جلس بجانبه .. غريب هو عن الديار ..أطراف جسمه تنوط منها رائحة كريهة .. أغمض عينيه العميقتين زمنا ..عساه يفر من مصيدة الإرهاق ..فما استطاع ؟..
حولق وأستغفر بأسماء الله الحسنى ..لاعنا البعيد و القريب من أهل إبليس ..نحى حقيبته الرثة إلى الجدار الطيني خلفه .. حتى يمكن لقدميه النحيفتين الشبيهتين بأسلاك الكهرباء الصدئة .. من الاسترخاء ؟ .. أدخل يده اليمنى بارتعاش شديد في جيب معطفه المهترئة مؤخرته ليخرج كيسا فيه الكثير من عشب العرعار ..وضع القليل منه فوق ورقة الماصة .. أدارها بإتقان محكم ثم أشعلها سامحا لدخان كثيف ذي رائحة كرائحة جسده .. أن يخنق بإصرار سقف المقهى .. لم ينتظر سوى ثانيتين حتى جذب كيسا آخر .. أخرج منه هذه المرة ..دينارين ..قذف بـهما فوق الطاولة :
- أنت يا غبي المقهى .. إيت لنا بفنجانين من القهوة ..
جملة الأمر تحمل صيغة الجمع .. الرجل طلب فنجانين من القهوة .. ولا أحد معه حول الطاولة عداه .. هم بتقديم الشكر له فوجده غائصا في انتشاق سيجارة العرعار .. غير آبه به .. فصام عن الكلام ..و اكتفى بتأمل كيف أن السيجارة تشتعل بشهوة .. ما لها قرار .. ثم رآه يعيد يده اليمنى بارتعاش أكثر من المرة السابقة .. إلى أعماق تلابيب صدره ليخرج رقعة قديمة .. أرجح الظن أنها خريطة عثمانية .. فالرسوم دلت على ذلك .. وأن عمرها يمتد إلى الخلف .. إلى القرن الماضي .. ظل يقرأها معكوسة .. قرابة الساعة .. حتى ما أعياه التحديق .. نطق أخيرا ..بصوت يخرج من تحت انفه:
- أين نحن ...........؟