يقول الناقد ، ببا هواري خليفة :
و أنت تقرأ المجموعة القصصية القصيرة جدا "تلك الحياة" لشريف عابدين تجد نفسك أمام قاص يبحث أولا عن متعته الذاتية في الكتابة، في اصطياد اللقطات المحكية، في رص العبارات، في تنسيق الجمل السردية، في البحث عن كتابة خاصة به، عن أدوات لم تستعمل من قبله في القصة القصيرة جدا.
كل هذا و ذاك يشي بأن القصة القصيرة جدا قد أسست فعلا لشعريتها و بدأت تبحث عن التميز الذي يحققه الانزياح عن القالب الأجناسي الجاهز.
و سنقد قراءة عاشقة لاضمومته(تلك الحياة)، الصادرة عن دار التنوخي، بحر هذه السنة، مركزين بشكل أساس على تيمة الموت من خلال حضور الحياة.
عتبة العنوان
ستستقبلنا أضمومة المبدع ، شريف عابدين، بعتبة تثير في نفس المتلقي جملة من الاسئلة، و ما ذاك الا لكونها جاءت قصيرة و غير تامة، هذا البياض الدلالي يعد محفزا على شحذ القراءة و ملء الفراغات..
فالعناون مكون من اسمين، اسم اشارة للمؤنث البعيد، و مشار اليه معرف هو الحياة..
سنقتصر على بعض الاسئلة، لفتح كوة قصد الاطلاع على العالم التخييلي للمجموعة، تاركين بقية الاسئلة و غيرها للقراء..
فما المقصود بالمشار اليه ؟ و هل هو ذاك المشترك بيننا و بالتالي فهو حاضر في الذهن ، ام انه اشارة الى حياة مازالت قيد التشكل ؟
هل الحياة هنا مضت و انقضت و طواها النسيان ، ام انها بقيت موشومة في الذاكرة التي ما تني تستعيدها ؟
ام هي تلك الحياة المطموح اليها و المرغوب فيها ؟
ان ذكر الحياة هو في الوقت نفسه ذكر للموت ، فالحياة ما هي الا قناع يثوي خلفه الموت، لانه حقيقة الحياة و وجهها الثاني، بل انه حقيقة الحياة التي ليس سوى استعارة..ألسنا موجودين من أجل الموت ؟
لكن، للتغلب على تعاسة الموت الحتمي، و غنزالضربة قاضية به، يتم الاعتماد على آلية الكتابة و منطقها، أليست الكتابة فعلا ينهض ضد الموت و يلغيه ؟ أليست هي عبورنا نحون الخلود ؟ قد يعتمد البعض على الاستمرارية البولوجية لتحقيق البقاء ضد المحو، غير أن المبدعين يعتمدون على الإبداع و الكتابة لتحقيق الغرض ذاته، لأنها آاية فعالة لاستنطاق الوجود و تحقيق البقاء..ألم يسع الكتاب إليها لتحقيق الخلود بواسطتها و ضد المحق الذي يعني المحو النهائي ؟
عتبة الصورة
بانتقالنا إلى العنصر الثاني الذي يعد من آليات جذب القراء و لفت انتباههم و إثارة رغبة القراءة لدهيهم ، تحضر الصورة كعنوان مغر و عتبة لابد من المرور عبرها لولوج نصوص الاضمومة..
لوحة الغلاف تمثل النهار على خلفية الليل
ففي الصورة يحتضن الإنسان خيوط الشمس بينما يسطع الهلال ممثلا الليل في السماء
إذن هي تعبر عن التأقلم مع هذه المفارقة الكونية الكبرى وهي المرادف للحياة والموت كما تظهر اللوحة أن هذا التعايش ينبع من المعرفة التي ترمز لها عين الوعي في رأس الإنسان..
إن الصور تقدم لنا حياة في قلب الموت أو الموت في قلب الحياة، إذ حين يذكر واحد منهما فإنه بالضرورة يستحضر العنصر الثاني..
و يقدم لنا نص(همس ص 23)، هذا الحضور على أنه دوران ، أو رحلة بين الحياة و الموت، من خلال الثور الذي يؤدي أدوارا محددة حتى إذا بلغ من العمر عتيا، تأتي يد الموت لتختطفه، و يحل محله ثور آخر يؤدي المهمة نفسها و هكذا دواليك، إننا، من خلال هذه الصورة، نعيش بين فكي الحياة و الموت معا، أليست الحياة افتراسا أيضا ؟..
يتبع
هذه بعض الاسئلة التي ستقودني للحديث عن الموت في الاضمومة، و بعدها الحديث عن التناص، و قبلهما الحديث عن الصورة..