتحقق اليقين بلا حاجة إلى دليل .
..............................
تدهورت حالته النفسية كثيرا بعد ذلك وصار يقود سيارته لأماكن لا يعرفها بسرعة جنونية ولا ينام موقنا أن إدامة التطلع لأعلى واحتراق القلب لم تعد تجديه شيئا ..ولم يبق أمامه في سبيل بحثه عن الحقيقة الكبرى المطلقة سوى العزلة المطلقة والخلوة التامة فما يكتنفه من الطنين يمنعه من حسن الاستماع إلى الصمت أو فهم لمعنى وجوده وحياته ..
ولذلك يهجر العالم تماما ويذهب لخلوة تامة باحثا عن نشوة الفجر وقد تاقت نفسه إلى لحظة الانتصار المأمولة ، لحظة التحرر الكامل ..تلك اللحظة التي لم تجئ ثانية أبدا ..والوجه الذي يتوق لرؤيته لم يتجلى له رغم أنه هجر الدنيا من أجله لتنتهي الرواية بهذه الجملة الفاجعة التي تنعي جهد الإنسان في الوصول إلى اليقين منفردا :
- إن تكن تريدني حقا فلم هجرتني ؟.
............................






 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
إطلاق موسوعة أعلام القصة القصيرة والرواية د.سامر سكيك منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول 39 10-01-2012 02:40 AM
لقد نجحت ألاء وسقط الأغبياء ! أشرف عمر منتدى الحوار الفكري العام 4 01-07-2006 04:39 AM
نجيب محفوظ شحاذا د.أيمن الجندي منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي 0 18-06-2006 04:18 PM
الله تعالى في أدب نجيب محفوظ د.أيمن الجندي منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي 3 17-03-2006 05:09 AM
رواية كفاح طيبة لنجيب محفوظ عمر سليمان منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول 0 24-08-2005 10:15 PM

الساعة الآن 02:03 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط