لم يكن يتصور أبدا أنه سيقف يوما ما تحت قبة الجامعة، يحمل الافتات ويتظاهر مع باقي الطلاب. كل ما هنالك أن الفتاة التي يحبها لها آرائها في السياسة وأراد أن يخبرها بشكل عملي أنه هو أيضا له آرائه السياسية وقناعاته الخاصة به.
وعندما كان يلتفت يمينا ويسارا وهو ينظر إلى زملائه يحملون اللافتات ، كان قلبه ينقبض كلما لاح أمام عينيه المشهد الشهير لطلبة الجامعة حين يأخذونهم إلى قسم الشرطة بعد المظاهرة ويعيرونهم ضربا. وتخيل نفسه وهو يصعد على سلم بيتهم القديم، منهك القوى، مبعثر الثياب، و ما أن يصل إلى شقتهم في الطابق الثالث، يقع من طوله من فرط الإعياء ومن هول المفاجأة على وجه أبيه المسكين...
وحاول أن يطرد تلك الخيالات من ذهنه وأخذ يشغل نفسه باللافتة التي يحملها و يحرك قدميه على الأرض بين الحين والآخر عله يتفادى لسعة الشمس التي أخذت تخترق الكوتشي الذي يرتديه وبدأت تلهب أطراف قدميه.. وعاد بكتفيه إلى الوراء، ورسم على وجهه ابتسامة وهو يرفع لافتته إلى أعلى ويستدعى لذاكرته المتظاهرين في الخارج كما يراهم في التلفاز، يحملون اللافتات في صمت أو يرددون بعض الكلمات دون ضوضاء ودون كلام زائد..
ونظر حوله وطمئن نفسه أنه هو وزملائه لا يتعدون ثمانية طلاب و أن المظاهرة ما دامت محدودة العدد، فلا بد أنه لن يكون هناك أذى..ولمح من بعيد حبيبته تقف على الرصيف المواجه له، تقرأ الافتة التي يحملها، تثبت عينيها في عينيه و تبتسم له...
وبدأ أحد زملاءه في نطق أولى الهتافات وتوالت الهتافات تلو الأخرى محدثة ضجيجا بدا له مقززا أول الأمر..لم لا يتظاهر الكل في صمت؟ أليس من الممكن أن يعبر الإنسان عن رأيه دون الحاجة إلى هذا الكم الهائل من الهتاف؟ لا شيئ يهون عليه الحر و الضجيج سوى مشاهدة حبيبته له، تشجعه وتبث إليه الشعور بالثقة فيما يفعل..
على البعد كان يلمح أسرابا من الطلبه والطالبات يتجهون إليهم، يندمجون في دائرتهم الصغيرة، يرددون ما يقول زملاؤه وكأنهم عرائس خشبية يحركها رجل واحد بخيوط خفية ويلقنها ما تقول..
يخفق فلبه بشده كلما انضم إليهم طلاب جدد و اتسعت الدائره.. المشهد أصبح أكثر كآباه ...انضم إليهم طابور من زميلاته مكتسيات بملابسهن السوداء والزرقاء..يختفى وجه حبيبته وسط وجوه العشرات من الطلاب الذين التفوا حولهم يسمعون ما يرددون..
الهتافات تملأ الفضاء من حوله والدنيا تسبح أمام عينيه...هو الآن في بيتهم ذي الطابق الواحد..أبوه يجلس في غرفته يسبح بعد صلاة العصر..من غرفته يمكنه أن يرى والدته في البلكونة وهي تحمل صينية ويتأمل حركة يديها الأتوماتيكية وهي تنقي الأرز..يستفزه هدوئها وإستكانة ملامحها...ينهض من سريره، يشاكسها، يخبرها أنه يريد أن يفاتحها في موضوع هام وعليها أن تنتبه له، تتوقف حركة يدها للحظة وتتجه إلى المطبخ وهي تشكوه وتقول إن كل شيء مسئوليتها في هذا البيت ولا أحد يشعر بها..
