الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 17-11-2010, 12:28 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي العدالة الاجتماعية في الإسلام

العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب

إهداء
إلى الفتية الذين كنت ألمحهم بعين الخيال قادمين , فوجدتهم في وقع الحياة قائمين.. يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم , مؤمنين في قرارة نفوسهم : أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.وإلى هؤلاء الفتية الذين كانوا في خيالي أمنية وحلما , فإذا هم حقيقة وواقع , حقيقة أعظم من الخيال, وواقع أكبر من الآمال.
إلى الفتية الذين انبثقوا من ضمير الغيب كما تنبثق من ضمير العدم, وكما ينبثق النور من خلال الظلمات.
إلى هؤلاء الفتية الذين يجاهدون باسم الله . في سبيل الله . على بركة الله . أهدى هذا الكتاب.
رجب1373هـ
مارس1954م
سيد قطب
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب

بسم الله الرحمن الرحيم

الدين والمجتمع بين المسيحية والإسلام

في عالم الاقتصاد, لا يلجأ الفرد إلى الاستدانة, وله رصيد مذخور, قبل أن يراجع رصيده , فيرى إن كان فيه غناه , ولا تلجأ الدولة إلى الاستيراد قبل أن تراجع خزائنها, وتنظر في خاماتها ومقدراتها كذلك .. أفلا يقوم رصيد الروح , وزاد الفكر و وراثات القلب والضمير و كما تقوّم السلع والأموال في حياة الناس؟ !
بلى! لكن في العالم الذي يطلق عليه اسم" العالم الإسلامي", لا تراجع رصيدها الروحي وتراثها الفكري, قبل أن تفكر في استيراد المبادئ والخطط, واستعارة النظم والشرائع, من خلف السهوب ومن وراء البحار !
إن الناس تنظر فترى واقعا اجتماعيا لا يسر , وتبصر فترى أوضاعا اجتماعية لا تحقق العدالة ,عندئذ تتجه بأبصارها إلى أوربا وأمريكا وروسيا والصين ويوغسلافيا ... وما إليها ! تستجلب منها الحلول لمشكلاتها , كما تستورد منها السلع لمعاشها. غير أنها عند استيراد السلع تراجع أرصدتها القديمة, وتحصي موجوداتها في السوق, وتنظر في قدرتها على الإنتاج. فأما عند استيراد المبادئ والنظم والقوانين فلا تصنع شيئا من هذا كله؛ولا تتحرج أن تلقي بكل تراثها الروحي , وكل مقوماتها الفكرية, وكل الحلول التي يمكن أن يتيحها النظر فيما لديها من أسس ومبادئ ونظريات , لتستجلب المبادئ الديمقراطية, أو الاشتراكية , أو الشيوعية ؛فتكل إليها حل مشكلاتها الاجتماعية ؛ مهما اختلفت أوضاعها ,وظروفها , وتاريخها , ومقومات حياتها المادية والفكرية والروحية , عن ظروف القوم فيما وراء البحار , وفيما خلف السهوب!
وهؤلاء الناس يعلنون أن دينهم هو الإسلام . ويزعمون أحياناً أنهم حماة الإسلام ودعاته! ولكنهم يقصون هذا الدين من حياتهم العملية ,ولا يحكم الحياة , ولا يصرف شئونها , ولا يعالج مشكلاتها ... فالدين ـ كما يقال ـ صلة ما بين العبد وربه ؛ أما صلات الناس , وعلاقات المجتمع , ومشكلات الحياة , وسياسة الحكم وسياسة المال ... فلا دخل للدين بها , ولا دخل لها بالدين .. هذا ما يقوله الذين لا ينكرون الدين . فأما الآخرون فيقولون : لا تذكروا لنا هذا الدين ؛ فالدين إن هو إلا مخدر أستغله الرأسماليون والحكام المستبدون , لتنويم الطبقات الكادحة , وتخدير الجماهير المحرومة! ومن أين جاء هؤلاء الناس بهذه النظريات الغريبة على طبيعة الإسلام , وعلى تاريخ الإسلام ؟ لقد استوردوها هي الأخرى ـ كما يستوردون كل شيء ـ من خلف السهوب ومن وراء البحار!
ذلك أن قصة العزلة بين الدين والدنيا لم تنبت في العالم الإسلامي , ولم يعرفها الإسلام , وقصة تخدير الدين للمشاعر لم تكن يوماً وليدة هذا الدين , ولم تعرفها طبيعته . ولكنهم يتلقفونها كالببغاء, ويحاكونها محاكاة كالقردة , ولا يحاولون أن يفتشوا عن أصلها ونشأتها , ولا يعرفون مصدرها وموردها.. فلننظر من أين جاءت , وكيف جاءت هذه القولة الغريبة .

* * *
لقد نشأت المسيحية في ظلال الإمبراطورية الرومانية ؛ وفي وقت تحجرت فيه الديانة اليهودية ؛ واستحالت طقوسا جامدة لا حياة فيها , ومظاهر خاوية لا روح فيها . وكان للإمبراطورية الرومانية قوانينها المشهورة التي لا تزال ينبوعا للقوانين الأوربية الحديثة ؛وكان للمجتمع الروماني نظمه الوضعية ؛ ومقوماته الاجتماعية , فلم تكن المسيحية الكنسية كما صاغها بولس وقدمها لأوروبا , وفي الظروف التي كانت قائمة يومذاك , بقادرة على أن تضع للدولة الرومانية الوطيدة , وللمجتمع الروماني المعقد , قوانين ونظماً , وحدوداً للسير على هداها وفي الدولة والمجتمع . بينما بنو إسرائيل الذين أرسل إليهم عيسى عليه السلام والأرض المقدسة كلها مستعمرة رومانية ! فانصرفت بحكم هذه الظروف إلى التهذيب الروحي والتطهير الوجداني ؛ وعنيت بهذا الجانب بقدر ما كانت معنية بنقد الطقوس الجامدة , والمظاهر الخاوية في شعائر اليهودية , ورد الروح والحياة إلى الضمير الإسرائيلي .
ولقد بلغت المسيحية في بعض فتراتها مستوى عاليا في التطهير الروحي , والتجرد المادي , والسماحة الوجدانية , وأدت واجبها في هذا الجانب من حياة الإنسانية الروحية , وبقدر ما تستطيع تعاليم روحية مجردة من الشريعة أن ترتفع بالروح , وأن تسمو بالوجدان , وأن تنظف القلب والضمير وأن تكبت الغرائز , وتعلوا على الضرورات , وتهدف إلى أشواق مقدسة في عالم المثال والخيال , وتاركة للدولة تنظمه بقوانينها الأرضية في عالم الظاهر والواقع , إذ كانت هي معنية بعالم النفس والضمير , وكانت بذلك منطقية مع الصورة التي رسمتها الكنيسة للمسيحية , ومع نشأتها في بيئة خاصة , ومع حاجة الأمة الإسرائيلية بصفة خاصة في تلك الفترة .
ولما عبرت المسيحية في صورتها هذه البحر إلى أوربا وجدت الرومان ورثة الحضارة الإغريقية المادية الوثنية , وكما وجدت أقواما في أنحاء أوربا حديثي العهد بالبربرية , يتناحرون بجموعهم الكثيفة على رقعة من الأرض ضيقة , وذات طبيعة قاسية وعرة ضنينة شحيحة , لا يملك من يعيش فيها طعم الراحة فترة , ولا يلقي سلاحه لحظة , ولا أن يركن في واقع الحياة إلى نظريات المسيحية وتعلقها بملكوت السماء , وانعزالها عن الحياة الأرضية الواقعية .
لقد رأى هؤلاء الأقوام أن الدين لا يصلح للحياة , فقالوا: إن الدين صلة ما بين العبد والرب , وأنه لا بأس عليهم أن يستظلوا بظله في الكنيسة ؛ وأن يستروحوا نسماته في الهيكل المقدس , وأن يواجهوا صراعا الحياة بعد ذل في المجتمع بتقاليدهم البربرية ؛ وأن يدعوا السيف يقضي بحكمه في أبان همجيتهم , ويدعوا القانون المدني يقضي بحكمه بعد أن تحضروا . فأما الدين فقد بقى في عزلته الوجدانية هناك في القلوب والضمائر, وفي الهيكل المقدس وكرسي الاعتراف ! ولم تتمثل المسيحية هنالك قط في نظام يهيمن على الحياة كلها , ويربط ملكوت الأرض بملكوت السماء .
ومن هنا كانت تلك العزلة بين الدين والدنيا في حياة الأوربيين . بل كانت الحقيقة الواقعة التي تنطق بها طبائع الأشياء , وهي أن أوربا لم تكن مسيحية قط في يوم من الأيام. وقد بقى الدين في عزلة عن تكييف الحياة وتنظيمها من يوم دخوله إلى يومنا هذا .
ولكن رجال الدين من القساوسة , ومن الكرادلة , والبابوات .. لم يكونوا ليستطيعوا أن يضمنوا مصالحهم , ولا أن يحافظوا على نفوذهم , إذا بقيت الكنيسة في عزلة عن الحياة الاقتصادية الاجتماعية والسياسة فلابد إذن أن تكون الكنيسة سلطة تقابل سلطة الملوك والأمراء ولا بد أن تستغل سلطانها الروحي في ميدان الحياة العامة . وجاءت عصور كان للكنيسة أملاك وجيوش وسلطان لا تقل عن أملاك الملوك وجيوشهم وسلطانهم . ووقع النزاع ـ كما لابد أن يقع ـ بين الكنيسة والسلطة , وبين البابوات والأباطرة ؛ وكان الدهماء في الغالب في صف الكنيسة . ثم وقع الوفاق ـ كما لابد أن يقع ـ بين هاتين السلطتين , لالتقاء مصلحتيهما في تسخير الجماهير, واستغلال الدهماء , ما دامت مصالح مادية واقتصادية في حقيقتها , وما دام النزاع في أصله على السلطة الزمنية .
وكان هذا . وقيل : إن الدين مسخر لإخضاع الملايين للمستبدين ورجال الدين . لأنه هكذا كان الأوربيين !
* * *
وبقيت الكنيسة سلطة مقدسة , وتملك رقاب الناس في الدنيا , وفي الآخرة كذلك بقيت تبيع " صكوك الغفران " وتصدر "قرارات الحرمان" , وظلت تتحكم في مشاعر الناس وأفكارهم على السواء ؛ ومن خلفها محاكم التفتيش , تقتل وتحرق كل من يرفع رأسه , أو يتهم بالزيغ والإلحاد .. حتى جاء عصر الإحياء ورأت الكنيسة ما يهدد سلطانها من تفتح الأذهان والمشاعر بعد القرون المظلمة ؛ ولم يكن هينا عليها أن تفقد سلطانها أمام تيار الفكر الحديث والعلم الآخذ بالنماء؛ فانطلقت تقاوم وتجاهد لتكميم الأفواه الجريئة , وتعطيل الأفكار المتحررة من الجهل والخرافة , التي تناقض النظريات البالية العتيقة ؛ فكان العداء الشنيع بين الكنيسة وحرية الفكر منذ ذلك التاريخ . ولما كانت الكنيسة لا تريد أن تكتفي بملكوت السماء , و أن تقنع بالتحكم بالآخرة . فقد اصطدمت نظرياتها عن الأرض والأفلاك والمواد بنظريات العلم القائمة على الدراسة الطليقة مما فرضته الكنيسة من مقررات , ولم تقم إلا على ناقص من علم البشر , ولا علاقة لها بالدين في أصوله ... فقد نشأت أجيال من العلماء والمفكرين تكره الكنيسة وتحتقرها معاً ؛ وتكن في نفوسها العداوة والبغضاء والاشمئزاز للدين ولرجال الدين .
ومن هنا كانت الجفوة بين الدين والعلم , وبين الكنيسة والفكر , في حياة الأوربيين !(1)
* * *
ثم سارت الحياة في طريقها ؛ وآتى العلم الحديث ثمراته ونشأ عنه في عالم الصناعة ما يعرف بالإنتاج الكبير ؛ وتضخمت رؤوس الأموال ؛ وأصبح في ميدان العمل معسكران منفصلان : معسكر أصحاب رؤؤس الأموال , ومعسكر العمال ؛ وانفرجت الهوة بين مصلحة كل المعسكرين ؛ وانتقلت السلطة الحقيقية من يد الدولة إلى أيدي أصحاب رؤوس الأموال . ولما لم يكن بد للكنيسة أن تنضم للسلطة الحقيقية , فقد انضمت إلى معسكر رأس المال ! .
ولا أحب أن أظلم رجال الكنيسة الأوربية جميعا ؛ فقد يكون منهم المستنفع الذي يدرك مركز القوة فينضم إليه ؛ ويتخذ من الدين مخدراً للطبقات الكادحة ؛يصدها عن الثورة لحقها ؛ ويخذلها عن طلب النصفة في الدنيا , ويمنيها العوض في الآخرة . ولكن بعضهم لا بد أن يكون مخلصا في دعوة من هذا القبيل , حسب فهمه لعقيدته المسيحية كما رسمتها الكنيسة , فالمسيحية في جوهرها تزهد , واحتقار للحياة الظاهرة , وتطلع إلى ملكوت الرب وعلم السماء , وانفصال كامل بين بين ملكوت الأرض وملكوت السماء . وعلى أية حال , لقد وجدت الطبقات الكادحة التي تريد أن تصارع ,أن الدين لا يغذي رغبتها في الصراع ؛ وأن الكنيسة تتخذ منه مخدراً للكادحين ؛ فأعلنت ثورتها الكاملة على الدين ؛ وقالت عنه : إنه مخدر الملايين . وسواء كان دعاة المذهب المادي مخلصين في موقفهم من الكنيسة أم غير مخلصين , فالحق أن الكنيسة كانت تقف في غير صف الكادحين !
ومن هنا كان العداء الجاهر الصريح بين الشيوعية والدين (2)!
* * *
ولكن نحن ! نحن الذين نسمي أنفسنا مسلمين ونتسمى بأسماء المسلمين ـ ما بالنا وهذا كله ؟ وظروفنا التاريخية , وطبيعة الإسلام وظروفه ليست في شيء من هذا جميعه !
ولقد نشأ الإسلام في أرض لا سلطان لإمبراطورية ولا ملك عليها ؛ ونشأ في مجتمع بدوي قبلي ليست به أوضاع أو قوانين من نوع ما كان في الإمبراطورية الرومانية . وكان هذا انسب وضع لهذا الدين في نشأته الأولى , ليتولى إنشاء المجتمع الذي يريده بلا عوائق حقيقية ويضع له قوانينه ونظمه ؛ ويتولى في الوقت ذاته ضميره وروحه , كما يتولى سلوكه ومعاملاته ؛ ويجمع بين الدنيا والدين في توجيهاته وتشريعاته .. وقد قام على أساس توحيد عالم الأرض وعالم السماء في نظام واحد يعيش في ضمير الفرد , كما يعيش في ضمير الجماعة , ولا ينفصل فيه النشاط العملي عن الوازع الديني ؛ ولا يتعدد جوهره الموحد , وإن اختلفت مظاهره ومسالكه .
ولم يكن الإسلام ـ ووظيفته الأولى هي إنشاء صورة جديدة وكاملة للحياة الإنسانية ـ بمستطيع أن ينعزل في الوجدان البشري , بعيدا عن الحياة العملية الواقعية ؛ ولم يكن مضطراً من ناحية نشأته التاريخية كذلك أن يضيق دائرة عمله لحظة واحدة خشية إمبراطورية أو سلطان ؛ فهو سيد نفسه حتى والجاهلية العربية تعارضه . فهي تعارضه بغير أوضاع اجتماعية ذات جذور راسخة وبغير نظام اجتماعي وطيد الأركان كالمجتمع الذي صادفته المسيحية في أول عهدها . وميدان عمله هو الحياة البشرية كلها , روحيها وماديها , دينها ودنيويها. وقد نشأ في أنسب بيئة ليزاول طبيعته كاملة , ويبلور حقيقته في صورة واقعية منذ اللحظة الأولى . والله أعلم حيث يجعل رسالته , وقد كان من قدر الله لهذا الدين الذي سيبقى إلى آخر الزمان أن يطبق تطبيقاً كاملاً بلا عوائق منذ ولادته لتبقى منه صورة كاملة للأجيال لا غبش فيها ولا شبهة .
ولن يستقيم هذا الدين في عزلة عن المجتمع ؛ ولن يكون أهله مسلمين , وهم لا يُحكّمونه في نظامه الاجتماعي والقانوني والمالي ؛ ولن يكون مجتمعهم إسلامياً , وأحكام الإسلام وشرائعه منفية من قوانينهم ونظمهم وليس لهم من الإسلام إلا شعائر وعبادات ؛ فلإسلام هو العبودية لله وحده , ولإفراده بخصائص الألوهية , وفي أولها الحاكمية , كما سنفصل بعد:
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (3)..( ... وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...)(4)..
( ... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(5).
ومما يجعل هذا الطريق متعينا , أن هذا الدين كل لا يتجزأ: عباداته ومعاملاته وشرائعه وتوجيهاته . والشعائر التعبدية ليست منفصلة في طبيعته وأهدافه عن النظم والمعاملات , فالصلاة وهي من أخص الشعائر التعبدية تعني توجه الفرد وتوجه الجماعة إلى اله واحد عزيز قادر, ولا تعنوا الجباه إلا له , وإلى قبلة واحدة لا زيغ عنها ولا فسوخ , كما تعني المساواة أمام ديان واحد , الكل له عبيد , والكل أمامه سواء , ( شهادة أن لا إله إلا الله) ـ وهي الركن ألاعتقادي الأول في هذا الدين ـ تعني منهجاً كاملاً للحياة يقوم على التحرر المطلق وجدانيا وعمليا من كل عبودية لغير الله . وهذا التحرر الذي هو الخطوة الأساسية لتحقيق مجتمع صالح وكريم , الكل فيه متساوون .
وعلى أية حال فلن يرتاب باحث في هذا الدين , في أن فكرة المجتمع واضحة بارزة في شعائره ونظمه على السواء , وأنها الفكرة الأولى القوية الشائعة في كيانه كله . فإذا شاهدنا في بعض العصور محاولة لتضخيم الجانب "التعبدي"في هذا الدين وعزله عن الجانب الاجتماعي , أو عزل الجانب الاجتماعي عنه , فتلك آفة العصر لا آفة الدين( 6) .
وليس هذا الذي نقوله عن الإسلام بدعاً نبتدعه , ولا تأويلاً جديدا لحقيقته , وإنما هو الإسلام كما أبان عن وجهته , وكما فهمه صاحبه الأول ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ وكما فهمه أصحابه المخلصون له , والقريبون من منبعه الأصيل. جاء في القرآن الكريم : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه...ِ" (7) وكلنا يعلم كم تستغرق الصلاة المفروضة من الزمن في اليوم , وما بقي للسعي والعمل , فوقت الصلاة نسبة ضئيلة في حياة الإنسان , وللمجتمع والحياة ما تبقى طوال الليل والنهار . وجاء في موضع آخر : " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا"(7) لأن الغالب في النهار المعاش لا الشعائر التعبدية .
على أن الإسلام لا يعد العبادة فيه هي مجرد إقامة الشعائر , إنما الحياة كلها خاضعة لشريعة الله , متوجهاً بكل نشاط فيها إلى الله . ومن ثم يعد كل خدمة اجتماعية وكل عمل من أعمال الخير فيه عبادة . قال صلى الله عليه وسلم : " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار"(8)والحادثتان التاليتان قاطعتان الدلالة على روح الإسلام , كما يفهمه صاحبه رسول الله : عن أنس رضي الله عنه قال : كنا مع النبي في سفر , فمنا الصائم ومنا المفطر . قال : فنزلنا منزلاً في يوم حار , أكثرنا ظلا صاحب الكساء , فمنا من يتقي الشمس بيده . قال فسقط الصوام وقام المفطرون فضربوا البنية , سقوا الركاب . فقال صلوات الله عليه وسلامه : ذهب المفطرون اليوم بالأجر كله (9) .
وعنه أيضاً أنه قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته , فلما أخبروا كأنهم تقالوها ! وقالوا أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ قال أحدهم : أما أنا فاصلي الليل أبداً . وقال الآخر : وأنا أصوم الدهر لا أفطر . وقال آخر : وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبداً فجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم فقال : "أنتم الذين قلتم كذا وكذا . أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له . ولكني أصوم وأفطر , وأصلي وارقد , وأتزوج النساء . فمن رغب عن سنتي فليس مني(10)" .
ولم يكن ذلك من محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أعرف بدينه , استهانة بأمر الصوم والصلاة ؛ ولكن إدراكاً لحقيقة هذا الدين , الذي يعمل للحياة وهو يعمل للعقيدة, فيمزج العقيدة بالحياة , ولا يقف بها في معزل وجداني في عالم الضمير .
وهذا ما فهمه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حين رأى رجلاً يظهر النسك والتماوت , فخفقه بالدُّرة وقال :" لا تمت علينا ديننا أماتك الله ". أو حين شهد عنده شاهد , فقال : أئتني بمن يعرفك , فأتاه برجل , وأثنى عليه خيراً , فقال له عمر : أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه ؟ قال : لا . قال كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الخلاق ؟ قال : لا . قال فعاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به رع الرجل ؟ قال : لا . قال : أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن , يخفض رأسه تارة ويرفعه أخرى! قال : نعم! فقال : اذهب فلست تعرفه ! وقال للرجل : اذهب فأتني بمن يعرفك !
فهذه من عمر ـ رضي الله عنه ـ كتلك من نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم فهم صحيح لحقيقة هذا الدين , وتصوره للعباد والسلوك , وفي العقيدة المستسرة في الضمير , والعمل الواضح للعيان : " وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا(12) ". " ... وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ...(13)". " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(14)".. " لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ.." (15)
" من رأي منكم منكرا فليغيره "(16) .
فهذا هو قوام الإسلام في العمل والاعتقاد . ولا عزلة إذن بين الدين والدنيا , ولا بين العقيدة والاجتماع , كما كان الحال في المسيحية التي صاغتها المجامع المقدسة .
* * *
والإسلام لا كهانة فيه ولا وساطة بين الخلق والخالق , فكل مسلم في أطراف الأرض , وفي فجاج البحر , يستطيع بمفرده أن يتصل بربه , بلا كاهن ولا قسيس . والإمام المسلم لا يستمد ولايته من ’الحق الإلهي’ ولا من الوساطة بين الله والناس , إنما يستمد مباشرته من الجماعة الإسلامية , كما يستمد السلطة ذاتها من تنفيذ الشريعة , التي يستوي الكل في فهمها وتطبيقها متى فقهوها , ويحتكم إليها الكل على السواء .
فليس في الإسلام " رجل دين " بالمعنى المفهوم في الديانات التي لا تصح مزاولة الشعائر التعبدية فيها إلا بحضور رجل الدين . إنما في الإسلام علماء دين , وليس للعالم بهذا الدين من حق خاص في رقاب المسلمين , وليس للحاكم في رقابهم إلا تنفيذ الشريعة التي يبتدعها هو , بل يفرضها الله على الجميع . وأما في الآخرة , فالكل مصيرهم إلى الله : "وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا"(17) .
فلا صراع إذن بين علماء الدين والسلطان على رقاب العباد , ولا أموالهم ؛ وليست هنالك مصالح اقتصادية ولا معنوية يتنازعانها ؛ وليست هنالك سلطة روحية أخرى زمنية في الإسلام فلا مجال للصراع عليها , كما كان الحال بين الأباطرة والبابوات . والإسلام لا يعادي العلم ولا يكره العلماء ؛ بل يجعل العلم المؤدي إلى معرفة الله ـ وكل علم صحيح يؤدي إلى هذه الغاية ـ فريضة مقدسة داخلة في الطاعات الدينية : " طلب العلم فريضة على كل مسلم "(18) .. " من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقا إلى الجنة"(19) .
لم يعرف التاريخ الإسلامي تلك الاضطهادات المنكرة المنظمة لرجال الفكر أو رجال العلم كما عرفتها محاكم التفتيش . والمرات القليلة النادرة التي عوقب فيها رجال على أفكارهم , تعد شاذة في تاريخ المسلمين , وفي الغالب كانت تتلبس بها حالات سياسية , وتكمن خلفها نزعات حزبية , وهي على وجه العموم ليست طابعاً بارزا للحياة الإسلامية ؛ وقد جاءت على أيدي أناس ينكر عليهم الإسلام أن يكونوا فَهمَة للإسلام .
وذلك طبيعي في دين لم يعتمد الخوارق والمعجزات ؛ وإنما قام على التأمل والنظر في آيات الله في الأنفس والآفاق :
"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ".."يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ "(21)
وذلك طبيعي أيضاً في دين يربط التقوى بالعلم ؛ ويجعل العلم سبيلاً إلى معرفة الله وخشيته : ".. إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ .."(22)... ويرفع العلماء على الجهال : " ..قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ .."(23).. " فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب " (24) .
فلا جفوة إذن بين الدين والعلم الصحيح المؤدي إلى معرفة الله عن طريق آياته في الأنفس والآفاق .لا جفوة بين الدين وهذا العلم , لا في طبيعة الإسلام ولا في تاريخه , كالجفوة التي وقعت بين الكنيسة والعلماء في عصر النهضة وما تلاه .
فأما وقوف " رجال الدين (25)" في صف السلطان وأصحاب المال وتخديرهم بالدين للعاملين المحرومين , فلا نكران لوقوعه في بعض عهود التاريخ الإسلامي . ولكن روح الدين الحقيقية تنكر على هؤلاء موقفهم ؛ والدين يتوعدهم بالعذاب والنكال جزاء ما اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً . ولقد حفظ التاريخ بجانب سير هؤلاء سيراً لنماذج من " علماء الدين "الذين لم تأخذهم في الحق لومة لائم , أو الذين جابهوا السلطان وأصحاب المال بحق الفقراء وحق الله ؛ وكما حرضوا أصحاب الحقوق على حقوقهم , وبينوها لهم , وتعرضوا لظلم الحكام , وللنفي أحياناً والاضطهاد .
* * *
ليس لدينا إذن سبب واحد لتنحية الإسلام عن المجتمع , لا من طبيعته الخاصة , ولا من ظروفه التاريخية , كالأسباب التي لازمت المسيحية في أوربا ؛ فعزلت الدنيا عن الدين
وتركت للدين تهذيب الضمير وتطهير الوجدان ؛ بينما تركت للقوانين الوضعية تنظيم المجتمع وتسيير الحياة .
كذلك ليست لدينا أسباب حقيقية للعداوة بين الإسلام والكفاح لتحقيق العدالة الاجتماعية ـ في حدود المنهج الإسلامي والشريعة الإسلامية ـ كالتي لابست العداوة بين المسيحية والشيوعية ؛ فالإسلام يفرض قواعد العدالة الاجتماعية ؛ ويضمن حقوق الفقراء في أموال الأغنياء ؛ ويضع للحكم والمال سياسة عادلة ؛ ولا يحتاج لتخدير المشاعر , ولا دعوة الناس لترك حقوقهم على الأرض , وانتظارها في ملكوت السماء . بل إنه لينذر الذين يتنازلون عن حقوقهم الشرعية , تحت أي ضغط , بسوء العذاب في الآخرة ؛ ويسميهم ظالمي أنفسهم : " إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا "(26)..
ويحرضهم على القتال لحقهم " ومن قتل دون مظلمته فهو شهيد "(27) .
فإذا اضطرت أوربا لتنحية الدين عن حياتها العامة , فلسنا بمضطرين أن نجاريها في هذا الطريق ؛ وإذا اضطرت الشيوعية أن تعادي الدين لتضمن حقوق الطبقات الكادحة ـ كما تزعم ـ فلسنا في حاجة إلى معاداة الدين !
ولكن بعض الناس ـ وفيهم من يزعمون أنهم مسلمون ويتسمون بأسماء إسلامية ـ يقولون : ومن الذي يضمن لنا أن هذا النظام الذي أقامه الإسلام في عصر تاريخي خاص , لا يزال يحمل عناصر النمو والتجديد الكفيلة بأن تجعله صالحاً للتطبيق في عصور تاريخية أخرى , قد تختلف مقوماتها كثيراً أو قليلاً عن مقومات العصر التاريخي الذي نشأ فيه الإسلام ؟
وهذا الكتاب بجملته هو الإجابة لهؤلاء على مثل هذا السؤال . ولكننا نقول هنا إجمال : إن الإسلام ـ وهو من صنع بارئ هذا الكون ومنشئ نواميسه , والعالِم بما يجِد فيه وما يتطور ـ كان في علمه هذا التطور التاريخي , وما يترتب عليه من تطور اجتماعي واقتصادي وفكري عام . وأنه لهذا وضع الخطوط الثابتة , والمبادئ العامة , والقواعد
الشاملة التي لا تخرج أطوار الإنسان في النهاية عن حدودها ؛ وترك التطبيقات لتطور الزمان , بروز الحاجات , في حدود مبادئه العامة , وقواعده الشاملة ؛ ولم يُدل بتفصيلات جزئية مقيدة إلا في المسائل التي لا تتغير حكمتها , والتي تؤدي أغراضها كاملة في كل بيئة , والتي يريد الله تثبيتها في الحياة البشرية , لأنها ضمان للخصائص التي يرتضيها لهذه الحياة . وانه بهذا الشمول وبهذه المرونة ,وقد كفل لأحكامه التطبيقية النمو والتجدد على مدى الأزمان .
ولقد بذل فقهاء هذا الدين جهداً ضخماً مشكورا في التطبيق والقياس والتفريع كفل لأحكام الإسلام أن تلبى حاجات المجتمع المتجددة في ذلك الزمان , الذي كان المجتمع فيه محكوماً بشريعة الإسلام .. ثم وقف هذا الجهد عندما تخلى المجتمع عن الإسلام بتخليه عن شريعة الإسلام , منذ أن غلب الاستعمار الصليبي على دار الإسلام في كل مكان !
ولم يكن العلاج لتلك الحال أن ندع ديننا الشامل في عزلة تعبدية , وننطلق إلى التشريع الفرنسي نستمد منه القانون , أو إلى النظريات السياسية الغربية نستمد منها نظام الحكم , أو إلى النظريات المادية نستمد منها نظام المجتمع , قبل أن نيئس من صلاحية هذه الشريعة لإقامة المجتمع الحديث ! ذلك النمو العضوي الطبيعي لأي نظام في بيئة من البيئات , يجعله أصلح بالقياس إلى هذه البيئة ـ على الأقل ـ من كل نظام متعسف غريب على طبيعة هذه البيئة , لم يتم فيها نموه العضوي الرتيب ... وذلك كله فضلاً على ما تقتضيه منا دعوى الإسلام التي ندعيها . وهي دعوى لا تقوم إلا على أساس من العبودية لألوهية الله وحده . ولن تتحقق العبودية لألوهية الله وحده إلا في صورة واحدة : صورة الحكم بشريعة الله . ولكنه الجهل بحقيقة هذا الدين , وبطبيعة المجتمعات وقوانين الحياة , والكسل العقلي والنفسي عن مراجعة الرصيد القديم , والتقليد المضحك للاتجاه الغربي أو الشرقي في فصل الدين عن الحياة , وحيث اقتضت ذلك طبيعة نشأة الدين عندهم دون أن تقتضيها طبيعة نشأة الإسلام , وحيث قامت هنالك الجفوة بين الدين والعلم والدولة لأسباب تاريخية بيناها , ولا نظير لها في تاريخ الإسلام !
وليس معنى هذا أننا ندعو إلى الوقوف بأوضاع المجتمع عند شكل تاريخي معين . فالإسلام منهج وإطار تصاغ منه أشكال متجددة ـ وفي الوقت ذاته قائمة على أصول ثابتة ـ للمجتمع المسلم وفق ظروفه المحيطة . ولكننا ندعو ـ على الأقل ـ إلى مراجعة الرصيد المذخور , ومعرفة أسسه العامة , وقبل أن نعمد إلى تقليد مبتسر , مفقود الأسس التاريخية في حياتنا , وتضيع شخصيتنا , ونصبح ذيلاً للقافلة الإنسانية . وديننا يدعو إلى أن نكون دائما في المقدمة : " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ "(28).." وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " (29).
وما يدري هؤلاء الناس أن لدينا ما نعطيه لهذا العالم البائس المكدود , الذي دفعته حضارته المادية الخاوية من الروح , إلى حربين عالميتين في ربع قرن من الزمان ؛ والذي ما يزال يتخبط في طريقه إلى حرب ثالثة تنذر حضارته كلها بالبوار؟ !!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يراجع الفصام النكد في كتاب المستقبل لهذا الدين
(2) لا ينبغي أن ننسى ـ مع ذلك ـ أن الشيوعية مؤسسة يهودية ماسونية , وأن أولى وركائز الخطة اليهودية في تدمير العالم ـ غير اليهودي ـ هو سلب الدين منه وإبعاده عن المقوم الأساسي للحياة ! (3) النساء [65] (4 الحشر [7] (5) المائدة [44]
(6) التعبد في الإسلام يشمل الشعائر والشرائع والحركة والنشاط الإنساني كله . ولكن غلب في التآليف الفقهية اصطلاح العبادات على أحكام الشعائر واصطلاح المعاملات على فقه الشرائع . والإسلام وحدة لا تتجزأ راجع فصل" الشمول " في كتاب" خصائص التصور الإسلامي ومقوماته".
(7)الجمعة [9ـ10].(8) النبأ [10ـ11].(9) الشيخان الترمذي والنسائي.
(10) أخرجه الستة .(11) الشيخان والنسائي .(12) القصص77 (13) الحج 40
(14) البقرة 190 (15) البقرة177 (16) مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
(17) مريم 95 (18) ابن ماجه (19)مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
(20)البقرة164 (21) الروم 19ـ 24 (22) فاطر 28 (23) الزمر9
(24)أبو داود و الترمذي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي
(25)نحن نفرق بين اصطلاح رجال الدين واصطلاح علماء الدين ... ففي بعض العهود يحاول أصحاب السلطان أن يقيموا في الإسلام هيئة دينية يستخدموها في تحريف الكلم عن مواضعه, والإفتاء بما يرضي أصحاب السلطان , ويصدق أقوالهم وأفعالهم وأوضاعهم التي لا سند لها من الدين وهي هيئات تشبه إكليروس الكنيسة لا يعرفها الإسلام.
(26) النساء97 (27) النسائي (28)آل عمران 110 (29) البقرة143


العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
طبيعة العدالة الاجتماعية في الإسلام






