يشكّل التصوف الإسلامي الذي بدأت أولى بوادره في الظهور في القرن الأول للهجرة , ليبلغ أشدّه في القرون الثلاثة اللاحقة , الحلقة الأكثر غموضا ً والأكثر إثارة للجدل , إن على المستوى العقائدي , أو على المستوى العملي , أو على المستوى الفلسفي المحض , أو حتى على المستوى الفني ( ممثلا ً في المتْنَيْن الشعري والنثري على السواء ) . ويمكن أن يشار إلى التصوف دائما ً على أنه الطريق الذي سلكه الفرد فإنه لن يرجع عنه أبدا ً( من وصل لم يرجع ) وهذا الذهاب بلا عودة هو ما يثير جمهرة الأسئلة المرتبطة بمعنى التصوّف وغايتهوأسراره واصطلاحاته وشطحاته .. إلخ , إنه ذلك العلم الغريب والمنهج المتلبس بالغموض والسرّية , من تجرأ من سالكيه على الكلام - بالشعر أو بغير الشعر - كان نصيبه على الدوام سوء الفهم وسوء المنقلب , فيتُهم بالزندقة والكفر , وقد يُقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض , لذا ذهب إلى وجوب الصمت وحكمة ( ما كل ما يُعرف يُقال ) .
أساطين التصوّف كالشبّلِي مثلا ً , حين أشار إلى مجاهدات الطريق وأسراره وكراماته باللفظ الرمزي والمصطلح , وليس بالتعبير العادي المباشر , لالتباس الحال نفسها من جهة , ولتجنّب فهم العوّام القاصر عادة عن بلوغ الأرب من الكلام لفظا ً ومعنى ً .
ونحن أولاء في هذا الموضوع الذي نعقده للحديث عن التصوف , نريد أن نجلّي ما أمكن من تاريخه ومصطلحه وأيديولوجيته , وجهازه المعرفي , لا سيما وأنه علم زاخر يجمع علوما ً شتى كعلوم القرآن والحديث والفقه والشريعة والأصول والعقائد وعلم الكلام والأدب والبلاغة وعلم النفس والطبائع وغيرها من المعارف ..
إنه علم العلوم ومنتهى الإدراك , وكفى به وصفا ً يدلّل على صعوبته ما يقول عنه أصحابه من أنه علم لدُّني لا يصل إليه الإنسان بمحض تحصيل وتنقيب , بل بمحض توفيق وتوقيف . 
وللحديث بقية إن شاء الله ...