[frame="4 80"]" فجر جديد " نموذج للروح اللونية
- يوسف البادي * - 29/03/1427هـ
عند الفجر تتهيأ الألوان ليستيقظ زهوها، وتخرج مستقبلةً أعيادها مع الشمس.. لتلتقي بالدفء والحصاد الجديد، وتبدأ ابتسامات الرؤية وحزن الأحلام واقعها... ليشرق بعدها فجر جديد.
و " فجر جديد "... لوحة للدكتور الفنان العراقي صبيح كلش رئيس قسم التربية الفنية بجامعة السلطان قابوس، وهي بلا شك ليست المثال الوحيد في جمال لوحاته وروعتها.. لكنها تعطي نموذجا يحمل معه مميزات الروح اللونية التي تنفرد بها الكثير من لوحات الدكتور صبيح، التي تتوزع حسب رؤيتي الشخصية من ناحية الاستخدام اللوني إلى قسمين :
* الأول: يتسم بالحدة والثبات والاهتمام بموضوع اللوحة وأحاديته، خاصة في أعمال الفنان الأولى .
* الثاني: يكون استخدام اللون فيه متحركاً مشرقاً ذا شفــافية ليوجد الحياة اللونية وإستخدامه في الموضوع، ويشبه هذا الأمر الأسلوب والتوزيع اللــوني النمطية التي تُستخدم في عملية التلوين في السجاد الفارسي ذي الرسوم التجريدية. والفنان في لوحاته لا يتقيد بموضوع اللوحة وحدثها في التلوين ، بحيث لا ينتج عن ذلك ترجمات لونية لمعان باتت معروفه عن دلالات اللون بل يخلق عالماً جديدا من المعاني والإيحاءات الفنية، حيث تجذب لوحات الدكتور صبيح المتفرج للون والحدث في آن واحد دون أن يمس ذلك المعنى الداخلي في اللوحة .
* * * *
و" فجر جديد " .. يمكن إدراجها ضمن التصنيف الثاني، الذي كانت عليه أكثر لوحات الفنان ، والتي كثيرا ما تهتم بجمالية وإشراق اللون ورونقه .
هذا العمل الجميل بخلفيته الرمادية استطاع الفنان فيه المزاوجة بين أمري الظهور والاختفاء اللذين هما من واقعية شكل الفجر ووجوده ، وكان لاستخدام الشفافية اللونية هدف إيجابي خدم في توظيفه الإظهار الزماني لوقت الفجر وروحانيته في آن واحد ، وكانت المربعات التي تظهر في أعلى اللوحة قد قام الفنان بتوظيفها بأسلوبين :
* الأول : للإظهار الجمالي على شكل زخرفة وإيقاع لوني جميل ، وميزة تجميل اللوحة بالألوان لم تكن حاضرة في هذه اللوحة فقط .. بل إنها ميزة تحملها جل لوحات الفنان، حتى عندما يكون حدث اللوحة حزيناً ومضطرباً فإن هذا التزين اللوني لا يخلو منها، ومن ذلك لوحة الغدر.
* الثاني: وهو الأهم والذي تناول فيه الفنان مرحلة طلوع الفجر أو وقت ذهابه، فقام بتوزيع الألوان بين الأزرق والرمادي بدرجاتهما، إضافة إلى مربع برتقالي وحيد وهذا كله يمثل تلاشي الليل ليأذن بطلوع الفجر . وفي الجانب الآخر وفي مكان وجود (الديك) اشتغل الفنان بالشفافية اللونية مرة أخرى ليوازن بوجودها بينها والجانب الآخر في الأيسر من السماء.
في سماء منظر اللوحة بتجريديته الجميلة، الذي كان تقسيمه هنا إلى مربعات ذات دلالة زمانية، استخدم الفنان هذه المرة الحروفيات والكتابة باستهلالات إسلامية لتعطي انطباعاً بإسلامية المكان، وأحرف مرتلي القرآن الكريم مازالت قائمة وهي لا تموت حتى بعد طلوع الفجر .. وقد استخدم للوصول لهذا المعنى أسلوب شفافية اللون في الخط ومع خلفية السماء لإظهار ذلك ، ووزع لون الكتابة بين درجات الرمادي وصولاً للون الأبيض . غير أن الظهور الواضح لـ ( البسملة ) في الكتابة يعطي انطباعاً آخر يعكس بدء الحياة في القرية والنهوض للعمل والبدء ببسم الله الرحمن الرحيم .