 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2010, 12:44 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
طبيعة العدالة الاجتماعية في الإسلام
لن ندرك طبيعة العدالة الاجتماعية في الإسلام , حتى ندرك مجملاً للتصور الإسلامي عن الألوهية والكون والحياة والإنسان . فليست العدالة الاجتماعية إلا فرعا من ذلك الأصل الكبير الذي ترجع إليه كل تعاليم الإسلام .
إن الإسلام وهو يتولى تنظيم الحياة الإنسانية جميعاً , ولم يعالج نواحيها المختلفة جزافاً ولم يتناولها أجزاء وتفاريق . وذلك أن له تصوراً كلياً متكاملاً عن الألوهية والكون و الحياة والإنسان ؛ ويرد إليه كافة الفروع والتفصيلات ويربط إليه نظرياته جميعاً وتشريعاته وحدوده , وعباداته ومعاملاته ؛ فيصدر فيها كلها عن هذا التصور الشامل المتكامل , ولا يرتجل الرأي لكل حالة ؛ ولا يعالج كل مشكلة وحدها في عزلة عن سائر المشكلات .
ومعرفة هذا التصور الكلي للإسلام تيسر للباحث فيه فهم أصوله وقواعده ؛ وتسهل عليه أن يرُد الجزئيات إلى الكليات ؛ وأن يتتبع في لذة وعمق خطوطه واتجاهاته , ويلحظ أنها متشابكة متكاملة , وأنها كل لا يتجزأ , وأنها لا تعمل عملاً مثمراً للحياة إلا وهي متكاملة الأجزاء والاتجاهات.
وطريق الباحث في الإسلام أن يتبين أولاً تصوره الشامل عن الألوهية والكون والحياة والإنسان , قبل أن يبحث عن رأيه في الحكم أو رأيه في المال , أو رأيه في علاقات الأمم والأفراد ... فإنما هذه فروع تصدر من التصور الكلي , ولا تفهم بدونه فهما صحيحاً عميقاً.
والتصور الإسلامي الصحيح لا يُلتمس عند ابن سينا و ابن رشد أو الفارابي وأمثالهم ممن يطلق عليهم وصف " فلاسفة الإسلام " ؛ ففلسفة هؤلاء إنما هي ظلال للفلسفة الإغريقية غريبة في روحها عن روح الإسلام . وللإسلام تصوره الأصيل الكامل , يلتمس في أصوله الصحيحة ؛ القرآن والحديث , وفي سيرة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسنته العملية . وهذه الأصول هي حسبُ أي باحث متعمق ليدرك تصور الإسلام الكلي الذي يصدر عنه في كل تعاليمه وتشريعاته ومعاملاته .
وقد تناول الإسلام طبيعة العلاقة بين الخالق والخلق , وطبيعة العلاقة بين الكون والحياة والإنسان , وطبيعة العلاقة بين الإنسان ونفسه , وبين الفرد والجماعة , وبين الفرد والدولة وبين الجماعات الإنسانية كافة , وبين الجيل والأجيال . ورد ذلك كله إلى تصور كلي جامع , ملحوظ الخطوط في سائر الفروع والتفصيلات ..
والبحث المفصل في هذا التصور ليس مجاله هذا الكتاب وهو موضوع بحث مفصل بعنوان " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته " (1) .ولكنني سأشير فقط إلى رؤوس موضوعات عامة تمهيداً للحديث في موضوع العدالة الاجتماعية في الإسلام .
* * *
لقد ظلت الإنسانية أدهاراً طويلة لا تستقيم على تصور شامل عن الخالق والخلق وعن الكون والحياة والإنسان .
وكانت كلما جاءها رسول من عند الله بصورة منه , قبلتها منها قلة , وأعرضت عنها كثرة . ثم عادت بجملتها فارتدت عنه إلى تصورات جاهلية منحرفة ومشوهة ... حتى جاء الإسلام بأكمل تصور وأشمل شريعة مقترنين , وأقام عليها نظاما واقعيا للحياة يتمثل فيه التصور والشريعة في صورة عملية .
فأما العلاقة بين الخالق والخلق ( الكون والحياة والإنسان ) فهي الإرادة المباشرة التي تصدر عنها المخلوقات جميعا : " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ "(2) فلا واسطة بين الخلق والخالق من قوة أو مادة . فمن إرادته المطلقة تصدر الموجودات صدوراً مباشراً ؛ وبإرادته المطلقة تحفظ وتنظم وتسير : " .. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ .. "(3) .. " ..وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.. " (4).. " لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ"(5).. "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(6) .
وهذا الوجود الصادر عن الإرادة المطلقة , وحدة متكاملة , وكل جزء فيها ملحوظ فيه تناسقه مع سائر الأجزاء ؛ ولكل موجود فيه حكمة تتعلق بهذا التناسق الكامل الملحوظ ؛ " .. وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا "(7).. " إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ "(8) .. " الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ "(9).. " وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا .."(10).. " اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ "(11).. وهكذا وهكذا يبدو أن لكل موجود حكمة تتناسق مع غاية الوجود , وأن الإرادة التي يصدر عنها الوجود أولاً , ويحفظ بها وينتظم ثانياً , تلاحظ في كل موجود تناسقه ونفعه الكلي للوجود . ولأن الوجود وحدة متكاملة الأجزاء , متناسقة الخِلقة والنظام والاتجاه , بحكم صدوره المباشر عن الإرادة الواحدة المطلقة الكاملة , كان مهيأً وصالحاً ومساعداً لوجود الحياة بصفة عامة , ولوجود الإنسان ـ أرقى نماذج الحياة ـ بصفة خاصة ؛ فليس في الكون عدواً للحياة ولا عدواً للإنسان ؛ وليست الطبيعة ـ بتعبير الجاهلية الحاضرة ـ خصماً للإنسان يصارعه ويغالبه , وإنما هي من خلق الله , وهي صديق لا تختلف اتجاهاته عن اتجاهات الحياة والإنسان , وليست وظيفة الأحياء أن يصارعوا الطبيعة , وهم في أحضانها نشأوا , وهي وهم من ذلك الوجود الواحد الصادر عن الإرادة الواحدة . والإنسان بالذات إنما يعيش في جو صديق وبين أصدقاء من الموجودات : فالله حين خلق الأرض "وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا .."(12).. "وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ .."(13) .. " وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ "(14).. " هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ .. " (15).." هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا" (16).. والسماء بكواكبها جزء من الكون متكامل مع سائر أجزائه , وكل ما فيها وما في الأرض صديق ومعاون ومتناسق مع سائر أفراده : " وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا "(17).. "أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا "(18)
وهكذا تقرر العقيدة الإسلامية أن الله رب الإنسان قد خلق هذه القوى كلها لتكون له صديقاً مساعداً متعاوناً . أم سبيله إلى كسب هذه الصداقة فهو أن يتأمل هذه القوى و يتعرف إليها ويتعاون معها . أما سبيله إلى كسب هذه الصداقة فهو أن يتأمل هذه القوى ويتعرف إليها ويتعاون معها . وإذا كانت هذه القوى تؤذيه أحياناً , فإنما تؤذيه لأنه لم يتدبرها , ولم يعرف الناموس الذي يسيرها . والخالق ـ مع هذا ـ لا يدع الأحياء والناس لذلك الكون الصديق بلا رعاية مباشرة , وعناية متصلة ؛ فإرادته المباشرة متصلة بالكون كله , ومتصلة بكل فرد من موجوداته في الوقت نفسه : " إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ "(19).." وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا.. "(20).. " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ "(21).. " وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " (22).. " .. وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ .."(23)...الخ
لأن الوجود الموحد صادر عن إرداة واحدة ؛ ولأن الناس جزء من الكون كتعاون كتناسق مع سائر أجزائه ؛ ولأن أفراد الإنسان خلايا متعاونة متناسقة مع الكون .. لم يكن بد إذن أن تكون متعاونة متناسقة فيما بينها . لذلك كان تصور الإسلام أن الإنسانية وحدة , تفترق أجزائها لتجتمع ؛ وتختلف لتتسق ؛ وتذهب شتى المذاهب للتعاون في النهاية بعضها مع بعض , كي تصبح صالحة لتتعاون مع الوجود الموحد : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ٌ " (24).
ونظام الحياة الإنسانية لا يستقيم حتى يتم هذا التعاون والتناسق وفق منهج الله وشرعه . وتحقيقه واجب لصالح الإنسانية كلها , وحتى ليباح استخدام القوة لإرجاع من يشذ عن هذا النهج إليه : "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ "(25) .." وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "(26) .." وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ "(27) .
فالأصل هو التعاون والتعارف والتناسق في حدود منهج الله وشرعه ؛ ومن شذ على هذا الأصل , فليرد إليه بكل طريق ؛ لأن سنة الله في الكون أولى بالإتباع من أهواء الأفراد والجماعات ؛ والتكافل بين الجميع يتفق مع غاية الكون الواحد , وغاية خالقه الواحد سبحانه .
فإذا نحن وصلنا إلى الإنسان الجنس , والإنسان الفرد , فهو وحدة متكاملة , وقواه المختلفة الظاهر الموحدة الاتجاه في الحقيقة , وشانه في ذلك شأن الكون كله ذي القوة المتعددة المظاهر .
ولقد ظلت الإنسانية أدهاراً طويلة لا تهتدي إلى فكرة شاملة عن القوى الكونية والإنسانية . وظلت تفرق بين القوى الروحية والقوى المادية , تنكر إحداهما لتثبت الأخرى , أو تعترف بوجودهما في حالة تعارض وخصام؛ وتصوغ تعاليمها على أساس أن هناك تعارضا أساسياً بين هذه القوى وتلك ؛ وأن رجحان إحداهما مرهون بخفة الأخرى ؛ وأنه لا مفر من رجحان كفة وخفة كفة , لأن التعارض في نظرها أساسي في فطرة الكون والناس . والمسيحية ـ كما صاغتها الكنيسة والمجامع المقدسة ـ من أظهر المثال على فكرة هذا التعارض في الإنسان ؛ وهي متفقة إلى حد ما في هذه الفكرة الهندوكية , ثم مع البوذية ـ على اختلاف بينهما فيها ـ فخلاص الروح مرهون بكبت الجسد أو بتعذيبه , أو بإفنائه , أو على الأقل بإهماله والكف عن لذائذه .
وهذا الأصل الكبير في المسيحية المحرفة , وفي الديانات التي تشبهها , وتترتب عليه تفريعات كثيرة في النظر إلى الحياة ومتاعها , وإلى سلوك الفرد وسلوك الجماعة حيالها , وفي النظر إلى الإنسان وما يضطرب في كيانه من قوى وطاقات .
وقد ظلت المعركة قائمة بين هذه القوى وتلك ؛ وظل الإنسان ممزقاً في هذه المعركة ,حيران لا يهتدي إلى قرار .. حتى جاء الإسلام , فإذا هو يعرض صورة كاملة متناسقة , لا عوج فيها ولا اضطراب , ولا تعارض فيها ولا خصام . جاء ليوحد القوى والطاقات جميعاً , ويمزج الأشواق والنزعات والميول , وينسق بين اتجاهاتها جميعاً , ويعترف بها وحدة متكاملة في الكون والحياة والإنسان . جاء ليجمع بين الأرض والسماء في نظام الكون ؛ والدنيا والآخرة في نظام الدين ؛ والروح والجسد في نظام الإنسان ؛ والعبادة والعمل في نظام الحياة .. ويسلكها جميعاً في طريق موحد . هو الطريق إلى الله ! ويخضعها كلها لسلطان واحد : هو سلطان الله ! .
فالكون وحدة , مركبة من الظاهر المعلوم والمغيب المجهول , والحياة وحدة مركبة من طاقات مادية وطاقات روحية لا تنفصل أبداً إلا وقع الاختلال بينها والاضطراب , والإنسان وحدة مركبة من الأشواق المتطلعة إلى السماء والنزعات اللاصقة بالأرض ؛ ولا انفصام بين هذه وتلك في طبيعة الإنسان , لأنه لا انفصام بين السماء والأرض أو بين المعلوم والمجهول في طبيعة هذا الدين .
ومن وراء هذا جميعه قوة الأزل والأبد . تلك التي لا أول لها يعرف , ولا آخر لها يوصف , تسيطر في النهاية على الكون والحياة والناس .. إنها قوة الله ..
والفرد الفاني يملك أن يتصل بهذه القوة الأزلية الأبدية , وهي توجهه في الحياة , وهو يستمدها في الشدائد . يملك أن يتصل بها وهو في المحراب يصلي ويتطلع إلى السماء , كما يملك أن يتصل بها وهو في الأرض يعمل مشغولاً بمعاشه ومحياه .
والفرد يملك أن يعمل للآخرة , وهو يصوم فيمنع عن الجسد كل لذائذه ؛ وهو يفطر فيستمتع بكل طيبات الحياة . ما دام يعمل هذا أو ذاك متوجهاً بقلبه إلى الله .
والحياة الدنيا بما فيها من صلاة وعمل وبما فيها من متاع وحرمان , وهي وحدها الطريق إلى الآخرة بما فيها من جنة ونار , ومن عقاب ورضوان .
إنها الوحدة بين أجزاء الكون وقواه , والوحدة بين كل طاقات الحياة ؛ والوحدة بين الإنسان نفسه , وبين واقعه ورؤاه !
إنها الوحدة التي تعقد السلام الدائم بين الكون والحياة , وبين الحياة والأحياء , وبين الجماعة والفرد , وبين أشواق الفرد ونزعاته . وفي النهاية بين الدنيا والدين , وبين الأرض والسماء.
وهي لا تعقد هذا السلام على حساب الجسد ولا على حساب الروح , بل تطلق لكل منهما نشاطه , لتوحد هذا النشاط , وتتجه به إلى الخير والصلاح والنماء.
ولا تعقده على حساب الفرد أو على حساب الجماعة , أو لحساب طائفة على طائفة , أو لحساب جيل على جيل , فلكل حقوقه ولكل واجباته , على سنة العدل والمساواة .
والفرد والجماعة والطائفة والأمة والجيل والأجيال كلها يحكمها قانون واحد , ذو هدف واحد : أن ينطلق نشاط الفرد وان ينطلق نشاط الجماعة ـ غير متعارضين ـ وان يعمل الجيل وتعمل الأجيال لبناء الحياة وإنمائها , والتوجه بها إلى خالق الحياة .
* * *
الإسلام دين الوحدة بين القوى الكونية جميعاً , فلا جرم هو دين التوحيد : توحيد الإله, وتوحيد الأديان جميعا في دين الله . وتوحيد الرسل في التبشير لهذا الدين الواحد منذ فجر الحياة (28) : " إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ "(29).
والإسلام دين الوحدة بين العبادة والمعاملة , والعقيدة والشريعة , والروحيات والماديات, والقيم الاقتصادية والقيم المعنوية , والدنيا والآخرة , والأرض والسماء !
وعن تلك الوحدة الكبرى تصدر تشريعاته وفرائضه , وتوجيهاته وحدوده , وقواعده في سياسة الحكم وسياسة المال , وفي توزيع المغانم والمغارم , وفي الحقوق والواجبات . وفي ذلك الأصل الكبير تنطوي سائر الأجزاء والتفصيلات .
وحين ندرك هذا الشمول في طبيعة النظرة الإسلامية للإلوهية والكون والحياة والإنسان , ندرك معها الخطوط الأساسية للعدالة الاجتماعية في الإسلام .
فهي قبل كل شيء عدالة إنسانية شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية ومقوماتها , وليست مجرد عدالة اقتصادية محدودة . وهي إذن تتناول جميع مظاهر الحياة وجوانب النشاط فيها , وكما تتناول الشعور والسلوك , والضمائر والوجدانات . والقيم التي تتناولها هذه العدالة ليست القيم الاقتصادية وحدها , وليست القيم المادية على وجه العموم . إنما هي هذه ممتزجة بها القيم المعنوية والروحية جميعاً.
وحينما تنظر المسيحية المحرفة للإنسان من خلال أشواقه الروحية وحدها , وتحاول أن تكبت نزعاته لتطلق أشواقه . وحينما تنظر الشيوعية إلى الإنسان من خلال حاجاته المادية وحدها ؛ وتنظر إلى الإنسانية , بل إلى الكون كله , من خلال المادة بمفردها ... ينظر الإسلام إلى الإنسان على انه وحدة لا تنفصل أشواقه الروحية مع نزعاته الحسية , ولا تنفك حاجاته المعنوية عن حاجاته المادية ؛ وينظر إلى الكون والحياة هذه النظرة الشاملة التي لا تعدد فيها ولا انفصام .. وهذا هو مفرق الطريق بين الشيوعية والمسيحية والإسلام ! مفرق الطريق الناشئ من أن الإسلام من صنعة الله الخالصة , والمسيحية دخل فيها من تحريفات البشر , والشيوعية من أوهام الإنسان الخالصة !
ثم إن الحياة في نظر الإسلام تراحم وتواد وتعاون و تكافل محدد الأسس مقرر النظم , بين المسلمين على وجه خاص , وبين جميع أفراد الإنسانية على وجه عام . وهي كذلك في نظر المسيحية , ولكنها لا تقوم على تشريع واضح مرسوم ولا على واقع محدد معلوم . بينما هي في نظر الشيوعية تنازع وصراع بين الطبقات , ينتهي إلى انتصار طبقة على طبقة , فيتم الحلم الشيوعي الكبير ! ومن هنا يبدو أن المسيحية رؤيا في عالم المثال المجرد يلوح بها للبشر في ملكوت السماء ؛ وأن الإسلام هو حلم الإنسانية الخالد , ومجسماً في حقيقة تعيش على الأرض ؛ وأن الشيوعية هي حقد البشرية العارض في جيل من أجيال الناس !
* * *
على هذين الخطين الكبيرين : الوحدة المطلقة المتعادلة المتناسقة , والتكافل العام بين الأفراد والجماعات , يسير الإسلام في تحقيق العدالة الإجتماعية , مراعياً العناصر الأساسية في فطرة الإنسانية , غير متجاهل كذلك للطاقة البشرية .
يقول القرآن الكريم عن الإنسان : " وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ "(30).. حب الخير لذاته ولما يتصل بذاته . ويقول في وصف الإنسان بالبخل فطرة وطبعاً : " وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ "(31).. فهو حاضر أبداً . ووردت في صورة فنية معجبة لهذه الفطرة البشرية العجيبة : "قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا"(32).. على حين يقرر أن رحمة الله وسعت كل شيء . فيبرز بهذه السعة وبذلك الإمساك مدى الشح في فطرة الإنسان , ولو ترك بلا تهذيب أو توجيه !
وعندما يضع الإسلام نظمه وتشريعاته , وعظاته وتوجيهاته , ولا يغفل ذلك الحب الفطري للذات , ولا ينسى ذلك الشح الفطري العميق ؛ ولكنه يعالج الأثرة , ويعالج الشح , بالتوجيه بالتشريع . فلا يكلف الإنسان إلا وسعه , ولا يغفل في الوقت ذاته حاجات الجماعة ومصالحها وغايات الحياة العليا في الفرد والجماعة على توالي العصور والأجيال .
وإذا كان من الظلم الاجتماعي الذي يتنافى مع العدالة أن تطغى مطامح الفرد ومطامعه على الجماعة , فإنه من الظلم كذلك أن تطغى الجماعة على فطرة الفرد وطاقته . أنه من الظلم لا لهذا الفرد وحده , بل للجماعة ذاتها فتحطيم نشاط الفرد بتحطيم ميوله ونوازعه لا يقف أثره السيئ عند حرمان هذا الفرد ما هو حق له , بل يتجاوزه إلى حرمان الجماعة أن تنتفع بكل طاقته . ومتى كفل النظام للجماعة حقها في جهد الفرد وطاقته ؛ ووضع لحرية الفرد ونوازعه وأطماعه الحدود الكابحة ؛ فلا ينبغي أن يغفل حق الفرد في انطلاق نشاطه , في الحدود التي تضار بها الجماعة , ولا يضار بها الفرد ذاته ؛ ولا تصطدم بأهداف الحياة العليا . فالحياة تعاون وتكافل في نظر الإسلام , لا حرب وتنازع وخصام ! كما أنها إطلاق للطاقات الفردية والعامة ؛ وليست كبتاً حرماناً وسجناً . وكل ما ليس حراماً فهو مباح ؛ والمرء يثاب على نشاط حيوي في حدود منهج الله وشرعه يراعي فيه وجه الله وحده , ويحقق به الغايات العليا للحياة كما ارتضاها الله .
وانفساح المجال في نظرة الإسلام للحياة , وتجاوزه القيم الاقتصادية البحته إلى سائر القيم التي تقوم الحياة عليها ... يجعله أقدر على إيجاد توازن وتعادل في المجتمع . وعلى تحقيق العدالة في الدائرة الإنسانية كلها ؛ ويعفيه من التفسير الضيق للعدالة كما تفهمها الشيوعية . فالعدالة في نظر الشيوعية مساواة في الجور تمنع التفاوت الاقتصادي ـ وإن كانت حين اصطدمت بالتطبيق العملي لم تستطع تنفيذ هذه المساواة الآلية التحكمية ـ والعدالة في نظر الإسلام مساواة إنسانية ينظر فيها إلى تعادل القيم ؛ بما فيها القيمة الاقتصادية البحتة . وهي على وجه الدقة تكافؤ في الفرص , وترك المواهب بعد ذلك تعمل في الحدود التي لا تتعارض مع الأهداف العليا للحياة .
ولأن القيم في نظر الإسلام كثيرة متمازجة كانت العدالة في مجموعها أيسر ؛ لذلك لم يضطر إلى تحتيم المساواة الاقتصادية بمعناها الحرفي الضيق , الذي يصطدم بالفطرة , ويتعارض مع طبيعة المواهب المتفاوتة , ويعوق الاستعدادات الفائقة , ويسوي بينها وبين الاستعدادات الضعيفة , ويمنع أصحاب المواهب من إنفاق مواهبهم لخير أنفسهم , ولخير الأمة , فيحرم الأمة , ويحرم الإنسانية نتاج هذه المواهب.
إنه لا جدوى من المغالطة في أن استعدادات الأفراد الطبيعية ليست متساوية ؛ فنحن إذا غالطنا في المواهب الكامنة ـ ولا سبيل للمغالطة فيها عندما تجري الحياة العملية مجراها ـ فإننا لا نستطيع أن نغالط في أن بعض الأفراد يولد باستعدادات فطرية للصحة والاكتمال والاحتمال , وبعضهم يولد باستعدادات جسدية للمرض والنقص والضعف , ولا سبيل إلى تسوية جميع الاستعدادات والمواهب ما دامت الآلة لم تستطع بعد صنع الأحياء , لتصبهم في قالب واحد , على نظام الأجهزة والآلات!
إن إنكار الاستعدادات الجسدية والفكرية والروحية الفائقة هو ضرب من العبث لا يستحق المناقشة . فلابد أن نحسب حسابها ؛ وأن نمنحها الفرصة لتؤتي أقصى ما تستطيع من ثمراتها . ثم نحاول بعد ذلك أن نأخذ من هذه الثمرات ما نراه لازماً لمصلحة المجتمع لا أن نقطع الطريق على هذه الاستعدادات فنظلمها بتسويتها بالاستعدادات الضعيفة ونغلها عن العمل , ونبددها على الأمة والإنسانية تبديداً .
ولقد قرر الإسلام مبدأ تكافؤ الفرص , ومبدأ العدل بين الجميع ؛ ثم ترك الباب مفتوحاً للتفاضل بالجهد والعمل ؛ ثم جعل القيم الأصلية في المجتمع المسلم قيماً أخرى غير القيم الاقتصادية : " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "(33).. "يرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ "(34).. " الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا"(35) " .
وهكذا يبدو أن هناك قيماً أخرى غير القيم البحتة , يحسب الإسلام حسابها ؛ ويجعلها هي القيم الحقيقية , ويجعل منها وسيلة للتعادل في المجتمع حين تتفاوت الأرزاق المالية بين الناس , بأسباب التفاوات المعقولة على الجهد والموهبة ,لا على الوسائل المنكرة التي يحرمها الإسلام تحريما ( كما سيأتي في فصل سياسة المال) .
لا يفرض الإسلام إذن المساواة الحرفية في المال , لأن تحصيل المال تابع لاستعدادات ليست متساوية . فالعدل المطلق يقتضي أن تتفاوت الأرزاق , وأن يفضل بعض الناس بعضاً فيها , مع تحقيق العدالة الإنسانية : بإتاحة الفرص المتساوية للجميع ؛ فلا يقف أمام فرد حسب ولا نشأة , ولا أصل ولا جنس , ولا قيد واحد من القيود التي تغل الجهود . وبإدخال القيم الأصلية الأخرى في الحساب . وبتحرير الوجدان البشري تحريرا كاملاً من ضغط القيم الاقتصادية البحتة ؛ ووضع هذه القيم في مكانها الحقيقي المعقول ؛ وعدم إعطائها قيمة معنوية ضخمة كالتي تعطاها في المجتمعات البشرية التي تفقد الإحساس بالقيم الإيمانية , أو تصغر من أهميتها , وتجعل للمال وحده القيمة الأساسية الكبرى .
وإن الإسلام ليرفض أن يجعل للمال كل هذه القيمة ؛ ويأنف أن تستحيل الحياة لقمة خبز , وشهوة جسد ,ودراهم معدودات ... ولكنه في الوقت ذاته يحتم الكفاية لكل فرد وأحياناً ما فوق الكفاية , ويفضل أن تكون الكفاية عن طريق الملكية الفردية , أو العمل المنتج بأنواعه , ليرفع عنه ضغط العوز من ناحية وضغط الجهة التي تملك موارد الرزق من ناحية أخرى .. ويحرم الترف الذي يطلق العنان للمتاع والشهوات , وينشيء الفوارق في مستويات الحياة . ويرتب في الأموال حقوقاً للفقراء بقدر حاجتهم , وبقدر ما يصلح المجتمع , ويضمن له التكافؤ والتعادل والنماء . وبذلك لا يغفل جانباً واحداً من جوانب الحياة المادية والشعورية , الدينية والدنيوية .. دون مراعاته ؛ لتنصهر هذه الجوانب كلها , وتستحيل وحدة متماسكة , يصعب إهمال عنصر من عناصرها الممتزجة المتناسقة ؛ ولتتسق وحدتها مع وحدة الكون الكبير , ووحدة الحياة والإنسان .



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)صدر القسم الأول منه وهو يعرض " خصائص التصور الإسلامي. والقسم الثاني مقومات التصور الإسلامي. (2)يس82 (3)الرعد 2 (4)الحج 65 (5)يس40 (6)الملك1 (7)الفرقان2 (8)القمر49 (9)الملك3ـ9 (10) فصلت10 (11)الروم48 (12) فصلت10
(13)النحل15 (14)الرحمن10 (15) الملك15 (16) البقرة29 (17) فصلت 12
(18)النبأ6ـ16 (19)فاطر41 (20)هود6 (21)ق16 (22)غافر60 (23)الأنعام151
(24)الحجرات13 (25)المائدة33 (26)الحجرات9 (27)البقرة251 (28)يراجع فصل القصة في القرآن من كتاب التصوير الفني في القرآن للمؤلف (29) الأنبياء 92 (30)العاديات8 (31)النساء128 (32)الإسراء100 (33)الحجرات13 (34)المجادلة11 (35)الكهف46

العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام







 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2010, 12:45 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
طبيعة العدالة الاجتماعية في الإسلام
لن ندرك طبيعة العدالة الاجتماعية في الإسلام , حتى ندرك مجملاً للتصور الإسلامي عن الألوهية والكون والحياة والإنسان . فليست العدالة الاجتماعية إلا فرعا من ذلك الأصل الكبير الذي ترجع إليه كل تعاليم الإسلام .
إن الإسلام وهو يتولى تنظيم الحياة الإنسانية جميعاً , ولم يعالج نواحيها المختلفة جزافاً ولم يتناولها أجزاء وتفاريق . وذلك أن له تصوراً كلياً متكاملاً عن الألوهية والكون و الحياة والإنسان ؛ ويرد إليه كافة الفروع والتفصيلات ويربط إليه نظرياته جميعاً وتشريعاته وحدوده , وعباداته ومعاملاته ؛ فيصدر فيها كلها عن هذا التصور الشامل المتكامل , ولا يرتجل الرأي لكل حالة ؛ ولا يعالج كل مشكلة وحدها في عزلة عن سائر المشكلات .
ومعرفة هذا التصور الكلي للإسلام تيسر للباحث فيه فهم أصوله وقواعده ؛ وتسهل عليه أن يرُد الجزئيات إلى الكليات ؛ وأن يتتبع في لذة وعمق خطوطه واتجاهاته , ويلحظ أنها متشابكة متكاملة , وأنها كل لا يتجزأ , وأنها لا تعمل عملاً مثمراً للحياة إلا وهي متكاملة الأجزاء والاتجاهات.
وطريق الباحث في الإسلام أن يتبين أولاً تصوره الشامل عن الألوهية والكون والحياة والإنسان , قبل أن يبحث عن رأيه في الحكم أو رأيه في المال , أو رأيه في علاقات الأمم والأفراد ... فإنما هذه فروع تصدر من التصور الكلي , ولا تفهم بدونه فهما صحيحاً عميقاً.
والتصور الإسلامي الصحيح لا يُلتمس عند ابن سينا و ابن رشد أو الفارابي وأمثالهم ممن يطلق عليهم وصف " فلاسفة الإسلام " ؛ ففلسفة هؤلاء إنما هي ظلال للفلسفة الإغريقية غريبة في روحها عن روح الإسلام . وللإسلام تصوره الأصيل الكامل , يلتمس في أصوله الصحيحة ؛ القرآن والحديث , وفي سيرة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسنته العملية . وهذه الأصول هي حسبُ أي باحث متعمق ليدرك تصور الإسلام الكلي الذي يصدر عنه في كل تعاليمه وتشريعاته ومعاملاته .
وقد تناول الإسلام طبيعة العلاقة بين الخالق والخلق , وطبيعة العلاقة بين الكون والحياة والإنسان , وطبيعة العلاقة بين الإنسان ونفسه , وبين الفرد والجماعة , وبين الفرد والدولة وبين الجماعات الإنسانية كافة , وبين الجيل والأجيال . ورد ذلك كله إلى تصور كلي جامع , ملحوظ الخطوط في سائر الفروع والتفصيلات ..
والبحث المفصل في هذا التصور ليس مجاله هذا الكتاب وهو موضوع بحث مفصل بعنوان " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته " (1) .ولكنني سأشير فقط إلى رؤوس موضوعات عامة تمهيداً للحديث في موضوع العدالة الاجتماعية في الإسلام .
* * *
لقد ظلت الإنسانية أدهاراً طويلة لا تستقيم على تصور شامل عن الخالق والخلق وعن الكون والحياة والإنسان .
وكانت كلما جاءها رسول من عند الله بصورة منه , قبلتها منها قلة , وأعرضت عنها كثرة . ثم عادت بجملتها فارتدت عنه إلى تصورات جاهلية منحرفة ومشوهة ... حتى جاء الإسلام بأكمل تصور وأشمل شريعة مقترنين , وأقام عليها نظاما واقعيا للحياة يتمثل فيه التصور والشريعة في صورة عملية .
فأما العلاقة بين الخالق والخلق ( الكون والحياة والإنسان ) فهي الإرادة المباشرة التي تصدر عنها المخلوقات جميعا : " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ "(2) فلا واسطة بين الخلق والخالق من قوة أو مادة . فمن إرادته المطلقة تصدر الموجودات صدوراً مباشراً ؛ وبإرادته المطلقة تحفظ وتنظم وتسير : " .. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ .. "(3) .. " ..وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.. " (4).. " لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ"(5).. "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(6) .
وهذا الوجود الصادر عن الإرادة المطلقة , وحدة متكاملة , وكل جزء فيها ملحوظ فيه تناسقه مع سائر الأجزاء ؛ ولكل موجود فيه حكمة تتعلق بهذا التناسق الكامل الملحوظ ؛ " .. وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا "(7).. " إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ "(8) .. " الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ "(9).. " وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا .."(10).. " اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ "(11).. وهكذا وهكذا يبدو أن لكل موجود حكمة تتناسق مع غاية الوجود , وأن الإرادة التي يصدر عنها الوجود أولاً , ويحفظ بها وينتظم ثانياً , تلاحظ في كل موجود تناسقه ونفعه الكلي للوجود . ولأن الوجود وحدة متكاملة الأجزاء , متناسقة الخِلقة والنظام والاتجاه , بحكم صدوره المباشر عن الإرادة الواحدة المطلقة الكاملة , كان مهيأً وصالحاً ومساعداً لوجود الحياة بصفة عامة , ولوجود الإنسان ـ أرقى نماذج الحياة ـ بصفة خاصة ؛ فليس في الكون عدواً للحياة ولا عدواً للإنسان ؛ وليست الطبيعة ـ بتعبير الجاهلية الحاضرة ـ خصماً للإنسان يصارعه ويغالبه , وإنما هي من خلق الله , وهي صديق لا تختلف اتجاهاته عن اتجاهات الحياة والإنسان , وليست وظيفة الأحياء أن يصارعوا الطبيعة , وهم في أحضانها نشأوا , وهي وهم من ذلك الوجود الواحد الصادر عن الإرادة الواحدة . والإنسان بالذات إنما يعيش في جو صديق وبين أصدقاء من الموجودات : فالله حين خلق الأرض "وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا .."(12).. "وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ .."(13) .. " وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ "(14).. " هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ .. " (15).." هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا" (16).. والسماء بكواكبها جزء من الكون متكامل مع سائر أجزائه , وكل ما فيها وما في الأرض صديق ومعاون ومتناسق مع سائر أفراده : " وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا "(17).. "أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا "(18)
وهكذا تقرر العقيدة الإسلامية أن الله رب الإنسان قد خلق هذه القوى كلها لتكون له صديقاً مساعداً متعاوناً . أم سبيله إلى كسب هذه الصداقة فهو أن يتأمل هذه القوى و يتعرف إليها ويتعاون معها . أما سبيله إلى كسب هذه الصداقة فهو أن يتأمل هذه القوى ويتعرف إليها ويتعاون معها . وإذا كانت هذه القوى تؤذيه أحياناً , فإنما تؤذيه لأنه لم يتدبرها , ولم يعرف الناموس الذي يسيرها . والخالق ـ مع هذا ـ لا يدع الأحياء والناس لذلك الكون الصديق بلا رعاية مباشرة , وعناية متصلة ؛ فإرادته المباشرة متصلة بالكون كله , ومتصلة بكل فرد من موجوداته في الوقت نفسه : " إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ "(19).." وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا.. "(20).. " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ "(21).. " وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " (22).. " .. وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ .."(23)...الخ
لأن الوجود الموحد صادر عن إرداة واحدة ؛ ولأن الناس جزء من الكون كتعاون كتناسق مع سائر أجزائه ؛ ولأن أفراد الإنسان خلايا متعاونة متناسقة مع الكون .. لم يكن بد إذن أن تكون متعاونة متناسقة فيما بينها . لذلك كان تصور الإسلام أن الإنسانية وحدة , تفترق أجزائها لتجتمع ؛ وتختلف لتتسق ؛ وتذهب شتى المذاهب للتعاون في النهاية بعضها مع بعض , كي تصبح صالحة لتتعاون مع الوجود الموحد : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ٌ " (24).
ونظام الحياة الإنسانية لا يستقيم حتى يتم هذا التعاون والتناسق وفق منهج الله وشرعه . وتحقيقه واجب لصالح الإنسانية كلها , وحتى ليباح استخدام القوة لإرجاع من يشذ عن هذا النهج إليه : "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ "(25) .." وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "(26) .." وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ "(27) .
فالأصل هو التعاون والتعارف والتناسق في حدود منهج الله وشرعه ؛ ومن شذ على هذا الأصل , فليرد إليه بكل طريق ؛ لأن سنة الله في الكون أولى بالإتباع من أهواء الأفراد والجماعات ؛ والتكافل بين الجميع يتفق مع غاية الكون الواحد , وغاية خالقه الواحد سبحانه .
فإذا نحن وصلنا إلى الإنسان الجنس , والإنسان الفرد , فهو وحدة متكاملة , وقواه المختلفة الظاهر الموحدة الاتجاه في الحقيقة , وشانه في ذلك شأن الكون كله ذي القوة المتعددة المظاهر .
ولقد ظلت الإنسانية أدهاراً طويلة لا تهتدي إلى فكرة شاملة عن القوى الكونية والإنسانية . وظلت تفرق بين القوى الروحية والقوى المادية , تنكر إحداهما لتثبت الأخرى , أو تعترف بوجودهما في حالة تعارض وخصام؛ وتصوغ تعاليمها على أساس أن هناك تعارضا أساسياً بين هذه القوى وتلك ؛ وأن رجحان إحداهما مرهون بخفة الأخرى ؛ وأنه لا مفر من رجحان كفة وخفة كفة , لأن التعارض في نظرها أساسي في فطرة الكون والناس . والمسيحية ـ كما صاغتها الكنيسة والمجامع المقدسة ـ من أظهر المثال على فكرة هذا التعارض في الإنسان ؛ وهي متفقة إلى حد ما في هذه الفكرة الهندوكية , ثم مع البوذية ـ على اختلاف بينهما فيها ـ فخلاص الروح مرهون بكبت الجسد أو بتعذيبه , أو بإفنائه , أو على الأقل بإهماله والكف عن لذائذه .
وهذا الأصل الكبير في المسيحية المحرفة , وفي الديانات التي تشبهها , وتترتب عليه تفريعات كثيرة في النظر إلى الحياة ومتاعها , وإلى سلوك الفرد وسلوك الجماعة حيالها , وفي النظر إلى الإنسان وما يضطرب في كيانه من قوى وطاقات .
وقد ظلت المعركة قائمة بين هذه القوى وتلك ؛ وظل الإنسان ممزقاً في هذه المعركة ,حيران لا يهتدي إلى قرار .. حتى جاء الإسلام , فإذا هو يعرض صورة كاملة متناسقة , لا عوج فيها ولا اضطراب , ولا تعارض فيها ولا خصام . جاء ليوحد القوى والطاقات جميعاً , ويمزج الأشواق والنزعات والميول , وينسق بين اتجاهاتها جميعاً , ويعترف بها وحدة متكاملة في الكون والحياة والإنسان . جاء ليجمع بين الأرض والسماء في نظام الكون ؛ والدنيا والآخرة في نظام الدين ؛ والروح والجسد في نظام الإنسان ؛ والعبادة والعمل في نظام الحياة .. ويسلكها جميعاً في طريق موحد . هو الطريق إلى الله ! ويخضعها كلها لسلطان واحد : هو سلطان الله ! .
فالكون وحدة , مركبة من الظاهر المعلوم والمغيب المجهول , والحياة وحدة مركبة من طاقات مادية وطاقات روحية لا تنفصل أبداً إلا وقع الاختلال بينها والاضطراب , والإنسان وحدة مركبة من الأشواق المتطلعة إلى السماء والنزعات اللاصقة بالأرض ؛ ولا انفصام بين هذه وتلك في طبيعة الإنسان , لأنه لا انفصام بين السماء والأرض أو بين المعلوم والمجهول في طبيعة هذا الدين .
ومن وراء هذا جميعه قوة الأزل والأبد . تلك التي لا أول لها يعرف , ولا آخر لها يوصف , تسيطر في النهاية على الكون والحياة والناس .. إنها قوة الله ..
والفرد الفاني يملك أن يتصل بهذه القوة الأزلية الأبدية , وهي توجهه في الحياة , وهو يستمدها في الشدائد . يملك أن يتصل بها وهو في المحراب يصلي ويتطلع إلى السماء , كما يملك أن يتصل بها وهو في الأرض يعمل مشغولاً بمعاشه ومحياه .
والفرد يملك أن يعمل للآخرة , وهو يصوم فيمنع عن الجسد كل لذائذه ؛ وهو يفطر فيستمتع بكل طيبات الحياة . ما دام يعمل هذا أو ذاك متوجهاً بقلبه إلى الله .
والحياة الدنيا بما فيها من صلاة وعمل وبما فيها من متاع وحرمان , وهي وحدها الطريق إلى الآخرة بما فيها من جنة ونار , ومن عقاب ورضوان .
إنها الوحدة بين أجزاء الكون وقواه , والوحدة بين كل طاقات الحياة ؛ والوحدة بين الإنسان نفسه , وبين واقعه ورؤاه !
إنها الوحدة التي تعقد السلام الدائم بين الكون والحياة , وبين الحياة والأحياء , وبين الجماعة والفرد , وبين أشواق الفرد ونزعاته . وفي النهاية بين الدنيا والدين , وبين الأرض والسماء.
وهي لا تعقد هذا السلام على حساب الجسد ولا على حساب الروح , بل تطلق لكل منهما نشاطه , لتوحد هذا النشاط , وتتجه به إلى الخير والصلاح والنماء.
ولا تعقده على حساب الفرد أو على حساب الجماعة , أو لحساب طائفة على طائفة , أو لحساب جيل على جيل , فلكل حقوقه ولكل واجباته , على سنة العدل والمساواة .
والفرد والجماعة والطائفة والأمة والجيل والأجيال كلها يحكمها قانون واحد , ذو هدف واحد : أن ينطلق نشاط الفرد وان ينطلق نشاط الجماعة ـ غير متعارضين ـ وان يعمل الجيل وتعمل الأجيال لبناء الحياة وإنمائها , والتوجه بها إلى خالق الحياة .
* * *
الإسلام دين الوحدة بين القوى الكونية جميعاً , فلا جرم هو دين التوحيد : توحيد الإله, وتوحيد الأديان جميعا في دين الله . وتوحيد الرسل في التبشير لهذا الدين الواحد منذ فجر الحياة (28) : " إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ "(29).
والإسلام دين الوحدة بين العبادة والمعاملة , والعقيدة والشريعة , والروحيات والماديات, والقيم الاقتصادية والقيم المعنوية , والدنيا والآخرة , والأرض والسماء !
وعن تلك الوحدة الكبرى تصدر تشريعاته وفرائضه , وتوجيهاته وحدوده , وقواعده في سياسة الحكم وسياسة المال , وفي توزيع المغانم والمغارم , وفي الحقوق والواجبات . وفي ذلك الأصل الكبير تنطوي سائر الأجزاء والتفصيلات .
وحين ندرك هذا الشمول في طبيعة النظرة الإسلامية للإلوهية والكون والحياة والإنسان , ندرك معها الخطوط الأساسية للعدالة الاجتماعية في الإسلام .
فهي قبل كل شيء عدالة إنسانية شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية ومقوماتها , وليست مجرد عدالة اقتصادية محدودة . وهي إذن تتناول جميع مظاهر الحياة وجوانب النشاط فيها , وكما تتناول الشعور والسلوك , والضمائر والوجدانات . والقيم التي تتناولها هذه العدالة ليست القيم الاقتصادية وحدها , وليست القيم المادية على وجه العموم . إنما هي هذه ممتزجة بها القيم المعنوية والروحية جميعاً.
وحينما تنظر المسيحية المحرفة للإنسان من خلال أشواقه الروحية وحدها , وتحاول أن تكبت نزعاته لتطلق أشواقه . وحينما تنظر الشيوعية إلى الإنسان من خلال حاجاته المادية وحدها ؛ وتنظر إلى الإنسانية , بل إلى الكون كله , من خلال المادة بمفردها ... ينظر الإسلام إلى الإنسان على انه وحدة لا تنفصل أشواقه الروحية مع نزعاته الحسية , ولا تنفك حاجاته المعنوية عن حاجاته المادية ؛ وينظر إلى الكون والحياة هذه النظرة الشاملة التي لا تعدد فيها ولا انفصام .. وهذا هو مفرق الطريق بين الشيوعية والمسيحية والإسلام ! مفرق الطريق الناشئ من أن الإسلام من صنعة الله الخالصة , والمسيحية دخل فيها من تحريفات البشر , والشيوعية من أوهام الإنسان الخالصة !
ثم إن الحياة في نظر الإسلام تراحم وتواد وتعاون و تكافل محدد الأسس مقرر النظم , بين المسلمين على وجه خاص , وبين جميع أفراد الإنسانية على وجه عام . وهي كذلك في نظر المسيحية , ولكنها لا تقوم على تشريع واضح مرسوم ولا على واقع محدد معلوم . بينما هي في نظر الشيوعية تنازع وصراع بين الطبقات , ينتهي إلى انتصار طبقة على طبقة , فيتم الحلم الشيوعي الكبير ! ومن هنا يبدو أن المسيحية رؤيا في عالم المثال المجرد يلوح بها للبشر في ملكوت السماء ؛ وأن الإسلام هو حلم الإنسانية الخالد , ومجسماً في حقيقة تعيش على الأرض ؛ وأن الشيوعية هي حقد البشرية العارض في جيل من أجيال الناس !
* * *
على هذين الخطين الكبيرين : الوحدة المطلقة المتعادلة المتناسقة , والتكافل العام بين الأفراد والجماعات , يسير الإسلام في تحقيق العدالة الإجتماعية , مراعياً العناصر الأساسية في فطرة الإنسانية , غير متجاهل كذلك للطاقة البشرية .
يقول القرآن الكريم عن الإنسان : " وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ "(30).. حب الخير لذاته ولما يتصل بذاته . ويقول في وصف الإنسان بالبخل فطرة وطبعاً : " وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ "(31).. فهو حاضر أبداً . ووردت في صورة فنية معجبة لهذه الفطرة البشرية العجيبة : "قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا"(32).. على حين يقرر أن رحمة الله وسعت كل شيء . فيبرز بهذه السعة وبذلك الإمساك مدى الشح في فطرة الإنسان , ولو ترك بلا تهذيب أو توجيه !
وعندما يضع الإسلام نظمه وتشريعاته , وعظاته وتوجيهاته , ولا يغفل ذلك الحب الفطري للذات , ولا ينسى ذلك الشح الفطري العميق ؛ ولكنه يعالج الأثرة , ويعالج الشح , بالتوجيه بالتشريع . فلا يكلف الإنسان إلا وسعه , ولا يغفل في الوقت ذاته حاجات الجماعة ومصالحها وغايات الحياة العليا في الفرد والجماعة على توالي العصور والأجيال .
وإذا كان من الظلم الاجتماعي الذي يتنافى مع العدالة أن تطغى مطامح الفرد ومطامعه على الجماعة , فإنه من الظلم كذلك أن تطغى الجماعة على فطرة الفرد وطاقته . أنه من الظلم لا لهذا الفرد وحده , بل للجماعة ذاتها فتحطيم نشاط الفرد بتحطيم ميوله ونوازعه لا يقف أثره السيئ عند حرمان هذا الفرد ما هو حق له , بل يتجاوزه إلى حرمان الجماعة أن تنتفع بكل طاقته . ومتى كفل النظام للجماعة حقها في جهد الفرد وطاقته ؛ ووضع لحرية الفرد ونوازعه وأطماعه الحدود الكابحة ؛ فلا ينبغي أن يغفل حق الفرد في انطلاق نشاطه , في الحدود التي تضار بها الجماعة , ولا يضار بها الفرد ذاته ؛ ولا تصطدم بأهداف الحياة العليا . فالحياة تعاون وتكافل في نظر الإسلام , لا حرب وتنازع وخصام ! كما أنها إطلاق للطاقات الفردية والعامة ؛ وليست كبتاً حرماناً وسجناً . وكل ما ليس حراماً فهو مباح ؛ والمرء يثاب على نشاط حيوي في حدود منهج الله وشرعه يراعي فيه وجه الله وحده , ويحقق به الغايات العليا للحياة كما ارتضاها الله .
وانفساح المجال في نظرة الإسلام للحياة , وتجاوزه القيم الاقتصادية البحته إلى سائر القيم التي تقوم الحياة عليها ... يجعله أقدر على إيجاد توازن وتعادل في المجتمع . وعلى تحقيق العدالة في الدائرة الإنسانية كلها ؛ ويعفيه من التفسير الضيق للعدالة كما تفهمها الشيوعية . فالعدالة في نظر الشيوعية مساواة في الجور تمنع التفاوت الاقتصادي ـ وإن كانت حين اصطدمت بالتطبيق العملي لم تستطع تنفيذ هذه المساواة الآلية التحكمية ـ والعدالة في نظر الإسلام مساواة إنسانية ينظر فيها إلى تعادل القيم ؛ بما فيها القيمة الاقتصادية البحتة . وهي على وجه الدقة تكافؤ في الفرص , وترك المواهب بعد ذلك تعمل في الحدود التي لا تتعارض مع الأهداف العليا للحياة .
ولأن القيم في نظر الإسلام كثيرة متمازجة كانت العدالة في مجموعها أيسر ؛ لذلك لم يضطر إلى تحتيم المساواة الاقتصادية بمعناها الحرفي الضيق , الذي يصطدم بالفطرة , ويتعارض مع طبيعة المواهب المتفاوتة , ويعوق الاستعدادات الفائقة , ويسوي بينها وبين الاستعدادات الضعيفة , ويمنع أصحاب المواهب من إنفاق مواهبهم لخير أنفسهم , ولخير الأمة , فيحرم الأمة , ويحرم الإنسانية نتاج هذه المواهب.
إنه لا جدوى من المغالطة في أن استعدادات الأفراد الطبيعية ليست متساوية ؛ فنحن إذا غالطنا في المواهب الكامنة ـ ولا سبيل للمغالطة فيها عندما تجري الحياة العملية مجراها ـ فإننا لا نستطيع أن نغالط في أن بعض الأفراد يولد باستعدادات فطرية للصحة والاكتمال والاحتمال , وبعضهم يولد باستعدادات جسدية للمرض والنقص والضعف , ولا سبيل إلى تسوية جميع الاستعدادات والمواهب ما دامت الآلة لم تستطع بعد صنع الأحياء , لتصبهم في قالب واحد , على نظام الأجهزة والآلات!
إن إنكار الاستعدادات الجسدية والفكرية والروحية الفائقة هو ضرب من العبث لا يستحق المناقشة . فلابد أن نحسب حسابها ؛ وأن نمنحها الفرصة لتؤتي أقصى ما تستطيع من ثمراتها . ثم نحاول بعد ذلك أن نأخذ من هذه الثمرات ما نراه لازماً لمصلحة المجتمع لا أن نقطع الطريق على هذه الاستعدادات فنظلمها بتسويتها بالاستعدادات الضعيفة ونغلها عن العمل , ونبددها على الأمة والإنسانية تبديداً .
ولقد قرر الإسلام مبدأ تكافؤ الفرص , ومبدأ العدل بين الجميع ؛ ثم ترك الباب مفتوحاً للتفاضل بالجهد والعمل ؛ ثم جعل القيم الأصلية في المجتمع المسلم قيماً أخرى غير القيم الاقتصادية : " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "(33).. "يرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ "(34).. " الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا"(35) " .
وهكذا يبدو أن هناك قيماً أخرى غير القيم البحتة , يحسب الإسلام حسابها ؛ ويجعلها هي القيم الحقيقية , ويجعل منها وسيلة للتعادل في المجتمع حين تتفاوت الأرزاق المالية بين الناس , بأسباب التفاوات المعقولة على الجهد والموهبة ,لا على الوسائل المنكرة التي يحرمها الإسلام تحريما ( كما سيأتي في فصل سياسة المال) .
لا يفرض الإسلام إذن المساواة الحرفية في المال , لأن تحصيل المال تابع لاستعدادات ليست متساوية . فالعدل المطلق يقتضي أن تتفاوت الأرزاق , وأن يفضل بعض الناس بعضاً فيها , مع تحقيق العدالة الإنسانية : بإتاحة الفرص المتساوية للجميع ؛ فلا يقف أمام فرد حسب ولا نشأة , ولا أصل ولا جنس , ولا قيد واحد من القيود التي تغل الجهود . وبإدخال القيم الأصلية الأخرى في الحساب . وبتحرير الوجدان البشري تحريرا كاملاً من ضغط القيم الاقتصادية البحتة ؛ ووضع هذه القيم في مكانها الحقيقي المعقول ؛ وعدم إعطائها قيمة معنوية ضخمة كالتي تعطاها في المجتمعات البشرية التي تفقد الإحساس بالقيم الإيمانية , أو تصغر من أهميتها , وتجعل للمال وحده القيمة الأساسية الكبرى .
وإن الإسلام ليرفض أن يجعل للمال كل هذه القيمة ؛ ويأنف أن تستحيل الحياة لقمة خبز , وشهوة جسد ,ودراهم معدودات ... ولكنه في الوقت ذاته يحتم الكفاية لكل فرد وأحياناً ما فوق الكفاية , ويفضل أن تكون الكفاية عن طريق الملكية الفردية , أو العمل المنتج بأنواعه , ليرفع عنه ضغط العوز من ناحية وضغط الجهة التي تملك موارد الرزق من ناحية أخرى .. ويحرم الترف الذي يطلق العنان للمتاع والشهوات , وينشيء الفوارق في مستويات الحياة . ويرتب في الأموال حقوقاً للفقراء بقدر حاجتهم , وبقدر ما يصلح المجتمع , ويضمن له التكافؤ والتعادل والنماء . وبذلك لا يغفل جانباً واحداً من جوانب الحياة المادية والشعورية , الدينية والدنيوية .. دون مراعاته ؛ لتنصهر هذه الجوانب كلها , وتستحيل وحدة متماسكة , يصعب إهمال عنصر من عناصرها الممتزجة المتناسقة ؛ ولتتسق وحدتها مع وحدة الكون الكبير , ووحدة الحياة والإنسان .