في المدرج الواسع بكلية الآداب، يجلس بجوار زميلته، ينظر إليها بين الحين والآخر وهو يتسآل إن كانت تحس بمشاعره أم لا..تدق ساعة الجامعة الثامنة وتغيب الشمس... عبر سور الجامعة يمران سويا إلى الشارع الأكثر رحابة.. تخبئ جسدها خلف جسده وهما يعبران الشارع... يحس بدفء روحها وهي تحتمي به من العربات و المارين و الليل .. يصلا أخيرا إلى بيتها..يتوقفان... يمتد نور عينيه إلى وجهها ووجنتيها ...يطبع قبلة على جبينها..يودعها..ويغادر وحيدا ويحس بروحها ترفرف حوله و يمشي على كوبري الجامعه يتأمل النيل، يتذكر حبيبته ويحلم بالغد...
--------------------------------------------------------------------------------
لم يعد في الأفق أي أمل...فالعساكر قد بدأوا يطوقون سور الجامعة من كل إتجاه وهناك إحتمال ضعيف أن تنفض المظاهرة...كان بإمكانه أن ينسحب من البداية حين كانوا ثمانية أفراد، أما الآن، بعد كل هؤلاء الذين تبعوهم وتظاهروا معهم، لا يمكنه التفكير في ذلك، ليس الآن..
يعرف خطة سير المظاهرة جيدا..فمن شارع الجامعة كانوا سيسيرون إلى شارع القصر العيني، ينضمون مع الطلبة المتظاهربن هناك، ويسيرون حتى مجلس الوزراء ومجلس الشعب..ألا تحدث المعجزة وتفتح لهم الجامعة أبوابها ليسيروا كما شاؤا ؟ لو حدث هذا، فهو لن يكمل المسير..ما أن يخرج من بوابة الجامعة، سينسحب بمفرده بإتجاه ميدان الجيزة ومن هناك سيركب الميكروباس إلى بيته ، ويسير كل شيء عاديا وكأنه لم يكن يتظاهر منذ قليل وكأن شيئا لم يحدث..
يزداد ضجيج الهتافات كل لحظة ، فبوابة الجامعة لم تغلق أبوابها كاملة وهو ما يعني أن بإمكانهم الخروج...انتفاضة تسري داخل جسده، فهو لم يتوقع أبدا ما حدث من لحظات، إذ رفعاه إثنان من زملائه على أكتافهم وأصبح هو في المقدمة..أليس هذا غريبا ؟ أن يترك زملاؤه كل هؤلاء ويحملوه هو الصامت طوال هذه المظاهره ويضعونه في الصداره؟
المشهد من فوق الأكتاف يختلف كثيرا عندما كان هو بالأسفل منذ لحظات.. عظام زميليه الذين يحملانه يحسها كالمسامير تنغرس في جسده وتؤلمه... تهتز الدنيا أمام عينيه وكأنه سيغشى عليه ... تتداخل الصور.... صوره لأبيه وهو يحمله على دراجته في طريقهما إلى المدرسة وهو صغير.. أخته الصغيرة تمسك بكراسة الرسم و تطلب منه أن يرسم لها بعض الرسومات، ولا يفعل لها شيئا حتى تنهال عليه بالقبلات...والدته تجلس في البلكونة وحدها تنظر للغادين والرائحين في الشارع... من أعماقه تتداخل الأصوات و كأنه يتحدث في فوهة بئر... يرفع بصره للسماء ويحس إنه سيسقط... أصابع تمتد إلى جسده، تغوص بداخله وتمنعه من السقوط... ينتبه إلى نفسه ... ويفيق على ضجيج الهتافات وصورة تمثال نهضة مصر التي تهتز أمامه كلما تحرك زميلاه خطوة للإمام...
المظاهرة تتقدم ولم يعد يفصله بينه وبين بوابة الجامعة سوى بضع سنتيمترات... يسير الموكب بفعل قوة الدفع من بوابة الجامعة ... يزداد اقترابه من كردون العساكر بالخارج ويحسهم كالتماثيل السوداء التي لابد ستنقلب إلى خرزانات و مدافع مياة في لحظات..جسده كله ينتفض ويحس بروحه تصعد إلى السماء وترتد إليه من جديد..يشير لزملائه بيديه ، تعلو الهتافات و يرفع هو لافتته ...يقف في سكون أمام العساكر المواجهين له..ينظر لهم في تحد...يهتف صامتا أمامهم..يشير إلى زملائه بالتحرك ...ويتأهب لملاقاة مصيره، صامتا في جلد..