ثمة أمر جميل كان في اختيار الدكتور صبيح كلش لنوعية الخط، فهو اختار الخط الفارسي للكتابة . وهو وفق في ذلك كثيراً، حيث إن هذا النوع يتسم بالرقة والوداعة واللين .. وهذا كله يتماشى وطلوع الفجر بكل ما يحويه من جماليات روحية وشاعرية رقيقة . كما أن هذا الاختيار ساعد على تخفيف الحدة في المربعات المكونة لشكل السماء . وهو ما ساعد أيضاً في الوحدة والربط بين شكل السماء والمربعات المكونة لشكل الحائط الذي يحتوي في مربعاته على رسومات بدائية متنوعة.
* * * *
الموضوع الذي يسيطر على مساحة غير قليلة في اللوحة ، تم ملؤه هنا بأسلوب وشكل مدروس بدأ بالتواصل مع المربعات التي كونت السماء وانتهاء بالتدرج من ضبابية اللون وشفافيته إلى شكله الصريح الذي انتهى بالأزرق .
لا يتضح في مكان وجود الديك ووقوفه فوق ( البيت ) مجتمعاً مع شكل السماء أي فواصل واضحة وحادة ، فتواصل اللون الأزرق مع جدار البيت يعطي شعوراً بالالتصاق الفطري بين البيوت الطينية القروية وبين الطبيعة التي حولها ، وكأسلوب لوني يُغيب الحدود والخطوط المزعجة بين الأشياء والموجودات في اللوحة ، وهذا يتماشى كثيراً وطبيعة الفجر التي تتسلل برقة بين الأشياء لتبدو كأنها واحدة .
يبدو أن حائط البيت الذي أمامنا سيذهب أبعد من ذلك، من كونه مفردة لاسم (بيت) .. فتكوين هذا الحائط يبتعد عن ذلك ويكتسب صبغة الانتشار الأوسع ليكون البيوت بمفهوما المادي كبيت له جدار وما يلزم لتكوينه ، ثم يتحول إلى البيت المعنوي الأكثر اتساعاً للقرية بكل ما فيها من أحاديث وصمت والتقاء وعمل وغيره من شؤون الحياة، وكل ذلك يجمله تنظيم وتنسيق يجمعه الفنان في تجميعه للآشكال المربعة المكونة لهذا البيت المتسع .
* * * *
بعد ذلك يبدأ الباب الأزرق في اللون بكل اتساعاته ليكون مصدراً للرزق الذي ينتشر من أجله الناس، والأزرق الذي يمثل للقرويين اللون الأهم في حياتهم وهو لون الماء، الذي يكون مصدراً في ري المزروعات والبساتين التي تكون مصدر دخلهم الأول، كما أنه اللون الذي يؤمنون به كطارد للأرواح الشريرة وواقياً من الحسد سواء للأشخاص أو ما هو حولهم من أشياء حياتية كالرزق الذي يأتيهم من حيث لا يعلمون.
* * * *
ترك الدكتور صبيح كلش فراغات جميلة كان لها خصوصية بصرية تتفاعل مع اكتمال اللوحة، بحيث إنها تظهر الأشياء أكثر وتقوي وجودها ، وذلك بدلاً من الاستخدام الكثيف لإظهار المواضيع والمستخدمات في العمل . كما أن التوازن اللوني أعطى تناظراً وموازنة جميلة استحقت أن تكون عنصراً مميزا في اللوحة .
ولأن الدكتور صبيح كانت فرشاته قد أسرت اللون في محطات الجمال، وأعطت للتكوين فسحة للانتشار الواسع في جداول اللوحة .. ولأنه يعرف أن الفجر أجمل الأوقات .. فإنه قد أسرنا في جميلة فرشاته ليذهب بنا دوماً ونظل بصحبته مع " فجر جديد " .
[/frame]