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)صدر القسم الأول منه وهو يعرض " خصائص التصور الإسلامي. والقسم الثاني مقومات التصور الإسلامي. (2)يس82 (3)الرعد 2 (4)الحج 65 (5)يس40 (6)الملك1 (7)الفرقان2 (8)القمر49 (9)الملك3ـ9 (10) فصلت10 (11)الروم48 (12) فصلت10
(13)النحل15 (14)الرحمن10 (15) الملك15 (16) البقرة29 (17) فصلت 12
(18)النبأ6ـ16 (19)فاطر41 (20)هود6 (21)ق16 (22)غافر60 (23)الأنعام151
(24)الحجرات13 (25)المائدة33 (26)الحجرات9 (27)البقرة251 (28)يراجع فصل القصة في القرآن من كتاب التصوير الفني في القرآن للمؤلف (29) الأنبياء 92 (30)العاديات8 (31)النساء128 (32)الإسراء100 (33)الحجرات13 (34)المجادلة11 (35)الكهف46

العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام







 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2010, 12:48 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام
يقيم الإسلام هذه العدالة الاجتماعية التي كشفنا عن طبيعتها إجمالاً , على أسس ثابتة ؛ ويحدد لبلوغ أهدافها وسائل معينة ؛ فلا يدعها قضية غامضة ؛ ولا دعوة مجملة ؛ فهو بطبيعته دين تنفيذ وعمل في واقع الحياة , لا دين دعوة وإرشاد مجردين في عالم المثال .
وقد رأينا هناك إجمالاً أن للإسلام تصوراً أساسياً عن الألوهية والكون والحياة والإنسان ؛وأدركنا أن قاعدة "العدالة الاجتماعية" متأثرة بذلك التصور الأساسي , داخلة في إطاره العام ؛ وأن طبيعة نظرة الإسلام إلى الحياة الإنسانية , تجعل العدالة الاجتماعية عدالة إنسانية شاملة لكل مقومات الحياة الإنسانية , ولا تقف عند الماديات والاقتصاديات , وأن القيم في هذه الحياة مادية معنوية في الوقت ذاته , لا يمكن الفصل بين صفتيها المتحدة , وأن الإنسانية وحدة متكافلة متناسقة , لا جماعات متعارضة متنافرة .
وربما بدا في بعض الأحيان أن الواقع يخالف هذه الفكرة الأساسية للإسلام , فيجب أن نعرف أولاً ما هو الواقع ؟
إن الواقع الذي يعده الإسلام حقيقة , ليس واقع فرد , ولا واقع أمة , ولا واقع جيل .. فهذا إنما هو الواقع الصغير المحدود الموقوت , الذي تقف عنده مدارك الأفراد البشريين الفانين , حين يكفون بصيرتهم عن الاستشراف لما هو أكبر وأشمل في حياة البشرية الكبرى وحياة الكون كله . فأما الإسلام فإنه يمد ببصره إلى جميع الآفاق ؛ ويحسب حساباً لجميع المصالح ؛ ويهدف إلى تحقيق غاية الإنسانية كلها منذ البدء إلى النهاية . فما يبدوا تعارضاً في الواقع المحدود , قد لا يبدو كذلك حين نتجاوزه إلى الواقع الشامل . واقع الإنسانية كلها , لا واقع فرد ولا أمة ولا جيل.
وهذه النظرة الكلية البعيدة الأهداف إلى العدالة الاجتماعية , هي التي تفسر لنا فيما بعد نظماً عدة في الإسلام , لا تفهم حق الفهم إذا هي أخذت جزئيات وتفاريق , وإذا حسب فيها حساب الفرد وحده في جماعة , أو حساب الجماعة وحدها في أمة , أو حساب الأمة وحدها في جيل , أو حساب الجيل وحده في أجيال ... وهي التي تفسر لنا نظام الملكية الفردية , ونظام الإرث , ونظام الزكاة , ونظام الحكم , ونظام المعاملات ... إلى آخر ما يتضمنه الإسلام من نظم , تتناول الأفراد والجماعات والأمم والأجيال.
ولسنا هنا بصدد الحديث عن ذلك كله , فسنقتصر إذن على تناول الأسس العامة التي أقام عليها الإسلام بناء العدالة الاجتماعية , في حدود فكرته الكلية . وسنرى من طبيعتها أن الإسلام قد نظر إلى وحدة الروح والجسد في الفرد , إلى وحدة المعنويات والماديات في الحياة . كما نظر إلى وحدة الهدف بين الجماعة , ووحدة المصلحة بين الجماعات المختلفة في الأمة الواحدة , ووحدة الغاية بين الأمم الإنسانية , ووحدة الصلة بين الأجيال المتعاقبة على اختلاف المصالح القريبة المحدودة .
هذه الأسس التي أقام عليها الإسلام العدالة الاجتماعية هي :
1 ـ التحرر الوجداني المطلق .
2 ـ المساواة الإنسانية الكاملة .
3 ـ التكافل الاجتماعي الوثيق .
فلنفرد لكل أصل من هذه الأصول كلمة نكشف عن طبيعته وغايته .
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام
التحرر الوجداني
لن تتحقق عدالة اجتماعية كاملة , ولن يضمن لها التنفيذ والبقاء , ما لم تستند إلى شعور نفسي باطن باستحقاق الفرد لها , وبحاجة الجماعة إليها ؛ وبعقيدة في أنها تؤدي إلى طاعة الله وإلى واقع إنساني أسمى . وما لم تستند كذلك إلى واقع مادي يهيئ للفرد أن يتمسك بها , ويحتمل تكاليفها ويدافع عنها . ولن يستحقها الفرد بالتشريع قبل أن يستحقها بالشعور , وبالقدرة العملية على استدامة هذا الشعور . ولن تحافظ الجماعة على التشريع إن وجد , إلا وهناك عقيدة تؤيده من الداخل , وإمكانيات عملية تؤيده من الخارج .. وهذا ما نظر إليه الإسلام في توجيهاته وتشريعاته جميعاً .
وتذهب المسيحية ـ كما صورتها الكنيسة والمجامع المقدسة ـ والبوذية كذلك , إلى أن التحرر الوجداني من لذائذ الحياة وشهواتها , والتوجه إلى ملكوت الرب في السماء , واحتقار الحياة الدنيا , كفيل بأن يضمن للإنسان حريته , وللضمير سعادته . وهذا حق . ولكنه ليس الحق كله . فدوافع الحياة لا تقهر في جميع الأحوال , وضروريات الحياة الواقعة لا تغُلب أبد الدهر , ولابد أن يخضع الإنسان لضغطها في أكثر الأحيان .
على أن قهر دوافع الحياة وكبتها ليس خيراً دائماً , فالله خالق الحياة لم يخلقها عبثاً , ولم يخلقها ليعطلها البشر ويوقفوا نموها . وأنه لمن الخير أن يسموا الإنسان على ضروراته , وأن يرتفع على شهواته ؛ ولكنه ليس من الخير أن يعطل الحياة ذاتها بذلك السمو وهذا الارتفاع .
فإذا كان هناك طريق لأن تنطلق القوى المكنونة في كيان البشرية ؛ وأن يرتفع الإنسان على الخضوع المذل لضروراته . فذلك هو الطريق الأقوم والأسلم وهذا ما هدف إليه الإسلام وهو يوحد ضرورات الجسد وأشواق الروح في نظام , ويكفل التحرر الوجداني بالشعور الباطن والإمكان الواقع , و لا يغفل عن هذا أو ذاك .
وتذهب الشيوعية إلى التحرر الاقتصادي وحده كفيل بالتحرر الوجداني ؛ وان الضغط الاقتصادي على الفرد هو الذي يجعله يتخلى عما تكفل له القوانين النظرية أحياناً من عدالة ومساواة.. وهذا حق . ولكنه ليس الحق كله . فالتحرر الاقتصادي ذاته لا يكفل له البقاء في المجتمع إلا بالتحرر الوجداني من داخل الضمير . فهو عرضة لضغط آخر : ضغط الضرورات والاستعدادات والميول , التي لا تكفي التشريعات وحدها لمقاومتها . والفرد الذي تقعد به استعداداته الطبيعية عن مجاراة الآخرين في الإنتاج , وعن مجاراتهم في التطلع والطموح .. هذا الفرد لابد أن يفقد حرصه على المساواة , التي قد يكفلها له القانون , لإحساسه الباطن بأنه أقل من مستواه , ولو تبجح فترة وكابر . والفرد ذو الاستعدادات الفائقة النتاج الموفور . لابد أن يغالب قانون المساواة المطلقة ونظام الملكية العامة الشامل , فإن لم يستطع حقد عليهما وحنق ؛ فإما أن يتمرد , وأما أن يخبو ذكاؤه , وتنكمش استعداداته , ويقل نتاجه .
فأما حين تستند المساواة إلى تحرر وجداني عميق , كما تستند إلى التشريع والتنفيذ , فإن الشعور بها يكون أقوى عند القوي وعند الضعيف . إنها تستحيل في الضعيف تسامياً , وفي القوي تواضعاً ؛ وتلتقي في النفس بالعقيدة في الله , وفي وحدة الأمة وتكافلها .. وهذا ما هدف إليه الإسلام حين حرر الوجدان البشري تحرراً مطلقا كاملاً ؛ بعد ما كفل في الوقت ذاته حاجات الجسد,وضرورات الحياة , بحكم الأوضاع , وبحكم القانون , وبحكم الضمير سواء.
* * *
لقد بدأ الإسلام بتحرير الوجدان البشري من عبادة أحد غير الله , ومن الخضوع لأحد غير الله . فما لأحد عليه غير الله من سلطان ؛ وما من أحد يميته أو يحييه إلا الله ؛ وما من أحد يملك ضراً ولا نفعاً ؛ وما من احد يرزقه من شيء في الأرض ولا في السماء ؛ وليس بينه وبين الله وسيط ولا شفيع ؛ والله وحده هو الذي يستطيع , والكل سواه عبيد , ولا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئاً.
" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ "(الإخلاص) وإذا توحد الله توحدت عبادته , واتجه الجميع إليه فلا عبادة لسواه , ولا حاكمية لغيره , كي لا يتخذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله , ولا يكون لأحد منهم فضل على أحد إلا بعلمه وتقواه:
" قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ "(64آل عمران).
ويحرص الإسلام على هذا المعنى حرصاً شديداً ؛ فيتكيء عليه القرآن في مناسبات شتى . ولما كان الأنبياء هم مظنة أن يتجه إليهم الناس بشيء من العبادة , أو في معناها على وجه من الوجوه , فقد عني الإسلام بتحرير وجدان البشرية من هذه الناحية تحريراً كاملاً .
يقول عن نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم : "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ؟"(144آل عمران).
ويخاطب هذا النبي في صراحة قوية : "لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ"(128آل عمران).كما يخاطبه في موضع آخر بما يشبه التهديد : "وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا(74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا"(75الإسراء).
ويأمره أن يجهر بحقيقة موقفه جهراً :" قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا"(22الجن).
ويتحدث عمن ألهوا عيسى ابن مريم , فيصمهم بالكفر والسخف :" لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا.. "(17المائدة).
ويقول عن المسيح في موضع آخر: "إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ "(59الزخرف) .
ويعرض مشهداً من مشاهد يوم القيامة يستجوب فيه عيسى ابن مريم عما زعمه بعض الناس عنه من ألوهية ؛ ويثبت براءة عيسى من هذا الزعم الذي لا يد له فيه , في أسلوب قوي أخاذ : " وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"(118المائدة).
كما يعرض صورة من تأليه العباد للعباد لا تتمثل في اعتقادهم بألوهيتهم , ولكن تتمثل في تلقي الشرائع منهم , وجعلهم بذلك أرباباً ولو لم يعتقدوا بألوهيتهم أو يقدموا لهم شعائر العبادة : "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ"(31التوبة).
وهكذا . وهكذا . يستمر القرآن في توكيد هذه العقيدة وتثبيتها وتوضيحها , ليصل إلى تحرير الوجدان البشري من كل شبهة شرك في ألوهية أو ربوبية , قد تضغط هذا الوجدان , وتخضعه لمخلوق من عباد الله , وإن يكن نبياً أو رسولاً , فإنه عبد من عباده لا إله!
فإذا انتفى أن يكون عبد بذاته أميز عند الله من عبد بذاته , انتفت الوسائط بين الله وعباده جميعاً ؛ فلا كهانة ولا وساطة , بل يتصل كل فرد صلة مباشرة بخالقه ؛ ويتصل شخصه الضعيف الفاني بقوة الأزل والأبد , ويستمد منها القوة والعزة والشجاعة , ويشعر برحمة الله وعنايته وعطفه , فيشتد إيمانه وتقوى معنويته .
والإسلام حريص كل الحرص على تقوية هذه الصلة , وإشعار الفرد أنه يملك الإستعانة بتلك القوة الكبرى أناء الليل وأطراف النهار:"اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ"(19الشورى).
"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ "(186البقرة).. ".. وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"(87يوسف).. "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا "(53الزمر).
وقد شرع الإسلام خمس صلوات , يقف فيها العبد كل يوم أمام ربه , ويتصل فيها المخلوق بخالقه , في أوقات منظمة , غير ما يعن له هو أن يقف أمام إلهه , أو يتصل به في توجهه ودعائه .
وليس الغرض من الصلاة أو الدعاء ألفاظاً وحركات , بل القصد هو التوجه الكامل بالقلب والفكر والجسد في وقت واحد إلى الله , تمشياً مع تصور الإسلام الكلي عن وحدة الإنسان وتكوينه , ووحدة الخالق في ألوهيته : "فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ"(5الماعون)..
* * *
فإذا تحرر الوجدان من شعور العبادة والخضوع لعبد من عباد الله ,وامتلأ بالشعور بأنه على اتصال كامل بالله , لم يتأثر بشعور الخوف على الحياة أو الخوف على الرزق , أو الخوف على المكانة . . . وهو شعور خبيث يغض من إحساس الفرد بنفسه ؛ وقد يدعوه إلى قبول الذل , وإلى التنازل عن كثير من كرامته , وكثير من حقوقه . ولكن الإسلام لشدة حرصه على أن يحقق للناس العزة والكرامة , وأن يبث في نفوسهم الاعتزاز بالحق , والمحافظة على العدل ؛ وان يضمن بذلك كله ـ علاوة على التشريع ـ عدالة اجتماعية مطلقة , لا يفرط فيها إنسان .. لهذا كله يعني عناية خاصة بان يقاوم الشعور بالخوف على الحياة وعلى الرزق وعلى المكانة , فالحياة بيد الله , وليس لمخلوق قدرة على أن ينقص هذه الحياة ساعة أو بعض ساعة ,كذلك ليس له أن يخدشها خدشا خفيفاً بضرر خفيف:" وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا"(145آل عمران)
.. "قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا"(51التوبة).." وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ "(49يونس).
إذن فلا كان الجبن والجبناء , والحياة والأجل , والنفع والضر بيد الله دون سواه:"قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ"(14الأنعام)
.." اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ "(26الرعد).. "وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ"(60العنكبوت).." قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ" (31يونس).. "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ"(3فاطر).. "وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ "(151الأنعام) "وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه ِإِنْ شَاءَ "(28التوبة) .
ويقرر القرآن أن خوف الفقر إنما هو من إيحاء الشيطان ليضعف النفس , ويصدها عن الثقة في الله , وعن الثقة في الخير : "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "(268البقرة) .
إذن فلا يجوز أن يُذِل الاسترزاق رقاب الناس , فإنما رزقهم بيد الله ؛ وبيد الله وحده ؛ ولن يملك أحد من عباده الضعفاء أن يقطع رزق إنسان , ولا أن يضيق عليه الرزق شيئاً. وهذا لا ينفي الأسباب والعمل , ولكنه يقوي القلب ويشجع الضمير , ويجعل الفقير المسترزق يواجه من يظن بيده رزقه بكل قوة وبكل شجاعة , فلا يقعده شعور الخوف عن المطالبة بحقه , وعن الاعتزاز بنفسه , ويدعوه إلى ترك بعض أجره أو بعض دينه أو بعض عزته احتفاظاً برزقه . على هذا النحو يجب أن يفهم توجيه القرآن واتجاه الإسلام , فهذا هو الفهم الحق الذي يتمشى مع منهجه العام في التوجيه والتشريع .
والخوف على المركز و المكانة قد يكون عدلاً للخوف من الموت والأذى , والخوف من الفقر والعيلة . والإسلام يحرص على أن يتحرر الفرد من الخوف أيضا ً, فلن يملك مخلوق لمخلوق في هذا الأمر شيئاً :" قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(26آل عمران).." قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ "(89المؤمنون) .. "إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ"(160آل عمران) .." مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا"(10فاطر) . . "وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ "(8المنافقون). .
وإذن فلا خوف من هذه الناحية أيضاً , فإن القدرة لله وحده , وإن العزة لله جميعاً : "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ "(18الأنعام)..
* * *
ولكن النفس البشرية قد تتحرر من عبودية القداسة , ومن عبودية الخوف على الحياة أو الرزق أو المكانة ؛ ثم تتأثر بعبودية القيم الاجتماعية . قيم المال والجاه والحسب والنسب , ولو لم ينله منها نفع ولا ضر . فإذا استشعر الوجدان عبودية معنوية لأية قيمة من القيم , فلن يملك حريته كاملة إزائها , ولن يشعر بالمساواة الحقة مع أصحابها . وهنا يتصدى الإسلام لهذه القيم جميعاً , فيضعها في موضعها الحقيقي بلا إغفال ولا مغالاة , ويرد القيم الحقيقية إلى اعتبارات معنوية ذاتية , كامنة في نفس الفرد , أو واضحة في عمله . وبذلك يضعف تأثير القيم المادية , وتضؤل آثارها النفسية ؛ فيكون هذا ـ بجانب ما يكفله الإسلام من ضمانات معيشية وقانونية ـ وسيلة للتحرر الوجداني الكامل:" إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"(13الحجرات).. والكريم عند الله هو الكريم حقاً وصدقاً . "وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ"(37سبأ) . .
فليكونوا أكثر أموالاً وأكثر أولاداً , فما لهذا من قيمة تجعل لهم ميزة أو استعلاء , "إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا "فالإيمان هو قيمة مكنونة في الضمير , والعمل الصالح هو قيمة بارزة في الحياة , هما القيمتان الحقيقيتان اللتان لهما كل الاعتبار .
والإسلام لا يغض مع هذا من قيمة المال ولا من قيمة الأبناء : "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" . . زينة ولكنها ليسا من قيمها التي ترفع وتخفض "وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا"(46الكهف) . .
ويضرب القرآن للقيم المادية والقيم المعنوية مثلاً قي نفسي رجلين , لا يدع مجالاً للشك في إيثار إحداهما على الأخرى , في الوقت الذي يرسم صورة واضحة قوية للنفس المؤمنة وحقيقة القيم فيها : " وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا"(43الكهف) .
وهكذا يبرز اعتزاز المؤمن بإيمانه , واستهانته بتلك القيم التي اعتز بها صاحبه وهو يحاوره . مما يلفت النظر أن صاحبه هذا المعتز بجنته لم يظهر الشرك بالله , ولكن القرآن عده شركاً وجعله يعترف بإشراكه في النهاية . وذلك أنه أشرك قيمة مادية صرفة , وجعل لها الاعتبار في وجدانه . والمؤمن الحق لا يشرك بالله شيئاً .
وفي قصة "قارون" يعرض صورتين نفسيتين بإزاء فتنة المال والثراء : صورة لنفوس تزدهيها هذه القيم فتضعف وتتضاءل , وتحس بالصغر أما فتنة الأغنياء ؛ وصورة لنفوس مؤمنة تعتز وتقوى ولا تصغر أو تضعف أبداً : "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ"(82القصص) .
ويرتب الإسلام على نظرته هذه نتائج فينهي الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يعطي قيمة لما يتمتع به بعضهم من متاع خلاب , فإنما هو فتنة واختبار وابتلاء : "وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى"(131طه) .
ويفهم بعضهم أن هذه الآية ونظائرها إنما تدعوا إلى ترك الأغنياء يغتنون كما يشاءون , ورضي الفقراء بحرمانهم حقوقهم التي كفلها الإسلام لهم . وهو خاطيء لا يلتفت إلى التصور الإسلامي العام . وهو تفسير المحترفين من"رجال الدين" في عصور الاستبداد لتنويم الشعور العام , وكفه عن المطالبة بالعدالة الاجتماعية . وعليهم وزرهم , والإسلام من تأويلهم برئ . فإنما جاءت هذه الآية وأمثالها لرد اعتبار القيم الإنسانية , ولإنقاذ أنفس الفقراء مما يلحقها من ضعف أو انكسار أما القيم المادية البحتة من مال ومتاع .
ومما يؤيد اتجاهنا هذا أمر الله ـ سبحانه ـ لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بألا يقيم وزناً لهذه القيم ؛ وألا يرتب اعتبارات الناس عليها :
"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا " (28الكهف) . . "فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ "(55التوبة) .
وفي هذا المجال تعرض قصة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الرجل الأعمى الفقير " ابن أم مكتوم " ومع " الوليد بن المغيرة " سيد قومه . تلك القصة التي عتب الله فيها نبيه عتاباً شديداً :
" عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ"(12عبس) .
ولقد كانت لحظة حرص بشري ساورت محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ طمعاً في أن يهدي الله الوليد إلى الإسلام ؛ وكان بأمره مشغولاً حينما جاءه ابن أم مكتوم يطلب شيئاً من القرآن ويدعو مرة ومرة , وهو بأمر الوليد مشغول ؛ فتضايق منه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعبس في وجهه ؛ فعاتبه ربه هذا العتاب الشديد , الذي كاد يبلغ حد التأنيب ؛ تصحيحاً للقيم التي يعتز بها الإسلام , وتحقيقاً لمنهجه الصحيح , واتجاهه القويم , في تحرير الوجدان .
* * *
وأخيراً فقد تتحرر النفس البشرية من عبودية القداسة ومن خوف الموت والأذى والفقر والهوان ؛ ومن كل الاعتبارات الخارجية والقيم الاجتماعية ؛ ثم تبقى مستذلة لذاتها ,مستذلة للذاتها وشهواتها , مستذلة لمطامعها وأهوائها ؛ فيأتي لها القيد من داخل حين تنفلت منه من خارج ؛ فلا تبلغ التحرر الوجداني الكامل الذي يريده الإسلام لها , ليحقق لها العدالة الاجتماعية الإنسانية الكبرى .
والإسلام لا يغفل هذا الخطر الكامن على التحرر الوجداني , فيلقى إليه إلتفاتة عميقة , وتشهد بعنايته بدخائل النفس البشرية وأغوارها ؛ وتدل على رعايته لكل استعداداتها وملابساتها ؛ ويلم بما لم تلم به المسيحية وتجعله غاية غاياتها :
"قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ "(24التوبة) .
وهكذا يجمع في آية واحدة جميع اللذائذ والمطامح والرغائب ونقط الضعف في نفس الإنسان , ليضعها في كفة , ويضع في الكفة الأخرى حب الله ورسوله , وحب الجهاد في سبيله , لتكون التضحية كاملة , والتخلص من أوهاق الشهوات كاملاً . فالنفس التي تتحرر من هذا كله هي النفس التي يتطلبها الإسلام , ويدعو إلى تكوينها لتستعلي على الضراوة المذلة , وتملك قياد أمرها وتنزع إلى ما هو أكبر وأبعد مدى من الرغبات الوقتية الصغيرة .
أو يقول : "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ"(15آل عمران).
وما كان هذا تخديراً ولا دعوة إلى الزهد وترك طيبات الحياة كما يحلو لبعضهم أن يفسر القرآن , أو كما يحلو لبعضهم أن يهتم الإسلام ؛ إنما كان دعوة للتحرر والانطلاق من ضعف الشهوات والغرائز , ثم لا ضرر بعد من ذلك من الاستمتاع بالحياة حين يملكها الإنسان ولا تملكه : "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ "(32الأعراف) "وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا "(77القصص).
وفي هذا الاتجاه نفسه كانت فريضة الصوم لترتفع النفس على ضرورات الفطرة القوية فترة من الوقت وتقوى بها إرادتها وتستعلي , ويسمو بها الإنسان على ذاته حين يرتفع على ضروراته .
ويسلك القرآن إلى هذه الغاية شتى السبل ؛ ومن بينها التحذير الإيحائي من فتنة الأموال والأولاد حين يقول : "أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ"(32الأنفال) . . وبذلك يثير عامل الحذر من الاندفاع وراء الضعف البشري بإزاء الأموال والأولاد . فكثيراً ما يؤتي المرء من ناحية حرصه على ماله أو بنيه , فيقبل ما لم يكن ليقبل , ويخضع لما لم يكن ليخضع , ويرتكب ما لم يكن ليرتكب . وقد خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذات يوم وهو محتضن أحد ابني بنته فاطمة ـ رضي الله عنها ـ وهو يقول :"إنكم لتبخلون وتجبنون وتجهلون"(الترمذي) .
وبعد , فلقد يتحرر المرء من كل ما يغض شعورياً من كرامته , ولكنه يحتاج . يحتاج إلى اللقمة فيذل , فليس أشد من الحاجة إذلالاً ؛ والبطن الجائعة لا تعرف المعاني العالية .
ولقد يضطر إلى الإستجداء فتذهب كرامته كلها ضياعاً . هنا يتولى الإسلام الأمر بالتشريع لمنع أسباب الحاجة ؛ ولإزالتها حين توجد : فيجعل للفرد حقه في الكفاية مفروضاً على الدولة وعلى القادرين في الأمة , فرضاً يعاقب عليه في الآخرة ويقاتل عليه في الدنيا (وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام على التكافل الاجتماعي في الإسلام) . ثم ينهى عن الاستجداء فيصف جماعة من المسلمين الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض؛ وصف استحسان بأنهم "لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا"(273البقرة)والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعطي سائلاً درهماً ثم يقول: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره , فيبيعها , فيكف الله بها وجهه , خير من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه"(الشيخان واللفظ للبخاري)ويقول :"اليد العليا خير من اليد السفلى"(الشيخان). فيحض على الاستغناء بوسائل أخرى غير وسيلة الاستجداء التي يراها الإسلام ضرورة مكروهة . أما أموال الزكاة فهي حق : حق يؤخذ , لا فضل يعطى :" وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ"(19الذاريات) . حق تأخذه الدولة لتملكه لأصحابه , وتنفق منه على مصالح المسلمين بما يدفع حاجة الجسد , ويحفظ كرامة النفس , ويصون عزة الوجدان . فإن لم يكف شرعت من الفرائض والوظائف في أموال القادرين والأغنياء بقدر ما يسد حاجة الضعفاء والفقراء ( وسيأتي بيان هذا في فصل سياسة المال) .
* * *
وكذلك يأخذ الإسلام الأمر من وجوهه كلها ومن مناحيه جميعاً , فيكفل التحرر الوجداني تحررا مطلقاً ولا يقوم على المعنويات وحدها , ولا على الاقتصاديات وحدها , ولكن يقوم عليهما جميعاً . فيعرف للحياة واقعها , وللنفس طاقتها ؛ ويستثير في الطبيعة البشرية غاية أشواقها وأعلى طاقاتها ؛ ويدفع بها إلى التحرر الوجداني كاملاً صريحاً . فبغير التحرر الكامل لن تقوى على عوامل الضعف والخضوع والعبودية ؛ ولن تتطلب نصيبها من العدالة الاجتماعية ؛ ولن تصبر على تكاليف العدالة حين تتعاطاها.
وهذا التحرر هو أحد الأسس الركينة لبناء العدالة الاجتماعية في الإسلام . بل هو الركن الأول الذي تقوم عليه الأركان .

اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام
المساواة الإنسانية
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب







 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2010, 12:50 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام
المساواة الإنسانية
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
وإذا استشعر الضمير كل هذا التحرر الوجداني ؛ فخَلُص من كل ظل للعبودية إلا لله , وأمن الموت والأذى والفقر والذل إلا بإذن الله ؛ وانفلت من ضغط القيم الاجتماعية والمالية ؛ ونجا من ذل الحاجة والمسألة ؛ وتسامى على شهواته ومطامعه ؛ وتوجه إلى الخالق الواحد الأحد الذي يتوجه له الجميع بلا استثناء ولا استعلاء ؛ ووجد بعد ذلك كله كفايته من ضرورات الحياة مكفولة بحكم التشريع والنظام . .
إذا استشعر الضمير البشري هذا كله ووجد من الضمانات الواقعية والقانونية ما يؤكد في نفسه هذا الشعور , فلن يكون في حاجة لمن يهتف بالمساواة لفظاً وقد استشعرها في أعماقه معنى , ووجدها في حياته واقعاً؛ بل لن يصبر على التفاوت القائم على تلك القيم إطلاقاً . سيطلب حقه في المساواة ؛ وسيجاهد لتقرير هذا الحق , وسيحتفظ به حين يناله ؛ ولن يقبل منه بديلاً ؛ وسيصبر على تكاليف الاحتفاظ به , والذياد عنه , ومهما بذل في ذلك من جهد وتضحية .
ولن يكون الفقير والضعيف وحدهما الحريصين على مبدأ المساواة النابع من الضمير , المصون بالتشريع , المكفول بالاكتفاء وحرية النشاط والارتزاق ؛ بل إن الغني والقوي سينزلان عنده بحكم استشعار ضميرهما تلك المعاني , التي حرص الإسلام على تقريرها وتثبيتها فيما أسلفنا . . وذلك ما وقع بالفعل في المجتمع الإسلامي الأول قبل أربعة عشر قرناً , مما سيأتي في موضعه في هذا الكتاب .
ولكن الإسلام مع ذلك لم يكتف بالمفهومات الضمنية المستفادة من التحرر الوجداني , فقرر مبدأ المساواة باللفظ والنص , وليكون كل شيء واضحاً مقرراً منطوقاً . وفي الوقت الذي كان البعض يَدَّعي و يُصدق أنه من نسل الآلهة , وبعضهم يدعي ويصدق أن الدماء التي تجري في عروقه ليست من نوع دماء العامة , وإنما هو الدم الأزرق الملوكي النبيل ! وفي الوقت الذي كانت بعض الملل والنحل تفرق الشعوب إلى طبقات خلق بعضها من رأس الإله فهي مقدسة , وخلق بعضها من قدميه فهي منبوذة ! وفي الوقت الذي كان الجدل حول المرأة : أهي ذات روح أم لا روح فيها ! وفي الوقت الذي كان يباح فيه للسيد أن يقتل عبيده ويعذبهم . لأنهم من نوع آخر غير نوع السادة . . .
في هذا الوقت جاء الإسلام ليقرر وحدة الجنس البشري في المنشأ والمصير , في المحيا والممات , في الحقوق والواجبات , أمام القانون وأمام الله , في الدنيا وفي الآخرة , لا فضل إلا للعمل الصالح , ولا كرامة إلا للأتقى .
لقد كانت وثبة بالإنسانية لم يعرف التاريخ لها نظيرً ؛ ولا تزال إلى هذه اللحظة قمة لم يرتفع إليها البشر أبداً . بل لقد كانت نشأة أخرى للبشرية يولد فيها "الإنسان"الأسمى! الأمر الذي تراجعت عنه البشرية , ولم تبلغ إليه أبداً إلا في ظل هذا المنهج الرباني .
كلا لم ينسل الإله أحداً : " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ"(الإخلاص).." وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)"(مريم).
ثم كلا ! ليس هناك من دم أزرق ودم عادي ؛ وما خلق أحد من رأس وخلق آخر من قدم : " أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ"(23المرسلات).." فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ"(7الطلاق) .."وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ" (11فاطر) .." وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ"(14المؤمنون) .
ويمضي القرآن يكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة ليُقر في خلد الإنسان وحدة أصله ونشأته : الجنس كله من تراب , والفرد ـ كل فرد ـ من ماء مهين , ويكرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في أحاديثه : "أنتم بنو آدم , وآدم من تراب"(مسلم وأبو داود) كيما يزيد استقراراً في المشاعر والأخلاد .
فإذا انتفى أن يكون فرد أفضل بطبيعته من فرد ؛ فليس هناك من جنس وليس هنالك من , هو بنشأته وعنصره أفضل ـ كما لا يزال بعض الأجناس إلى هذه اللحظة يتشدق ـ كلا " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً "(1النساء) .. فهي نفس واحدة وزوجها منها ,ومنهما انبث الرجال والنساء . فهم من أصل واحد , وهم أخوة في النسب , وهم متساوون في الأصل والنشأة :" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ "(13الحجرات) . . فليست هذه الشعوب والقبائل لتتفاخر أو تتناكر , بل لتتعارف وتتآلف . وكلها عند الله سواء , ولا تتفاضل إلا بالتقوى . وتلك مسألة أخرى لا علاقة لها بالأصل والنشأة , ذلك أن الناس كلهم سواء لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى .. وأول التقوى الإسلام لله وحده . وإلا فلا تقوى ولا صلاح أصلاً .
ولقد برئ الإسلام من العصبية القبلية والعنصرية ـ إلى جانب براءته من عصبية النسب والأسرة . فبلغ بذلك مستوى لم تصل إليه " الحضارة" الغربية إلى يومنا هذا . الحضارة التي تبيح للضمير الأمريكي إفناء عنصر الهنود الحمر إفناء منظمً تحت سمع الدول وبصرها , كما تبيح تلك التفرقة النكدة بين البيض والسود , وتلك الوحشية البشعة . والتي تبيح لحكومة جنوب أفريقيا أن تجهر بالقوانين العنصرية ضد الملونين , وتبيح لحكومات روسيا والصين والهند والحبشة ويوغسلافيا وغيرها إفناء المسلمين بالجملة . !
* * *
وتعقب الإسلام مظان التفاوت والتفاضل ـ إلا بالتقوى والعمل الصالح ـ في كل صورها وملابساتها وأسبابها , ليقضي عليها جميعا . فهذا النبي محمد , ما يفتأ القرآن يذكر الناس أنه بشر كسائر البشر , وما فتأ محمد ذاته يكرر هذا المعنى , أن كان نبياً محبوباً من قومه مبجلاً ,فخيف أن ينقلب ذلك الحب وهذا التبجيل إلى تأليه أو قدسية لا تكون إلا لله . فها هو ذا يقول لقومه : "لا تطروني كما أطرت النصارى بن مريم , فإنما أنا عبد , فقولوا عبد الله ورسوله"(البخاري) . ويقول وقد خرج على جماعة فوقفوا له تبجيلاً " من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار "(أبو داود والترمذي) .
ولما كان أهل محمد مظنة أن يقدسوا نبههم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أنه لا يملك لهم من الله شيئاً :" يا معشر قريش لا أغني عنكم من الله شيئاً . يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً. يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً . يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً . . . "(متفق عليه).
وحين أصابت محمداً الإنسان لحظة حرص بشري , فانصرف عن الرجل الفقير ابن أم مكتوم إلى الوليد بن المغيرة سيد قومه , عاجله العتاب الشديد الذي يشبه التأنيب , ليرد للمساواة المطلقة معاييرها الكاملة .
وحين كان بعض ذوي الثراء والأنساب يأنف أن يتزوج من الفقراء والفقيرات جاء أمر الله :" وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "(32النور)..
* * *
فأما بين الجنسين فقد كفل للمرأة مساواة تامة مع الرجل من حيث الجنس والحقوق الإنسانية ؛ ولم يقرر التفاضل إلا في بعض الملابسات المتعلقة بالاستعداد أو الدربة أو التبعة , مما لا يؤثر على حقيقة الوضع الإنساني للجنسين ؛ فحيثما تساوى الاستعداد والدربة والتبعة تساويا , وحيثما اختلف شيء من ذلك كان التفاوت بحسبه .
ففي الناحية الدينية والروحية يتساويان : " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا "(124النساء).. " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "(97النحل) . . " فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ .."(195آل عمران) .
وفي ناحية الأهلية للملك والتصرف الاقتصادي يتساويان : " لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ "(7النساء) .." لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ"(34النساء).
فأما إيثار الرجل بضعف نصيب المرأة في الميراث , فمردُّهُ إلى التبعة التي يضطلع بها الرجل في الحياة ؛ فهو يتزوج امرأة يكلف إعالتها , وإعالة أبنائهما , وبناء الأسرة كله هو مكلف به وعليه وحده تبعة الديات والتعويضات . فمن حقه أن يكون له حظ الأنثيين لهذا السبب وحده . بينما هي مكفولة الرزق , إذا تزوجت , بما يعولها الرجل , ومكفولة الرزق إن عنست أو ترملت , بما ورثت من مال , أو بكفالة قرابتها من الرجال . فالمسألة هنا مسألة تفاوت في التبعة اقتضى تفاوت في الإرث .
وأما أن الرجل قوام عليها : " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ "(34النساء) فوجه التفضيل هو الاستعداد والدربة والمرانة فيما يختص بالقوامة . فالرجل بحكم تخلصه من تكاليف الأمومة يواجه أمور المجتمع فترة أطول , ويتهيأ لها بقواه الفكرية جميعاً , بينما تحتجز هذه التكاليف المرأة معظم أيامها ؛ فوق أن تكاليف الأمومة تنمي في المرأة جانب العواطف والانفعالات , بقدر ما ينمو في الرجل جانب التأمل والتفكير , فإذا جعلت له القوامة على المرأة فبحكم الاستعداد والدربة لهذه الوظيفة , فوق أنه المكلف بالإنفاق ؛ وللناحية المالية صلة قوية بالقوامة ؛ فهو حق مقابل تكليف , وينتهي في حقيقته بالمساواة بين الحقوق والتكاليف في محيط الجنسين ومحيط الحياة .
فأما حين يرد الأمر إلى الدائرة الإنسانية المجردة من ملابسات الوظائف العملية , فللمرأة من حق الرعاية أكثر مما للرجل . وهو الحق الذي يقابل حق القوامة . وجاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال :"يا رسول الله , من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال: أمك قال ثم من ؟ قال : أمك . قال ثم من ؟ قال : أمك .قال ثم من ؟ قال: أبوك "(الشيخان) .
ولقد يبدو أن هناك تفضيلاً آخر في مسألة الشهادة : " وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى "(282البقرة) .. وفي الآية نفسها بيان العلة . فالمرأة بطبيعة وظائف الأمومة ينمو في نفسها جانب العواطف والانفعالات بقدر ما ينمو في الرجل جانب التأمل والتفكير كما أسلفنا . فإذا نسيت أو جرفها انفعال , كانت الثانية مذكرة لها . فالمسألة ملابسة عملية في الحياة , لا مسألة إيثار جنس لذاته على جنس وعدم مساواة .
وحسب الإسلام ما كفل للمرأة من مساواة دينية , ومن مساواة في التملك والكسب ؛ وما حقق لها من ضمانات في الزواج بإذنها ورضاها , دون إكراه ولا إهمال : "لا تنكح الثيب حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن وإذنها الصموت "(الشيخان) . وفي مهرها : " فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً "(24النساء) . . وفي سائر حقوقها الزوجية , زوجة أو مطلقة : " وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا "(231البقرة).. "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ"(19النساء).
ويجب أن نذكر أن الإسلام ضمن للمرأة هذه الحقوق , ووفر لها كل هذه الضمانات بروح تكريمية خالصة , ليست مشوبة بضغط الاقتصاديات والماديات . فلقد حارب فكرة أن المرأة عالة يحسن التخلص منها وهي وليدة , فحارب عادة الوأد التي كانت معروفة في حياة بعض القبائل العربية حرباً لا هوادة فيها , وعالج هذه العادة بنفس الروح التكريمية الخالصة التي ينظر بها إلى البشر . فنهى نهي تحريم عن القتل عامة ولم يستثن : "وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ"(151الأنعام).. ونهى بالتخصيص عن قتل الأولاد ـ وما كان يقتل من الأولاد سوى الإناث :" وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ"(31الإسراء).. وقدم رزق الأولاد في هذه الآية لأنهم سبب الخشية من الإملاق , ليملأ صدور الآباء ثقة برزق الله وكفالته للأولاد قبل الآباء ! ثم استجاش وجدان العدل والرحمة وهو يقول عن يوم القيامة : " وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ"(9التكوير).. فجعل هذا موضع سؤال استنكاري بارز ظاهر في ذلك اليوم الرهيب .
فالإسلام إذن حين منح المرأة حقوقها الروحية والمادية كان ينظر إلي صفتها الإنسانية , ويسير مع نظرته إلى وحدة الإنسان:" خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا "(189الأعراف).. وكان يريد رفعها إلى حيث يجب أن يكون شطر " النفس"الواحدة .
ويجب أن نذكر هذا للإسلام , أن نذكر بجانبه أن الحرية التي منحها الغرب المادي للمرأة لم تفض من النبع الكريم ولم تكن دوافعها هي دوافع الإسلام البريئة .
ويحسن ألا ننسى التاريخ ؛ وألا نفتن بالقشور الخادعة التي تعاصرنا اليوم. يحسن أن نذكر أن الغرب أخرج المرأة من البيت تعمل لأن الرجل هناك نكل عن كفالتها وإعالتها , إلا أن يقتضيها الثمن من عفتها وكرامتها !
عندئذ فقط اضطرت المرأة أن تعمل !
ويحسن أن نذكر أنها حين خرجت للعمل انتهز الغرب المادي حاجتها ؛ واستغل فرصة زيادة العرض ليرخص أجرها ؛ واستغنى أصحاب الأعمال بالمرأة الرخيصة الأجر عن العامل الذي بدأ يرفع رأسه ويطالب بأجر كريم !
وحين طالبت المرأة هناك بالمساواة , كانت تعني أولاً وبالذات المساواة في الأجور لتأكل وتعيش ! فلما لم تستطع هذه المساواة طالبت بحق الانتخاب ليكون لها صوت يحسب حسابه ؛ ثم طالبت بدخول البرلمانات ليكون لها صوت إيجابي في تقرير تلك المساواة! لأن القوانين التي تحكم المجتمع يسنها الرجل وحده ؛ وليست ـ كما في الإسلام ـ من شرع الله , الذي يعدل بين عباده رجالاً ونساءً .
ويحسن ألا ننسى أن فرنسا ظلت إلى عهد الجمهورية الرابعة بعد الحرب الأخيرة لا تمنح المرأة حق التصرف في مالها ـ كما يمنحها الإسلام ذلك ـ إلا بإذن وليها , على حين منحتها حق الدعارة كاملاً بصفة علنية أو سرية ! وهذا الحق الأخير هو الحق الوحيد الذي حرمه الإسلام للمرأة ! لأنه حرمه للرجل كذلك , رعاية لكرامة الإنسان وشعوره , ورفعا لمستوى العلاقات الجنسية لأن تكون علاقة أجساد لا تربطها رابطة من بيت ولا أسرة .
ويجب حين نرى الغرب المادي يقدم المرأة اليوم في بعض الأعمال على الرجل , وبخاصة في المتاجر والسفارات والقنصليات وفي بعض الأعمال الإخبارية كالصحافة ونحوها ..
يجب ألا نغفل عن المعنى الكريه الخبيث في هذا التقديم . إنه النخاسة والرقيق في جو من دخان العنبر والأفيون! إنه استغلال للحاسة الجنسية في نفوس "الزبائن" .فصاحب المتجر , كالدولة التي تعين النساء في السفارات والقنصليات , وكشركة السياحة التي تعين مضيفات , كصاحب الجريدة الذي يدفع بالمرأة إلى التقاط الأحاديث والأخبار , كل منهم يدرك فيما يستخدم المرأة , ويعرف كيف تحصل المرأة على النجاح في هذه الميادين ؛ ويعلم ماذا تبذل للحصول على هذا النجاح !فإن لم تبذل هي شيئاً ـ وهو فرض بعيد ـ فهو يدرك أن شهوات جائعة , وعيون خائنة , ترف حول جسدها وحول حديثها ؛ وهو يستغل ذلك الجوع للكسب المادي والنجاح الصغير! لأن المعاني الإنسانية الكريمة منه بعيد بعيد !
فأما الشيوعية فذات دعوى عرضة في مساواة المرأة بالرجل , تحطيم الأغلال التي تقيد المرأة! والمساواة هي المساواة في العمل والأجر , فقد تحررت المرأة وأصبح لها حق الإباحية كما هو حق للرجل ! لأن المسألة في عرف الشيوعية لا تعدو الاقتصاد . فكل الدوافع البشرية وكل المعاني الإنسانية , كامنة في هذا العنصر وحده من عناصر الحياة !
والحقيقة في صميمها هي نكول الرجل عن إعالة المرأة , واضطرارها أن تعمل مثله وفي دائرته لتعيش , فالشيوعية ـ بهذا ـ هي التكملة الطبيعية لروح الغرب المادية , والفاقدة للمعاني الروحية في حياة البشرية .
يجب أن نذكر هذا كله قبل أن يخدع أبصارنا الوهج الزائف .فالإسلام قد منح المرأة من الحقوق منذ أربعة عشر قرناً ما لم تمنحه إياها "الحضارة"الغربية حتى اليوم. وهو قد منحها ـ عند الحاجة ـ حق العمل وحق الكسب ؛ ولكنه أبقى لها حق الرعاية في الأسرة , لأن الحياة عنده أكبر من المال والجسد , وأهدافها أعلى من مجرد الطعام والشراب ؛ ولأنه ينظر إلى الحياة من جوانبها المتعددة , ويرى لأفرادها وظائف مختلفة , ولكنها متكافلة متناسقة . وبهذه النظرة يرى وظيفة الرجل ووظيفة المرأة ؛ فيوجب على كل منهما أن يؤدي وظيفته أولاً لتنمية الحياة ودفعها للأمام ؛ ويفرض لكل منهما الحقوق الضامنة لتحقيق هذا الهدف الإنساني العام .
* * *
وأخيراً فإن للجنس البشري كله كرامته , التي لا يجوز أن تستذل :" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا"(70الإسراء) . . كرمناهم بجنسهم , لا بأشخاصهم ولا بعناصرهم ولا بقبائلهم . فالكرامة للجميع على سبيل المساواة المطلقة , فكلهم لآدم . وإذا كان آدم من تراب ,وإذا كان آدم قد كرم , فأبناؤه جميعا سواء في هذا و في ذاك !
وللناس جميعاً ـ في المجتمع المسلم ـ كرامتهم التي لا يجوز أن تلمز , ولا أن يسخر منها أحد : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"(11الحجرات) .. والتعبير العميق الجميل : " وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ". ذو دلالة عجيبة , فلمز المؤمن للمؤمن هو لمزه لنفسه , لأنهم كلهم من نفس واحدة !
وللناس جميعا في المجتمع المسلم حرماتهم : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ "(27ـ28النور) .." وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا"(12الحجرات)..
وقيمة هذا الإجراء هو إشعار كل فرد بأن له حرمة لا يجوز أن ينتهكها عليه الآخرون ؛ ولا تقل حرمة أحد عن حرمة أحد ؛ فهم فيها سواء , وهم جميعا مؤمنون , وفي المجتمع المسلم الذي يقوم على منهج الله وشرعه . فيكفل للناس فيه هذه الكرامة , ويصون منهم هذه الحرمات .
* * *
وهكذا يتتبع الإسلام كل ناحية من حياة الناس الوجدانية والاجتماعية , ليؤكد فيها معنى المساواة توكيداً . وما كان في حاجة كما قلنا لأن يتحدث عن المساواة لفظاً وصورة , بعد ما حققها معنى وروحاً , بالتحرر الوجداني الكامل من جميع القيم , وجميع الملابسات , وجميع الضرورات , وكفل لها في عالم الواقع كل الضمانات . ولكنه يحرص على المساواة حرصا شديداً , ويردها إنسانية كاملة غير محدودة بعنصر ولا قبيلة ولا بيت ولا مركز ؛ كما يريدها أبعد مدى من دائرة الاقتصاديات وحدها , مما وقفت عنده المذاهب المادية "العلمية" !


اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام
التكافل الاجتماعي
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب







 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2010, 12:53 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

اسس العدالة الاجتماعية في الإسلام
التكافل الاجتماعي
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
لا تستقيم حياة يذهب فيها كل فرد إلى الاستمتاع بحريته المطلقة إلى غير حد ولا مدى , يغذيها شعوره بالتحرر الوجداني المطلق من كل ضغط , وبالمساواة المطلقة التي لا يحدها قيد ولا شرط ؛ فإن الشعور على هذا النحو كفيل بأن يحطم المجتمع كما يحطم الفرد ذاته . فللمجتمع مصلحة عليا لا بد أن تنتهي عندها حرية الأفراد ؛ وللفرد ذاته مصلحة خاصة في أن يقف عند حدود معينة في استمتاعه بحريته ؛ لكي لا يذهب مع غرائزه وشهواته ولذائذه إلى الحد المردي ؛ ثم لكي لا تصطدم حريته بحرية الآخرين , فتقوم المنازعات التي لا تنتهي , وتستحيل الحرية جحيماً ونكالاً ؛ ويقف نمو الحياة وكمالها عند حدود المصالح الفردية القريبة الآماد . وذلك كالذي حدث في "حرية" النظام الرأسمالي , وما صاحبه من نظريات الحرية الحيوانية للشهوات !
والإسلام يمنح الحرية الفردية في أجمل صورها , والمساواة الإنسانية في أدق معانيها , ولكنه لا يتركها فوضى , فللمجتمع حسابه , وللإنسانية اعتبارها , وللأهداف العليا للدين قيمتها . لذلك يقرر مبدأ التبعة الفردية , في مقابل الحرية الفردية , ويقرر إلى جانبها التبعة الجماعية التي تشمل الفرد والجماعة بتكاليفها . وهذا ما ندعوه بالتكافل الاجتماعي.
والإسلام يقرر مبدأ التكافل في صوره وأشكاله . فهناك التكافل بين الفرد وذاته , وبين الفرد وأسرته القريبة , وبين الفرد والجماعة , وبين الأمة والأمم , وبين الجيل والأجيال المتعاقبة أيضاً .
هناك تكافل بين الفرد وذاته , فهو مكلف أن ينهي نفسه عن شهواتها ؛ وان يزكيها ويطهرها ؛ وان يسلك بها طريق الصلاح والنجاة ؛ وألا يلقي بها إلى التهلكة :" فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى"(41النازعات).." وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا"(10الشمس).."وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"(195البقرة) . وهو مكلف في الوقت ذاته أن يمتع نفسه في الحدود التي لا تفسد فطرتها , وأن يمنحها حقها من العمل والراحة فلا ينهكها ويضعفها: "وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا"(77القصص) .."يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"(31الأعراف).
والتبعة الفردية كاملة . فكل إنسان وعمله . وكل إنسان وما يكسب لنفسه من خير أو شر , ومن حسنة ومن سيئة , ولن يجزي عنه أحد في الدنيا ولا في الآخرة :"كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ"(38المدثر).." أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى"(41النجم).. "لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ"(286البقرة).. "فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ "(41الزمر).." وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ.."(111النساء) .
وبذلك كله يقف الإنسان من نفسه موقف الرقيب , يهديها إن ضلت , ويمنحها حقوقها المشروعة ؛ ويحاسبها إن أخطأت , ويحتمل تبعة إهماله لها . وبذلك يقيم الإسلام من كل فرد شخصيتين , تتراقبان و تتلاحظان , وتتكافلان فيما بينهما في الخير والشر , في مقابل منح هذا الفرد التحرر الوجداني الكامل , والمساواة الإنسانية التامة . فالحرية والتبعة تتكافآن وتتكافلان .
* * *
وهناك تكافل بين الفرد وأسرته القريبة : "وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا"(24الإسراء) .. "وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ "(14لقمان) . ." وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ "(233البقرة) .
وقيمة التكافل في محيط الأسرة أنه قوامها الذي يمسكها ؛ والأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع ، ولا مفر من الاعتراف بقيمتها ؛ وهي تقوم على الميول الثابتة في الفطرة الإنسانية , وعلى عواطف الرحمة والمودة , ومقتضيات الضرورة والمصلحة ؛ كما أنها العش الذي تنشأ فيه وحوله مجموعة الآداب والأخلاق الخاصة بالجنس , وهي في صميمها آداب المجتمع الذي ارتفع عن الإباحية الحيوانية والفوضى الهمجية .
ولقد حاولت الشيوعية أن تقضي على الأسرة بحجة أنها تنمي أحاسيس الأثرة الذاتية وحب التملك ؛ وتمنع الشيوعية الثروة , وشيوعية ملكية الدولة للأفراد . . . ولكنها فيما يبدو قد فشلت في هذا فشلاً تاماً , فالشعب الروسي شعب عائلي , وللعائلة مكانها في نفسه وفي تاريخه , فوق أن الأسرة نظام بيولوجي ونفسي لا نظام اجتماعي فحسب , فتخصيص امرأة لرجل أصلح بيولوجياً وأفلح لإنجاب الأطفال . وقد لوحظ أن المرأة التي يتداولها عدة رجال تعقم بعد فترة معينة أو لا يصح نسلها . أما من الوجهة النفسية فمشاعر المودة والرحمة تنمو في جو الأسرة خيراً مما تنمو في نظام آخر , وتكوين الشخصية يتم في هذا المحيط خيراً مما يتم في أي نظام آخر . وقد أثبتت تجارب الحرب الأخيرة بين أطفال المحاضن , أن الطفل الذي تتناوب تربيته عدة حاضنات تختل شخصيته وتتفكك , ولا تنمو فيه مشاعر الحب والتعاون ؛ كما أن الطفل الذي لا والد له يعاني مركب النقص , ويهرب من هذا الواقع ويتخيل والد لا وجود له , ويتصل به في الخيال , ويصوره في شتى الصور والأشكال .
وليست العوامل البيولوجية والنفسية وحدها , فهناك مقتضيات الضرورة والمصلحة التي تربط بين رجل وامرأة لتكوين بيت ورعاية أطفال , ثم العلاقات التي تربط بين أفراد الأسرة الواحدة , وتجعل منهم وحدة اجتماعية متعاونة في الخير والشر , متكافلة في الجهد والجزاء , جيلا بعد جيل .
ومن مظاهر التكافل العائلي في الإسلام ذلك التوارث المادي للثروة المفصل في الآيات التاليات : "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ "(12النساء) .. "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (176النساء).
أم الوصية التي أشير إليها في الآيتين الأولين لا تتجاوز الثلث بعد وفاء الدين ولا تكون لوارث , لحديث : "لا وصية لوارث "(2) . إنما شرعت لتدارك بعض الحالات التي لا يرث فيها من توجب الصلة العائلية أن يصله المورث ببره , ولتكون مجالاً لإنفاق شيء من التركة في وجوه البر والخير .
هذا النظام الذي شرعه الإسلام مظاهر التكافل بين أفراد الأسرة الواحدة , وبين الأجيال المتتابعة ـ فوق أنه وسيلة من وسائل تفتيت الثروة لئلا تتضخم تضخيماً يؤذي المجتمع (وسنتحدث عن هذا في فصل سياسة المال) أما هنا فنكتفي بالقول بأن في نظام الإرث الإسلامي عدلاً بين الجهد والجزاء , وبين المغانم والمغارم في جو الأسرة . فالوالد الذي يعمل ـ وفي شعوره أن ثمرة جهوده لن تقف عند حياته القصيرة المحدودة , بل ستمتد لينتفع بها أبنائه وحفدته , وهم امتداده الطبيعي في الحياة ـ هذا الوالد يبذل أقصى جهده , وينتج أعظم نتاجه ؛ وفي هذا مصلحة له وللدولة وللإنسانية , كما أن فيه تعادلاً بين الجهد الذي يبذله والجزاء الذي يلقاه . فأبناؤه جزء منه يشعر فيهم بالامتداد والحياة .
أما الأبناء فعدل أن ينتفعوا بجهود آبائهم وأمهاتهم , وإذا الصلة بين الوالدين والأبناء لا تنقطع لو قطعت صلة الميراث المالي ؛ فالآباء والأمهات يورثونهم صفات واستعدادات في تكوينهم الجثماني , والعقلي ؛ وهذه الاستعدادات تلازمهم في حياتهم , وتفرض عليهم كثيرا من أوضاع مستقبلهم ـ إن خيراً وإن شراً ـ دون أن تكون لهم يد في رد هذه الوراثة أو تعديلها . ومهما جاهدت الدولة أو جاهد المجتمع فلن يهب طفلاً وجها جميلاً إذا ورثه أبواه وجهاً قبيحاً ؛ ولن يمنحه سلامة أعصاب , واعتدال مزاج , وإذا ورثاه اختلالاً واضطراباً ؛ ولن يعطيه عمراً طويلاً وصحة موفورة , إذا وَرَّثاه استعدادات للبلي السريع والمرض الملازم ... فإذا كان عليه أن يرث هذا كله غير مخيَّر , فإنه من العدل الاجتماعي أن يرث جهود أبويه المادية أيضاً , ليكون هناك شيء من التعادل بين المغانم والمغارم !
وقد ضرب القرآن مثلاً للتكافل بين الآباء والأبناء في قصة موسى ـ عليه السلام ـ مع عبد الله الصالح الذي قال الله عنه : "فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ".."فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ".وقد قال له موسى : " لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا"(77الكهف) . ما دام أهل القرية لم يطعموهما . فكشف له عن السر في تقويمه للجدار فقال :" وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي"(82الكهف).
وهكذا انتفع الوالدان بصلاح الوالد , وورثا ما خلفه لهما من مال وصلاح . وهذا عدل وحق لا شك فيه .
فأما حين يخشى من حبس المال في محيط خاص , فالوسيلة موجودة في يد الإمام المسلم الحاكم بشريعة الله لتعديل الأوضاع ؛ والإسلام يكفل هذا التعديل بوسائله الخاصة كما سيجيء في فصل " سياسة المال ".
وهناك تكافل بين الفرد والجماعة , وبين الجماعة والفرد , ويوجب على كل منهما تبعات ؛ ويرتب لكل منهما حقوقاً والإسلام يبلغ في هذا التكافل حد التوحيد بين المصلحتين , وحد الجزاء والعقاب على تقصير أيهما في النهوض بتبعاته في شتى مناحي الحياة المعنوية والمادية على السواء .
فكل فرد مكلف أولاً أن يحسن عمله الخاص . و إحسان العمل عبادة لله , لأن ثمرة العمل الخاص ملك للجماعة وعائدة عليها في النهاية:" وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ"(105التوبة). وكل فرد مكلف أن يرعى مصالح الجماعة كأنه حارس لها, موكل بها.والحياة سفينة في خضم , والراكبون فيها جميعاً مسؤولون عن سلامتها:وليس لأحد منهم أن يخرق موضعه منها باسم الحرية الفردية : " مثل القائم علي حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها , فكان الذين في أسفلها إذا استقوا مروا علي من فوقهم , فقالوا:لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقناً ولم نؤذ من فوقنا تركوهم وما أرادوا هلكوا , وإن اخذوا علي أيديهم نجوا ونجوا جميعاً "(البخاري والترمذي) . وهو تصوير بديع لتشابك المصالح وتوحدها , بإزاء التفكير الفردي الذي يأخذ بظاهر المعاني النظرية , ولا يفكر في آثار الوقائع العملية ؛ ورسم دقيق لواجب الفرد وواجب الجماعة في مثل هذه الأحوال .
وليس هنالك فرد معفي من رعاية المصالح العامة , فكل فرد راع ورعية في المجتمع :" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " (الشيخان) .
والتعاون بين جميع الأفراد واجب لمصلحة الجماعة في حدود البَّر والمعروف : " وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ "(2 المائدة) .." وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ "(104آل عمران) .
وكل فرد مسؤول بذاته عن الأمر بالمعروف , فإن لم يفعل فهو آثم وهو معاقب بإثمه : "خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)"(الحاقة) . وعدم الحض على طعام المسكين يُعَدُّ علامة من علامات الكفر والتكذيب بالدين : "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3 )"(الماعون) .
وكل فرد مكلف أن يزيل المنكر الذي يراه : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده , فمن لم يستطيع فبلسانه , فمن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان "(مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي). وهكذا يصبح كل فرد مسؤولاً عن كل منكر يقع في الأمة ولو لم يكن شريكاً فيه , فالأمة وحدة , والمنكر يؤذيها , وعلى كل فرد أن يزود عنها ويحميها .
والأمة كلها تؤاخَذ وينالها الأذى والعقاب في الدنيا والآخرة إذا سكتت عن وقوع المنكر فيها من بعض بنيها , فهي مكلفة أن تكون قوامة على كل فرد فيها : "وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) "(الإسراء) . ولو كان فيها الكثيرون لم يفسقوا , ولكن سكوتهم على الفسق جعلهم مستحقين للتدمير :" وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً .. (25)"(الأنفال) .. وما في هذا ظلم , فالأمة التي تشيع فيها الفاحشة , ويجهر فيها بالمنكر فلا تغيره , أمة منحلة متهافتة , وصائرة إلى الزوال ؛ والدمار الذي يصيبها أمر طبيعي , ونتيجة لازمة .
ولقد استحق بنو إسرائيل اللعنة على لسان أنبيائهم , ودالت دولتهم , وذهبت ريحهم , لأنهم لم يكونوا يغيرون المنكر ولم يكونوا يتناهون عنه : "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)"(المائدة) . وفي الحديث : " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علمائهم فلم ينتهو ؛ فجالسوهم , وواكلوهم وشاربوهم , فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ؛ ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم (ثم جلس وكان متكئاً فقال ): "لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً "(أبو داود والترمذي) . فأما المؤمنون حقاً فهم الذين يقول عنهم القرآن : "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.."(71التوبة).
وقد فهم بعضهم من آية :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ"(105المائدة) .. أنها تجيز السكوت عن رد المنكر وتغييره , فنبههم أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ إلى سوء فهمهم لها قال : " يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية … وإنكم تضعونها على غير موضعها , وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب ". وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " ما من قوم يعمل فيهم يالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا فلم يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب" (أبو داود والترمذي) .
وهذا التفسير الصحيح الذي ينطبق على منهج الإسلام . والذي يجعل من الأمة المسلمة وحدة واحدة , متكافلة فيما بينها ولا يضرها أن يضل الناس إذا استقامت هي على الهدى ؛ ما أدت واجبها في دفع المنكر وتغييره جهد طاقتها .
والأمة مسؤولة عن حماية الضعفاء فيها ؛ ورعاية مصالحهم وصيانتها , فعليها أن تقاتل عند اللزوم لحمايتهم :" وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ .. (75)"(النساء) وعليها أن تحفظ لهم أموالهم حتى يرشدوا : "وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)"(النساء) … وفي الحديث:" الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله , أو القائم الليل , والصائم النهار "(الشيخان والترمذي والنسائي) .
وهي مسؤولة عن فقرائها ومعوزيها أن ترزقهم بما فيه الكفاية فتتقاضى أموال الزكاة وتنفقها في مصارفها ؛ فإذا لم تكف فرضت على القادرين بقدر ما يسد عوز المحتاجين , بلا قيد ولا شرط إلا هذه الكفاية . فإذا بات فرد واحد جائعاً فالأمة كلها تبيت آثمة ما لم تتحاض على إطعامه : "كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26)"(الفجر) .. وفي الحديث " أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برأت منهم ذمة الله تبارك وتعالى "(أحمد), " من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له , ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له "(مسلم وأبو داود) . " و" من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث …وإن أربع فخامس أو سادس"(متفق عليه).
والأمة المسلمة كلها جسد واحد , يحس إحساسا واحداً , وما يصيب عضواً منه يشتكي له سائر الأعضاء . وهي صورة جميلة أخاذة يرسمها الرسول الكريم فيقول : " مثل المؤمنين في توادهم , وتراحمهم , وتعاطفهم , كمثل الجسد , إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "(متفق عليه) . كما رسم للتعاون والتكافل بين المؤمن والمؤمن صورة أخرى معبرة دقيقة : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"(الشيخان) . وذلك أسمى ما يتصوره الخيال للتعاون والتكافل في الحياة .
وعلى هذا الأساس وضعت الحدود في الجرائم الاجتماعية , وشددت تشديداً . لأن التعاون لا يقوم إلا على أساس صيانة حياة كل فرد في دار الإسلام وماله وحرماته : "كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله"(الشيخان) . . . لذلك شرع القصاص في القتل والجروح جزاء وفاقاً . وجعل جريمة القتل كجريمة الكفر في العقوبة : "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا … (93)"(النساء).." "وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا.."(33الإسراء). "وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ "(45المائدة) .. وحث على القصاص فجعله حياة للأمة :" وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) " (البقرة). وإنه لحياة لما فيه من ضمان الحياة بالكف عن القتل , وبما فيه من حفظ كيان الجماعة وحيويتها وتماسكها بوقف الثأر.
وشدد عقوبة الزنا لما فيه من اعتداء على العرض , وعبث بالحرمة , ونشر للفاحشة في الجماعة , وينشأ عنه تفككها بعد فترة ؛ وتدليس في الأنساب , وسرقة لعواطف الآباء بالبنوة المزورة !
شدد هذه العقوبة فجعلها للمحصن والمحصنة الرجم ولغير المحصنين والمحصنات الجلد , وهو متلف في أحيان كثيرة : "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ .."(2 النور) .
وجعل العقوبة ثمانين جلدة للذين يرمون المحصنات المؤمنات الغافلات ويفترون عليهن , ويلوثون أعراضهن كذباً , لأن جريمة الإفك هنا قريبة من جريمة الزنا , فهي اعتداء على السمعة والعرض , ومثار للعداوة والبغضاء , وإشاعة للفاحشة بالسماع : "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا"(4 النور). وشدد عقوبة السرقة لما فيها اعتداء على أمن الناس ـ في دار السلام ـ وطمأنينتهم و الثقة المتبادلة بينهم ؛ فجعلها قطع اليد : "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)(المائدة) .
ولقد يستفظع بعضهم هذه العقوبة اليوم حين يقيسها إلى سرقة مال فرد ؛ ولكن الإسلام إنما نظر فيها إلى أمن الجماعة وسلامتها وتضامنها ؛ كما نظر إلى طبيعة ظروفها وإلى الغرض منها ؛ فهي جريمة تتم في الخفاء , وجرائم الخفاء في حاجة إلى تشديد العقوبة ليعدل عنها مرتكبها , أو ليترك من اضطرابه وخوفه من العقوبة دليلاً عليه وعليها . وهي جريمة يرتكبها صاحبها ليزيد كسبه من الحرام ؛ فلوحظ أن تكون العقوبة ـ وهي قطع اليد ـ من شانها تعجيزه عن الكسب الذي يزيده بهذه الوسائل المحرمة .
على أن هذه العقوبة الحازمة لا تنفذ إذا كانت السرقة اضطرارية لدفع غائلة الجوع عن النفس أو الأولاد . فالقاعدة العامة : أن لا حرج على المضطر :" فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ "(173البقرة) والحد يدرأ بالشبهة :"ادرأوا الحدود بالشبهات"(مسند أبي حنيفة للحارثي). والجوع شبهة ؛ على هذا جرى عمر في خلافته كما سيجيء .
أما الذين يهددون أمن الجماعة العام ـ في دار الإسلام المحكومة بشريعة الله ـ فجزاؤهم التقتيل أو التصليب أو تقطيع الأيدي والأرجل أو النفي من الأرض :" إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ "(33المائدة) لأن الائتمار والاجتماع على الفساد والفتنة جريمة أكبر من الجرائم الفردية , وأحق بالحسم وقسوة العقوبة .
* * *
وهكذا يفرض الإسلام التكافل الاجتماعي في كل صورة وأشكاله , تمشياً مع نظرته الأساسية إلى وحدة الأهداف الكلية للفرد والجماعة ؛ وفي تناسق الحياة وتكاملها . فيدع للفرد حريته كاملة في الحدود التي تؤذيه , ولا تأخذ على الجماعة الطريق ؛ ويجعل للجماعة حقوقها , ويكفلها من التبعات في الوقت ذاته كفاء هذه الحقوق ؛ لتسير الحياة في طريقها السوي القويم , وتصل إلى أهدافها العليا التي يخدمها الفرد وتخدمها الجماعة سواء
* * *
وعلى تلك الأسس الثلاثة : التحرر الوجداني المطلق , والمساواة الإنسانية الكاملة ,
والتكافل الاجتماعي الوثيق , تقوم العدالة الاجتماعية , وتتحقق العدالة الإنسانية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)" أطفال بلا أسر": تأليف أنا فرويد


وسائل العدالة الاجتماعية في الإسلام
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب







 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2010, 12:56 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

وسائل العدالة الاجتماعية في الإسلام
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
من داخل النفس يعمل الإسلام , ومن أعماق الضمير يحاول الإصلاح ؛ ولكنه لا يغفل أبداً عن الواقع العملي في محيط الحياة ؛ ولا عن حقيقة النفس البشرية , وما يعتورها من ارتفاع وهبوط , وتطلع وانكماش , وأشواق طائرة وضرورات مقيدة , وطاقة محدودة , على كل حال , دون الكمال المطلق في جميع الأحوال .
وعلى قدر علمه العميق بأغوار النفس البشرية يشرع ويوجه ؛ ويصوغ أوامره ونواهيه ؛ ويضع حدوده وينفذها ثم يهتف للضمير البشري أن يتسامى فوق التكاليف المفروضة ما استطاع .
والحياة تصبح ممكنة وصالحة إذا نحن نفذنا التكاليف المفروضة في هذا الدين ؛ ولكن النفس المسلمة تظل تعرج في معارج الكمال بما يوجه إليه الضمير البشري من تسامح وارتفاع وتسام ؛ فالتوجيه الوجداني في هذا الدين هو الجزء المكمل للتكليف المفروض فيه ؛ ثم هو الكفيل بتنفيذ هذا التكليف عن طواعية ورضى وإقبال , وبمنح الحياة البشرية قيمتها الإنسانية الكريمة المترفعة عن القيود والضرورات , وعن ضغط القانون , ودفع التكليف أيضاً .
وحينما حاول الإسلام أن يحقق العدالة الاجتماعية كاملة ارتفع بها عن أن تكون عدالة اقتصادية محدودة , وأن يكون التكليف وحده هو الذي يكفلها ؛ فجعلها عدالة إنسانية شاملة , وأقامها على ركنين قويين : الضمير البشري من داخل النفس والتكليف القانوني في محيط المجتمع , وزاوج بين هذه القوة وتلك , ومثيراً في الوجدان الإنساني أعمق انفعالاته , غير غافل عن ضعف الإنسان وحاجته إلى الوازع الخارجي كما يقول عثمان ابن عفان : يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن .
وكل من ينظر في هذا الدين نظرة فاحصة منصفة يدرك الجهد الضخم الذي بذله لتهذيب النفس البشرية من جميع جوانبها وفي جميع اتجاهاتها وملابساتها . فهذا الدين هو الذي يجعل أقصى الثناء على نبيه ـ، صلى الله عليه وسلم ـ أن يقول : "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ "(4 القلم) . فالخلق هو الدعامة الأولى لبناء المجتمع المتماسك الركين , ولاتصال الأرض بالسماء , والفناء بالخلود , في ضمير الإنسان الفاني المحدود .
ولم يبخل الإسلام بثقته على الضمير البشري بعد تهذيبه ؛ فأقامه حارساً على التشريعات ينفذها ويرعاها ؛ وجعل تنفيذ الكثير منها في ضمانته ؛ فالشهادة هي أساس إقامة الحدود في أحوال كثيرة , وفي لإثبات الحقوق كذلك . والشهادة مسألة مردها إلى الضمير الفردي , وإلى رقابة الله على هذا الضمير : "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"(4النور) .." وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6)"النور .. وحتى عندما يأمر بالكتابة يجعل الشهادة واجبة : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى "(282البقرة) .
والشهادة واجب وتكليف في البدء : "وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا"(282البقرة) وهي واجب وتكليف عند التقاضي :" وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ"(283البقرة).. وهكذا يمنح الثقة للضمير البشري في الحدود التي قد تصل إلى الجلد والرجم , وفي الحقوق المالية على السواء . وهي ثقة لابد منها لتكريم الإنسان ورفعه إلى مستواه المرموق المطلوب .
ولكن الإسلام لم يدع هذا الضمير لذاته , وهو ينوط به هذه الشؤون الخطيرة , ويقيمه حارساً على تنفيذ التشريع والتكليف , ويدعوه إلى السمو فوق ما يوجبه التشريع والتكليف .. لقد أقام عليه رقيباً من خشية الله , وصور له رقابة الله في صور فريدة رائعة مؤثرة :" مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)"(المجادلة).." وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)"(ق) .." فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى"(7طه).
ولقد بشره وانذره , وجعل كل عمل من أعماله محسوبا عليه في الدنيا والآخرة ولا مفر من عاقبته , ولا فكاك من جزائه : "وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)"(الأنبياء) .." إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)" (الزلزلة) .. وهكذا مما يقيم على هذا الضمير رقابة من الخشية والتقوى , ويجعله أداة صالحة لرقابة التنفيذ في كل ما شرع الدين من حدود وتكاليف .
* * *
على هذا الضمير الذي رباه الإسلام , وعلى التشريع الذي جاءت به شريعته . اعتمد في إرساء قواعد العدالة الاجتماعية . وبهذه الوسيلة المزدوجة نجح في إنشاء مجتمع إنساني متوازن متناسق , سنعرض صوراً منه في فصل آت . أما الآن فنكتفي باستعراض نموذج من تلك الطريقة في التشريع والتوجيه , ونختار موضوع الزكاة والدقة لعلاقته القوية بموضوع الكتاب .
فرض الإسلام الزكاة حقاً . في أموال القادرين للمحرومين . حقاً تتقاضاه الدولة المسلمة بحكم الشريعة وبقوة السلطان . ولكن راح يحفز الوجدان على أداء هذا الحق .حتى يجعل أداءه رغبة ذاتية من القادرين على الأداء .
فالزكاة ركن من أركان الإسلام , وضرورة من ضرورات الإيمان : "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4)"(المؤمنون).." تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(3)" (النمل) .
والمشركون الذين لا يؤمنون بالآخرة هم الذين لا يؤدون الزكاة : "وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)"(فصلت) .
وأداء الزكاة وسيلة من وسائل الحصول على رحمة الله : "وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)"(النور).
والنصر من عند الله لمن يؤدون هذا الحق , ويقيمون بواجبهم للمجتمع , فيستحقون التمكين لهم في الأرض :" الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ .. (41)"( الحج) .
والزكاة شريعة إنسانية خالدة تضمنتها أوامر الأنبياء قبل الإسلام ؛ فلا دين بغير هذا الواجب الاجتماعي العريق . يقول عن إسماعيل : "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)"(مريم).. ويقول عن ابراهيم : "وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)"(الأنبياء).
والويل لمن لا يؤدي هذا الواجب المفروض . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ : " من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته , مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان , يطوقه يوم القيامة , ثم يأخذ بلهزمتيه ـ يعني شدقيه ـ يقول أنا مالك , أنا كنزك "(البخاري والنسائي) . وهي صورة مفزعة مروعة مخيفة .
هذه الزكاة حق مفروض بقوة الشريعة , مقدر في المال بحساب معلوم . وبجانبها الصدقة ؛ وهي موكولة لضمير الفرد بلا حساب ؛ وهي وحي الوجدان والشعور , ثمرة التراحم والإخاء اللذين عنى بهما الإسلام كل العناية تحقيقا للترابط الإنساني والتكافل الاجتماعي , عن طريق الشعور الشخصي بالواجب والإحساس النفسي بالرحمة , ليبلغ بذلك هدفين : التهذيب الوجداني العميق , والتضامن الإنساني الوثيق . وإن الإسلام ليجعل هذا التراحم إنسانيا خالصاً لا تقف حدوده عند الإخوة الدينية ؛ فيقول القرآن :" لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)"(الممتحنة).. ويقول الرسول : " ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء "(أبو داود والترمذي) . فيضرب المثل العالي في التراحم الإنساني , الخالص حتى من عصبية الدين .
ثم يخطو الخطوة الكبرى فيشمل بالرحمة كل من تنبض فيه الحياة . قال نبي الإسلام الكريم " بينما رجل يمشي بطريق اشتد به العطش , فوجد بئراً ؛ فنزل فشرب , ثم خرج وإذا بكلب يلهث , ياكل الثرى من العطش ؛ فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني . فنزل البئرفملأ خفه ماء , ثم أمسكه بفيه حتى رقى , فسقى الكلب , فشكر الله له فغفر له " . قالوا يا رسول الله : وإن لنا في البهائم لأجراً ؟ فقال نعم , وفي كل كبد رطبة أجر"( الشيخان) . وقال " دخلت امرأة النار في هرة ربطتها , فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض " (البخاري) .
فالرحمة في الإسلام أساس الإيمان وعلامته , لأنها دليل تأثر الضمير بهذا الدين , وتغلغله فيه .
وعلى هذا الأساس يوجه الإسلام إلى الصدقة والبر , ويحبب في الإنفاق طوعاً واحتساباً , وانتظارا لرضاء الله وعوضه في الدنيا , ولثوابه في الآخرة , واجتناباً لغضبه ونقمته وعذابه .
فالبشرى للمخبتين الطائعين الذين ينفقون من أموالهم لرضاه : "وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35)"(الحج).. وهي صورة مؤثرة في الوجدان حقاً , ويعيد رسمها في مناسبة أخرى فيقول "إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)"( السجدة).
كما يصور الإيثار صورة جميلة رقيقة في نفوس أهل المدينة الذين استقبلوا المهاجرين فآووهم وشاركوهم مالهم وبيوتهم في رحابة صدر وسماحة نفس :" وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)"( الحشر) .
وهي صورة للإنسانية العليا في أجمل صورها وأبدعها . وهناك صورة لا تقل عنها جمالاً ورقة وانعطافاً لجماعة من عباد الله , وتذكر بعض المراجع أنهم علي وزوجه فاطمة بنت الرسول وأهل بيتهما :" (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)"الإنسان .
والصدقة قرض لله مضمون الوفاء : " مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)" الحديد .. "إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)" الحديد..
أو هي تجارة رابحة مجزية :" إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)"فاطر .
على أية حال فهي محلفة وليس خسارة ولا ظلم : " وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)" البقرة.
والجنة والآخرة جزاء كريم للمنفقين : "وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)" آل عمران.
والصدقة تطهير للنفس والمال وقد أمر الرسول أن يأخذ من قوم أذنبوا واعترفوا بذنوبهم قسطا من مالهم ينفق في الخير تطهيرا وتزكية لهم : " وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)" التوبة .
والإنفاق يتسق مع الوفاء بعهد الله والخشية منه و الخوف من سوء الحساب ؛ ويدل على العقل والتبصر . والكف عنه قطع لما أمر الله به أن يوصل ؛ ونوع من نقض العهد والإفساد في الأرض : " الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)" الرعد .
والامتناع عن الإنفاق في سبيل الله هلكة : " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ..َ (195)"البقرة . التهلكة الفردية بتعريض النفس للعذاب في الآخرة من الله , والنقمة في الدنيا من الناس ؛ والتهلكة الجماعية بما يشيعه عدم الإنفاق في المجتمع من تفاوت وظلم , وفتن وأحقاد وضعف وانحلال .
ومنع الخير اعتداء : " أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25)"ق.. "وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)"القلم .. معتد على حق الله وحق الجماعة , وحق نفسه كعضو في الجماعة .
والبر يؤدي إلى الجنة ويجتاز بالبار العقبة إليها .والعقبة هي فك الرقاب , وإطعام الطعام يوم الجوع والمتربة : "وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)" البلد.
والكف عن البر يؤدي إلى النار , ويسلك صاحبه مع الكفار : "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)" المدثر .." وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ .. (180)" آل عمران .." وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)"التوبة .
* * *
وليس الكنز هنا هو مجرد الامتناع عن الزكاة , فالصدقة والإنفاق كثيراً ما يذكران بعد و قبل ذكر الزكاة , مما يدل على أن الزكاة شيء مفروض محدد , والصدقة والإنفاق مطلقان غير محددين بنصاب .. عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا بن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك , وإن تمسكه شر لك " (1)(مسلم والترمذي) . وعن بلال ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ : " ما رزقت فلا تخبأ , وما سئلت فلا تمنع .فقلت : يا رسول الله وكيف لي بذلك ؟ قال هو ذاك أو النار "(2)رواه الطبراني في الكبير وأبو الشيخ بن حبان في كتاب الثواب والحاكم وقال صحيح الإسناد.
لا بل إن العقاب قد يحل بالباخلين في الدنيا جزاء ما بخلوا ومنعوا الخير ؛ ويضرب القرآن الكريم مثلا في قصة قصيرة , وقصة جماعة كانت لهم حديقة يُطعمون من ثمرها الفقراء , ثم خطر لهم أن يبخلوا ويمنعوا , فدارت الدائرة على الحديقة , وذهب الله بثمرها فأصبحوا نادمين : " إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) "القلم .
لذلك يدعوا القرآن الناس للبذل قبل فوات الأوان :" قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)" ابراهيم .. " وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)" المنافقون .
ويحذرهم الشح ليقوا أنفسهم منه , فلا يدفعهم حرصهم على الأموال والأولاد إليه,
فإنما هذه فتنة لهم واختبار : " إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)" التغابن .
والنبي يوجب الصدقة على كل مسلم ولو كان لا يجد , وتفسير ذلك قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "على كل مسلم صدقة . قالوا فإن لم يجد ؟ قال فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق .قالوا : فإن لم يستطع أن يفعل ؟ قال يعين ذا الحاجة الملهوف . قالوا : فإن لم يفعل ؟ قال فيمسك عن الشر فإنه له صدقة " (3)الشيخان واللفظ للبخاري .. وهكذا يستوي الناس جميعا في البذل , كل بقدر ما يملك , وكل بقدر ما يستطيع .
* * *
وأبواب الإنفاق تدور مع الحاجة ومواضعها ؛ فالأقربون أولى بالمعروف ؛ ولكن سواهم موصولون بهم يذكرون في معرض الحض على البر جنبا لجنب مع الأقربين ؛ فالبر عاطفة إنسانية قبل أن تكون وجدانا قرابة وذكر البر موصول غالباً بذكر الإيمان , إذا كان دليل الإيمان كما أسلفنا : " وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37)" النساء.. "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)" البقرة .
وهكذا يتصل الجار والصاحب بالوالدين والأقربين . كما يتصل بالجميع اليتامى والمساكين وابن السبيل . كلهم سواء , حتى الذين تقع منهم مساءة , كالتي وقعت من " مسطح" قريب أبو بكر , الذي اشترك في حديث الإفك ابنة أبي بكر , عائشة زوج النبي . فإن الإسلام يدعو للصفح عنهم , وينهي عن حرمانهم . فلما حلف أبو بكر وهو في ثورة غضبه على عرضه المنهوك كذباً أن يحرم مسطحاً ما كان يبره به , نزلت الآية : "وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)" النور ؟
وهكذا يرتفع بالشعور الإنساني في هذا المجال إلى مستوى رفيع كريم , تشرف به الإنسانية في أعصارها جميعا ؛ وتفخر به في الماضي والحاضر والمستقبل إلى ما شاء الله .
ثم يرتفع بالبر ذاته , فيجعله برا بالله سبحانه , ويرسم له هذه الصورة المبدعة , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ :" إن الله عز وجل يقول يوم القيامة : يابن آدم مرضت فلم تعدني ظ قال يا رب يف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده ؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني ! قال يارب : وكيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ يابن آدم استسقيتك فلم تقني ! قال يارب كيف أسقيك وانت رب العالمين ؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه . أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي "رواه مسلم.
ثم يجعل للصدقة آداباً ترفعها عن أن تكون تفضلاً واستعلاء من الواجد على المحروم , أو أن تكون رياء صادراً عن شعور غير كريم ؛ لأن الصدقة إن هبطت دوافعها , أو تبعها المن على آخذها , استحالت عملاً خسيساً يؤذي النفس والخلق والضمير , ويؤذي المجتمع كذلك في أفراده وفي روابطه . وليس كالمن بالإحسان شيء يمض النفس ويذلها , أو يصرفها عن قبول الإحسان ؛ وليس كالرياء بالصدقة مفسد للضمير حقير في عرف الأخلاق . والإسلام يعمل على رفع نفوس المعطين والآخذين جميعاً ؛ ويحرص على ذلك حرصا شديداً : "مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) "البقرة .
ولهذا يستحسن إخفاء الصدقة ودفعها سرا للمعوزين . حفظا لكرامتهم من جهة ؛ ومنعاً للإختيال والفخر من جهة أخرى : "إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ .. (271) "البقرة .. ويتحدث النبي صلى الله عليه وسلم ـ مثنياً على الرجل" تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" وهو تصوير بارع جميل لكتمان البر واحتسابه في غير مفخرة ولا إعلان .
* * *
والإسلام يقدر غريزة حب الذات وحب المال ؛ ويقرر أن الشح حاضر في النفس الإنسانية لا يغيب : "وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ"128 النساء فيعالج هذا كله علاجاً نفسياً بما تقدم من الترغيب والتحذير والحض والتصوير , حتى ليتم له ما يريد وحتى ليطلب إلى هذه النفس الشحيحة أن تجود بما هو حبيب إليها عزيز عليها :" لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ .. (92)"آل عمران .. فتستجيب إليه , وتتلمس الطيب تجود به , وبذلك يصل إلى غاية البذل وأصعب الجود وأكرم العطاء , والنابع من أعماق الشعور ؛ ويرفع الإنسان على نفسه ؛ ويغلب جانب التسامي فيه على جانب الضرورة , وجانب الوجدان على جانب الغريزة ؛ وذلك في ذاته هدف إنساني رفيع يستحق الجهد فيه , فكيف وهو هدف اجتماعي , لإيجاد التوازن , ومكافحة الحرمان , وتحقيق التكامل بين القادرين والعاجزين , وتكوين مجتمع متناسق متعاون سليم .
* * *
على هذا النهج ـ الذي توسعنا في عرض نموذج يسير الإسلام , فيهتم بالإقناع الوجداني كلما شرع تكليفاً ؛ ويقف بالتكاليف عند الحد الضروري لسلامة المجتمع , وفي حدود الطاقة العامة لجماهير الناس ؛ ثم يخاطب الوجدان للإقناع بالتكليف , وللسمو فوقه ما استطاع ؛ ليرتفع بالحياة الإنسانية ويجذبها دائماً بخيط الصعود ؛ ويدع المجال فسيحاً بين الحد الأدنى المطلوب والحد الأعلى المرغوب , وتتسابق الأفراد والأجيال , على مدى الأزمان والقرون .
وعلى هذا النهج قد سار في تحقيق العدالة الاجتماعية .. وفي الفصلين التاليين من هذا الكتاب حديث مفصل عن "سياسة الحكم " و "سياسة المال" وفيهما يتجلى اعتماد الإسلام على وسيلتيه الأساسيتين : التشريع والتوجيه في تحقيق العدالة الكبرى في كل حقل من حقول الحياة .
ولقد آتى هذا النهج ثمراته كاملة في فجر الإسلام وظل يؤتيها في فترات القرون الأربعة عشر التي تلت . وإنه لقادر على أن يعيدها في الحاضر والمستقبل , حين يُفهم على حقيقته , وحين يوجه وجهته , وحين يسلك الناس طريقه الحق القويم .

