مساكين وبؤساء أولئك الذين يفقدون في كلّ مرّة أصدقاء لهم لأنهم ببساطة لم يحسنوا الحفاظ عليهم و لا على تلك العلاقة القدسية...
في كلّ مرة يؤذونهم بتصرف متهوّر غير مدروس أو بكلمة نابية جارحة.. و في كلّ مرّة يكون ردّ فعل أصدقائهم لزوم الصمت و الاحتراق الداخلي و الانسحاب ببطئ مراعاة لحرة الصداقة و قدسية من نحب...
و لكن للأسف الشديد أولئك البؤساء المساكين من الأصدقاء لا يقدّرون عواقب الأمور و يمضون في طريقهم غير آبهين و في بعض الأحايين يثخمون جراحات أصدقائهم بمزيد ن السلوكات غير المحسوبة... لا أدري هل حقيقة لا يعلمون ما يفعلون أم هم قد تعمّدوا الإيذاء...إن كانوا يعلمون فالخطب أعظم و إن كانوا لا يعلمون فصداقتهم على كفّ عفريت و متى يأتي اليوم الذي يتعلمون فيه ... أعرف صديقا جامعيا ميسور الحال و صديقه موظف عادي بسيط يعاني من مشاكل مادية صعبة و صديقه على علم بذلك بل و الأدهى و الأمر فإن صديقه يشير له في كلّ مرّة بحاجته المادية الحرجة إلى اقتراض مبلغ مالي و لكنّ صديقه الميسور يتجاهل مشاعره و يغلّف كلامه و أحاديثه بكلمات مغرية و معان إيمانية كبيرة و جمل كالياقوت و اللؤلؤوالزبرجد..ما فائدة صديق لا يشعر بحال صديقه، و لا يقدم يد له المعونة و لو بداعي المروءة.. مثل هذا الصديق البائس المسكين سيتعرّض لا محالة إلى نزيف عنيف في لصداقة..
و أعرف صديقا آخر حباه الله بعلم غزير لا يترك الفرصة لصديقه للتعبير عن أفكاره و وجهات نظره...يقاطعه في كلّ مرّة بل و بلغ به حد الاستهتار أن يجرح مشاعر صديقه في لقاءات عامة دون أن يكترث بقدسية الصداقة التي تربطهما ببعض..مثل هذا الصديق البائس المسكين سينال نصيبه حتما من عزوف الأصدقاء لأنه ليس كلّ صديق يملك القدرة على الصبر و التحمل و التضحية..
و أعرف ثالثا من الأصدقاء يشعرك بالأبوية ليس بمفهومها الإيجابي كلاّ بل بمفهومها السلبي أي من باب السلطة و الاستعلاء و و الفوقية..و ما ذلك إلا لاعتقاده بأنه مثلا أكبر منك سنا أو أكثر منك تجربة و من باب معرفة الفضل لأهل الفضل و السبق و نسي أو تناسى بأنّه قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر"ففهمناها سليمان " فليس عيبا أن يفهم التلميذ مسألة و يحلّها حلا صحيحا و يعجز معلّمه في فك" عقدها... و لكن يبقى سليمان نبي الله تعالى و الهدهد طائرا و من جنوده الأوفياء...
سقت هذه الأمثلة الثلاثة و ما أكثرها لأربط بين الفكرة و تطبيقاتها العملية حتى لا يظن البعض بأن هذا الكلام للاستهلاك و الترف الفكري لا غير..
و عندما وصفت هذا الصنف من الأصدقاء بالبؤساء و المساكين فلأنه ينطبق عليهم تماما..فليس البؤس من طالته الحاجة والعوز و الفاقة، و أظلمت في وجهه الدنيا و ضاقت عليه الأرض بما رحبت..و ليس المسكين من فقد والديه أو أحدهما فعاش و تدرج في منازل الحرمان الأبوي و الفقر المعنوي من حبّ و حنان و عطف... و لكن الصنف الذي وصفته هو أشدّ بؤسا و مسكنة و غبنا من البائس و المسكين على الحقيقة..
و حري بالصديق العاقل المحب و الوفيّ أن يحافظ على قدسية الصداقة و يعض عليها و لا يدع للشيطان سبيلا و لا لحظوظ النفس طريقا...إن كثيرا من الأصدقاء ممن آثروا الانسحاب ببطىء و هدوء حتى اكتشف أولئك البؤساء المساكين بأنهم أصبحوا بعد فترة من الزمن يعيشون عزلة قاتلة وفراغا رهيبا و غربة قاسية.. ذلك لأنهم تعرضوا لنزيف مروّع للاصدقاء..و حتى لا نقع في هذا المصير المعتم علينا أن نقدّر الصداقة حقّ قدرها و نحفها بروابط قدسية و نشدّ من أزرها و بهذا فقط ننجو من وصف البؤساء المساكين...