إشارات جائعة
تسمرتْ خطواته على الرصيف عندما لاحتْ له ، عيناه زائغتان تحاصرهما رغبة الاحتواء ، نقلَ قدمه اليمنى فالتصقت باليسرى ، اتسعتْ نظراته أكثر عندما اقتربتْ منه ، وصَلهُ عطر لم يألفه من قبل ، فتحَ شفتيه ومنخريه لاستقبال العطر القادم إليه ، تراجعَ خطوتين إلى الوراء عندما شعر باقترابها ، أسبلَ ذراعيه إلى الأسفل ، تباعدتْ شفتاه عندما غرسَ عينيه في صدرها النافر ، انسحبَ إلى الخلف ، لامسَ ظهره الجدار الخشن ، راودته الرغبة على الإبحار بالوجه الساحر الذي أمامه ، أرادَ البدء بالخطوة الأولى ، زمّ شفتيه ، انتقلتْ نظراته إلى شعرها ، رآه يتداخل بعضه ببعض في تناغم غريب كما تتداخل موجات البحر الهادئ بنسيم شفاف ساعة الفجر ، شهقَ عندما لامست عينيها نظراته الجائعة ، حاولَ الهروب فمنعه الجدار الملتصق بظهره ، أصبحتْ قريبة منه ، أطلقَ لعينيه حرية الإبحار ثانية ، استراحتْ نظراته على صدرها قليلا ، كانتْ تحملُ نهدين يتحركان تحت قميصها بجنون ، امتدت يده إلى جبينه ، أصبحَ لا يرى سوى جانب من وجهها ، انطلقتْ حسرة حارقة من داخله فخرجت إلى الفضاء ، سمعَ صوت حسرته ، أرخى جفنيه قليلا ، قدمه تتحرك قليلا وظهره غادر الجدار الخشن ، رأسه يدور باتجاه بوصلة الرائحة التي تفوح منها ، شعرها الفاحم النازل على ظهرها يشبه سواد أحلامه ، تحركتْ قدماه أكثر ، دسّ يده تحت قميصه ، ركبته نشوة راجفة عندما كانت عجيزتها تهتز خلف بنطال الجينز الضيق ، ترنح بخطوات مضطربة ، اطمأن لكثرة العابرين عندما استدارت صوب الشارع ، قفزَ قلبه عندما رآها تقفزُ إلى الشارع بخفة قطة متوحشة ، نظراته تتراقصُ على اهتزاز خطواتها ، أطبقَ شفتيه عندما انحدرَ خيطٌ رفيع من اللعاب من خاصرة شفته اليمنى ، رفع يده ليمسح لعابه بطرف كمّه الوسخ ، لم تعدْ نظراته قادرة على اللحاق بها ، تسللَ هاجس إليه لعبور الشارع ، ارتجفتْ خطواته عندما كان أسمه يملأ أذنيه ، استدارَ إلى الخلف مسرعا ، أحد الواقفين يهتفُ باسمه ويومئ له ، هرولَ باتجاه عربته الصغيرة ، سحبها بحماس ، خطواته تتسارعُ نحو الرجل الواقف ، انحنى ليلتقط كيساً من الطحين ، رفعه بجهد ، لا زالت رائحتها تهيّج فيه إحساسا غريبا ، أرادَ عبور الشارع ، التفتَ إلى الرجل الذي طلب منه التمهل ، قدمه خرجتْ من نعله الممزق ، رفعَ رجله اليسرى إلى الأمام بقوّة ، طار نعله في الهواء ، حرّرَ الرجل اليمنى ، تركَ نعليه في المكان ، أمسك عربته الصغيرة ، دفعها إلى الأمام ، وعيناه تتخبطان في وجوه العابرين .