سياسة الحكم في الإسلام
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب







 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2010, 12:58 AM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

سياسة الحكم في الإسلام
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
كل حديث عن "العدالة الاجتماعية في الإسلام" لابد أن يلم بالحديث عن " سياسة الحكم في الإسلام" تبعا للقاعدة التي أسلفنا عند الحديث على " طبيعة العدالة الاجتماعية " فيه ؛ وأنها تتناول جميع مظاهر الحياة , وجميع ألوان النشاط ؛ وكما تتناول القيم المعنوية والمادية متمازجة متناسقة .
وسياسة الحكم ذات علاقة بهذا كله ؛ فضلاً على المنوط بها في النهاية تنفيذ التشريع ؛ وتعهد المجتمع من كل جوانبه ؛ وتحقيق العدالة والتوازن فيه ؛ وتوزيع المال حسب القواعد التي سنها الإسلام .
والكلام عن " سياسة الحكم" يطول ويحتاج إلى مبحث خاص ؛ ولما كان قصدنا في الكتاب بيان ما يختص بالعدالة الاجتماعية من هذه السياسة , فسنحاول بقدر الإمكان أن نتناول هذا الجانب وحده ؛ وإن كانت الصعوبة في دراسة الإسلام أن الباحث يجد كل جوانبه متماسكة ؛ وليس هناك انعزال بين هذه الجوانب .فهذا الدين كله وحدة : العبادات والمعاملات . سياسة الحكم وسياسة المال . التشريعات والتوجيهات . العقيدة والسلوك . الدنيا والآخرة .. كلها أجزاء منسقة في جهاز متكامل ؛ يصعب إفراد جزء منها بالحديث , دون التطرق إلى بقية الأجزاء . لكن سنحاول بقدر الإمكان !
* * *
بعض من يتحدثون عن النظام الإسلامي ـ سواء النظام الاجتماعي أم نظام الحكم وشكل الحكم ـ يجتهدون في أن يعقدوا الصلات والمشابه بينه وبين أنواع النظم التي عرفتها البشرية قديما وحديثاً , قبل الإسلام وبعده . ويعتقد بعضهم أنه يجد للإسلام سنداً قوياً حين يعقد الصلة بينه وبين نظام آخر من النظم العالمية القديمة أو الحديثة.
إن هذه المحاولة إن هي إلا إحساس داخلي بالهزيمة أمام النظم البشرية التي صاغها البشر لأنفسهم في معزل عن الله . فما يعتز الإسلام بأن يكون بينه وبين هذه النظم مشابه ؛ وما يضيره ألا تكون . فالإسلام يقدم للبشرية نموذجا من النظام المتكامل لا تجد مثله في أي نظام عرفته الأرض , ومن قبل الإسلام ومن بعده سواء . والإسلام لا يحاول ولم يحاول أن يقلد نظاما من النظم , أو أن يعقد بينه وبينها صلة أو مشابهة ؛ بل اختار طريقة متفرداً فذاً وقدم للإنسانية علاجاً كاملاً لمشكلاتها جميعاً .
وقد يحدث في تطور النظم البشرية أن تلتقي بالإسلام تارة , وأن تفترق عنه تارة ولكنه هو نظام مستقل متكامل , لا علاقة له بتلك النظم ؛ ولا حين تلتقي معه , ولا حين تفترق عنه . فهذا الافتراق وذلك الالتقاء عرضيان , وفي أجزاء متفرقة ؛ ولا عبرة بالاتفاق أو الاختلاف في الجزئيات والعرضيات , إنما المعول عليه هو النظرة الأساسية , والتصور الخاص . وللإسلام نظرته الأساسية وتصوره الخاص , وعنه تتفرع الجزئيات , فتلتقي أو تفترق عن جزئيات في النظم الأخرى , ثم يمضي الإسلام في طريقه المتفرد بعد كل اتفاق أو اختلاف .
إن القاعدة التي يقوم عليها النظام الإسلامي تختلف عن القواعد التي تقوم عليها الأنظمة البشرية جميعاً .. إنه يقوم على أساس أن الحاكمية لله وحده . فهو الذي يشرع وحده . وسائر الأنظمة تقوم على أساس أن الحاكمية للإنسان , فهو الذي يشرع لنفسه .. وهما قاعدتان لا تلتقيان . ومن ثم فالنظام الإسلامي لا يلتقي مع أي نظام . ولا يجوز وصفه بغير صفة الإسلام ..
وليست وظيفة الباحث الإسلامي حين يعرض للحديث عن النظام الإسلامي أن يلتمس له المشابه والموافقات مع أي نظام آخر قديم أو حديث , فهذه المشابه والموافقات ـ فضلاً على أنها سطحية وجزئية , ووليدة مصادفات في الجزئيات , لا في التصور العام والنظرة الأساسية ـ لا تكسب الإسلام قوة كما يظن بعض المهزومين ! وطريقهم الصحيح أن يعرضوا أسس دينهم لذاتها , وبإيمان كامل بأنها أسس كاملة , سواء وافقت جميع النظم الأخرى أو خالفتها جميعاً , ومجرد تطلب التأييد لنظم الإسلام من مشابه وموافقات مع النظم الأخرى , هو إحساس بالهزيمة كما قلنا , ولا يقدم عليه باحث مسلم , يعرف هذا الدين حق معرفته , ويبحثه حق بحثه ,
لقد عرف العالم في نشأته وتطوره نظماً عدة . وليس النظام الإسلامي واحداً من هذه النظم . وليس خليطاً منها , وليس مستمداً من مجموعها .. إنما هو نظام قائم بذاته مستقل بفكرته متفرد بوسائله , وعلينا أن نعرضه مستقلاً , لأنه نشأ مستقلاً , وسار في طريقه مستقلاً . لهذه الاعتبارات لم أستسغ تعبير الدكتور هيكل عن العالم الإسلامي بأنه " الإمبراطورية الإسلامية" , ولا قوله : " إن الإسلام إمبراطوري " . فليس أبعد عن فهم روح الإسلام الحقيقة من القول بأنه إمبراطوري , مهما فرقنا بين مدلول الإمبراطورية الإسلامية ومدلول الإمبراطورية المعروف ؛ وليس أبعد من فهم حقيقة الصلات في العالم الإسلامي من القول بأنه إمبراطورية إسلامية !
ومن الغريب أن الدكتور هيكل في حديثه عن حكم الإسلام في "حياة محمد" أو " الصديق أبو بكر" أو " الفاروق عمر" يلمس الخلاف الحقيقي الداخلي بين طبيعة الإسلام , وطبيعة سائر النظم التي عرفها العالم , ولكنه ينساق إلى هذين التعبيرين انسياقا , بحكم قوة إيحاء المظاهر الأجنبية ! ثم تشابه بعض المظاهر بين الإسلام والإمبراطورية . وبحكم أنه لم يلحظ ذلك الافتراق الأصيل بين نظام يقوم على حاكمية الله وحده , ونظام آخر يقوم على حاكمية الإنسان !
ولعل المظهر الشكلي هو تكون العالم الإسلامي من عدة أقاليم متباينة الأجناس والثقافات , ويرجع أمر الحكم فيها إلى مركز واحد . وهذا مظهر الإمبراطورية ! ولكنه مجرد مظهر , والمعول عليه هو طبيعة نظر هذا المركز إلى الأقاليم ؛ وطبيعة العلاقات بينه وبينها .
كل متتبع لروح الإسلام ولطريقته في الحكم , ويجزم بأنها أبعد ما تكون عن الإمبراطوريات المعروفة . فالإسلام يسوي بين المسلمين في جميع أجزاء العالم ؛ وينكر العصبيات الجنسية والقومية والإقليمية. وتبعاً لهذه الروح لا يجعل الأقاليم مستعمرات ولا مواضع استغلال , ولا منابع تصب في المركز لفائدته وحده . فكل إقليم هو بضعة من جسم العالم الإسلامي , ولأهله سائر الحقوق التي لأهل المركز . وإذا كان بعض الأقاليم يحكمها والٍ من قِبَل المركز الإسلامي , فإنما يحكمها بوصفه رجلاً مسلماً صالحاً للولاية , لا بوصفه حاكما مستعمراً ؛ على أن كثيراً من هذه الأقاليم المفتوحة كان يحكمها واحد من أهلها , ولكن بصفته مسلماً صالحاً لهذه الولاية . وكذلك كان ما يجبى من أموال الأقاليم ينفق فيها أولاً ,فإن فضل منه شيء رد إلى بيت مال المسلمين , لينفق على المسلمين كافة عند الحاجة , لا ليخصص لأهل المركز الإسلامي ولو افتقرت الأقاليم , كما هو العهد في الإمبراطوريات .
وكل هذا يجعل المسافة بعيدة بين العالم الإسلامي , أو الأمة الإسلامية بتعبير أدق , وبين الإمبراطورية , ويكون القول بأن الإسلام " إمبراطوري " انزلاقاً مع اصطلاح غريب على روح الإسلام وعلى تاريخه سواء , والأولى أن نقول : إنه كان عالمي النزعة , لما فيه من فكرة قوية عن وحدة العالم , ولما يرمي إليه من ضم البشرية كلها إلى لوائه متساوية متآخية .
لقد كان الدكتور طه حسين أدق في تعبيره وهو يتحدث في مقدمة كتابه " الفتنة الكبرى ـ عثمان " عن نظام الحكم الإسلامي , بالقياس إلى جميع النظم الأخرى , فيرى أنه يختلف في طبيعته الأصيلة عن سائرها؛ فذلك هو الحق عند النظر إلى روح الحكم وطبيعته , لا إلى مظاهره وجزئياته . وإن كان الدكتور طه حسين يجعل تقريره هذا مقدمة لنتيجة أخرى خطيرة وهي أن الإسلام بصورته التي تحقق بها على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم والشيخين بعده إنما كان فلتة في الزمان , لا تملك البشرية أن تزاولها طويلاً !
وهذه هي النغمة التي يجعلها المستشرقون وتلاميذهم في البلاد الإسلامية مقدمة للقول بعدم صلاحية الإسلام لأن يكون نظام حكم في هذه الأيام !
وكذلك لم أستسغ حديث من يتحدثون عن " اشتراكية الإسلام " و " ديمقراطية الإسلام" .. وما إلى ذلك من الخلط بين نظام من صنع الله ـ سبحانه ـ وأنظمة من صنع البشر , تحمل طابع البشر وخصائص البشر من النقص والكمال , والخطأ والصواب , والضعف والقوة , والهوى والحق .. بينما نظام الإسلام رباني بريء من هذه الخصائص , كامل شامل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
إن الإسلام يقدم حلولاً مستقلة لمشكلات الإنسانية , يستمدها من تصوره الخاص , ومن منهجه الذاتي , ومن أسسه الأصيلة , ومن وسائله المتميزة ؛ علينا حين نناقشه ألا نكله إلى مذاهب ونظريات أخرى تفسره , أو تضيف إليه ؛ فهو منهج متكامل , ووحدة متجانسة ؛ وإدخال أي عنصر غريب فيه كفيل بأن يفسده , كالجهاز الدقيق الكامل , أية قطعة غريبة عنه تعطل الجهاز كله وتظهر كأنها رقعة فيه!
وأنا أدلي بهذه الكلمة المجملة هنا , لأن كثيرا ممن اندست في ثقافتهم وأفكارهم قطع غريبة من أجهزة النظم الأجنبية , يحسبون أنهم يكسبون الإسلام قوة جديدة , فإذا هم طعموه بتلك النظم . وهو وهم خاطيء يفسد الإسلام ؛ ويعطل روحه عن العمل ؛ وهو في الوقت ذاته إحساس خفي بالهزيمة , ولو لم يعترفوا صراحة بالهزيمة !
* * *
يقوم النظام الإسلامي على فكرتين أساسيتين مستمدتين من تصوره الكلي للإلوهية والكون والحياة والإنسان : فكرة وحدة الإنسانية في الجنس , والطبيعة , والنشأة وفكرة أن الإسلام هو النظام العالمي العام , الذي لا يقبل الله من أحد نظاماً غيره . لأنه لا يقبل من أحد دينا إلا الإسلام . والدين ـ في المفهوم الإسلامي ـ هو النظام العام الذي يحكم الحياة.
فأما فكرة وحدة الإنسانية جنساً وطبيعة ونشأة , فقد تحدثنا عنها من قبل بالتفصيل عند الكلام على " أسس العدالة الاجتماعية في الإسلام".
وأما فكرة أن الإسلام هو النظام العالمي العام , الذي لا يقبل الله من أحد نظاماً غيره فهي مستمدة من أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو رسول الله إلى الناس كافة , وأنه خاتم النبيين , وأن دينه أقوم دين : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً ..(28)"سبأ "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)"الأنبياء .." .. "رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ .. (40)" الأحزاب..".. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ..(3)" المائدة.." إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ..(9)" الإسراء..
" والدين" في المفهوم الإسلامي هو المرادف لكلمة "النظام" في الاصطلاحات الحديثة ! مع شمول المدلول للعقيدة في الضمير , والخلق في السلوك , والشريعة في المجتمع فكلها داخلة في مفهوم "الدين" في الإسلام . ومن ثم لا يمكن أن يكون هناك نظام يقبله الله ويقره الإسلام , ما لم يكن هذا النظام مستمدا من التصور الإسلامي الاعتقادي, ومتمثلاً في تنظيمات وتشريعات مستمدة من الشريعة الإسلامية دون سواها .. وأهم من هذا كله أن يذعن أصحاب هذا النظام لألوهية الله وربوبيته , فلا يدعون لأنفسهم حق إصدار الشرائع والأنظمة لأن هذا الحق لله وحدة في الإسلام . وهنا يفترق النظام الإسلامي عن كل الأنظمة البشرية الافتراق الأساسي .
ولكن الإسلام مع هذا لا يقسر الآخرين على اعتناقه :" لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ .. (256)" البقرة .. بل يدع لهم أقصى الحرية والحماية في مزاولة شعائرهم الدينية . ويبلغ من دقة حسه بهذه الحرية أن يفرض على المسلمين وحدهم " الزكاة" والجهاد ويأخذ في مقابلها من أهل الذمة "الجزية" إذ هم شركاء في حماية الدولة الإسلامية لهم , وعليهم جميعا نفقاتها , ولكنه لا يجعلها على أهل الذمة "زكاة" ـ كما أنه لا يفرض عليهم الجهاد ـ إلا إذا ارتضوا هم وقبلوا , لأن الزكاة فريضة إسلامية وعبادة خاصة بالمسلمين , وكذلك الجهاد , وهو لا يريد أن يقسر أهل الذمة على عبادة من عبادات المسلمين , فيأخذ المال منهم بصفته المالية وحدها ؛ وينفي عنه الصفة التعبدية الملحوظة في فريضة الزكاة ! كما يعفيهم من الجهاد لحماية دار الإسلام التي يتمتعون بأمنها ورخائها . وهذا منتهى دقة الحساسية بالعدل في معاملة الآخرين .
والإسلام إذ يدع للآخرين حريتهم في هذه الحدود يتأثر بروحه العالمية ؛ وهو على ثقة بأنهم متى أتيح لهم أن ينظروا في الإسلام نظر تدبر وإمعان , دون حيلولة من قوة مادية , أو جهالة فكرية , فإنهم بفطرتهم يفيئون إلى الإسلام الذي يحقق التوازن الكامل بين جميع الأهداف التي رمت إليها الديانات من قبله , وبين جميع النزعات والأشواق في الفطرة البشرية ؛ ويضمن للجميع المساواة المطلقة والتكافل التام ؛ ويرمي إلى تحقيق الوحدة الإنسانية في دائرة التصور ودائرة النظام .
وقيام النظام الإسلامي على هاتين الفكرتين كان ذا أثر في كيانه واتجاهه , جعله يلحظ في التشريعات والتوجيهات , وفي سياسة الحكم , وسياسة المال , وسائر النظم التي تضمنها , أنه لا يشرع لجنس , ولا لجيل ؛ وإنما للأجناس جميعاً , وللأجيال جميعاً؛ فاتبع الأسس الإنسانية الشاملة في تشريعاته ونظمه ؛ ووضع القواعد العامة , والمبادئ الواسعة ؛ وترك الكثير من التطبيقات لتطور الزمان وبروز الحاجات ..
وهذا الاتجاه إلى القواعد الكلية واضح في " سياسة الحكم " التي نعقد لها هذا الفصل بصفة خاصة .
* * *
تقوم نظرية الحكم في الإسلام على أساس شهادة أن لا إله إلا الله . ومتى تقرر أن الألوهية لله وحده بهذه الشهادة تقرر بها أن الحاكمية في حياة البشر لله وحده . والله سبحانه يتولى الحاكمية في حياة البشر عن طريق تصريف أمرهم بمشيئته وقدره من جانب , وعن طريق تنظيم أوضاعهم وحياتهم وحقوقهم وواجباتهم , وعلاقاتهم وارتباطاتهم بشريعته ومنهجه من جانب آخر. وفي النظام الإسلامي لا يشارك الله سبحانه أحد , لا في مشيئته وقدره , ولا في منهجه وشريعته .. و إلا فهو الشرك أو الكفر ! وبناء على هذه القاعدة لا يمكن أن يقوم البشر بوضع أنظمة الحكم وشرائعه وقوانينه من عند أنفسهم ؛ لأن هذا معناه رفض ألوهية الله , وادعاء خصائص الألوهية في الوقت ذاته .. وهذا هو الكفر الصراح .
وفي هذه القاعدة يختلف نظام الحكم الإسلامي في أساسه عن كل الأنظمة التي وضعها البشر سواء في ذلك نظام الحكم أو النظام الاجتماعي كله ـ وهذا هو الذي لا يجعل من المستساغ أن يخلط بين الإسلام وأنظمة البشر في الأسماء !
وتقوم " سياسة الحكم في الإسلام " بعد التسليم بقاعدة الألوهية الواحدة و الحاكمية الواحدة ـ على أساس العدل من الحكام والطاعة من المحكومين , والشورى بين الحاكم والمحكوم ... وهي خطوط أساسية كبيرة , تتفرع منها سائر الخطوط التي ترسم شكل الحكم وصورته . بعد أن ترسم القاعدة السابقة طبيعته وحقيقته :
(أ‌) العدل من الحكام : "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ .. (90)"النحل .. " .. وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ .. (58)النساء ..".. وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ..(152)"الأنعام ..".. وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ ..(8)" المائدة.
" إن أحب الناس إلى يوم القيامة وأقربهم مجلساً: إمام عادل ؛ وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذاباً إمام جائر "(1).
فهو العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه الحب والبغض ؛ ولا تغير قواعده المودة والشنآن .
العدل الذي لا يتأثر بالقرابة بين الأفراد , ولا بالتباغض بين الأقوام , فيتمتع به أفراد الأمة الإسلامية جميعاً , لا يفرق بينهم حسب ولا نسب , ولا مال ولا جاه ؛ كما تتمتع به الأقوام الأخرى , ولو كان بينها وبين المسلمين شنآن , وتلك قمة العدل لا يبلغها أي قانون دولي إلى هذه اللحظة , ولا أي قانون داخلي . بل لا يقاربها كذلك !
والذين يمارون في هذا عليهم أن يراجعوا عدالة الأقوياء والضعفاء بين الأمم ؛ وعدالة المتحاربين بعضهم بالقياس إلى بعض . ثم عليهم أن يراجعوا عدالة البيض للحمر والسود في الولايات المتحدة ؛ وعدالة البيض للملونين في جنوب إفريقية ؛ وعدالة الشيوعيين والوثنيين والصليبيين للمسلمين في روسيا والصين ويوغسلافيا والهند والحبشة (2) وفي الإشارة ما يغني . فهي أحوال معاصرة يعلمها كل إنسان .
والمهم في عدالة الإسلام أنها لم تكن مجرد نظريات ؛ بل أخذت طريقها إلى واقع الحياة , فحفظ "الواقع التاريخي" منها أمثلة متواترة , وسيأتي تفصيلها في موضعها الخاص إذ نحن هنا بصدد عرض " المبادئ" الإسلامية مجردة كما تدل عليه النصوص .
(ب‌) والطاعة للمحكومين : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ .. (59)" النساء . وللجمع في الآية بين الله والرسول وأولي الأمر معناه في بيان طبيعة هذه الطاعة وحدودها ؛ فالطاعة لولي الأمر مستمدة من طاعة الله والرسول , ولأن ولي الأمر في الإسلام لا يطاع لذاته . وإنما يطاع لإذعانه هو لسلطان الله وحده واعترافه له بالحاكمية , ثم لقيامه على شريعة الله ورسوله . ومن اعترافه بحاكمية الله وحده , ثم تنفيذه لهذه الشريعة يستمد حق الطاعة , فإذا انحرف عن هذه أو تلك سقطت طاعته , ولم يجب لأمره النفاذ . يقول صاحب الرسالة ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية , فإذا أمر بمعصية , فلا سمع ولا طاعة"(3) . ويقول : " اسمعوا وأطيعوا ـ وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ـ ما أقام فيكم كتاب الله تعالى"(4) . وواضح في هذا الحديث توقيت السمع والطاعة بإقامة كتاب الله تعالى . فليست الطاعة المطلقة لأوامر الحاكم , وليست هي الطاعة الدائمة ولو ترك شريعة الله ورسوله .
ويجب أن نفرق بين قيام الحاكم بتنفيذ الشريعة الدينية , وبين استمداده السلطان من صفة دينية لشخصه . فليست للحاكم سلطة دينية يتلقاها مباشرة من السماء , كما كان لبعض الحكام في القديم في نوع الحكم المسمى " ثيوقراطية" إنما هو يصبح حاكماً باختيار المسلمين الكامل وحريتهم المطلقة . ولا يقيدهم عهد من حاكم قبله , ولا وراثة كذلك في أسرة ثم يستمد سلطته بعد ذلك من قيامه بتنفيذ شريعة الله دون أن يدعي لنفسه حق التشريع ابتداء بسلطان ذاتي له . فإذا لم يرضه المسلمون لم تقم له ولاية ؛ وإذا رضوه ثم ترك شريعة الله لم تكن له طاعة .
ومن هنا ندرك حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أنه لم يعين خليفة من بعده . إذا كان هذا مظنة أن يستمد خليفته سلطة دينية ذاتية من استخلاف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ له .
إن الإسلام لا يعرف هيئة "دينية" مثل "هيئة الإكليروس" في الكنيسة المسيحية . والحكم الإسلامي ليس هو الذي تقوم به هيئة معينة ؛ ولكنه كل حكم تنفذ فيه الشريعة الإسلامية إقرارا من الحاكم بأن الحاكمية لله وحده , وأن مهمته هو لا تتعدى تنفيذ الشريعة فإذا كان معنى "الحكومة الدينية" في أي ديانة أو طائفة معينة هي التي تتولى الحكم , فإن هذا المعنى ينتفي في الإسلام انتفاء كاملاً ؛ وليس هناك مبرر لأن يفهم أحد أن الحكم في الإسلام يحتاج إلى أكثر من تنفيذ الشريعة الإسلامية , بعد إفراد الله سبحانه بحق الحاكمية .
كل حكم يقوم على قاعدة أن الحاكمية لله وحده , ثم تنفذ فيه الشريعة الإسلامية ,هو حكم إسلامي . وكل حكم لا يقوم على أساس,إفراد الله سبحانه بالحاكمية , ولا تنفذ فيه هذه الشريعة , لا يعترف به الإسلام , ولو قامت عليه هيئة دينية , أو حمل عنواناً إسلامياً ! والطاعة من المحكومين منوطة وموقوتة فقط باعتراف الحاكم بان الحكم لله وحده , ثم تنفيذه لشريعة الله : بلا شرط غير العدل في الحكم وطاعة الله .
(ج) والمشورة بين الحكام والمحكومين :".. وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ .. (159)"آل عمران..".. وَأَمْرُهُمْ شُورَى .. (38)"الشورى.. فالشورى أصل من أصول الحياة في الإسلام , وهي أوسع مدى من دائرة الحكم , لأنها قاعدة حياة الأمة المسلمة كما تدل عليها الآية أما طريقة الشورى , فلم يحدد لها نظاماً خاصاً , وتطبيقها إذن متروك للظروف والمقتضيات . فقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستشير المسلمين ـ فيما لم يرد فيه وحي ـ ويأخذ برأيهم فيما هم أعرف به من شؤون دنياهم ، كمواقع الحرب وخططها .. سمع لرأيهم في غزوة بدر , فنزل على ماء بدر بعد أن كان قد نزل على مبعدة منه , وسمع لرأيهم في حفر الخندق وسمع لهم في الأسرى مخالفاً رأي عمر , حتى نزل الوحي بتأييد عمر .. أما ما كان فيه وحي , فلا مجال فيه للشورى بطبيعة الحال , فهو مقرر من مقررات الدين .
وكذلك سار الخلفاء في استشارة المسلمين : استشار أبو بكر في شأن مانعي الزكاة وأنفذ رأيه في محاربتهم ؛ وكان عمر يعارض أولاً؛ ولكنه فاء إلى رأي أبي بكر اقتناعاً به , بعد ما فتح الله قلبه له , وهو يرى أبا بكر يصر عليه ؛ واستشار أهل مكة في حرب الشام على رغم معارضة عمر . واستشار عمر في دخول الأرض الموبوءة وانتهى إلى رأي . ثم وجد نصا من السنة يؤيده فالتزمه ... وهكذا كانت الشورى لا على نظام مقرر مرسوم ؛ لأن الظروف الواقعية كانت تعين أهل الشورى في كل فترة بحيث لا يلتبس الأمر في شأنهم . ولكن عمومية الأمر تدع المجال مفتوحاً لأشكال متعددة من النظم والطرق لا يحددها الإسلام , اكتفاء بتقرير المبدأ العام .
على أن الحركة الإسلامية في فترة تعين هي بطبيعتها أهل الشورى من أهل البلاء والسبق والرأي ؛ في يسر لا تعرفه الأنظمة البشرية .(5)
* * *
ليس للحاكم إذن ـ فيما عدا الطاعة لأمره , والنصح له والمعونة على إقامة الشريعة ـ حقوق أخرى ليست لأي فرد من عامة المسلمين .
ومع أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن حاكماً فحسب ، بل كان صاحب الشريعة , فقد سن للحاكم حدوده في دائرة ما يمنحه الإسلام من حقوق ؛ وسار خلفاؤه على هداه ـ كما سيجيء في فصل الواقع التاريخي ـ فكان يقص من نفسه إلا أن يعفو صاحب الحق عنه ؛ وجاءه صاحب دين فأغلظ عليه , فهم المسلمون به فأشار عليهم أن يدَّعوه ,لأن لصاحب الحق مقالاً ! وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" لا يحل لي من غنائمكم هذه إلا الخمس , والخمس مردود عليكم "(6).
وقال لعشيرته وأهله القربين : " يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً . يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً . يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً . ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً . ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي , لا أغني عنك من الله شيئاً"(7).
وقال لعلي وفاطمة , لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تلوي بطونهم من الجوع"وقال لهما في مرة : " لا أخدمكما وادع أهل الصفة تطوى"(8) . وقال "إن بني إسرائيل كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه , وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه. لو كانت فاطمة لقطعت يدها"(9) .
فليس للحاكم إذن حق زائد في الحدود , ولا في الأموال ؛ وليس لأهله حق فيها غير ما لرجل من عامة المسلمين .
وليس للحاكم أن يعتدي على أرواح الناس وأجسادهم , ولا حرماتهم أو أموالهم . فإذا هو أقام الحدود , ونفذ الفرائض , فقد انتهى إلى آخر حدوده ؛ وانقطعت سلطته على الناس , وعصمهم الله من سلطانه : أرواحاً وأجساداً وحرمات وأموالاً....
ولقد ضمن الإسلام , في أوامر صريحة عامة , تلك الأرواح والأجساد والحرمات والأموال , بصورة لا تدع مجالاً للشك في مدى حرصه على ضمانة الأمن والسلام والكرامة للجميع :
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا .. (27)" النور.." وَلَا تَجَسَّسُوا"12الحجرات: والحديث " كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله"(10) .. والنفس بالنفس .. والجروح قصاص.
* * *
وحين يضيق الإسلام سلطة الإمام فيما يختص بشخصه , يوسع له إلى أقصى الحدود في رعاية المصالح المرسلة للجماعة , تلك المصالح التي لم يرد فيها نص والتي تتجدد بتجدد الزمان والأحوال . فالقاعدة العامة : أن للإمام المسلم القائم على شريعة الله أن يحدث من الأقضية بقدر ما يجد من مشكلات , تنفيذاً لقوله تعالى : " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ "78 الحج .. وتحقيقا لأهداف الدين العامة , في إصلاح حال الفرد وحال الجماعة , وحال الإنسانية كلها , في حدود المبادئ المقررة في الإسلام , وبشرط العدل الذي يجب توافره في الإمام .
فكل ما يوقع بالأمة ضررا من أي نوع , على الأمام أن يزيله ؛ وكل ما يحقق للأمة نفعاً من أي نوع ,عليه أن يقوم به , على ألا يخالف نصاً من نصوص الدين . وهي سلطات واسعة تتناول جوانب الحياة كلها . وتحقيق العدالة الاجتماعية بكل ملابساتها داخل هذه السلطات . فله أن يتجاوز في الناحية المالية مثلاً , فريضة الزكاة إلى ضرائب أخرى يتحقق بها التعادل والتوازن , وتزول بها الأحقاد والضغائن ؛ وترتفع بها عن الأمة مضار الترف , مضار الشظف , ومضار احتباس المال في أيدي قلة من الناس , ولكن دون أن يخل بنص أو بقاعدة أساسية من قواعد الحياة الإسلامية . فليس له أن يُحفى الناس , فيأخذ كل مالهم ويدعهم فقراء ؛ أو يجعل موارد رزقهم كلها في يديه يستذل أعناقهم بها ويجعلهم عبيداً له ؛ ويفقدهم القدرة على أن يقوموا بواجبهم في النصيحة الحرة والرقابة الواعية , وتغيير المنكر أياً كان مصدره . فإن هذا كله لا يتأتى للأفراد قط ما لم تكن لهم موارد رزق خاصة لا يتحكم فيها الأمام والولاة . فالذي يملك موارد الرزق تذل له رقاب العباد !
والواقع التاريخي في حياة الأمة الإسلامية قد حوى نماذج كثيرة من رعاية المصالح المرسلة ـ دون إخلال بقواعد الحياة الإسلامية التي أشرنا إليها ـ وهناك تطبيقات مستطاعة في كل وقت , فالإسلام ليس نظاما متحجراً ؛ وتطبيقاته التفصيلية لا تقف عند عصر من العصور , ولا بيئة من البيئات . وكل ما يريد الإسلام تثبيته هو القواعد الأساسية التي تحدد ملامحه الربانية , وتحفظ المجتمع المسلم من الذوبان في المجتمعات الجاهلية , أو تحرمه القدرة على قيادة هذه المجتمعات التي لقيادتها .
* * *
وبعد فهذا حديث عن الناحية "الرسمية" في "سياسة الحكم في الإسلام" ووراءها ناحية"التطوع"التي يتجاوز بها "التوجيه" ما يفرضه "التشريع" على طريقة الإسلام في كل تكاليفه ونظمه .
فسياسة الحكم في الإسلام تقوم على أساس من الضمير , فوق قيامها على أساس من التشريع . وتقوم على أساس أن الله حاضر في كل لحظة مع الحاكم والمحكوم , رقيب على هذا وذاك : "ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة"(11). " وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)" البقرة..
فالراعي والرعية مطالبان كلاهما برعاية الله في كل تصرف , وخشية الله هي الضمانة الأخيرة في تحقيق العدالة . وقد مر بنا أن الإسلام ينوط بالضمير البشري بعد تهذيبه أموراً كباراً في الحدود وفي الأموال فإذا لم تكن خشية الله في هذا الضمير البشري بعد تهذيبه أموراً كباراً في الحدود والأموال . فإذا لم تكن خشية الله في هذا الضمير , فلا ضمان , لأن التشريع يمكن الاحتيال عليه والتستر دونه , وغش الحاكم والقاضي والناس.
ولا يفهم من هذا أن النظام الإسلامي الاجتماعي قائم على هذا الضمير وحده.
ولكن الذي ينبغي أن يفهم هو أن في الإسلام ضمانة أخرى غير مجرد التشريع . وهي تحسب له ـ من ناحية القدرة على التحقق ـ ميزة على النظم التي تعتمد على التشريع وحده , بلا تحرج من ضمير , ولا حساسية في الشعور.
وسنرى فيما بعد أن هذا الضمير الذي رباه الإسلام هذبه , وقام بأدوار خطيرة , وجاء بما يشبه المعجزات والخوارق في حياة المسلمين على مر العصور .

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشيخان والترمذي
(2) (تراجع فصول "المسلمون متعصبون في كتاب دراسات إسلامية")
(3) الشيخان
(4) البخاري
(5)تفصيل هذا الإجمال في فصل :"مجتمع شورى" في كتاب: "نحو مجتمع إسلامي".
(6)أبو داود والنسائي
(7)متفق عليه
(8)حديث رقم 596من المسند نشر الأستاذ أحمد محمد شاكر.
(9) رواه الجماعة
(10) الشيخان
(11) الشيخان
سياسة المال في الإسلام
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب







 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2010, 01:00 AM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

سياسة المال في الإسلام
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
لعل الحديث عن سياسة المال هو أدخل شيء في الحديث عن " العدالة الاجتماعية". ولعل الكثيرين من الفقراء استبطأوا موعده في هذا الكتاب , وهم يقرأون الفصول الأولى منه إلى هذا الموضع. ولكني كنت أتعمد هذا الإبطاء به تعمداً ؛ فالعدالة الاجتماعية في الإسلام شيء أكبر من سياسة المال ـ كما عرفنا ـ وكان من الواجب أن نكشف عن نظرة الإسلام الكاملة إلى هذه العدالة . وأن نستعرض طبيعتها وأسسها ووسائلها في محيطها الواسع , قبل أن نستعرضها في مجال المال وحده , كما تصنع المباديء المادية ,التي ترخص من قيم الحياة كلها عدا قيمة المال .
والإسلام يسير في "سياسة المال" على هدى نظريته العامة , وفكرته الشاملة ؛ يلاحظ أولا في هذه السياسة ـ سياسة المال ـ تحقيق معنى العبودية لله وحده , بأن يخضع تداول المال لشرع الله . وهذا الشرع يحقق مصلحة الفرد ويحقق مصلحة الجماعة , ويقف بين ذلك قواماً لا يضار الفرد ولا يضار الجماعة ؛ ولا يقف في وجه الفطرة , ولا يعوق سنن الحياة الأصيلة , وغاياتها العليا البعيدة .
وهو يتبع في تحقيق هذه السياسة وسيلتيه الأساسيتين : التشريع والتوجيه . فيبلغ بالتشريع الأهداف العملية الكفيلة بتكوين مجتمع صالح قابل للرقي والنماء , ويرمي بالتوجيه إلى التسامي على الضرورات , والتطلع إلى حياة أرفع , والرقي بالحياة إلى عالم المثل , الذي لا يملك الجميع أن يرتفعوا إليه في جميع الأحوال , ويدع الباب دائما مفتوحاً للرقي والكمال .
ونضرب هنا مثالاً واحداً بشأن المال , قبل أن نتحدث بالتفصيل عن "سياسة المال" .
لقد جعل الإسلام حق المال هو الزكاة , وهو ما يقاتل الإمام الناس إن امتنعوا عنه , وما يفرضه عليهم بحق التشريع , وبقدر معين معلوم ثم جعل للإمام الحق في أن يأخذ بعد الزكاة ما يمنع به الضرر , ويرفع به الحرج , ويصون به المصلحة لجماعة المسلمين ؛ وهو حق كحق الزكاة , عند الحاجة إليه , موكول إلى مصلحة الأمة وعدالة الإمام , وقواعد النظام الإسلامي العام .
هذا في حدود التشريع , أما التوجيه فقد حبب إلى الناس أن ينسلخوا من كل مالهم وينفقوه كله في سبيل الله فهذا أبو ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ يروي عن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوماً نحو أُحد وأنا معه , فقال : " يا أبا ذر" فقلت : لبيك يا رسول الله . فقال : الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة , إلا من قال كذا وكذا ـ عن يمينه وشماله وقدامه وخلفه ـ وقليل ما هم " .ثم قال " يا أبا ذر" فقلت نعم يا رسول الله بأبي أنت وأمي . قال : " ما يسرني أن لي مثل جبل أحد , أنفقه في سبيل الله , أموت وأترك منه قيراطين . قلت أو قنطارين يا رسول الله . قال : " بل قيراطين " ثم قال : "يا أبا ذر, أنت تريد الأكثر وأنا أريد الأقل"(1).
* * *
ذلك هو التشريع, وهذا هو التوجيه . هما معاً قوام " سياسة" المال" كما أنهما قوام كل سياسة في الإسلام .
وبعد فلنأخذ في التفصيل والبيان.
الملكـية الفـردية
حق الملكية الفردية :
يقرر الإسلام حق الملكية الفردية للمال ـ بوسائل التملك المشروعة التي سيرد بيانها بعد قليل ـ ويجعلها هي قاعدة نظامه ـ ويرتب على هذا التقرير نتائجه الطبيعية في حفظ هذا الحق لصاحبه وصيانته له عن السرقة أو النهب أو السلب أو الاختلاس بأية طريقة من الطرق ؛ أو المصادرة بدون ضرورة عامة مع التعويض المجزي الذي لا غبن فيه ويضع الحدود الرادعة لكفالة هذا كله . فوق ما يضع من التوجيهات التهذيبية لكف النفوس عن التطلع إلى ما ليس لها وما هو داخل في ملك الآخرين , كما يرتب عليه نتائجه الأخرى , وهي حق التصرف في المال بالبيع والإجارة والرهن والتصرف والهبة والوصية ... إلى آخر حقوق التصرف الحلال وفي نطاق الحدود التي سنها للتصرفات . ولا شبهة في تقرير هذا الحق الواضح الصريح في الإسلام ولا شبهة كذلك في أنه قاعدة الحياة الإسلامية وقاعدة الاقتصاد الإسلامي . القاعدة التي لا تخالف إلا لضرورة . وبقدر هذه الضرورة :".. لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ .. "(32 النساء) .." وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ .."( النساء 2) .." وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ .. "( الكهف 82) .. وقد جاء في الحديث : من قتل دون ماله فهو شهيد "(2).
وعقوبة السرقة الصارمة دليل على احترام هذا الحق وصيانته , ومنع الاعتداء عليه :" وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ .." (المائدة 38) .
أما الغصب فهو محرم ملعون من يجترحه . قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :" من ظلم من الأرض شيئاً طوقه من سبع أرضين "(2) .. " من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقى الله عز وجل وهو عليه غضبان"(3) .
وكحق الملكية حق الإرث والتوريث : "لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ .. "( النساء 7) .." يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .. "( النساء 11) .." يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ .."( النساء 176)" .
وتقرير حق الملكية الفردية يحقق العدالة بين الجهد والجزاء , فوق مسايرته للفطرة , واتفاقه مع الميول الأصيلة في النفس البشرية , تلك الميول التي يحسب الإسلام حسابها في إقامة نظام المجتمع ؛ وفي الوقت ذاته يتفق مع مصلحة الجماعة بإغراء الفرد على بذل أقصى جهد في طوقه لتنمية الحياة . فوق ما يحقق من العزة والكرامة والاستقلال ونمو الشخصية للأفراد بحيث يصلحون أن يكونوا أمناء على هذا الدين ؛ يقفون في وجه المنكر , ويحاسبون الحاكم وينصحونه . دون خوف من انقطاع أرزاقهم لو كانت بين يديه !
فالفرد مخلوق بفطرة حب الخير لذاته : "وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ "( العاديات 8) مفطور على حب الحيازة والضن بما يملك :" قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ.." (الإسراء 100) ..".. وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ .. "( النساء 128) .. مفطور كذلك على حب ذريته والرغبة في أن يورثهم نتاج كده , والمال الذي يدخره لهم إن هو إلا عمل مختزن في صورة مال , يؤثر به الرجل ذريته على متاعه الخاص في حياته . ولا ضير من مجاراة هذه الميول الفطرية , ليبذل الفرد أقصى طاقته , وهو نشيط مقبل على العمل والإنتاج , لأنه يلبي أشواقه وحاجات نفسه ولا يحس أنه مسخر للعمل . ولا يبذل جهده كارهاً ولا يائساً . والجماعة هي التي تفيد بعد ذلك من جهده هذا وكده ؛ والإسلام يضع القواعد التي تتيح للجماعة هذه الفائدة , وتضمن تخفيف الأذى من إطلاق حرية الفرد , وتقرير حق الملكية الفردية له .
والعدالة تقتضي أن يلبي النظام أشواق الفرد ويرضي ميوله ـ في الحدود التي لا تضر الجماعة ـ جزاء ما بذل هذا الفرد من طاقته وجهده , وعرق جبينه , وكدح فكره , وكد أعصابه . والعدل أكبر قواعد الإسلام . والعدالة الاجتماعية لا تكون دائما على حساب الفرد.فهي للفرد , كما هي للجماعة . متى شئنا أن نسلك طريقا وسطاً , ونحقق العدالة في جميع صورها وأشكالها في الحياة.
وفضلاً على هذا كله فإن أحداً لا يجزم بأن تحطيم الحوافز الطبيعية المعقولة ينتج خيراً للفرد أو للجماعة ؛ وسوء الظن بالفطرة هو الذي يعين طريقاً واحدً للعدالة , بتحطيم هذه الحوافز والوقوف في وجهها ؛ كما أن النظريات الخيالية التي لا تعترف بالواقع , هي التي تفترض أن هذه الحوافز يمكن القضاء عليها من الخارج بالنظم والتشريعات في جيل أو عدة أجيال . والإسلام لا يسوء ظنه بالفطرة إلى هذا الحد ؛ كما أنه لا يعمد إلى إقامة بنيانه على الخيال , متجاهلاً كل الواقع العميق !
كذلك يمكن القول بأن احترام الإنسانية يقتضي أن ننظر إليها نظرة أعمق وأكثر إدراكا لعمق طبيعتها , و أصالة فطرتها , وتأصل جذورها , فنكون أكثر تعقلاً , وأشد تحرجاً , وأدق تفكيراً في محاولة توجيهها , وإقامة نظمها , فدلائل ملايين السنين التي عاشتها البشرية لا يجوز أن تذهب سدى , لنفترض نظريات عن ميولها وفطرتها وسلوكها , ثم نطبق هذه النظريات غصبا وقسراً !
أما تقرير حق الإرث والتوريث فقد سبق الحديث عن علته في فصل " التكافل الاجتماعي" وهو يتمشى مع الفطرة التي تحدثنا عنها هنا , كما يتمشى مع العدالة في مستواها الأعلى , ومع مصلحة الجماعة في حدود النظرة الشاملة , التي لا تضع الحواجز بين الجيل والأجيال من بني الإنسان ! وذلك فوق أن وسيلة من وسائل تفتيت الثروة كما سيجيء.
طبيعة الملكية الفردية :
ولكن الإسلام لا يدع حق الملكية الفردية مطلقا بلا قيود ولا حدود ـ كالنظام الرأسمالي ـ فهو يقرره , ويقرر بجواره مباديء أخرى , تجعله أداة لتحقيق مصلحة الجماعة بنفس الدرجة التي تتحقق بها مصلحة الفرد المالك سواء ! وهو يشرعه ويشرع له الحدود والقيود . التي ترسم لصاحبه طرقاً معينة في تنميته وإنفاقه وتداوله .. ومصلحة الجماعة كامنة من وراء هذا كله , ومصلحة الفرد ذاته كذلك , في حدود الأهداف الخلقية التي يقيم الإسلام عيها الحياة .
وأول مبدأ يقرره الإسلام ـ بجوار حق الملكية الفردية ـ أن الفرد أشبه شيء بالوكيل في هذا المال عن الجماعة ؛ وأن حيازته له إنما هي وظيفة أكثر منها امتلاكاً ؛ وأن المال في عمومه إنما هو أصلاً حق للجماعة , والجماعة مستخلفة فيه عن الله , الذي لا مالك لشيء سواه . والملكية الفردية تنشأ من بذل الفرد جهداً خاصاً لحيازة شيء معين من هذه الملكية العامة التي استخلف الله جنس الإنسان .
جاء في القرآن الكريم :" آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ .. "( الحديد 7) .. ولا يحتاج نص الآية إلى تأويل ليؤدي المعنى الذي فهمناه منه , وهو أن المال الذي في أيدي البشر مال الله ؛ وهم فيه خلفاء لا أُصلاء . وفي آية أخرى في صدد المكاتبين من الأرقاء : " وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ .."( النور 33) .. فما يعطونهم هذا المال من ملكهم , ولكنهم يعطونهم من مال الله وهم فيه وسطاء .
وهناك ما هو أصرح من هذا في حقيقة ملكية المال للفردية , بوصفها ملكية التصرف والانتفاع ـ وهذا هو الواقع ؛ فالملكية العينية لا قيمة لها بدون حق التصرف والانتفاع ـ فشرط بقاء هذه الوظيفة هو الصلاحية للتصرف ؛ فإذا سفه التصرف كان للولي أو للجماعة استرداد حق التصرف : " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ .. "(5 النساء) .. فحق التصرف مرهون بالرشد وإحسان القيام بالوظيفة ؛ فإذا لم يحققهما المالك وقفت النتائج الطبيعية للملك وهي حقوق التصرف . ويؤيد هذا المبدأ أن الإمام وريث من لا وريث له . فهو مال الجماعة وظف فيه فرد , فلما انقطع خلفه عاد المال إلى مصدره .
ولست أقرر هذا الأصل لأقرر شيوعية المال ـ فحق الملكية الفردية حق أساسي واضح في النظام الإسلامي ـ ولكني أقرره لما فيه من معنى دقيق مفيد في تكوين فكرة حقيقية عن طبيعة الملكية الفردية , وتقيدها بهذا الأصل العام في نظرة الإسلام إلى المال , واختلافها كلية عن النظرية الرأسمالية في الملكية الفردية . وبلغة أوضح :
أقرر أن شعور الفرد بأنه مجرد موظف في هذا المال الذي في يده والذي هو في أصله ملك للجماعة , ويجعله يتقبل الفروض التي يضعها النظام على عاتقه , والقيود التي يد بها من تصرفاته ؛ كما أن شعور الجماعة بحقها الأصيل في هذا المال , يجعلها أجرأ في فرض الفروض , وسن الحدود ـ دون تجاوز لقواعد النظام الإسلامي التي أشرنا إليها .. وينتهي بهذا إلى قواعد تحقق العدالة الاجتماعية كاملة في الانتفاع بهذا المال .
ومبدأ آخر يقرره الإسلام في ملكية المال , هو كراهيته لأن يحبس في أيدي فئة خاصة من الناس , يتداول بينهم , ولا يجده الآخرون : "..كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ .."(7 الحشر ) . ومعنى هذا أن يؤخذ بعض المال من الأغنياء فيملك بالفعل للفقراء . ولهذا النص قصة تفيدنا هنا في فهم هذا المبدأ الإسلامي العام .
لقد هاجر المهاجرون مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مكة إلى المدينة ؛ فأما الفقراء . فما كان لهم مال ينقلونه معهم ؛ وأما الأغنياء فقد تركوا أموالهم خلفهم , فهم فقراء كالفقراء . ولقد سخت نفوس الأنصار وارتفعت على الشح الفطري الكامن في النفس البشرية ؛ فآخوا المهاجرين في كل شيء يملكون , حتى في أخص خصوصياتهم , طيبة نفوسهم بذلك , سمحة قلوبهم :".. يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ .."( الحشر 9).. وبذلك كانوا نموذجاً رائعاً لما تصنعه العقيدة بالنفوس ؛ وضربوا مثلاً جميلاً للتخلص من ضغط الضرورات والانطلاق إلى أرفع الأشواق .
ولكن الفجوة ظلت واسعة بين أثرياء المدينة , وفقراء المهاجرين ؛ والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرى سماحة الأنصار وسخاءهم , فلا يجد أن به حاجة لأن يطلب إليهم أكثر مما بذلوا , ولا أن يكلفهم رد بعض من أموالهم على المهاجرين , وهم يؤاخونهم في كل ما يملكون .. إلى أن كانت موقعة " بني النضير" التي لم تقع فيها حرب , بل سلمت للنبي صلحاً , فكان فيؤها كله لله وللرسول بخلاف ما يقع فيه الحرب , فتكون أربعة الأخماس للمقاتلين , والخمس وحده لله والرسول . عندئذ رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يعيد لجماعة المسلين شيئاً من التوازن في ملكية المال ؛ فمنح فيء بني النضير للمهاجرين خاصة , عدا رجلين فقيرين من الأنصار , تنطبق عليهما الحكمة التي أوحت إليه بتخصيص هذا الفيء للمهاجرين .
وفي هذه الواقعة يقول القرآن :" مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" (الحشر 8) .
ودلالة هذا التصرف من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا التعليل لذلك التصرف في القرآن , غير خافية ولا حاجة إلى بيان , فهي تقرر مبدأ إسلامياً صريحاً , هو كراهة انحباس الثروة في أيد قليلة في الجماعة ؛ وضرورة تعديل الأوضاع التي تقع فيها هذه الظاهرة بتمليك الفقراء قسطاً من المال . ليكون هناك نوع من التوازن , " كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ" . ذلك أن تضخم المال في جانب وانحساره في الجانب الآخر , مثار مفسدة عظيمة فوق ما يثيره من أحقاد وأضغان .. فحيثما وجدت ثروة فائضة , كانت كالطاقة الحيوية الفائضة في الجسد , لا بد لها من تصريف ؛ وليس من المضمون دائما أن يكون هذا التصريف نظيفاً مأموناً , فلابد أن تأخذ طريقها أحياناً في صورة ترف مفسد للنفس مهلك للجسد , وفي صورة شهوات تقضي , تجد متنفسها في الجانب الآخر المحتاج إلى المال , يصل إليه عن طريق بيع العرض والاتجار فيه , ومن طريق الملق والكذب وفناء الشخصية ؛ لإرضاء شهوات الذين يملكون المال , وتمليق غرورهم وخيلائهم , والمضطر يركب الصعب ؛ وصاحب المال المتضخم لا يعنيه إلا أن يجد متصرفاً للفائض من حيويته , والفائض من ثروته وليست الدعارة وسائر ما يتصل بها من خمر وميسر وتجارة رقيق وقوادة وسقوط مروءة , وضياع شرف .. سوى أعراض لتضخم الثروة في جانب وانحسارها عن الجانب الآخر , وعدم التوازن في المجتمع نتيجة هذه التفاوت .
ذلك عدا أحقاد النفوس وتغير القلوب على ذوي الثراء الفاحش من المحرومين الذين لا يجدون ما ينفقون ؛ فهم إما أن يحقدوا ؛ وإما أن تتهاوى نفوسهم وتتهافت , وتتضاءل قيمهم الذاتية في نظر أنفسهم ؛ فتهون عليهم كرامتهم أمام سطوة المال , ومظاهر الثراء ؛ ويصبحوا قطعاً آدمية حقيرة صغيرة , لا هم لها إلا إرضاء أصحاب الثراء الفاحش والجاه .
.. وهذا ما وقع في النظام الرأسمالي ..
والإسلام على كثرة ما يشيد بالقيم المعنوية , لا يغفل أثر القيم الاقتصادية ؛ ولا يكلف الناس فوق طاقتهم البشرية , مهما تسامى بهم عن الضرورات الأرضية . لذلك كره أن يكون المال دولة بين الأغنياء فحسب وجعل هذا أصلاً من أصول نظريته في سياسة المال . وأوجب رد بعض هذا المال للفقراء ؛ ليكون لهم مورد رزق مملوك لهم , يضمن لهم الكرامة والذاتية , ويجعلهم قادرين على القيام بأمانة هذا الدين في التغيير على المنكر من الحكام والمحكومين سواء .
على أن هناك نوعا من الأموال التي لا يجوز احتجازها للأفراد , عدد الرسول منها ثلاثة : الماء والكلأ والنار: " الناس شركاء في ثلاث : في الماء والكلأ والنار"(4), بوصفها موارد ومرافق عامة ضرورية لحياة الجماعة في البيئة العربية , فالانتفاع بها للجماعة كلها على وجه الشيوع والمشاركة العامة . والضروريات لحياة الجماعة تختلف في بيئة عن بيئة , وفي عصر عن عصر , والقياس ـ وهو أحد أصول التشريع في الإسلام ـ ينفسح لسواها عند التطبيق مما هو في حكمها ـ على ألا يؤثر ذلك في القواعد الأساسية للنظام الإسلامي ؛ ولا يُجرَّد الأفراد جميعاً من ملكياتهم الخاصة ليصبحوا أجراء عند الدولة , فإن الدولة عندئذ تملك استرقاقهم واستذلال رقابهم بأشد مما يملك الأفراد الأثرياء , لأنها تضم قوة المال إلى قوة السلطان !
وهناك جزء من المال هو حق لبعض المحتاجين في الجماعة , وهو المفروض في صورة زكاة : "وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ "( المعارج 25) .. وهو يخرج من ملكية دافعي الزكاة إلى ملكية مستحقي الزكاة :" إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ... "الخ (التوبة 60) وهو حق تأخذه الجماعة ثم ترده مرة أخرى إلى الأفراد المحددين . فتكون وظيفة الجماعة حينئذ هي نقل الملكية الفردية من جهة إلى جهة , ومن يد إلى يد أخرى ..
فخلاصة الحقيقة عن طبيعة الملكية الفردية في الإسلام : أن الأصل هو المال للجماعة في عمومها ؛ وأن الملكية الفردية وظيفة ذات شروط وقيود ؛ وأن بعض المال شائع لا حق لأحد في امتلاكه , ينتفع به الجميع على وجه المشاركة , وأن جزءاً منه كذلك حق يرد إلى الجماعة لترده على فئات معينة فيها , هي في حاجة إليه , لصلاح حالها وحال الجماعة معها .
وسائل التملك الفردي :
ويرتب الإسلام على نظريته هذه لطبيعة الملكية نتائجها المنطقية , فيضع الشروط للتملك , بحيث لا يخرج عن مصلحة الجماعة , ومصلحة الفرد الداخلة في مصلحة الجماعة لا تنفصل عنها أبداً.
فهو يقرر أولا أن الملكية لا تكون إلا بسلطان من الشارع . " فالشارع في الحقيقة هو الذي أعطى الإنسان الملك بترتيبه على السبب الشرعي , ولذا جاء في بعض التعريفات : "إن الملك حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة , يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالشيء وأخذ العوض عنه ".
"وهذا المعنى , وهو الملكية لا تثبت إلا بإثبات الشارع وتقريره , أمر متفق عليه بين فقهاء الإسلام , لأن الحقوق كلها , ومنها حق الملكية لا تثبت إلا بإثبات الشرع لها , وتقريره لأسبابها , فالحق ليس ناشئاً عن طبائع الأشياء , ولكنه ناشيء عن إذن الشارع , وجعله السبب منتجاً لمسببه شرعاً"(5).
ولهذا الحكم قيمته في توضيح نظرية الإسلام في حق الملكية , فهي تمليك من الشارع , لفرد في الجماعة , شيئا خاصاً , لم يكن ليحق له ملكه لولا هذا التمليك , لأن الأصل أن المال مال الله مستخلف فيه بنو الإنسان , وكل إذن بتخصيصه لابد أن يصدر من الشارع حقيقة أو حكماً .
والعمل هو الوسيلة الوحيدة لنيل حق التملك في الإسلام . والعمل بكل أنواعه وألوانه . وفي هذا من العدالة بين الجهد والجزاء ما فيه . ولبيان ذلك نقول : إن وسائل التملك ابتداء للمال التي يعترف بها الإسلام هي :
أولاً : الصيد . وهو الوسيلة البدائية الأولى في حياة البشرية ؛ وإن كانت ما تزال وسيلة للحصول على نوع من المال في الأوساط التي ارتفعت وتحضرت , فصيد السمك واللآلئ والمرجان والإسفنج وما إليها موارد ضخمة من موارد الدول والأفراد . وصيد الطير والحيوان هواية وتجارة ...
ثانياً : إحياء الموات من الأرض التي لا مالك لها , بأي وسيلة من وسائل الإحياء . ولابد من أن يقوم الفرد بإحيائها في ظرف ثلاث سنوات من وضع يده عليها , و إلا سقط حق ملكيته لها , لأن الغرض هو إحياء الموات لتحقيق المصلحة العامة في الاستفادة به , وثلاث سنوات محك كاف لقدرة واضع اليد على الإحياء فإن لم تتبين هذه القدرة عادت الأرض الموات التي لم يكن لها مالك للجماعة , ولا يحتجزها فرد منها : " عادي الأرض لله ورسوله , ثم لكم من بعد , فمن أحيا أرضاً ميتة فهي له ؛ وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين "(6).
والقانون الإسلامي هنا أحكم من القانون الوضعي المستمد من القانون الفرنسي . ففي هذا القانون يكفي " وضع اليد" مدة خمس عشرة سنة , لتصبح الأرض ملكاً لواضع اليد , سواء أحياها أم تركها مواتاً في هذه المدة وفيما بعدها كذلك . فالحكمة هنا منتفية في تقرير حق الملكية , ونظرية " الأمر الواقع" هي وحدها تتحكم , وفرق بين النظرة الإسلامية ونظرة القانون الوضعي كبير!
ثالثاً : استخراج ما في باطن الأرض من المعادن (الركاز) , وهذا العمل يجعل أربعة أخماس ما يستخرج من معدن ملكاً لمن استخرجه , والخمس زكاة , إذ كان هذا الركاز مباحاً يحصل عليه الفرد بجهده وكده . وهنا لا بد من كلمة تقال : فقد كان ما يستخرج من الركاز إلى الوقت الذي شرع فيه هذا الحكم هو من المعادن القليلة الاستعمال , كالذهب والفضة , وهذه ليست من ضروريات الجماعة كلها كالبترول والفحم والحديد , فهل يلحق البترول والفحم والحديد وما في حكمها بالضروريات المشاعة كالماء والكلأ والنار , أم بالركاز الذي كان معروفاً في أوائل عهد الإسلام ؟ نحن نميل إلى رأي المالكية في اعتبار هذه الأنواع ملكاً عاماً , لا تنتقل ملكيته إلى مالك الأرض التي وجد فيها , لأن تملكه للأرض لا يعني تملك ما فيها , إذ ليس لمثلها تملك الأرض وتطلب في العادة .
رابعاً : تصنيع المادة الخامة , لتفي بحاجة حيوية , وتحقق منفعة لم تكن تحققها وهي خامة . أو تحسين وظيفتها بحيث تؤدي منفعة أكبر .. وقيمة العمل ـ بأنواعه ـ واضحة في هذه العملية .
خامساً : التجارة , وتتضمن مراحل متعددة قد يقوم بها كلها فرد واحد أو أفراد متعددون . ولكن الغاية التي تتحقق في النهاية هي نقل الأشياء الخامة أو المصنعة من يد إلى يد مما يزيد الانتفاع بالخامة أو السلعة .
سادساً : العمل بأجر للآخرين . والإسلام يحترم هذا العمل ويعظمه ؛ ويدعوا إلى توفية أجره معجلاً كاملاً غير منقوص .فالقرآن يغري بالعمل , ويجعله معرضاً للأنظار, محلاً للنظر والحكم : " وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ .. "(105 التوبة) .. وفي ذلك إغراء بالتجويد والإتقان , كما أن فيه تعظيماً للعمل يجعله موضع النظر والترقب والتأمل . وفي موضع آخر يحض على السعي والاضطراب في الأرض من أجله :" فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ .. " (الملك 15) .
والرسول الكريم تتوارد أحاديثه تترى عن قداسة العمل : " إن الله يحب العبد المؤمن المحترف "(7) . " ما أكل أحدكم طعاماً قط خيراً من عمل يده"(8).
وعلى أساس هذه النظرة للعمل , يحترم الإسلام حق العامل في الأجر . فهو يدعوا أولاً إلى الوفاء به , وينذر من يجور عليه من أصحاب العمل بحرب من الله وخصومة . قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " قال الله عز وجل : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة : رجل أعطى بي ثم غدر , ورجل باع حراً فأكل ثمنه , ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره "(9). والجمع بين هذه المعاصي الثلاث , وتوحيد الجزاء عليها , ذو دلالة خاصة , فالمعصية الأولى هي خيانة وغدر لذمة الله , والثانية هي جريمة إهدار لإنسانية حر وأكل ثمنه . والثالثة هي أكل عرق الأجير , وهي كأكل ثمن الحر غدر بالإنسانية , وكخيانة العهد بعد الحلف بالله غدر بذمة الخالق . وكل منها يستحق الحرب من الله والخصومة , لشناعتها ووضوح معنى الغدر فيها .
وهو يدعو ثانياً إلى التعجيل بأداء هذا الأجر , فلا يكفي أداؤه كاملاً , بل لابد من أدائه عاجلاً . بقول الرسول الكريم : "أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه "(10).
والإسلام يلحظ في هذا حاجة نفسية وحاجة واقعية في حياة العامل . فأما الحاجة النفسية فهي إشعاره بالعناية والاهتمام , فالسرعة في أداء الأجر تحمل هذا المعنى , فيشعر بأن جهده مقدر وبأن مكانه في المجتمع محسوب . وأما الحاجة الواقعية فلأن العامل غالباً ما يكون محتاجاً لأجره أولاً بأول , يسد به ضرورياته هو وأهله وعياله ؛ وتأخير أدائه يؤذيه ؛ ويحرمه ثمرة جهده وعرقه في أنسب أوقاتها عنده ؛ ويقلل من نشاطه ورغبته في العمل . والإسلام حريص على أن يعمل كل من يستطيع , بأقصى ما يستطيع , متمتعاً بالرضى النفسي والاكتفاء المادي .
ولقد طلب الإسلام إلى العامل في مقابل هذه العناية بحقه أن يقوم هو من جانبه بتجويد العمل وإتقانه . فلكل حق مقابل من الواجب في الإسلام . وذلك طبيعي من ناحية التعادل بين الجهد والجزاء ؛ وطبيعي كذلك من الناحية الخلقية التي يحرص الإسلام على أن تكون أساساً للحياة . فالغش والإهمال في العمل دليل فساد الذمة ونومة الضمير , واللجاج فيهما واعتياد عليهما من شأنه أن يدع تلك الذمة خراباً , هذا الضمير خواء فوق ما يصيب مصالح الجماعة كلها من فساد واضطراب .
ولا ندخل هنا في تفصيلات نسبة أجر العامل . ولا القاعدة التي تقوم عليها . وهل هي الساعات التي تنفق في إنتاج السلعة . أم " الوقت الاجتماعي" كما تقول الماركسية ! فهذه بحوث تفصيلية موضعها الكلام عن " الاقتصاد الإسلامي" في بحوث متخصصة .
سابعاً : الغزو , وينشأ عنه ملكية السلب وهو كل ما مع القتيل المشرك الذي يقتله مسلم :"من قتل قتيلا له عليه بينة فسلبه له"(11) . كما تنشأ عنه ملكية الغنيمة ؛ وأربعة أخماسها للمحاربين , وخمسها لله والرسول : "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ .." (الأنفال 41) .
ثامناً : إقطاع السلطان بعض الأرض التي لا مالك لها , مما آل إلى بيت مال المسلمين, من المشركين الذين لا ورثة لهم , فالإمام وليهم ؛ أو من الأرض الموات لا مالك لها كذلك . وقد أقطع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبا بكر وعمر أرضاً , كما أقطع الخلفاء من بعده , مكافأة على جهد بارز وخدمة للإسلام , ولكن في حدود ضيقة , ومن الأرض التي لا مالك لها والأرض الموات . فلما جاء بنو أمية نهبوا الناس وأقطعوا الأرض لذويهم , فكانوا ملوكاً ظلمة و ولا خلفاء راشدين كما سيجيء .
تاسعاً : الحاجة إلى المال للحياة , فالإسلام شرع صرف أموال الزكاة في وجوه معينة :" إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ .. " (60 التوبة). فكون الإنسان واحداً من هؤلاء يجعله صاحب حق في ملكية نصيب من أموال الزكاة . وبعضهم لا يعمل شيئاً إلا كونه محتاجاً ! فالحاجة هنا بديل اضطراري من العمل الذي يكرمه الإسلام , ويجعله السبب الأول والأخير لنيل الامتلاك .
عاشراً : شتى صور "العمل" التي تتجدد , وتتمثل في بذل جهد عقلي أو عضلي ... تلك هي الأسباب التي اعترف بها الإسلام سبباً للتملك ابتداء , فأما ما عداها فهو ينكره , ولا يعترف به , فالسلب والنهب والغصب والسرقة ووضع اليد لا تسبب ملكاً وكذلك المقامرة فهي حرام :".. إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (المائدة 90)... والمال الذي يأتي عن طريق المحرم محرم , لأن القمار ليس عملاً , وإنما هو ابتزاز , فوق ما يقع من العداوة والبغضاء بين المتقامرين مما يتنافى مع خطة الإسلام الأولى في بث روح المودة والتعاون والإخاء :" إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ .. "(المائدة 91).
وحكمة تلك الأسباب واضحة في اعتمادها كلها على بذل الجهد ؛ فالجهد له جزاء , وهو من مقومات الحياة , وفيه تحقيق لعمارة الأرض , وإفادة المجتمع , وتهذيب النفس , وتطهير الضمير وتصحيح البنية , فليس كالعمل مهذب للروح , مقو للجسد , حافظ لكيان الإنسان كله من عوامل الترهل والكسل والخمول .
وما دام العمل ـ بشتى صورة ـ هو سبب التملك , فتقرير حق الملكية الفردية في الحدود التي بينا لا يضار به أحد , بل يصبح مجالاً لحث الفرد على بذل الجهد , ليرضى رغبته في الإستحواذ , ما دام يعمل في الحدود المشروعة فلا يضار أحداً .فإذا حاد عن هذه الحدود فالطريق إلى العدل هو رده إليها , لا وقفه عن النشاط , وتسويته بالقاعدين والخاملين وضعاف الاستعداد , ولا كفه عن التملك أصلاً بحجة أخذ الطريق على سوء الاستغلال . فسوء الاستغلال له علاجه ويمكن التدخل لكفه بقدر الضرورة .
وتمشيا مع نظرية الإسلام في ملكية المال ابتداء , فإنه يتدخل في طريقة نقل هذه الملكية فلا يدع الحرية فيها مطلقة ؛ ويبدو هذا في نظام الإرث والوصية والبيع وسائر العقود , أما الهبة والهدية فهما وحدهما المعفيان من كل قيد , المتروكة فيهما الحرية لصاحب المال أن يهب من ماله أو يهدي وهو حي كيف شاء ؛ لأن لهما قيداً من داخل النفس , هو أن صاحب المال لا يهب عادة ولا يهدي إلا بعض ماله , فلا ضرر على وارث , كما يقع في الوصية فإذا أسرف كان سيئ التصرف , وتعرض للحجر عليه , أي سلب حق التصرف في ملكيته .
فأما حين ترتفع يده عن المال فينتقل إلى من بعده من الورثة أو الموصى إليهم , فإنما ينتقل حسب نظام موضوع له حكمته وله مبرراته : " فلا وصية لوارث "(12) . ولا وصية في غير الثلث ,وهو الحد الأقصى . وقد شرعت الوصية ـ كما قلنا ـ لتلافي بعض الحالات التي يحرم فيها الإرث أقرباء توجب صلاتهم أن يكون لهم نصيب , ولكن درجتهم تجعل غيرهم من الورثة يحجبونهم عن الميراث , كما أنها بهذا الاعتبار وجه من وجوه البر والصدقة . وينتقل المال بالإرث حسب النظام المبين في آيتي الميراث . ( وقد سبق نصها في فصل التكافل الاجتماعي) .
والمبدأ العام في الأنصبة : أن للذكر مثل حظ الأنثيين ـ وقد كشفنا عن حكمة هذا التقسيم من قبل ـ وان للوريث العاصب مقدم على ذي الرحم , وإن كانت هناك حالات يخرج فيها ذو الرحم بنصيب أوفى . وذلك جزاء وفاق ترتيب التبعات في مقابل الحقوق . فالوريث العاصب مكلف تجاه المورث بتبعات أكبر . فالولد مثلاً يرث الكل بعد نصيب الجد والجدة , لأنه هو المكلف أولاً أن ينفق على الوالد لو احتاج في حياته . والأخ الشقيق يحجب غير الشقيق , لأنه هو الذي تجب عليه النفقة شرعاً عندما يعجز شقيقه عن الكسب . وهكذا تتوزع المغارم والمغانم أو الواجبات والحقوق وفي هذا النظام توزيعا عادلاً .
ولقد تحدثنا عن حكمة مبدأ الوراثة في فصل التكافل الاجتماعي بما فيه الكفاية , وبينا اتساقه مع مبادئ الإسلام الأساسية في هذا التكافل , وفي النظرة إلى العلاقات بين الأقرباء وبين الجيل والأجيال , ومراعاته كذلك للفطرة والميول وحاجات الفرد والجماعة على السواء .
فهنا نتحدث عن حكمة نظام الإرث في أحوال الجماعة .
فقلد رأينا أن الإسلام يكره تكدس الثروات , وانحصارها في أيد قليلة . ونظام الإرث الإسلامي أداة لتفتيت الثروات المتضخمة على توالي الأجيال . فالملكية الواحدة تنتقل إلى العديد من الذرية والأقارب بمجرد وفاة المالك , فتستحيل إلى ثروات متوسطة أو صغيرة ؛ وقلما تبقى كتلتها موحدة مع النظام إلا في حالات نادرة لا يقاس عليها , كأن يموت المالك وليس له إلا ولد يرث التركة كلها , لأنه ليس له أب ولا أم ولا زوجة ولا بنت !
أما الأحوال الغالبة فالثروة تتوزع على عدة أفراد .
فإذا نحن وازنا بين هذا النظام والنظام الإنجليزي مثلاً , الذي يجعل التركة كلها للابن الأكبر , وتبينت لنا حكمة الإسلام واضحة في تفتيت الثروة المتكتلة , فوق ما في نظامه من عدالة بين الورثة , لا تحنق الصدور على الولد الكبير .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الشيخان والترمذي والنسائي
(2)الشيخان واللفظ للبخاري
(3)حديث رقم 3946مسند الإمام أحمد نشر الأستاذ أحمد شاكر
(4)ذكره صاحب مصابيح السنة الحسان .
(5)" الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية" للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة
(6)رواه أبو يوسف في كتاب الخراج عن ليث عن طاوس
(7)من حديث ذكره القرطبي في التفسير
(8)البخاري
(9)البخاري
(10) ذكره صاحب مصابيح السنة في الصحاح
(11) الشيخان والترمذي والنسائي
(12) أبو داود والترمذي

سياسة المال في الإسلام
طرق تنمية الملكية
العدالة الاجتماعية في الإسلام الشهيد سيد قطب







 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2010, 01:02 AM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

سياسة المال في الإسلام
طرق تنمية الملكية
العدالة الاجتماعية في الإسلام الشهيد سيد قطب

وتمشياً مع نظرية الإسلام كذلك في ملكية المال , يتدخل في طريقة تنميته والتعامل به , فلا يدع الحرية مطلقة لصاحب المال أن يتصرف به في هذا السبيل كيف شاء . فإن وراء مصلحة الفرد مصلحة الجماعة التي يتعامل معها .
لكل فرد إذن الحرية في تنمية أمواله , ولكن في الحدود المشروعة . فله أن يفلح الأرض ,وأن يحول المادة الخامة إلى مصنوعات , وله أن يتجر ... الخ . ولكن ليس له أن يغش , أو يحتكر ضروريات الناس , أو أن يعطي أمواله بالربا , أو أن يظلم في أجور العمال , ليزيد في أرباحه , فذلك كله حرام . إنما هي الوسائل النظيفة وحدها التي يبيحها الإسلام لتنمية المال . والوسائل النظيفة عادة لا تضخم رؤوس الأموال إلى الحد الذي يباعد الفوارق بين الطبقات . إنما تتضخم رؤوس الأموال ذلك التضخم الفاحش الذي نراه في النظام الرأسمالي , بالغش والربا واكل الأجور والاحتكار واستغلال الحاجة والابتزاز والنهب والسلب والاغتصاب ... إلى آخر الجرائم الكامنة وراء طرق الاستغلال المعاصرة . وهذا ما لا يسمح به الإسلام ... فلنأخذ الآن في بيان حكم الإسلام وحكمته في وسائل تنمية المال .
* * *
(أ) يحرم الإسلام الغش في المعاملة : " من غش فليس مني"(1).." البيعان بالخيار ما لم يتفرقا , فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما , وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما " (2) فلك أن تبيع وأن تشتري , على ألا تغش في السلعة ولا في العملة فإن كان بها عيب فعليك بيانه , وإلا فأنت غاش وربحك عليك حرام , لن ينجيك من المؤاخذة أن تتصدق بهذا الربح الحرام , فالصدقة لا تحسب لك إلا من مالك الحلال : عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يكسب عبد مالاً حراماً فيتصدق منه , فيقبل منه , ولا ينفق منه فيبارك له فيه , ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار . إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ , ولكن يمحو السيئ بالحسن . إن الخبيث لا يمحو الخبيث "(3) . وقال : " إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به "(4) .
والإسلام في هذا يسير على قواعده الخلقية , كما يسير على مبادئه في منع الضرر وتحقيق التعاون بين الناس فالغش قذارة ضمير , وإضرار بالآخرين , ورفع للثقة من صدور الناس . ولا تعاون في الجماعة من غير ثقة . فضلاً على ثمرة الغش هي للحصول على كسب بلا جهد مشروع . وقاعدة الإسلام العامة هي أن لا كسب بلا جهد , كما أنه لا جهد بلا جزاء .
(ب‌) واحتكار ضروريات الناس : لا يعترف به الإسلام وسيلة من وسائل الكسب وتنمية المال : "من احتكر فهو خاطيء"(5) . ذلك أن الاحتكار إهدار لحرية التجارة والصناعة , فالمحتكر لا يسمح لسواه أن يجتلب ما يجتلبه , أو يصنع ما يصنعه ؛ وبذلك يتحكم في السوق , ويفرض على الناس ما يشاء من أسعار , فيكلفهم عنتاً, ويحملهم مشقة , و يضارهم في حياتهم وضرورياتهم , فوق أنه يقفل باب الفرص أمام الآخرين ليرتزقوا كما ارتزق , وليجودوا فوق ما جوَّد ؛ وقد يقع أحياناً أن يسد المحتكر الموارد وأن يتلف البضاعة الفائضة , حتى يتمكن من فرض سعر إجباري ؛ وفي ذلك إعدام أو نقص في الأرزاق والأقوات العامة التي أتاحها الله للإنسان في الأرض .
ولقد بلغ حرص الإسلام على منع هذه الوسيلة من وسائل تنمية المال , أن جعل الاحتكار مبعداً للمحتكر من دائرة الدين : " من احتكر طعاماً أربعين يوماً فقد بريء من الله وبريء الله منه "(6) . فما هو بمسلم ذلك الذي يضار الجماعة هذه المضارة , ويشيع فيها الخوف , والحاجة إلى الضروري ؛ ليحصل منها على كسب حرام يزيد به ماله الخاص على حساب الصالح العام .
(ت‌) والربا وسيلة محرمة يكرهها الإسلام كراهية واضحة , ويبشعها تبشيعاً شديداً وينذر أصحابها بأشنع مصير :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "(آل عمران 130).. وليس النهي هنا عن الأضعاف المضاعفة فتحل النسب الصغيرة , وإنما هذا تقرير للواقع , ووصف لما هو كائن . أما النهي فمنصب على أصل الربا ومبدئه المجرد , يتضح ذلك في الآيات الأخرى:" الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " (البقرة 275) .. " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ " (279 البقرة) .
ويجري الإسلام في هذا على مبادئه في المال والأخلاق ومصالح الجماعة . فالمال وديعة في يد صاحبه وهو موظف فيه لخير الجماعة جميعاً . فليس له أن يقلب الوظيفة إضراراً بالناس وابتزازاً , يتحين ساعة احتياجهم , ويستغل ضعف موقفهم , فيأخذ منهم أكثر مما أعطاهم ؛ وقد تكون الحاجة هي حاجة الطعام للحياة , وحاجة الدواء للعلاج , وحاجة النفقة للعلم ولغير العلم ؛ فإما أن يتعطل هذا كله , وإما أن يتحكم صاحب المال في المحتاج إلى المال فيمنحه القليل , ويسترد منه الكثير ؛ ويظلمه بذلك جهده فيكد ويعمل ليؤدي للمرابي رباه , أو يتضاعف الدين عاماً بعد عام .
هذا الجزء الفائض يستمتع به صاحب المال , وهو لم يعمل شيئاً سوى أنه صاحب مال ! إنه العرق والدم يلغ فيهما بشراهة , ويمتصها في نهم وهو قاعد . والإسلام الذي يقدس العمل , ويجعله السبب الأساسي للملك والربح , لا يسيغ أن يفيد المال قاعد , ولا أن يلد المالُ المالَ . إنما يلد المالً الجهدُ , وإلا فهو حرام !
ويلحظ الإسلام طهارة خلق الفرد كما يلحظ المودة بين الجماعة : فما يأكل الربا فرد له خلق وضمير , وما يشيع الربا في الجماعة وتبقى فيها مودة وتعارف . والذي يمنحني الدينار ليسترده مني دينارين هو عدوي , فما أطيب له نفساً , وما أحمل له وداً . والتعاون أصل من أصول المجتمع الإسلامي , يهدمه الربا ويوهن أساسه . لذلك يكرهه الإسلام .
وثمة حكمة أخرى تبرز لنا في هذا العصر الحديث لتحريم الربا , ربما لم تكن بارزة حينذاك : ذلك أن الربا وسيلة لتضخيم رؤوس الأموال تضخيماً شديداً . لا يقوم على الجهد ؛ ولا ينشأ من العمل ؛ مما يجعل طائفة من القاعدين يعتمدون على هذه الوسيلة وحدها عفي تنمية أموالها وتضخيمها و فيشيع بينهم الترهل والبطالة والترف على حساب الكادحين الذين يحتاجون للمال فيأخذونه بالربا في ساعة العسرة . وينشأ عن ذلك مرضان اجتماعيان خطران : تضخيم الثروات إلى غير حد , وتفريق الطبقات علواً وسفلاً بغير قيد ؛ ثم وجود طبقة متعطلة مترهلة مترفة لا تعمل شيئاً , وتحصل على شيء , وكأنما المال الذي في يديها فخاخ لصيد المال , دون أن تتكلف حتى الطعم لهذه الفخاخ ؛إنما يقع فيها المحتاجون عفواً , ويساقون إليها بأقدامهم تدفعهم الضرورات ! ذلك أن أكل الربا يخالف القاعدة الأساسية للتصور الإسلامي وهي أن المال لله , جعل الناس فيه خلفاء , وفق شروط المستخلف ـ وهو الله سبحانه ـ لا كما يشاء الناس .
" إنه يقوم ابتداء على أساس أن لا علاقة بين إرادة الله سبحانه وحياة البشر . فالإنسان هو سيد هذه الأرض ابتداء ؛ وهو غير مقيد بعهد من الله ؛ وغير ملزم باتباع أوامر الله . ثم أن الفرد حر في وسائل حصوله على المال , وفي طرق تنميته , كما هو حر في التمتع به . غير ملتزم في شيء من هذا بعهد من الله أو شرط , وغير مقيد كذلك بمصلحة الآخرين . ومن ثم فلا اعتبار لأن يتأذى الملايين إذا هو أضاف إلى خزانته ورصيده ما يستطيع إضافته وقد تتدخل القوانين الوضعية أحياناً في الحد من حريته هذه ـ جزئياً ـ في تحديد سعر الفائدة مثلاً وفي منع أنواع من الإحتيال والنصب والغصب والنهب والغش والضرر .
ولكن هذا التدخل يعود إلى ما يتواضع عليه الناس أنفسهم , وما تقودهم إليه أهواؤهم ؛ لا إلى مبدأ ثابت مفروض من سلطة إلهية !
" كذلك يقوم على أساس تصور خاطئ فاسد : هو أن غاية الغايات للوجود الإنساني هي تحصيله للمال ـ بأية وسيلة ـ واستمتاعه به على النحو الذي يهوى ! ومن ثم يتكالب على جمع المال وعلى المتاع به , ويدوس في الطريق كل مبدأ وكل صالح للآخرين ! " ثم ينشئ في النهاية نظاماً يسحق البشرية سحقاً , ويشقيها في حياتها أفراداً وجماعات ودولاً وشعوباً , لمصلحة حفنة من المرابين ؛ ويحطها أخلاقياً ونفسياً وعصبياً ؛ ويحدث الخلل في دورة المال ونمو الاقتصاد البشري نمواً سريعاً .. وينتهي ـ كما انتهى العصر الحديث ـ إلى تركيز السلطة الحقيقية والنفوذ العلمي على البشرية كلها في أيدي زمرة من أحط خلق وأشدهم شراً ؛ وشرذمة ممن لا يرعون في البشرية إلاٍّ ولا ذمة , ولا يرقبون فيها عهداً ولا حرمة ..
" وهؤلاء هم الذين يداينون الناس أفراداً , كما يداينون الحكومات والشعوب ـ في داخل بلادهم وفي خارجها ـ وترجع الحصيلة الحقيقية لجهد البشرية كلها , وكد الآدميين وعرقهم ودمائهم , في صورة فوائد ربوية لم يبذلوا هم جهدا فيها ! وهم لا يملكون المال وحده ..إنما يملكون النفوذ الهائل الذي يملكونه في إنشاء الأوضاع والأفكار والمشروعات التي تمكنهم من زيادة الاستغلال , ولا تقف في طريق جشعهم وخسة أهدافهم . وأقرب الوسائل هي تحطيم أخلاق البشرية وإسقاطها في مستنقع آسن من اللذائذ والشهوات , التي يدفع فيها الكثيرون آخر فلس يملكونه , حيث تسقط الفلوس في المصائد والشباك المنصوبة ! وذلك مع التحكم في جريان الاقتصاد العالمي وفق مصالحهم المحدودة , مهما أدى هذا إلى الأزمات الدورية المعروفة في عالم الاقتصاد ؛ وإلى انحراف الإنتاج الصناعي والاقتصادي كله عما في مصلحة المجموعة البشرية إلى مصلحة الممولين المرابين الذين تتجمع في أيديهم خيوط الثروة العالمية !
"والكارثة التي تمت في العصر الحديث ـ ولم تكن بهذه الصورة البشعة في الجاهلية ـ هي أن هؤلاء المرابين ـ الذين يتمثلون في الزمن الماضي في صورة أفراد أو بيوت مالية كما يتمثلون الآن في صورة مؤسسي المصارف العصرية ـ قد استطاعوا بما لديهم من سلطة هائلة مخيفة داخل أجهزة الحكم العالمية وخارجها . وبما يملكون من وسائل التوجيه والإعلام في الأرض كلها .. سواء في ذلك الصحف والكتب والجماعات والأساتذة ومحطات الإرسال ودور السينما وغيرها .. أن ينشئوا عقلية عامة بين جماهير البشر المساكين الذين يأكل أولئك المرابين عظامهم ولحومهم , ويشربون عرقهم ودمائهم في ظل النظام الربوي .. هذه العقلية العامة خاضعة للإيحاء الخبيث المسموم بأن الربا هو النظام الطبيعي المعقول . والأساس الصحيح الذي لا أساس غيره للنمو الاقتصادي وأنه من بركات هذا النظام وحسناته كان هذا التقدم الحضاري في الغرب . وأن الذين يريدون إبطاله جماعة من الخياليين ـ غير العمليين ـ وأنهم إنما يعتمدون في نظرتهم هذه على مجرد نظريات أخلاقية ومثل خيالية لا رصيد لها من الواقع ؛ وهي كفيلة بإفساد النظام الاقتصادي كله لو سمح لها أن تتدخل فيه ! حتى ليتعرض الذين ينتقدون النظام الربوي من هذا الجانب للسخرية من البشر الذين هم في حقيقة الأمر ضحايا بائسة لهذا النظام ذاته !ضحايا شأنهم شأن الاقتصاد العالمي نفسه , الذي تضطره عصابات المرابين العالمية لأن يجري جريانا غير طبيعي لا سوي , ويتعرض للهزات الدورية المنظمة ! وينحرف عن أن يكون نافعاً للبشرية كلها إلى أن يكون وقفاً على حفنة من الذئاب قليلة !
" إن النظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة ـ وقد بلغ من سوئه أن تنبه لعيوبه بعض أساتذة الاقتصاد الغربيين أنفسهم ؛ وهم قد نشأوا في ظله , وأشربت عقولهم وثقافتهم تلك السموم التي تبثها عصابات المال في كل فروع الثقافة والتصور والأخلاق . وفي مقدمة هؤلاء الأساتذة الذين يعيبون هذا النظام من الناحية الاقتصادية البحتة " دكتور شاخت " الألماني ومدير بنك الرايخ الألماني سابقاً وقد كان مما قاله في محاضرة له بدمشق عام 1953 إنه بعملية رياضية (غير متناهية) يتضح أن جميع المال في الأرض صائر إلى عدد من قليل جداً من المرابين . ذلك أن الدائن المرابي يربح دائماً في كل عملية ؛ بينما المدين معرض للربح والخسارة . ومن ثم فإن المال كله في النهاية لا بد ـ بالحساب الرياضي ـ أن يصير إلى الذي يربح دائماً ! وأن هذه النظرية في طريقها للتحقق الكامل . فإن معظم مال الأرض الآن يملكه ـ ملكاً حقيقياً ـ بضعة ألوف ! أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من البنوك والعمال , وغيرهم , فهم ليسوا سوى أجراء يعملون لحساب المال , ويجني ثمرة كدهم أولئك الألوف!
" وليس هذا وحده هو كل ما للربا من جريرة فإن قيام النظام الاقتصادي على الأساس الربوي يجعل العلاقة بين أصحاب الأموال وبين العاملين في التجارة والصناعة علاقة مقامرة ومشاكسة مستمرة . فإن المرابي يجتهد للحصول على أكبر فائدة . ومن ثم يمسك المال حتى يزيد اضطرار التجارة والصناعة إليه فيرتفع سعر الفائدة ؛ ويظل يرفع السعر حتى يجد العاملون في التجارة والصناعة أنه لا فائدة لهم من استخدام هذا المال , لأنه لا يدر عليهم ما يوفون به الفائدة ويفضل لهم منه شيء .. عندئذ ينكمش حجم المال المستخدم في هذه المجالات التي تشتغل فيها الملايين ؛ وتضيق المصانع دائرة إنتاجها , وتعطل العمال , فتقل القدرة على الشراء . وعندما يصل الأمر إلى هذا الحد . ويجد المرابون أن الطلب على المال قد نقص أو توقف , يعودون إلى خفض سعر الفائدة اضطراراً . فيقبل عليه العاملون في الصناعة والتجارة من جديد . وتعود دورة الحياة إلى الرخاء .. وهكذا دواليك تقع الأزمات الاقتصادية الدورية العالمية . ويظل البشر هكذا يدورون فيها كالسائمة !
" ثم إن جميع المستهلكين يؤدون ضريبة غير مباشرة للمرابين . فإن أصحاب الصناعات والتجار لا يدفعون فائدة الأموال التي يقترضونها بالربا إلا من جيوب المستهلكين ,فهم يزيدونها في أثمان السلع الاستهلاكية فيتوزع عبؤها على أهل الأرض لتدخل في جيوب المرابين في النهاية . أما الديون التي تقترضها الحكومة من بيوت المال لتقوم بالإصلاحات والمشروعات العمرانية فإن رعاياها هم الذين يؤدون فائدتها للبيوت الربوية وفوائدها . وبذلك يشترك كل فرد في دفع الاستعمار هو نهاية الديون .. ثم تكون الحروب بسبب الاستعمار!(8) وإنه ليستوي أن يكون الدين للاستهلاك أو الإنتاج في عرف الإسلام ؛ فإنه إن كان للاستهلاك أي لينفقه المستدين على حاجاته الضرورية , فإنه لا يجوز أن يرهق برد فائض عن دينه , فحسبه أن يرد أصل الدين عند الميسرة ؛ وإن كان للإنتاج , فالأصل أن الجهد الذي يبذله هو الذي ينال عليه الربح , لا المال الذي يستدينه ـ إلا عن طريق المشاركة ـ القائم على احتمال الربح والخسارة . لذلك يحرم الربا في جميع الأحوال , ويحتم إقراض المستقرض لضروراته في جميع الأحوال .
فإن اقترض المقترض وأعسر " فنظرة إلى ميسرة " (9) وأنا أرى أن الصيغة للأمر لا الندب , وبجوارها التحبيب في التيسير والسماحة كقول الرسول : "رحم الله رجلاً سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى"(10) .. فالسماحة في الإقتضاء تحفظ للمدين كرامته , وتغرس المودة في نفسه لدائنه , على الجهد في الأداء قدر طاقته . وقال : " من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه "(11) وقال : " من انظر معسراً أو وضع له , أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله " (12) .
ويفرض الإسلام في مقابل هذا الدين أن يجتهد في رد دينه , إبراء لذمته ورداً لفضل الإقراض بفضل الوفاء , تمكيناً للثقة في المعاملات بين الأفراد :" من اخذ أموال الناس يريد أدائها أدى الله عنه , ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله " (13) . فمن أخذها يريد أدائها جد وكد ليكسب ويسترزق , وغالباً ما يكسب المجد الصادق العزيمة ؛ ومن أخذها يريد إتلافها استمرأ أن يعيش بأموال الناس , وقعد عن العمل والجهد , فاسترخى وسقطت همته وآض إلى تلف وبوار . وقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ :" مطل الغني ظلم"(14) وقال رجل : يا رسول الله : أرأيت إن قتلت في سبيل الله . يكفر الله عني خطاياي ؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " نعم ، إن قتلت وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر " .. ثم قال : كيف قلت ؟ فأعاد عليه , فقال : " نعم إلا الدَّين , فإن جبريل أخبرني بذلك " (15) . وهكذا لا يجزي عن المدين القادر على الداء أن يقاتل فيقتل في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر, لأن الدين يتعلق بحق الآخرين في عنقه لا حق الله وحده , ما دام قادراً على أدائه . فأما العاجز فله من الزكاة نصيب : " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ... وَالْغَارِمِينَ .." (التوبة 60) وعليه تجوز الصدقة ليوفي دينه . عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ أنه قال :أصيب رجل في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ثمار ابتاعها فكثر دينه , فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " تصدقوا عليه " فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك دينه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ لغرمائه : " خذوا ما وجدتم , وليس لكم إلا ذلك " (16) .
ولقد خطا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطوة أخرى عندما تهيأت له الأموال بعد الفتوح , فكان يقضي دين المدينين بعد وفاتهم من المال العام . عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال :" كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤتي بالرجل المتوفي عليه الدين فيسأل : هل ترك لدينه قضاء " ؟ فإن حُدِّث أنه ترك وفاء صلى عليه , و إلا قال للمسلمين صلوا على صاحبكم " . فلما فتح الله عليه الفتوح قام فقال :"أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم , فمن مات عليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه , ومن ترك مالا فلورثته "( 17) .
وهكذا يحرص الإسلام على رد الحقوق لأصحابها وحرصه على إعانة المضطر والتيسير عليه في الداء , فيجمع الأمر من أطرافه , ويضمن المصالح جميعاً , ويعدل في القسمة بين الحقوق والواجبات .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)أصحاب السنن
(2) الشيخان
(3) ذكره صاحب مصابيح السنة مرويا عن ابن مسعود وقال : من الصحاح
(4)أخرجه الترمذي والنسائي
(5)مسلم وأبو داود والترمذي
(6)حديث رقم 4880مسند أحمد وشرح الأستاذ أحمد شاكر
(7) رواه مسلم
(8) مقتطف من ظلال القرآن " الجزء الثالث
(9) البخاري والترمذي
(10) مسلم
(11) الترمذي
(12)البخاري
(13)رواه الخمسة
(14) مالك ومسلم والترمذي والنسائي
(15)الترمذي بسند صحيح
(16) الشيخان والترمذي والنسائي.

سياسة المال في الإسلام
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
طرق الإنفاق
تلك هي الحدود التي يضعها الإسلام لتنمية المال بالتعامل . أما إنفاقه فلا يدعه كذلك بلا ضوابط , فصاحب المال ليس حراً في غل يده فيه كما يشاء , أو في الإنفاق منه كما يشاء . ومع أن مثل هذا التصرف ذاتي , إلا أن الفرد ـ في الإسلام ـ ليس متروكاً لذاته يصنع بها ما يشاء , فله حريته ولكن داخل إطار من الحدود ؛ ثم أنه قلما يكون هناك تصرف شخصي لا علاقة له بالآخرين ـ وإن لم تكن علاقة مباشرة أو واضحة . فاليد المغلولة كاليد المسرفة كلتاهما لا يقبلها الإسلام , لما في كلتيهما من ضرر عائد على النفس وعلى الجماعة :" وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا "(الإسراء29).. "يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ "(الأعراف31).
فأما غل اليد فحرمان النفس من المتاع المشروع , والإسلام يكلف الفرد تمتيع ذاته في الحدود المشروعة . ويكره للناس أن يحرموا في غير محرم , لأن الحياة لا بد أن تستساغ , وأن تجمل , وأن تكون بهيجة في غير لهو ولا إسراف . والإسلام لا يوجب التزمت والزهد والحرمان من طيبات الحياة ؛ فهو يأمر بني آدم بأن يتزينوا الزينة اللائقة كما أمر في الآية الكريمة . ويقول في لهجة استنكارية بعد ذلك :" قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ "(الأعراف33) .
والإسلام يطلب الاستمتاع بمباهج الحياة المعقولة للناس جميعاً : كبيرهم وصغيرهم وغنيهم وفقيرهم . لذلك وجه الخطاب إلى "بني آدم" . فإذا دعا بعض الأحيان إلى الصبر والرضى فليست هذه دعوة للتزهد والحرمان . إنما هي دعوة لاحتفاظ النفس بطمأنينتها على الشدائد إلى أن تزول أو تُزال . أما بعد ذلك فكل فرد مطالب بأن يستمتع المتاع الحلال ؛ والجماعة مطالبة أن تهيئ هذا المتاع لأفرادها جميعاً , فلا تحرمهم مما يدعوهم الله أن يستمتعوا به في الحياة .
لذلك قرر للفقراء ـ وهم الذين يملكون ما دون نصاب الزكاة ـ نصيباً يعطونه من الزكاة للتوسعة عليهم في الرزق , لا لمجرد الكفاف . فهم يملكون الكفاف . ذلك أن الإسلام لا يدعو للكفاف وحده إنما يدعوا للمتاع بالحياة , والمتاع فوق الكفاف .
فإذا كان الإسلام يعطي الفقير من أموال الزكاة يوسع بها على نفسه ويستمتع بما هو فوق ضروراته , فأولى أن ينفق الواحد , وأن يتمتع بالحياة متاعاً معقولاً , وأن لا يحرم نفسه من طيباتها , وهي كثيرة لتغدو الحياة بهيجة جميلة ولتنطلق النفس إلى ما هو فوق الضرورة من التفكير العالي والإحساس الراقي , والتأمل في الكون والخلق , والنظر إلى الجمال والكمال . والرسول الكريم بقول : " إذا آتاك الله مالاً فلير أثر نعمه عليك وكرامته "(1) .فيعد الشظف والمتربة ـ مع القدرة ـ إنكاراً لنعمة الله , يكرهه الله .
هذا كله من ناحية , وثمة ناحية أخرى يلحظها الإسلام في حبس المال عن التداول والإنفاق .فحبسه هكذا تعطيل لوظيفة . الجماعة في حاجة إلى تداول أموالها العامة , لتنمي الحياة في شتى مظاهرها , وتضمن الإنتاج في أوسع ميادينه , وتهيئ للعاملين وسائل العمل , وللإنسانية طريق النشاط . وحبس الأموال يعطل هذا كله فهو حرام في نظر الإسلام , لما فيه من تعطيل للصالح الخاص والصالح العام .
أما الإسراف فهو الطرف الآخر , وهو مفسدة للفرد والجماعة كذلك . ونبادر أولاً فنقرر أن إنفاق المال في سبيل الله ولو أتي عليه كله ليس إسرافاً , لما أمر من حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن جبل الذهب , وتمنيه أن لو كان له لما أبقى منه مقدار قيراطين , ولأنفقه كله في سبيل الله . إنما الإسراف هو الإسراف في الإنفاق على النفس , وهذا ما عناه الإسلام .
والإسراف بهذا المعنى هو الترف الذي يكرهه الإسلام كراهية شديدة ؛ ويبغض أن يكون المال دولة بين الأغنياء لئلا يؤدي تضخم الثروة لإنفاقها في سبيله ؛ ويعده مصدر شر لصاحبه وللجماعة التي يعيش فيها ؛ وبهذا يكون منكراً يجب على الجماعة أن تغيره و إلا عرضت نفسها إلى التهلكة بسببه .
والآيات القرآنية ,والأحاديث النبوية في كراهة الترف وتحريمه متواترة كثيرة بصفة بارزة , تشعر أنه من أكره الحرام إلى الله ورسوله والإسلام الذي يحض الناس على التمتع بطيبات الحياة , ويكره أن يحرموها على أنفسهم وهي لهم حلال , ويدعو إلى جعل الحياة بهيجة مقبولة لا قاتمة ولا منبوذة ... هذا الإسلام نفسه يكره السرف والترف وتلك الكراهية الشديدة العنيفة .
فالقرآن يصف المترفين أحيانا بسقوط الهمة وضعف القوة وهبوط الأريحية : "وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ" (86التوبة) .
وإذا عرفنا حرص الإسلام على الجهاد وحثه عليه وتعظيم من يتطوعون له , حتى ليقول الرسول الكريم : " من مات ولم يغز , ولم يحدث نفسه بغزو , مات على شعبة من شعب النفاق "(2) أدركنا في الجانب الآخر كم يحتقر أولي الطول هؤلاء لتخلفهم وقعودهم عن صفوف المجاهدين . ولا غرابة في هذا , فالمترف مترهل ضعيف الإرادة ناعم قليل الرجولة , لم يعتد الجهد فسقطت همته , وفترت أريحيته ؛ والجهد في الجهاد يعطل عليه متاعه الشهواني الرخيص , ويحرمه لذاته الحيوانية فترة من الوقت , وهو لا يعرف قيمة في الحياة سوى هذه القيم الداعرة الشائنة !
ثم يتحدث أحياناً عن المترفين في التاريخ , فإذا هم دائما يقفون في سبيل الهدى لأنفسهم ولأتباعهم المستضعفين ؛ وما دام هناك مترفون فهناك مستضعفون , يملقون خيلاءهم , ويحققون شهواتهم , ويفنون فيهم فناء الحشرات :" وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ "(سبأ34).. "وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ "(المؤمنون34) .. "وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا "(الأحزاب68) . ولا غرابة في هذا فالمترفون حريصون على حياتهم الرخوة الشاذة المريضة , حريصون على شهواتهم ولذائذهم , حريصون على أن تكون من حولهم حاشية وبطانة خاضعة لنفوذهم ؛ والهدي والدين والإيمان يحرمهم الكثير مما يحرصون عليه ويحدد لهم سبل المتاع المباح ـ وهو بالقياس إليهم قليل ضئيل لا يرضى مرض نفوسهم وترهل شهواتهم ـ ويرفع قيم الناس جميعاً فلا يكون لهم من السلطان المطلق على المستضعفين , ما يجعلهم أدوات خاضعة وآلات منفذة ؛ ويحرمهم الخرافات والأوهام والأساطير التي يحيطون بها أنفسهم , ويستغلونها في المجتمعات الضالة الجاهلة المستسلمة .. لذلك هم أعداء كل هدى وكل عرفان , ذلك فضلا على ما يصنعه الترف بالضمير , وما يحدثه المتاع الغليظ من جمود المشاعر :" وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا "(18الفرقان) . فالمتاع المترف الطويل الموروث عن الآباء ينسي الذكر , ويؤدي إلى الجدب والضحالة . والتعبير بأنهم " وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا" تعبير مصور عجيب عميق الدلالة , فالأرض البور هي الأرض المجدبة التي لا تنتج ولا تثمر , وكذلك قلوبهم ونفوسهم وحياتهم جدبة بائرة صلدة , لا تنبض فيها حياة .
والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسمي بيوت المترفين بيوت الشياطين , لما ينبع فيها من الفساد , ولما يخرج منها من الفتنة : " تكون إبل للشياطين , وبيوت للشياطين . فأما إبل الشيطان فقد رأيتها , يخرج أحدكم بنجيبات معه قد أسمنها , فلا يعلو بعيراً منها , ويمر بأخيه قد انقطع فلا يحمله , وأما بيوت الشياطين فلا أراها إلا هذه الأقفاص التي تستر الناس بالديباج "(3) وإذا كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رآها إبلا للشياطين , لا حاجة بأصحابها إلى ركوبها , بينما المنقطعون لا يجدون ما يركبون , فنحن نجدها سيارات فخمة تروح وتغدو للتافه الصغير من الأمور , وألوف لا يجدون أجرة الترام , ومئات لا يجدون حتى أرجلهم للمشي بها , فهي مقطوعة ذهبت بها الآفات ! أما البيوت التي رآها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الأقفاص التي تستر الناس بالديباج , فنحن نراها ووسائل الترف فيها لم تخطر على قلب بشر في ذلك الزمان !
لا جرم إذن يكون الترف سبب الهلاك على مدى التاريخ . فالرف سبب للبطر :" وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا .." (القصص58).
لا جرم يكون الترف سبب العذاب في الآخرة بما يؤدي إليه من معصيات :" وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ "(الواقعة 48) !
ولكن الهلاك والعذاب لا يصيبان الفرد المترف وحده بل يصيبان الجماعة التي تسمح بوجود المترفين :" وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا(4) مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا "(16الإسراء) .. ذلك أن وجود المترفين في الجماعة , وسماح الجماعة بوجودهم , وسكوتها عليهم , وقعودها عن إزالة أسباب الترف , وتركها المترفين يفسدون ... كل ذلك أسباب تؤدي حتماً إلى الهلاك والتدمير بطبيعة وجودها . وهذا معنى الإرادة في الآية , أي تتبيع النتائج للمقدمات , وإيقاع المسببات إذا وجدت الأسباب , حسب السنة التي أرادها الله للكون والحياة .
فالجماعة هي المسؤولة عن هذا المنكر الذي يقع فيها . فالترف لا بد أن يؤدي إلى المنكر بحكم وجوده في الجماعة ؛ وقد أبنا أن الطاقة الفائضة لا بد لها من متصرف . فهناك مال فائض . وهو طاقة . وهناك حيوية جسد فائضة كذلك . وهي طاقة . وهناك فضلة زمن فائضة بلا عمل ولا تفكير . وهي طاقة . والفتية المترفون والفتيات المترفات , وهم يجدون الشباب والفراغ والجدة , لا بد أن يفسقوا ؛ ولا بد أن يبحثوا عن مصارف أخرى لطاقة الجسد وطاقة المال وطاقة الوقت ؛ وغالباً ما تكون مصارف تافهة , تأخذ طابعها من الزمن والبيئة , ولكنها تتلقى عند حد التفاهة والميوعة والقذارة الحسية والمعنوية .
وفي الجانب الآخر المستغلون والمستربحون والمحتاجون , من تجار الرقيق , والمهرجين , والذيول , وحواشي المترفين , ينشرون الدعارة والترهل ويرخصون كل قيم الحياة الجادة , التي لا تروق للمترفين والمترفات .
ثم يسري الداء إلى سائر مرافق الحياة ... ثم تكون العاقبة التي لا بد منها وهي شيوع الفاحشة في الأمة , وانتشار الإباحية , وترهل الأجسام والعقول , وانحطاط المعنويات والروحيات .. عندئذ يحق أمر الله فيدمر هذه الجماعة تدميراً !
ذلك رأي الإسلام في جريمة الترف . جريمة تبدأ فردية , فإذا سكتت عنها الجماعة , ولم تزل هذا المنكر باليد واللسان والقلب , آتت الجريمة ثمراتها , وأفرخ الوباء في جسم الجماعة, وعرضها للهلاك في النهاية , بحكم ترتب النتائج على المقدمات , والمسببات على الأسباب "..وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا "(الأحزاب62) .
ولكن ما هو حد الترف والحرمان , وما هو القصد بينهما والاعتدال ؟
إذا رجعنا إلى أول نشأة الإسلام , وجدنا بيئة محرومة يبدو فيها الشظف والفقر , ونجد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينهي عن لبس الحرير .." من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"(5) . ويروي علي ـ كرم الله وجهه ـ أن الرسول نهاه عن القسَّي والمعصفر من الثياب ؛ كما نهى عن خاتم الذهب ... كل ذلك للرجال . وأما النساء فأُبيح لهن الحرير والذهب , وإن كان الرسول كره لابنته فاطمة أن تلبس الذهب ... فهذه خصوصية كان يأخذ بها النبي أهل بيته ولا يلزمها الناس .
ولكن نحسب أننا لا نحل حراماً حين نقول : إن الإسلام لا يدعو إلى الشظف حين لا تدعو إليه ظروف البيئة وأحوال الجماعة . وحقيقة أن لبس الحرير والمعصفر من الثياب والمرقش كثيراً ما يزري بقيمة الرجال , ويدعوهم إلى الطراوة , وبخاصة في زمن الجهاد , ولكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يطق أن يصل الشظف إلى حد المنظر الزري والإهمال للزي , فقد روى جابر قال : أتانا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زائراً , فرأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره , فقال : " أما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه ؟" . ورأى رجلاً عليه ثياب وسخة فقال :" أما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه ؟" . وروى أبو الأحوص الجشمي عن أبيه قال رآني النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعليّ أطمار فقال : هل لك من مال ؟ "قلت نعم ! :"من أي مال؟" قلت : من كل قد أتاني الله ,من الشاء والإبل , قال:" إذا آتاك الله مالاً فلير أثر نعمته وكرامته عليك "(6) . وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن الله طيب يحب الطيب, نظيف يحب النظافة , كريم يحب الكرم , جواد يحب الجود فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود "(7) .
وقد مر بنا أمر الله لبني آدم : أن يأخذوا زينتهم عند المساجد , وألا يحرموا الطيبات التي أحلت لهم . فالذي نستخلصه من هذا أن مستوى المعيشة العام للجماعة هو الذي يحدد الترف والحرمان . حين فتح الله الأمصار على المسلمين وزادت الثروة العامة وارتفع مستوى المعيشة , وتغيرت أزيائهم , واستمتعوا بما لم يكونوا يستمتعون , فلم ينكر ذلك عليهم أحد إلا أن يتجاوزوا الوسط . والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " كل ما شئت . والبس ما شئت ما خطئتك خصلتان اثنتان : سرف أو مخيلة "(8) .
ولكن نحب ـ مع ذلك ـ أن نقرر أن البساطة في الحياة هي طابع الإسلام الذي يحرص عليه ؛ وأن استعلاء النفس على المتاع هو السمة التي يريدها الإسلام لأهله ؛ فلا يصبحون عبيداً لهذا المتاع .
" تعس عبد الدرهم . تعس عبد الدينار . تعس عبد القطيفة . تعس وانتكس , وإذا شيك فلا انتقش " ...(9) .
فالاستعلاء على المتاع مع مزاولة الوسط منه هو طابع الإسلام , والقلب المسلم يتذوق ويدرك متى يقف عند الحد الوسط !
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)أبو داود والنسائي (6) أبو داود والنسائي
(2) مسلم وأبو داود والنسائي (7)رواه الترمذي بسند حسن
(3) أبو داود (8) البخاري
(4)أمرنا بمعنى أكثرنا (9)أخرجه البخاري
(5) البخاري



سياسة المال في الإسلام
فريضة الزكاة
العدالة الاجتماعية في الإسلام الشهيد سيد قطب







 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2010, 01:05 AM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

سياسة المال في الإسلام
فريضة الزكاة
العدالة الاجتماعية في الإسلام الشهيد سيد قطب

والآن نتحدث عن الزكاة , الركن الاجتماعي البارز من أركان الإسلام , فحديث الزكاة أدخل شيء في سياسة المال في الإسلام .
الزكاة حق المال , وهي عبادة من ناحية , وواجب اجتماعي من ناحية أخرى ؛ فإذا جرينا على نظرية الإسلام في العبادات والاجتماعيات , قلنا أنها واجب اجتماعي تعبدي ؛ لذلك سماها "زكاة" , والزكاة طهارة ونماء . فهي طهارة للضمير والذمة بأداء الحق المفروض . وهي طهارة للنفس والقلب من فطرة الشح وغريزة حب الذات , فالمال عزيز , والملك حبيب , فحين تجود النفس به للآخرين , إنما تطهر وترتفع وتشرق . وهي طهارة للمال بأداء حقه وصيرورته بعد ذلك حلالاً . ولأن في الزكاة معنى العبادة , بلغ من لطف حس الإسلام ألا يطلب إلى أهل الذمة من أهل الكتاب أداءها , واستبدل بها الجزية ليشتركوا في نفقات الدولة العامة , دون أن تفرض عليهم عبادة خاصة من عبادات الإسلام إلا أن يختاروها.
والزكاة حق الجماعة في عنق الفرد , لتكفل لطوائف منها كفايتها أحيانا , وشيئاً من المتاع بعد الكفاف أحياناً , وبذلك يحقق الإسلام جانباً من مبدئه العام : "..كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ .." .. ذلك أن الإسلام يكره للناس الفقر والحاجة ؛ ويحتم أن ينال كل فرد كفايته من جهده الخاص وموارده الخاصة حين يستطيع , ومن مال الجماعة حين يعجز لسبب من الأسباب .
ويكره الإسلام الفقر والحاجة للناس لأنه يريد أن يعفيهم من ضرورات الحياة المادية ليفرغوا لما هو أعظم ؛ ولما هو أليق بالإنسانية وبالكرامة التي خص الله بها بني آدم : "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا"(الإسراء70) .
لقد كرمهم فعلاً بالعقل والعاطفة , بالأشواق الروحية إلى ما هو أعلى من ضروريات الجسد فإذا لم تتوافر لهم من ضرورات الحياة ما يتيح لهم فسحة من الوقت والجهد لهذه الأشواق الروحية , ولهذه المجالات الفكرية , فقد سلبوا ذلك التكريم ؛ وارتكسوا إلى مرتبة الحيوان . لا بل إن الحيوان ليجد طعامه وشرابه غالباً وإن بعض الحيوان ليختال ويقفز ويمرح , وإن بعض الطير ليغرد ويسقسق فرحاً بالحياة بعد أن ينال كفايته من الطعام والشراب .
فما هو بإنسان وما هو بكريم على الله , ذلك الذي تشغله ضرورات الطعام والشراب عن التطلع إلى مثل ما يناله الطير والحيوان , فضلاً على ما يجب للإنسان الذي كرمه الله .
فإذا قضى وقته وجهده , ثم لم ينل كفايته , فتلك هي الطامة التي تهبط به دركات عماً أراد به الله ؛ والتي تصم الجماعة التي يعيش فيها , بأنها جماعة هابطة لا تستحق تكريم الله , لأنها تخالف عن إرادة الله .
إن الإنسان خليفة الله في أرضه ؛ قد استخلفه عليها لينمي الحياة فيها , ويرقبها ؛ ثم لجعلها ناضرة بهيجة ؛ ثم ليستمتع بجمالها ونضرتها ؛ ثم ليشكر الله على أنعمه التي آتاه .
والإنسان لن يبلغ من هذا كله شيئاً ؛ إذا كانت حياته تنقضي في سبيل اللقمة ولو كانت كافية فكيف إذا قضى الحياة فلم يجد الكفاية ؟
ويكره الإسلام أن تكون الفوارق بين أفراد الأمة بحيث تعيش منها جماعة في مستوى الترف , وتعيش جماعة أخرى في مستوى الشظف , ثم أن تتجاوز الشظف إلى الحرمان والجوع والعري . فهذه أمة غير مسلمة , والرسول يقول : " أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله "(1) .. أو يقول : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "(2) .. يكره الإسلام هذه الفوارق لما ورائها من أحقاد وأضغان تحطم أركان المجتمع ؛ ولما فيها من أثرة وجشع وقسوة تفسد النفس والضمير ؛ ولما فيها من اضطرار المحتاجين : إما إلى السرقة والغصب , وإما إلى الذل وبيع الشرف والكرامة ... وكلها منحدرات يتجافى الإسلام بالجماعة عنها .
ويكره الإسلام أن يكون المال دولة بين الأغنياء في الأمة وألا تجد الكثرة ما تنفق .
لأن ذلك ينتهي في النهاية بتجميد الحياة والعمل والإنتاج في هذه الأمة . بينما وجود الأموال في أيدي أكبر عدد منها يجعل هذه الأموال تنفق في شراء ضروريات الحياة لهذا العدد الكبير ؛ فيكثر الإقبال على السلع , فينشأ من هذا كثرة الإنتاج , فترتب عليها العمالة الكاملة للأيدي العاملة .. وبذلك تدور عجلة الحياة والعمل والإنتاج والاستهلاك دورتها الطبيعية المثمرة ...
لهذه المعاني جميعها شرع الزكاة ؛ وجعلها فريضة في المال , وحقاً لمستحقيها , لا تفضلاً من مخرجيها ؛ وحدد لها نصاباً في المال يجعل الواجدين جميعاً يشتركون في أدائها . ذلك أن أقصى حد للإعفاء منها عشرون مثقالاً ذهباً أي ما يعادل ثلاثين جنيهاً بعملتنا على أن تكون فائضة عن الحاجات الضرورية لمالكيها وعن الدين وحال عليها الحول . وذلك بديهي لأن الإنسان لا يطالب بالزكاة وهو مستحق للزكاة ! أما في الزرع والثمار فهي موسمية موقوتة بمواسم الحصاد , وهي في عروض التجارة تقوم بالذهب والفضة , وفي الحيوان بنسب معينة تعادل نسبتها في المال , وهي ريع العشر على وجه التقريب . وفي الركاز الخمس . على خلاف في أنواع الركاز أتكون لصاحب الأرض أم للجماعة ....
أما المستحقون لها فهم كما نص عليهم القرآن :
الفقراء , وهم الذين يملكون أقل من النصاب , أو يملكون نصاباً مستغرقاً في الدين , وظاهر أن هؤلاء يملكون شيئاً , ولكنه شيء قليل , والإسلام يريد أن ينال الناس كفايتهم , وشيئاً فوق الكفاية يعينهم على المتاع بالدنيا على قدر الإمكان .
والمساكين . وهم الفقراء الذين لا يملكون شيئاً . وهم بطبيعة الحال أجدر بالعطاء من الفقراء . ولكني ألمح أن ذكر الفقراء قبلهم في الآية يرمي إلى أن وجود شيء قليل لا يكفي , فكأنهم كالمساكين , لأن هدف الإسلام ليس مجرد الكفاف الضروري . ولكن شيء فوق الكفاف كما قدمت .
والعاملون عليها وهم جباتها , وهؤلاء ـ وإن كانوا ـ يعطون جزاء العمل , فهو راتب الوظيفة وذلك داخل في نظام الجهد والأجر , لا في باب الحاجة وسدها .
والمؤلفة قلوبهم . وهم الذين كانوا دخلوا في الإسلام حديثاً لتقوية قلوبهم , واجتذاب من عداهم . ولكن هذا المصرف قد أقفل بعد أن أعز الله الإسلام عقب حروب الردة في أيام أبي بكر ولم يعد الإسلام في حاجة إلى تأليف القلوب بالمال . ومع أن هؤلاء قد نصت عليهم آية قرآنية , فإن عمر لم يجد حرجا في التصرف .
وفي الرقاب . وهم الأرقاء المكاتبون , الذين يستردون حريتهم نظير قدر من المال متفق عليه مع مالكيهم تيسيراً لهم لينالوا الحرية .
والغارمين . وهم الذين استغرق الدين ثرواتهم , على ألا يكون هذا الدين في معصية فلا يكون الترف وما يشبه سبباً فيه . وإعطائهم قسطاً من الزكاة فيه سداد لديونهم , وتخليص رقابهم منها , وفيه إعانة لهم على الحياة الكريمة .
وفي سبيل الله . وهو مصرف عام تحدده الظروف , ومنه تجهيز المجاهدين , وعلاج المرضى , وتعليم العاجزين عن التعليم ,وسائر ما تحقق به مصلحة لجماعة المسلمين . والتصرف في هذا الباب يتسع لكل عمل اجتماعي في سائر البيئات والظروف .
وابن السبيل . وهو المنقطع عن ماله الذي لا يجد ما ينفق , كالمهاجرين من الحروب والغارات والاضطهاد , الذين خلفوا أموالهم ورائهم , ولا سبيل لهم إلى الأموال .
والإسلام لا يقرر لهذه الطوائف حقها في الزكاة إلا بعد أن تستنفذ هي وسائلها الخاصة في الإرتزاق ؛ فالإسلام حريص على الكرامة الإنسانية ومن هو حريص على أن يكون لكل فرد مورد رزق يملكه ولا يخضع فيه للجماعة !
لذلك حث على الاستغناء عن طريق العمل وجعل واجب الجماعة الأول أن تهيئ العمل لكل فرد فيها . فقد جاء سائل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستجديه , فأعطاه درهما وأمره أن يشتري به حبلاً ليحتطب به فيعيش من عمل يده . وقال :" لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه "(3) .
فهذه الإعانة من الزكاة هي وقاية اجتماعية أخيرة , وضمانة للعاجز الذي يبذل طوقه ثم لا يجد , أو يجد دون حق الكفاية , أو يجد , مجرد الكفاف , ثم هي وسيلة لأن يكون المال دولة بين الجميع لتحقيق الدورة الكاملة السليمة للمال بين الإنتاج و الاستهلاك والعمل من جديد ... وفي هذا يجمع الإسلام بين الحرص على أن يعمل كل فرد بما في طاقته , وألا يرتكن على الإعانة الاجتماعية فيتبطل ؛ والحرص على أن يعين المحتاج بما يسد خلته , ويرفع عنه ثقل الضرورة ووطأة الحاجة , وييسر له الحياة الكريمة ثم الحرص على ضمان الدورة الصحيحة لرأس مال الأمة كما أسلفنا .
إن الزكاة هي قاعدة المجتمع المتكامل المتضامن الذي لا يحتاج إلى ضمانات النظام الربوي في أي جانب من جوانب حياته .
وقد بهتت صورة "الزكاة" في حِسنا وحِس الأجيال التعيسة التي لم تشهد نظام الإسلام مطبقاً في عالم الواقع ؛ ولم تشهد هذا النظام يقوم على أساس التصور الإيماني والتربية الإيمانية والأخلاق الإيمانية , فيصوغ النفس البشرية صياغة خاصة , ثم يقيم لها النظام الذي تتنفس فيه تصوراتها الصحيحة وأخلاقها النظيفة وفضائلها العالية . ويجعل "الزكاة" قاعدة هذا النظام , في مقابل نظام الجاهلية الذي يقوم على القاعدة الربوية . ويجعل الحياة تنمو والاقتصاد يرتقي عن طريق الجهد الفردي , أو التعاون البريء من الربا !
وبهتت هذه الصورة في حس هذه الأجيال التعيسة المنكودة الحظ التي تشهد تلك الصورة الرفيعة من صور الإنسانية . إنما ولدت وعاشت في غمرة النظام المادي , القائم على الأساس الربوي . وشهدت الكزازة والشح , والتكالب والتطاحن , والفردية الأثرة التي تحكم ضمائر الناس , فتجعل المال لا ينتقل إلى من يحتاجون إليه إلا في الصورة الربوية الخسيسة ! وجعلت الناس يعيشون بلا ضمانات , ما لم يكن لهم رصيد من المال ؛ أو يكونوا قد اشتركوا بجزء من مالهم في مؤسسات التأمين الربوية ! وجعلت التجارة والصناعة لا تجد المال الذي تقوم به , ما لم تحصل عليه بالطريقة الربوية , فوقر في حس هذه الأجيال المنكودة الطالع أنه ليس هناك نظام إلا هذا النظام ؛ وأن الحياة لا تقوم إلا على الأساس . !
بهتت صورة الزكاة حتى أصبحت هذه الأجيال تحسبها إحساناً فردياً هزيلاً , لا ينهض على أساسه نظام عصري ! ولكن كم تكون ضخامة حصيلة الزكاة , وهي تتناول اثنين ونصف في المائة من أصل رؤوس الأموال الأهلية مع ربحها(4) ؟ ويؤديها الناس الذين يصنعهم الإسلام صناعة خاصة , ويربيهم تربية خاصة , بالتوجيهات والتشريعات وبنظام الحياة الخاص الذي يرتفع تصوره على ضمائر الذين لم يعيشوا فيه ! وتحصلها الدولة المسلمة , حقاً مفروضاً , لا إحساناً فردياً : وتكفل بها كل من تقصر به وسائله الخاصة من الجماعة المسلمة ؛ حيث يشعر كل فرد أن حياته وحياة أولاده مكفولة في كل حالة ؛ وحيث يقضي عن الغارم المدين دينه سواء كان ديناً تجارياً أو غير تجاري , من حصيلة الزكاة .
وليس المهم هو شكلية النظام . إنما المهم هو روحه . فالمجتمع الذي يربيه الإسلام بتوجيهاته وتشريعاته ونظامه , متناسق مع شكل النظام وإجراءاته , متكامل مع التشريعات والتوجيهات , ينبع التكافل من ضمائره ومن تنظيماته معاً متناسقة متكاملة . وهذه حقيقة قد لا يتصورها الذين نشأوا وعاشوا في ظل الأنظمة المادية الأخرى . ولكنها حقيقة نعرفها نحن ـ أهل الإسلام ـ ونتذوقها بذوقنا الإيماني . فإذا كانوا هم محرومين من هذا الذوق لسوء طالعهم ونكد حظهم ـ وحظ البشرية التي صارت إليهم مقاليدها وقيادتها ـ فليكن هذا نصيبهم ! وليحرموا من هذا الخير الذي يبشر الله به :"..الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ.."
(البقرة277)..ليُحرموا من الطمأنينة والرضى , فوق حرمانهم من الأجر والثواب . فإنما بجهالتهم وجاهليتهم وعنادهم يُحرمون !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)مسند أحمد شاكر(4880) (2)متفق عليه . (3) الشيخان
(4) ترتفع هذه النسبة إلى 5% وإلى 10% وإلى 20% في الزروع و الكنوز

العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
سياسة المال في الإسلام
فرائض غير الزكاة
..ومع ذلك فالزكاة ليست وحدها حق المال ...
وإنا لنلحظ شبه تواطؤ بين من يتحدثون عن الزكاة في هذه الأيام , على اعتبارها الحد الأقصى الذي يطلبه الإسلام دائماً من رؤوس الأموال ! لذلك ينبغي أن نكشف هذا التواطؤ الذي يتعمده رجال الدين المحترفين ؛ كما يتعمده من يريدون إظهار النظام الإسلامي بأنه غير صالح للعمل في عصر " الحضارة"!
إن الزكاة هي الحد الأدنى المفروض في الأموال , حين لا تحتاج الجماعة إلى غير حصيلة الزكاة فأما حين لا تفي , فإن الإسلام لا يقف مكتوف اليدين , بل يمنح الإمام الذي ينفذ شريعة الإسلام , سلطات واسعة للتوظيف في رؤوس الأموال ـ أي الأخذ منها بقدر معلوم ـ في الحدود اللازمة للإصلاح . ويقول بصريح الحديث :"إن في المال حقاً سوى الزكاة"(1) .
ودائرة "المصالح المرسلة" "وسد الذرائع" دائرة تشمل تحقيق كافة المصالح للجماعة , وتضمن دفع جميع الأضرار .
ونحن نكتفي في بيان حدودها بما ورد عنهما في كتاب :"الإمام مالك"للأستاذ الشيخ "محمد أبو زهرة" أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة.
والمصالح المرسلة : " إن المصالح التي ليس لها نص خاص يشهد لنوعها بالاعتبار تسمى المصالح المرسلة , وكونها أصلاً فقهياً موضع اعتبار بين الفقهاء , وقد ادعى القرافي أن الفقهاء جميعا أخذوا بها واعتبروها دليلاً في الجزئيات , وإن أنكر أكثرهم كونها أصلاً في الكليات وقد قال في ذلك :
" المصلحة المرسلة , غيرنا يصرح بإنكارها , ولكنهم عند التفريع تجدهم يعللون بمطلق المصلحة , ولا يطالبون أنفسهم عند الفروق والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار , بل يعتمدون على مجرد المناسبة , وهذا هو المصلحة المرسلة ".
" وسواء أصحت تلك الدعوى أم لم تصح , فمن المؤكد أن اعتبار المصالح التي لا يشهد لها نص خاص بالاعتبار ـ نظر العلماء إليها يختلف , فإن لم يكن في أصل الأخذ , فعلى الأقل في مقدار الأخذ كما يحسب القرافي.
"وقد انقسمت أقوال العلماء في ذلك إلى أربعة أقسام :
"(القسم الأول) الشافعية ومن نحا نحوهم , وهؤلاء لا يأخذون بالمصالح المرسلة التي لا يوجد شاهد من الشارع باعتبارها , لأنهم لا يأخذون إلا بالنصوص , والحمل عليها بالقياس الذي يكون أساسه وجود ضابط يضبط ما بين الأصل والفرع ,أي ما بين المنصوص عليه , والملحق به , وإن سايرنا القرافي فإننا نقول : إنه يندر أن يأخذوا بمصلحة مرسلة من غير قياس .
"(القسم الثاني) الحنفية ومن شاكلهم ممن يأخذون بالاستحسان مع القياس , فإن الاستحسان مهما يكن قولهم فيه لا يخلو من اعتماد على المصالح المطلقة , ولو أنصفنا الحقيقة لقلنا : إن مجيء المصالح في استنباطهم أكثر من الشافعية , وإن كان القدر في ذاته قليلاً , حتى تحسب تلك المصالح أصلاً من أصولهم لندرة اعتمادهم المجرد عليها.
"(القسم الثالث) الغلاة في الأخذ بالمصالح , حتى قدموا المصلحة على النص في معاملات الناس , واعتبروها مخصِصة له , بل اعتبروها مخصصة للإجماع , أي أن العلماء إذا أجمعوا على أمر بنص , ووجد مخالفاً للمصلحة في بعض وجوهه قدم اعتبار المصلحة , واعتبر ذلك تخصيصاً , وقد قال هذا القول الطوفي.
"(القسم الرابع) المعتدلون , وهم الأصح بصراً , وأولئك اعتبروا المصالح المرسلة في غير موارد النص المقطوع به , وأولئك أكثر المالكية .
" وكان مالك في أخذه بالمصالح المرسلة أصلاً مستقلاً متبعاً لا مبتدعاً.
1ـ "فقد وجد أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقولون بأمور من بعده لم تكن على في عهده , فجمعوا القرآن الكريم في المصحف , ولم يكن ذلك في عهد الرسول , لأن المصلحة تقاضتهم ذلك الجمع , إذ خشوا أن ينسى القرآن بموت حفاظهم , وقد رآهم عمر رضي الله عنه يتهافتون في حرب الردة , فخشي نسيان القرآن بموتهم فأشار على أبي بكر بجمعه في المصحف , واتفق الصحابة على ذلك وارتضوه .
2ـ "اتفق أصحاب الرسول من بعده على حد شارب الخمر ثمانين جلدة , مستندين في ذلك إلى المصالح , أو الاستدلال المرسل , إذ رأوا الشرب ذريعة إلى افتراء وقذف المحصنات , بسبب الهذيان .
3ـ "واتفق الخلفاء الراشدون على تضمين الصناع , مع أن الأصل أن أيديهم على الأمانة , ولكن وجد أنهم لو لم يضمنوا لاستهانوا بالمحافظة على أمتعة الناس وأموالهم , وفي الناس حاجة شديدة إليهم , فكانت المصلحة في تضمينهم , ليحافظوا على ما تحت أيديهم ؛ ولذلك قال علىّ في تضمينهم :"لا يصلح الناس إلا ذاك ".
4ـ "وكان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يشاطر الولاة الذين يتهمهم في أموالهم , لاختلاط أموالهم الخاصة بأموالهم التي استفادوها بسلطان الولاية , وذلك من باب المصلحة المرسلة أيضاً لأنه رأى في ذلك صلاح الولاة , ومنعهم من استغلال سلطان الولاية لجمع المال . وجر المغانم من غير حل .
5 ـ "وحكى عنه ـ رضي الله عنه ـ أنه أراق اللبن المغشوش بالماء تأديباً للغاش , وذلك من باب المصلحة العامة , لكيلا يغشوا الناس .
6ـ " وقد نقل عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله لأن المصلحة تقتضي ذلك , إذ لا نص في الموضوع , ووجه المصلحة أن القتيل معصوم , وقد قتل عمداً , فإهداره داع إلى خرم أصل القصاص , واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى السعي بالقتل , إذا عُلم أنه لا قصاص فيه , فإن قيل : هذا أمر بدعي , وهو قتل غير القاتل , لأن كل واحد لا يعد قاتلاً بمفرده , قيل في رد ذلك إن القاتل : الجماعة من حيث الاجتماع , فقتلها كلها قتل كالقاتل بمفرده , إذ القتل مضاف إليها كإضافته إلى الشخص الواحد , فنزل الأشخاص المجتمعون لغرض القتل منزلة الشخص الواحد , وقد دعت إلى المصلحة , إذ فيه حقن الدماء , وصيانة المجتمع ...
"ومن ملاحظة المصلحة في المسائل العامة أنه إذا خلا بيت المال , أو ارتفعت حاجات الجند , وليس فيه ما يكفيهم , فللإمام أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً لهم في الحال , إلى أن يظهر مال في بيت المال , أو يكون فيه ما يكفي , ثم له أن يجعل هذه الوظيفة في أوقات حصاد الغلات , وجنى الثمار , لكيلا يؤدي تخصيص الأغنياء إلى إيحاش قلوبهم . ووجه المصلحة أن الإمام العادل لو لم يفعل ذلك لبطلت شوكته , وصارت الديار عرضة للفتنة وعرضة للاستيلاء عليها من الطامعين فيها , وقد يقول قائل : إنه بدل أن يقوم الإمام بفرض هذه الوظيفة يستقرض لبيت المال , وقد أجاب الشاطبي فقال :"الاستقراض في الأزمات , إنما يكون حيث يرجى لبيت المال دخل يُنتظر , وأما إذا لم ينتظر شيء , وضعفت وجوه الدخل بحيث لا يغني , فلا بد من جريان حكم التوظيف" .
الذرائع :"الذريعة معناها الوسيلة . ومعنى سد الذرائع رفعها , ومؤدى الكلام أن وسيلة المحرم محرمة , ووسيلة الواجب واجبة , فالفاحشة حرام , والنظرة إلى عورة الأجنبية حرام , ولأنها تؤدي إلى الفاحشة ؛ والجمعة فرض , فالسعي لها فرض , وترك البيع لأجل السعي فرض أيضاً ؛ والحج فرض والسعي إلي بيت الله الحرام وسائر مناسك الحج فرض لأجله .
"والأصل في اعتبار سد الذرائع هو النظر في مآلات الأفعال , وما تنتهي في جملتها إليه , فإن كانت تتجه نحو المصالح التي هي المقاصد والغايات من معاملات بني الإنسان بعضهم مع بعض كانت مطلوبة بمقدار يناسب هذه المقاصد , وإن كانت لا تساويها في الطلب . وإن كانت مآلاتها تتجه نحو المفاسد , فإنها تكون محرمة بما يتناسب مع تحريم هذه المفاسد , وإن كان مقدار التحريم أقل في الوسيلة .
"والنظر في هذه المآلات لا يكون إلى مقصد العامل ونيته , بل إلى نتيجة العمل وثمرته , وبحسب النية يثاب الشخص أو يعاقب في الآخرة وبحسب النتيجة والثمرة يحسن الفعل , أو يقبح , ويطلب أو يمنع , لأنها الدنيا قامت على مصالح العباد , وعلى القسطاس والعدل , وقد يستوجبان النظر إلى النتيجة والثمرة دون النية المحتسبة , والقصد الحسن فمن سب الأوثان مخلصاً لله سبحانه وتعالى فقد احتسب نيته عند الله في زعمه , ولكنه سبحانه وتعالى نهى عن السب إن أثار ذلك حنق المشركين , فسبوا الله تعالى , فقد قال تعالت كلماته :" وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ .." (الأنعام108). فهذا النهي الكريم كان الأمر الملاحظ فيه هو النتيجة الواقعة , لا النية المحتسبة . ونرى من هذا المنع فيما يؤدي إلى الإثم , أو إلى الفساد , لا يتجه إلى النية المخلصة فقط , بل إلى النتيجة المثمرة أيضاً , فيمنع لنتيجته , وإن كان الله قد علم النية المخلصة .
"وقد يقصد الشخص الشر بفعل المباح , فيكون آثماً فيما بينه وبين الله , ولكن ليس لأحد عليه سبيل , ولا يحكم على تصرفه بالبطلان الشرعي , كمن يرخص في سلعته , ليضر بذلك تاجراً ينافسه , فإن هذا بلا شك عمل مباح , وهو ذريعة إلى إثم هو الإضرار بغيره وقد قصده ؛ ومع ذلك لا يحكم على عمله بالبطلان بإطلاق , ولا يقع تحت التحريم الظاهر الذي ينفذه القضاء , فإن هذا العمل من ناحية النية ذريعة للشر , ومن ناحية الظاهر قد يكون ذريعة للنفع العام والخاص , فإن البائع بلا شك ينتفع من بيعه , ومن رواج تجارته , ومن حسن الإقبال عليه , وينتفع العامة من ذلك الرخص , وقد يدفع إلى تنزيل الأسعار .
"فمبدأ سد الذرائع لا ينظر فقط إلى النيات والمقاصد الشخصية كما رأيت , بل يقصد مع ذلك على النفع العام أو إلى دفع الفساد العام , فهو ينظر إلى النتيجة مع القصد أو إلى النتيجة وحدها.
"وقد ثبت أصل الذرائع بالقرآن والسنة . أما القرآن فقوله تعالى :" وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ..". فيروى أن المشركين قالوا : لتكفن عن سب آلهتنا أو لنسب إلهك . وقوله تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا .."(البقرة104) ,لأن قصد المسلمين كان حسناً ,ولكن اليهود اتخذوه ذريعة إلى شتمه عليه السلام .
"أم السنة فإن أقوال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفتاوي أصحابه فيها كثير , منها كفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن قتل المنافقين , لأنه ذريعة إلى قول الكفار : إن محمداً يقتل أصحابه .
"ومنها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى المقرض عن قبول الهدية من المدين حتى يحسبها من دينه , وما ذاك إلا ليتخذ ذلك ذريعة إلى تأخير الدَّين لأجل الهدية , فتكون ربا , فإنه يعود إليه ماله , وقد اكسب الفضل الذي آل إليه بالإهداء .
" ومنها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو لئلا يكون ذريعة إلى اتجاه المحدود إلى المحاربين فيفر إليهم ؛ ولمثل ذلك لا تقام الحدود في الغزو حتى لا تدفع حرارة الضرب إلى الضلال , وهو منه قريب .
" ومنها أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وَرَّثوا المطلقة طلاقاً بائناً في مرض الموت , حيث يتهم بقصد حرمانها من الميراث , وإن لم يثبت قصد الحرمان , لأن الطلاق ذريعة.
"ومنها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن الاحتكار , وقال : "من احتكر فهو خاطيء"(2) فإن الاحتكار ذريعة إلى أن يضيق على الناس , وكل ما يعد ضرورياً لهم , ولهذا لا يمنع من احتكار ما لا يضر الناس كأدوات الزينة ونحوها , مما لا يدخل في الضروريات ولا الحاجيات .
"ومنها أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ منع المتصدق شراء صدقته ولو وجدها تباع في السوق , سدا لذريعة العود فيما خرج عنه لله ولو بعوضه . وإن المتصدق إذا منع من أخذ صدقته بعوضها , فأخذها بغير عوض أشد منعاً , وإن في تجويز أخذها بعوض ذريعة إلى التحايل على الفقير بأن يدفع إليه صدقة ماله , ثم يشتريها بأقل من قيمتها ؛ ويرى المسكين أنه قد حصل له شيء من حاجته , فتسمح نفسه بالبيع .
"وهكذا كثرت الآثار الواردة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه , وقد ساق بن القيم في "إعلام الموقعين" نحو تسعين شاهداً من الآثار , ثبت فيها النهي سداً للذرائع .
"ولقد عدت الذرائع في شرائع الإسلام نصفها".
* * *
مبدأ المصالح المرسلة , ومبدأ سد الذرائع , عند تطبيقها في محيط أوسع , يمنحان الإمام الذي ينفذ شريعة الله سلطة واسعة لتدارك كل المضار الاجتماعية , بما في ذلك "التوظيف" في الأموال . رعاية للصالح العام للأمة وتحقيق العدالة الاجتماعية الكاملة .
فمبدأ حق الملكية الفردية في الإسلام , لا يمنع تبعاً لهذا أن تأخذ الدولة نسبة من الربح أو نسبة من رأس المال ذاته . على أن تظل قاعدة النظام الإسلامي مرعية . وهي أن تكون للناس ملكياتهم الخاصة , واستثماراتهم الخاصة , مقيدة بطرق التنمية المشروعة . وأن يكون التوظيف في الأموال الخاصة . بقدر الضرورة . بقدر الضرورة الطارئة حتى لا تستوحش قلوب الناس , ولا تفتر همتهم , ولا يقل اهتمامهم بتنمية الثروة وتحسين الإنتاج .. وقبل ذلك كله , وأهم من ذلك كله أن تبقى لهم طمأنينتهم على أرزاقهم , وألا يصبحوا عبيداً للدولة يخشون إن هم نصحوها أو عارضوها قطع أرزاقهم . فالمسلم ـ كل مسلم ـ مكلف أن يراقب الحاكم , وأن يكفه عن الانحراف عن شريعة الله .. فأنى له هذا إذا كان رزقه ليس في يده . ولا مال له إلا ما يسمح له به ؟!
وبيان هذا ضروري , لكشف هذا التواطؤ الذي يبدو في تركيز القول كله حول الزكاة , كأنما هي كل حق المال في الإسلام , وكشف أولئك المحترفين الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً . وما يأكلون في بطونهم إلا النار ! وكشف أولئك الذين يصغرون من شأن الضمانات في النظام الإسلامي , ويقولون بعدم كفايتهم , ليقولوا بعد ذلك بعدم كفاية النظام الإسلامي للحياة الحديثة !
وكله رجم وافتراء , وجهل بحقيقة الإسلام , ونظام الإسلام , وبالواقع التاريخي الذي سجله هذا النظام ...
* * *
وبعد فنحن لا نكتب هنا عن " النظام الاقتصادي في الإسلام" حتى نلم بكل جوانب هذه النظام . إنما نحن نكتب عن "سياسة المال" فيما يتعلق بموضوع "العدالة الاجتماعية".. وحقيقة أنه لا يمكن فصل جانب عن جانب في المنهج الإسلامي الشامل المتكامل للحياة ؛ ولكن طبيعة الموضوع الذي يعالجه هذا الكتاب لا تسمح بالتوسع أكثر من هذا في عرض تفصيلات "النظام الاقتصادي الإسلامي".
فنكتفي إذن بالقول بان القواعد الأساسية لهذا النظام تتلخص في :
1ـ قيامه على أساس قاعدة " الاستخلاف المشروط".. فالله سبحانه هو الخالق المالك لكل ما في الأرض من أقوات وأرزاق وأموال .. وقد استخلف في الأرض "الإنسان" كجنس ـ على شرط أن يتصرف في هذا الملك بشريعة الله . فأيما خروج على هذا الشرط فهو مبطل للتصرف , ناقض لعهد الاستخلاف.
2ـ أن الاستخلاف عام .. ولكن الأفراد يحصلون على حق "الملكية الفردية" مقابل "عمل" .. ومن يملّكهم الشارع ـ سبحانه وتعالى ـ قسماً معيناً من المال .. ويحوط هذا الحق بكل الضمانات , التي تجعل الفرد عزيزاً كريماً مطمئناً على رزقه , كي يتفرغ للقيام بواجبه في رقابة تنفيذ شريعة الله .
3ـ أن الملكية الفردية ـ مع قاعدة هذا النظام ـ مقيدة بشروط في وسيلة التملك ووسيلة التنمية ووسيلة الإنفاق . تتحقق بها مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة . وتمنع من طغيان الفرد أو طغيان الجماعة ..
4ـ أن التكافل ـ مع الاحتفاظ بقاعدة الملكية الفردية ـ هو قاعدة الحياة في الأمة المسلمة . وهذه القاعدة تفرض تكاليف ذكرناها على الملكية الفردية , مبينة في الشريعة . وفيها الكفاية تماماً لتحقيق هذا التكافل العام.
5 ـ أن العدالة الاجتماعية تتحقق عن طريق هذا النظام بأفضل مما تتحقق في أي نظام من صنع البشر فيه الخطأ والصواب .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الترمذي (2)مسلم وأبو داود والترمذي
.
من الواقع التاريخي في الإسلام(1)
العدالة الاجتماعية في الإسلام الشهيد سيد قطب







 
رد مع اقتباس
قديم 17-11-2010, 01:15 AM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

من الواقع التاريخي في الإسلام(2)
العدالة الاجتماعية في الإسلام الشهيد سيد قطب

وبعد فلعل مما يتصل بالمساواة الإنسانية والتحرر الوجداني والعدالة المطلقة أن نتحدث عن الواقع التاريخي في معاملة البلاد المفتوحة , والطوائف غير الإسلامية في بلاد الإسلام .
فهذا لون من المساواة والعدل يتجاوز الأفراد إلى الجماعات ؛ ويتجاوز حدود الإسلام إلى حدود الإنسان .
عن الحديث عن البلاد المفتوحة ليسوقنا إلى الحديث عن طبيعة الفتح الإسلامي وأسبابه وغاياته . وهو مبحث طويل . نجتزئ منه بالقليل الذي لا بد منه , والذي له علاقة وثيقة بالعدالة الاجتماعية في محيطها الإنساني .
لقد قامت دعوة الإسلام على مخاطبة العقل والضمير والوجدان ؛ وتجردت من وسائل القهر , حتى القهر المعنوي بالخوارق المعجزة التي صاحبت الأديان الأولى ؛ فالإسلام هو الدين الذي احترم القوى المدركة الشاعرة في الإنسان , فاكتفى بخطابها بلا قهر ولا إعجاز بخوارق الطبيعة , فمن باب أولى ألا يجعل القهر المادي بالسيف أداة من أدواته .. " لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ .." (البقرة256) .." ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .." (النحل125) ولكن قريشاً وقفت أول الأمر بالقوة المادية في طريق الدين الجديد ؛ آذت من شرح الله صدره للإسلام ؛ وشردت المسملين القلائل من أرضهم وديارهم وأبنائهم ؛ وتآمرت عليهم أن تقاطعهم في الشُعُب حتى يهلكوا جوعاً ؛ ولم تدع وسيلة من وسائل القوة المادية إلا استخدمتها للصد عن هذا الدين فلم يكن بد أن يدفع الإسلام عن نفسه , وأن يرد هذا الظلم عن أهله : " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ "(الحج39).."وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ "(البقرة190).
ثم خلصت جزيرة العرب للإسلام , فامتدت الفتوح إلى ما وراء الجزيرة . ففيم كانت هذه الفتوح ؟
إن الإسلام كما أسلفنا عقيدة عالمية , ودين عام ؛ فهو لا يحصر نفسه في حدود الجزيرة , إنما يريد أن يفيض على الإنسانية كلها في جميع أقطارها . ولكنه يجد أمامه قوة الدولة في إمبراطوريتي كسرى وقيصر المتاخمتين له , تقف له بالمرصاد ؛ فلا تسمح لدعاته أن ينتشروا في الأرض , ليكشفوا للناس عن حقيقة هذا الدين . ولا بد له أن يزيل هذه القوة ـ قوة الدولة ـ ويقيم مكانها النظام الإسلامي القائم على عبودية الناس لله وحده , وخروجهم من العبودية للعباد , ليخلي بين الهدي والناس , وليسمع كلمته الخالصة ؛ فمن شاء استمع إليها وهو حر الإرادة ؛ ومن شاء أعرض عنها وهو مالك لأمر نفسه , بعد أن تزول قوة الدولة المادية من الطريق . وبعد أن تصبح الدينونة لله وحده ـ بسيادة شريعته ونظامه ـ ولا تكون لأحد من العباد . وهذا معنى أن يكون " الدين" كله لله حسب التعبير القرآني الكريم :" وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ .."(الأنفال39) فالدين هنا الدينونة . والمقصود به أن تكون حاكمية الله وحدها التي يدين لها الناس , وأن يخرجوا من حاكمية العباد ثم يختاروا عقيدتهم بلا إكراه ...
هذه الفتوح الإسلامية إذن لم تكن غزواً للشعوب بالقوة ؛ ولا استعماراً للاستغلال الاقتصادي على نسق الاستعمار في القرون الأخيرة . إنما كانت إزالة للقوة المادية للدولة التي تحول دون الشعوب ودون العقيدة الجديدة . كانت غزواً روحياً للشعوب , وغزواً مادياً للحكومات التي تقهر هذه الشعوب , وتصدها عن الدين الجديد بالقوة المادية والجبروت , وتخضعها للمتألهين من الحكام .
وتبعاً لحقيقة أن الإسلام دين للبشر كافة وأنه لا يعتمد على القهر المادي , وإنما وضع شعوب الدنيا أمام ثلاث طرق , لكل أن يسلك إحداها : الإسلام أو الجزية أو القتال .
فأما الإسلام , فلأنه الهدى ولأنه التصور الجديد الكامل عن الألوهية والكون والحياة والإنسان ؛ وهو المجاز الذي يعبره غير المسلم , فإذا هو منذ اللحظة الأولى أخ لجميع المسلمين , له ما لهم ولهم وعليه ما عليهم , ولا يرتفعون عليه بحسب أو نسب أو مال أو جاه , ولا يختلف عنهم بجنس أو لون أو أمة أو عشيرة .
وأما الجزية , فلأن الفرد المسلم يؤدي ضريبة الدم لحماية الدولة ؛ ثم يؤدي للدولة الزكاة لحماية المجتمع . والفرد غير المسلم يتمتع بالأمن في ظل الدولة الإسلامية , وبالحماية الداخلية والخارجية , وبسائر المرافق التي تهيئها الدولة للسكان , وكما يتمتع بالضمان الاجتماعي عند العجز والشيخوخة . فيجب عدلاً أن يساهم في هذا كله بالمال . ولما كانت الزكاة عبادة إسلامية فوق أنها فريضة مالية , فإن الإسلام ـ زيادة في حساسيته تجاه الذين لا يعتنقونه ـ لم يشأ أن يرغمهم على أداء عبادة إسلامية , فأخذ منهم الفريضة المالية في صورة جزية , لا في صورة زكاة , منظوراً في تقديرها إلى ضريبة الدم التي لا يؤديها إلا المسلمون . وهذا ما يهدف إليه الإسلام .
وأما القتال ؛ فلأن إباء الإسلام والجزية دليل على الإصرار الواضح على الحيلولة دون الإسلام وأفكار الناس . فيجب إذن أن يزال هذا الإصرار المادي بالقوة المادية , لأن هذا هو الطريق الوحيد الأخير .
ولقد حقق الإسلام أهدافه كاملة في البلاد المغزوة ؛ فكفل لأهلها المساواة المطلقة بأهل الجزيرة في حالة الإسلام ؛ وكفل لهم حقوق الإنسان الكريمة في حالة دفع الجزية ؛ وكفل لهم معاملة الإنسانية العادلة في حالة القتال .
وأقر الإسلام بعض حكام البلاد المفتوحة على حكمها إذ صاروا من المسلمين . فهذا "بازان" الفارسي يقره أبو بكر على حكم اليمن . وهذا "فيروز" يقيمه حاكماً على صنعاء , فلما أجلاه عنها قيس بن عبد يغوث العربي , رده إليها أبو بكر منتصراً للمسلم الفارسي على المسلم العربي !
كذلك أقر الحكام المسلمون كثيراً من الموظفين في بلادهم المفتوحة على وظائفهم التي هي دون الولاية , ممن بقوا على دينهم ولم يسلموا , وأخلصوا في العمل للصالح العام .
ومع أن نصوص الإسلام تبيح للفاتحين أن يستأثروا بكل ما يملك المحاربون الذين يأبون الإسلام والجزية ويقاتلون المسلمين , فإن عمر بن الخطاب حين فتحت فارس على أيامه تصرف بما أملته عليه روح الإسلام , فاستبقى الأرض لأهلها وفرض عليها الخراج , مراعياً في ذلك مصلحتين : مصلحة أهل البلاد المفتوحة ـ ولو أنهم قاتلوا المسلمين ـ لتبقى لهم وسيلة ارتزاقهم وعملهم ؛ ومصلحة الأجيال من المسلمين ؛ فلا يستأثر بالأرض دونهم الفاتحين في جيل واحد ؛ بل يؤخذ منها الخراج فينفق في مقبل الأجيال على المصالح العامة ؛ وينال منه المستحقون بقدر ما يستحقون في الزمن الطويل .
وهناك ظاهرة واضحة في معاملة الإسلام للبلاد المفتوحة . فلقد عاملها على الأساس الإنساني الكريم ؛ فأباح لها كل ما فيه من خير ؛ وأتاح لها التمتع بمزاياه جميعاً دون قيد ولا شرط ؛ بل دعاها بكافة الوسائل إلى الانتفاع بذلك الخير والتمتع بهذه المزايا . ولم يقم حاجزاً من اللون أو الجنس أو الدين أو اللغة أمام أحد ؛ فاستطاع الجميع أن يبذلوا نشاطهم الطبيعي لخير الجميع وقد أسلفنا كيف نبغ الموالي وأبناء البلاد المفتوحة في خاصة ما يختص بالإسلام وهو الفقه والحديث ؛ فلم يكن مرفق من مرافق الحياة العامة موقوفاً على أبناء الجزيرة الفاتحين ؛ حتى الولاية العامة كانت من نصيب بعضهم في بعض الأحيان . كما أن أموال كل بلد كانت تنفق في مصالحه أولاً ؛ فلا يرسل إلى بيت المال إلا ما فضل منها . فلم تكن البلاد المفتوحة مستعمرة يعيش الفاتحون من دماء أهلها وأموالهم .
مما يتصل بهذه الظاهرة الواضحة تلك الحرية التي كفلها الإسلام لأهل البلاد المفتوحة في مزاولة شعائرهم الدينية ؛ وهذه الحماية التي فرضها لبِيَعهم وكنائسهم ومعابدهم وأحبارهم ورهبانهم ؛ وهذا الوفاء بالعهود المقطوعة لهم وفاء نادر المثال لم تعرفه الإنسانية في معاملاتها الدولية في القديم أو الحديث . وما تزال تقاليد الإسلام إلى اليوم عاملة في هذا المجال .
وإن الإسلام ليبدو فارعاً سامقاً رفيعاً كريماً في واقعه التاريخي في جميع العصور , حينما تقاس إليه الحضارة الغربية القائمة , وما تصنعه بالبلاد التي يوقعها سوء الطالع في أوهاق الاستعمار , حيث يحال بين هذه البلاد وبين المزايا الحقيقية للحضارة الغربية في التربية والتعليم , وفي الاقتصاد والتعمير , كي تبقى أطول أمد ممكن بقرة حلوباً للمستعمرين . وذلك فوق الإذلال لكل كرامة إنسانية , فردية أو جماعية ؛ وفوق الفساد الخلقي الذي ينشر عن قصد وسوء نية ؛ وفوق الفتن الحزبية والطائفية التي تبذر بذورها ويتعهد غرسها ؛ وفوق سائر ألوان اللصوصية والنهب والسلب للأفراد والجماعات والشعوب . فأما الحرية الدينية التي يتشدق بها بعضهم في هذا الزمان , فقد سبقتها فظائع محاكم التفتيش في الأندلس , وفظائع الحروب الصليبية في الشرق . وما تزال هذه الحرية الدينية شكلية . فقد كان المبشرون المسيحيون في السودان الجنوبي إلى عهد قريب جداً تجند لهم كل قوى الدولة , بينما يحظر دخول المسلمين حتى للتجارة , وهذا "اللنبي" القائد الإنجليزي في الحرب العظمى الماضية يعبر عن نفس كل أوربي وهو يدخل بيت المقدس فيقول :"الآن انتهت الحروب الصليبية" . وهذا الجنرال كاترو الفرنسي يقف في دمشق في ثورتها الأخيرة عام1940 فيقول :"نحن أحفاد الصليبيين, فمن لم يعجبه أن نحكم فليرحل".
ويقول مثلها زميل له في الجزائر سنة1945 . فأما في الكتلة الشيوعية فالمسلمون يصب عليهم الإفناء بالجملة , فيتناقص عددهم في ربع قرن من اثنين وأربعين ملوناً إلى ستة وعشرين مليوناً في روسيا , ويحزمون الآن بطاقات التموين التي يستحيل على الأفراد أن يحصلوا على ضرورياتهم بدونها . ويقال لهم : لكم أن تصلوا لله إذا شئتم , ولكن لا طعام لكم من الدولة فاطلبوا من الله هذا الطعام ! وشبيه بهذا ما يصيبهم في الصين ويوغسلافيا وفي كل مكان .
لقد كان الإسلام قمة في العدل الاجتماعي الإنساني الشامل لم تبلغها بعد الحضارة الأوربية . ولن تبلغها أبداً لأنها حضارة المادة الجامدة . حضارة القتل والقتال والغلب والنضال !(1)
* * *
ولقد سبق الحديث عن منهج الإسلام في الرحمة والبر والتكافل الاجتماعي الشامل بين القادرين والعاجزين , وبين الأغنياء والفقراء , وبين الفرد والجماعة , وبين الحاكم والمحكوم ؛ بل بين جميع أبناء الإنسان . فالآن نعرض نماذج من الواقع التاريخي , مما حفل به تاريخ الإسلام الطويل .
فهذا أبو بكر كان له يوم أسلم أربعون ألف درهم مدخرة من ربح تجارته , وقد ربح الكثير من التجارة بعد إسلامه ؛ فلما هاجر إلى المدينة مع صاحبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن قد بقى له من كل مدخره سوى خمسة آلاف درهم . لقد أنفق ماله المدخر في افتداء الضعفاء من الموالي المسلمين الذين كانوا يذوقون العذاب ألواناً من سادتهم الكفار , كما أنفقه في بر الفقراء والمعوزين .
وهذا عمر بن الخطاب ـ وإنه لرجل فقير ـ يصيب أرضاً بخيبر , فيجيء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقول : أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه . فما تأمر به ؟ فيجيبه الرسول :"إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها " , فيجعلها عمر وقفاً على الفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل الله والضعيف , لا جناح على وليها أن يأكل منها بالمعروف , ويطعم صديقاً غير متمول فيها . ويخرج بذلك من أعز ماله تصديقاً لقول الله :" لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ .. (آل عمران92).
وهذا عثمان ـ قبل الخلافة ـ ترد له عير من الشام في وقت نزل فيه البرح بالمسلمين من الجدب , فإذا هي ألف بعير موسوقة براً وزيتاً وزبيباً , فيجيئه التجار يقولون : بعنا من هذا الذي وصل إليك , فإنك تعلم ضرورة الناس فيقول : حباً وكرامة . كم تربحوني على شرائي ؟ فيجيبون : الدرهم درهمين . فيقول : أعطيت أكثر من هذا . فيقولون : يا أبا عمرو , ما بقي في المدينة تجار غيرنا , وما سبقنا إليك أحد , فمن ذا الذي أعطاك ؟ فيجيب : إن الله أعطاني بكل درهم عشرة , أعندكم زيادة ؟ فيقولون : لا فيشهد الله على أن هذه العير وما حملت صدقة لله على المساكين والفقراء من المسلمين .
وهذا عليّ وأهل بيته يتصدقون بثلاثة أرغفة من سويق كانت لهم , على مسكين ويتيم وأسير ,ثم يبيتون على الطوى , وقد شبع المسكين واليتيم والأسير .
وهذا الحسين يثقله الدين وهو يملك عين أبي نيزر , فلا يبيعها , لأن فقراء المسلمين يستقون منها , فهي لهم , وليحتمل ثقلة الدين وهو الكريم بن الكرام من ذروة بني هاشم . وهؤلاء الأنصار في المدينة يشركون المهاجرين في أموالهم ومساكنهم ويؤاخونهم فيعقلون معاقلهم , ويفدون عانيهم , يخلطونهم بأنفسهم "..وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ .. (الحشر9) . كما وصفهم القرآن الكريم .وتظل روح الإسلام عاملة في هذا الاتجاه ما بعدت دار الإسلام عن التأثر بالحضارة الغربية المادية , فيروي الأستاذ عبد الرحمن عزام في كتابه "الرسالة الخالدة" عن قبيلة الطوارق يقول : " رأيت بعض قبائل الطوارق في شمال إفريقية يحيون حياة هذا التكافل السعيد ؛ فليس فيهم من يعيش لنفسه , وإنما لجماعته , وأعظم ما يفخر به ويعتز , هو ما يصنع لهذه الجماعة . وأول ما لفت نظري لحالتهم هذه أن رجلاً من أهل الحضر هاجر من الفرنسيين , ونزل في فزان , فجاورهم وعاش بفضلهم ؛ ثم خرج يطلب الرزق , ويريد أن يرد الجميل , وترك أسرته في جوار هذه الجماعة الإسلامية . غير أن النحس لازمه , ولم يستطع كسباً , فجاءنا "مصراتة" يستمدنا , فأعنِّاه ليعود إلى أهله , ولكنه عاد إلىّ بعد نحو سنة مرة أخرى , فظننت أنه رجع من أهله , فقال : لا . وإنما الآن أستطيع الرجوع إلى أهلي . فقلت : وكيف ذلك ؟ قال : بعد لقاءنا الخير اتجرت بما حصلت عليه , وأصبح الآن في يدي ما أعود به إلى جماعة الطوارق ؟ قال إلى الطوارق أولا , فهم آووا أولادي في غيبتي , وأنا سأكفل أولاد من أجده غائباً منهم , وأُقَسّمُ ما أَعْطَى الله بين أولادي وأولاد جيراني . فقلت : هل تعيش جماعتكم كلها كما تعيش أنت مع جيرانك ؟ قال : كلنا في الخير والشر سواء , والفضل لصاحب الفضل , والواحد من جماعتنا يستحي أن يعود إلى النجع خالياً , لا حياء من أهل بيته , بل حياء من جيرانه الذين ينتظرون عودته كأهل بيته سواء بسواء " .
ثم يعقب على هذه المشاهدة بكلمة صادقة تمثل الحقيقة الواقعة : " ليست جماعة الطوارق هذه أو أضرابها من أهل البادية وسكان القفر مختصة بهذه الروح الجماعية , ولا هي من مستلزمات عصبيتها , وإنما هي الروح الإسلامية أكثر ظهوراً في هؤلاء الذين لا يزالون بمعزل من الحياة الحديثة المادية . وقد وجدت هذه الروح في الدساكر والقرى الإسلامية التي لا تزال مطبوعة بالطابع الإسلامي , سواء أكان أهلها عرباً أم عجماً , بيضاً أم سوداً , في المشرق أم في المغرب . فقد رأيت جماعة المسلمين في كثير منها لا يزالون يحيون حياة الخير والتضامن والتكافل والتعاون على البر .. لا يزالون أقرب إلى المجتمع الصالح كما أراده صاحب الدعوة , من عشرات الملايين الذين فتنوا بالحضارة الغربية المادية , فهم يعيشون لأنفسهم , ولو انقرضت جماعتهم , ويؤثرون شهواتهم على البر بأهلهم فضلاً عن جيرانهم ".
هذا التكافل الذي توحي به روح الإسلام لم يكن متروكاً للوجدان الفردي والجماعي وحده . فقد كان الحاكم يُلزم به ويطيقه . فهذا عمر بن الخطاب يفرض للمفطوم والمسن والمريض فريضة من بيت المال ـ وذلك غير مصارف الزكاة المعروفة . وهذا هو يدرأ حد السرقة في عام الرمادة حين جاع الناس . لأن في الجوع شبهة الاضطرار إلى السرقة , والحدود تدرأ بالشبهات . ولعل الحادثة التالية عن عمر ذات معنى حاسم في التطبيق العملي للتكافل , ولحق الملكية الفردية وحدوده في محيط الجماعة !
"روي أن غلماناً لابن حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة , فأتى بهم عمر فأقروا , فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم , فلما ولىّ رده , ثم قال . أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم , حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له , لقطعت أيديهم ثم وجه القول إلى عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة فقال : وأيمن الله إذ لم أفعل ذلك لأغرمنك غرامة توجعك ! ثم قال : يا مزني , بكم أريدت منك ناقتك؟ قال بأربعمائة . قال عمر لأبن حاطب : إذهب فأعطه ثمانمائة " وأعفي الغلمان السارقين من الحد , لأن صاحبهم اضطرهم إلى السرقة لجوعهم , وحاجتهم إلى سد رمقهم .
ومما يزيد في جلال هذا التكافل الاجتماعي في تاريخ الإسلام أن يتعدى الدائرة الإسلامية إلي الدائرة الإنسانية .
رأى عمر شيخاً ضريراً يسأل على باب فسأل , فعلم أنه يهودي فقال له : ما ألجأك إلى ما أرى ؟ قال : الجزية والحاجة والسن . فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فأعطاه ما يكفيه ساعتها , وأرسل إلى خازن بيت المال : أنظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته , ثم نخذله عند الهرم . إنما الصدقات للفقراء والمساكين . وهذا من مساكين أهل الكتاب . ووضع عنه الجزية وعن ضرباءه .
ولما سافر إلى دمشق مر بأرض قوم مجذمين من النصارى , فأمر أن يعطوا من الصدقات , وأن يجري عليهم القوت . وهكذا ترتفع روح الإسلام بعمر إلى هذا الأفق الإنساني الكريم منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً ؛ فيجعل الضمان الاجتماعي حقاً إنسانياً , لا يتعلق بدين ولا ملة , ولا تعوقه عقيدة ولا شرعة .
ألا إنه الأفق البعيد السامق الذي تطلع البشرية اليوم دون مرتقاه !
فأما سياسة الحكم وسياسة المال من الوجهة الرسمية في الدولة , فقد شهد الواقع التاريخي عنهما فترة فريدة في حياة الإسلام , ولم تعمر طويلاً مع الأسف الشديد . وسنرى فيما بعد علة هذا , لنرى إن كانت العلة كامنة في طبيعة النظام الإسلامي في هاتين الناحيتين كما يزعم الزاعمون أم إنها الملابسات الأخرى التي لا علاقة لها بطبيعة هذا النظام . ولنبدأ بالحديث عن سياسة الحكم , إذ كانت سياسة المال في الواقع التاريخي تبعاً لها , وفرعاً عن تصورها . حينما حضرت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الوفاة دعا بأبي بكر ليصلي بالناس ؛ فلما راجعته عائشة , لأن أبا بكر رجل أسيف , فإذا قام في الناس لم يسمعوا صوته .. أخذه الغضب , وذكر صويحبات يوسف ! وأصر على دعوة أبي بكر ليصلي بالناس . أفكان ذلك استخلافاً من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لصاحبه في الغار ؟ وهل فهم المسلمون منه فهماً صريحاً ؟
نستبعد نحن الفرضين . فلو شاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يستخلف , ولو كان هذا الاستخلاف من فرائض هذا الدين , لجهر بالاستخلاف كما جهر بكل فريضة أخرى من فرائض دينه . ولو أنّ فهم المسلمون منه فهماً صريحاً أنه يستخلف أبا بكر ما ثار الجدل في السقيفة بين المهاجرين والأنصار , فما كان الأنصار ليجادلوا في أمر رسول الله . كان الأمر إذن للشورى بين المسلمين , وللإقناع وللاقتناع بمن هو أحق الناس بالخلافة . ولئن كان الجدل يوم السقيفة قد انتهى إلى أن تكون الخلافة في المهاجرين , فما كان ذلك فرضاً إسلامياً ؛ ولكنه تواضع بين جماعة المسلمين , كان الأنصار يملكون رده ولا تثريب عليهم لولا أنهم ارتضوه لأنه أصلح خليفة , ولأن المهاجرين أسبق إلى الإسلام , ولعوامل محلية واقعة بين الأوس والخزرج كذلك في المدينة . وإذا كان التراضي قد تم يومذاك أن تكون الخلافة في المهاجرين , فما كان هناك ما يلزم أن تكون قريش خاصة ؛ ولو كان الأمر كذلك ما قال عمر بن الخطاب وهو يعين أهل الشورى بعده :"ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لاستخلفته" فسالم ليس قرشياً عن يقين وروح الإسلام ومبادئه تأبى أن تجعل لقريش درجة فوق درجة المسلمين , لمجرد أنها قريش , أو أن فيها نسب الرسول . والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الذي يقول :"من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (2) .
ولقد استخلف أبو بكر عمر , ولكن هذا لم يكن إلزاماً منه للمسلمين ؛ فلقد كانوا في حلّ من رد هذا الاستخلاف . وعمر لم يصبح خليفة بحكم استخلاف أبي بكر له , بل بمبايعة إياه . وكذلك عين عمر بعده ستة للشورى على أن يختاروا منهم واحداً . وما كان المسلمون بملزمين أن يختاروا واحداً من الستة , وإنما هم التزموا لأن الواقع كان يشهد بأن الستة هم الأفضل , وإن تعيين عمر لهم يتفق مع الواقع .. من هنا جاء الالتزام . فأما البيعة لعليّ ؛ فقد ارتضاها قوم , وأباها آخرون , فكانت الحرب للمرة الأولى بين المسلمين . وأعقبتها الكوارث التي حاقت بروح الإسلام ومبادئه في الحكم والمال , وفي غير الحكم والمال . هذا الاستعراض السريع يكشف لنا عن قاعدة الإسلام الأصيلة في الحكم . وهي أن اختيار المسلمين المطلق هو المؤهل الوحيد للحكم . وهذا ما فهمه المسلمون وهم يؤخرون علياً ابن عم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأقرب الناس نسباً إليه . ولقد يكون عليَّ قد غبن في تأخيره ـ وبخاصة بعد عمر . ولكن هذا التأخير كان له فضله في التقرير العملي لنظرية الإسلام في الحكم , حتى لا تقوم عليها شبه من حق الوراثة , الذي هو أبعد شيء عن روح الإسلام ومبادئه . وأياً كان الغبن الذي أصاب شخص الإمام كرم الله وجهه فإن تقرير هذه القاعدة كان أكبر منه على كل حال !
فلما جاء الأمويين , وصارت الخلافة الإسلامية ملكاً عضوضاً في بني أمية , لم يكن من وحي الإسلام , إنما كان من وحي الجاهلية الذي أطفأ إشراقه الروح الإسلامي . ويكفي أن نُثْبِت هنا بعض الروايات عن الملابسات التي صاحبت البيعة ليزيد بن معاوية : كان معاوية بعد أخذ البيعة ليزيد في الشام قد كلف سعيد بن العاص أن يحتال لإقناع أهل الحجاز , فعجز , فسار معاوية إلى مكة ومعه الجند والمال . ودعا وجهاء المسلمين فقال لهم : " قد علمتم سيرتي فيكم وصلتي لأرحامكم بيزيد أخوكم وابن عمكم , وأردت أن تقدموا يزيد باسم الخلافة , وتكونوا أنتم تعزلون وتؤمرون وتجبون المال وتقسمونه " فأجابه عبد الله بن الزبير مخيراً بين أن يصنع كما صنع رسول الله إذ لم يستخلف أحداً , أو كما صنع أبو بكر إذ عهد إلى رجل ليس من بني أبيه , أو كما صنع عمر إذ جعل الأمر شورى في ستة نفر ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه . فاستشاط معاوية غضباً وهو يقول : " هل عندك غير هذا ؟ " قال : لا . والتفت معاوية إلى الآخرين يسألهم : فأنتم ؟ قالوا على ما قال ابن الزبير . فقال يتوعدهم :"أعذر من أنذر . إني كنت أخطب فيكم فيقوم إليّ القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس , فأحمل ذلك وأصفح . وإني قائم بمقالة , فاقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه ؛ فلا يبقين رجل إلا على نفسه "!
فأما الذي كان بعد ذلك , فهو أن أقام صاحب حرس معاوية رجلين على رأس كل وجيه من وجهاء الحجاز المعارضين , وقد قال له معاوية :"إن ذهب رجل منهم يرد عليَّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما ".
ثم رقي المنبر فقال :"هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم , لا يبرم أمر دونهم ولا يقضي إلا على مشورتهم . وإنهم قد رضوا وبايعوا يزيد , فبايعوه على اسم الله "(3) .
فبايع الناس !!!
على هذا الأساس الذي لا يعترف به الإسلام البتة قام ملك يزيد . فمن هو يزيد ؟
هو الذي يقول فيه عبد الله بن حنظلة : " والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمي بالحجارة من السماء . إن رجلاً ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر , ويدع الصلاة . والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت الله فيه بلاء حسناً ".
فإذا كانت هذه مقالة خصم ليزيد , فإن تصرفات يزيد العملية الواقعية فيما بعد , من قتل للحسين ـ رضي الله عنه ـ على ذلك النحو الشنيع , إلى حصار البيت ورميه ... إلخ تشهد بأن خصوم يزيد لم يبالغوا كثيراً فيما قالوه !
وأياً ما كان الأمر فإن أحداً لا يجرؤ على الزعم بأن يزيد كان أصلح المسلمين للخلافة وفيهم الصحابة والتابعون . إنما كانت مسألة وراثة الملك في البيت الأموي . وكان هذا الاتجاه طعنة نافذة في قلب الإسلام , ونظام الإسلام , واتجاه الإسلام . وفي سبيل تبرئة الإسلام : وروحه ومبادئه , من ذلك النظام الوراثي الذي ابتدع ابتداعاً في الإسلام نقرر هذه الحقائق لتكون واضحة في تصور الحكم الإسلامي على حقيقته .
* * *
ولكي ندرك عمق هذه الحقيقة , يجب أن نستعرض صوراً من سياسة الحكم في العهود المختلفة على أيدي أبي بكر وعمر . وعلى أيدي عثمان ومروان . وعلى يدي عليّ الإمام . ثم على يدي الملوك من أمية . ومَن بعدهم من بني العباس . بعد هذه الهزة المبكرة في تاريخ الإسلام .
حينما ندب المسلمون أبا بكر ليكون خليفة رسول الله , لم تزد وظيفته في نظره على أن يكون قائماً بتنفيذ دين الله وشريعته بين المسلمين ! فلم يخطر له أن هذه الوظيفة تبيح له شيئاً لم يكن مباحاً له وهو فرد من الرعية , أو تمنحه حقاً جديداً لم يكن له , أو تسقط عنه تكليفا واحداً مما يكلفه , سواء لنفسه أو لعشيرته أو لأهله !
وقف عقب انتهاء البيعة له بالسقيفة فقال : " أما بعد ـ أيها الناس ـ فإني قد وليت عليكم , ولست بخيركم , فإن أحسنت فأعينوني , وإن أسأت فقوّموني . الصدق أمانة والكذب خيانة . والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله , والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله , ولا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ؛ ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء . أطيعوني ما أطعت الله فيكم ورسوله . فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ".
وكان منزل أبي بكر بالسنح على مقربة من المدينة منزلا صغيراً متواضعاً . فلما ولي الخلافة لم يغيره ولم يغير فيه . وكان يمشي على قدميه من منزله بالسنح إلى المدينة غدواً ورواحاً ؛ وربما ركب فرساً له لا أفراس بيت المال ؛ حتى إذا زادت أعباء عمله انتقل إلى المدينة . وكان يعيش من رزقه في التجارة , فلما أصبح أراد أن يغدو على تجارته . فامسكه المسلمون , وقالوا : إن هذا الأمر لا يصلح مع التجارة . فسأل ـ كأنما لا يعلم طريقاً آخر للقوت ـ ومم أعيش ؟ فترووا في الأمر ؛ ثم جعلوا له من بيت المال كفايته لقوته وقوت عياله , جزاء قعوده عن التجارة , واحتباسه للوظيفة .
ومع هذا فقد أوصى عندما حضرته الوفاة أن يحصي ما أخذه من بيت المال , فيرد من ماله وأرضه , تورعاً وتعففاً عن مال المسلمين . وكان يعد نفسه مسؤولاً عن حاجة كل فرد في الرعية , مدفوعاً إلى هذا باليقظة الدائمة التي يفرضها الإسلام على ضمير الحاكم والمحكوم , والحساسية المرهفة التي يثيرها في ضمير الجميع . وقد وصل في هذا إلى حد أنه قد كان يحلب لضعفاء ممن حوله بالسنح أغنامهم ؛ فلما ولي الخلافة سمع جارية تقول : اليوم لا تحلب لنا منائح دارنا ! فقال : بلى لعمري لأحلبنها لكم .. فكان يحلبها , وربما سأل صاحبتها : يا جارية ! أتحبين أن أرغي لك أم أصرح ؟ فربما قالت : أرغ , وربما قالت : صرح . فأي ذلك قالته فعل . وكان عمر بن الخطاب ـ في خلافة أبي بكر ـ يتعهد امرأة عمياء بالمدينة ويقوم بأمرها , فكان إذا جاءها ألفاها قد قضيت حاجتها ؛ فترصد عمر يوماً , فإذا أبو بكر هو الذي يكفيها مؤونتها , لا تشغله عن ذلك الخلافة وتبعاتها . عندئذ صاح عمر حين رآه :"أنت هو لعمري!"
هذه لمحة من تصور أبي بكر للحكم . فلما أن خلفه عمر لم يختلف هذا التصور , ولم يفهم عمر أن منصبه الجديد يرتب له حقوقاً جديدة من أي نوع ـ غير أن يزيد في تبعاته في القيام بتنفيذ شرع الله .
خطب عقب البيعة له فقال :"أيها الناس : ما أنا إلا رجل منكم , ولولا أنني كرهت أن أرد أمر خليفة رسول الله ما تقلدت أمركم".
وخطب خطبته الثانية فقال فيها : " ولكم عليّ أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها : ولكم علي ألا أجتبي شيئاً من خراجكم ولا ما أفاء الله عليكم إلا من وجهه ؛ ولكم عليّ إذا وقع في يدي ألا يخرج منها إلا في حقه ؛ ولكم عليّ ألا ألقيكم في المهالك ولا أجمركم في ثغوركم , وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال ".
وكان يقول : " إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم , فإن استغنيت عففت عنه ؛ وإن افتقرت أكلت بالمعروف " .
سئل يوماً عما يحل له من مال الله فقال :"أنا أخبركم بما استحل منه : يحل لي حلتان : حلة في الشتاء وحلة في القيظ , وما أحج عليه وأعتمر من الظهر , وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش , ليس بأغناهم ولا بأفقرهم , ثم أنا رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم " .وكذلك عاش , ولكنه كثيراً ما كان يتحرج حتى مما أحل لنفسه .. اشتكى يوماً فوصف له العسل وفي بيت المال عكة منه , فلما كان على المنبر قال :" إن أذنتم لي فيها , وإلا فإنها عليّ حرام " , فأذنوا له .
ورأى المسلمون ما هو عليه من الشدة , فذهب بعضهم إلى ابنته حفصة أم المؤمنيين فقالوا لها :"أبى عمر إلا شدة على نفسه وحصرا , وقد بسط الله له في الرزق , فليبسط في هذا الفيء فيما شاء منه , وهو في حل من جماعة المسلمين " . فلما كلمته حفصة في ذلك كان جوابه : فأما في ديني وأمانتي فلا !"
وكان يشعر شعوراً عميقاً بوجوب المساواة بينه وبين أفراد رعيته ؛ فلما جاع الناس في عام الرمادة , آلى على نفسه : لا يذوق سمناً ولا لحماً حتى يحيا الناس . وظل كذلك حتى اسود جلده وبسر من أكل الزيت ؛ ثم جاءت السوق عكة من سمن ووطب من لبن اشتراهما غلام له بأربعين درهماً وذهب إليه ينبئه أن الله أحله من يمينه , وأن قد قدمت السوق عكة من سمن ووطب من لبن وقد اشتراها له فلما علم الثمن قال له :"أغليت فتصدق بهما , فإني أكره أن آكل إسرافاً " وأطرق هنيهة ثم قال :" كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما يمسهم ؟ ".
لقد كان يرى أن يحرم نفسه حرمان رعيته , وليحس بما يمسها كما قال ؛ ولأنه في أعماق نفسه ما كان يرى أن قيامه بالحكم يجعل له حقوقاً وامتيازات ليست لسائر الناس ؛ وأنه إن لا يعدل في هذا فما هو بمستحق طاعة الرعية ؛ وقصة البرود اليمنية , وإقراره بسقوط طاعته حتى يثبت عدله قد سبق أن ذكرناها ؛ وهي تقرر مبدأ من مباديء الحكم في الإسلام : وان لا طاعة لإمام غير عادل ؛ ولو كان يقر أن الحاكمية لله وحده ويحكم بشريعة الله , ولكنه لا يعدل في الأحكام .
ولقد كان هذا الشعور الإسلامي عميقاً في نفسه , مصاحباً له في كل ملابسة. فقد ساوم رجلاً على فرس , ثم ركبه ليجربه فعطب , فأراد أن يرده إلى صاحبه فأبى , فتحاكما إلى شريح القاضي , فسمع حجة كل منهما , ثم قال :" يا أمير المؤمنين خذ ما ابتعت , أو رد كما أخذت " فقال . عمر :" وهل القضاء إلا هكذا ؟ " . ثم أقام شريحاً على قضاء الكوفة جزاء ما قضى بالحق والعدل .
* * *
فإذا فهم عمر الحكم على أساس هذا التصور , فلا مجال لأن يكون لقرابة الحاكم امتيازات ما على سائر الرعية ما على سائر أفراد الرعية . فإذا . فإذا تناول ابنه عبد الرحمن الخمر فلا بد من الحد , وقصته في ذلك معروفة ؛ وإذا عدا ابن عمرو بن العاص على المصري فلا بد من القصاص . فأما في المال فعماله مسؤولون عن كل ما زاد في أموالهم بعد الولاية , خشية أن يكون نموّها على حساب مال المسلمين , أو بسبب من جاه الولاية . و"من أين لك هذا" كان قانونه الذي عامل به عماله واحداً واحداً كلما وجد مبرراً لأن يعملهم به , فقد قاسم عمرو بن العاص واليه في مصر , وسعد بن أبي وقاص واليه في الكوفة , كما ضم مال أبي هريرة واليه في البحرين .
ولقد كان قوام تصور الحكم في نفس عمر باختصار هو :الطاعة والنصح في حدود الدين من الرعية , والعدل والحسنى كذلك من الراعي . ولقد قبل من رجل من رعيته أن يقول له : " لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا " فأقر بذلك مبدأ حق الرعية في تقويم الراعي . كما خطب الناس يوماً فقال :" إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم , وليشتموا أعراضكم , ويأخذوا أموالكم ؛ ولكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم .فمن ظلمه عامل بمظلمة , فلا إذن له عليّ , ليرفعها إليّ حتى أقصه منه " . فأقر بذلك حدود الحاكم على الناس لا يتعداها .
ولشعوره العميق بتبعات الحاكم لم يشأ أن يجعلها اثنان من أسرة الخطاب , فمنع أن يكون ابنه عبد الله مرشحاً لها . وإن جعله من أهل الشورى . وقال قولته المشهورة التي تنطق بحقيقة تصوره للخلافة : " لا أرب لنا في أموركم , وما حمدتها فأرغب فيها لأحد من بيتي , إن كان خيراً فقد أصبنا منه , وإن كان شراً فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ".
* * *







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 01:16 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط