وماذا بعد؟!
1 :
جلسة رباعية ضمت أربعة أشخاصٍ يبتسمون خوفاً من أن يلمحهم طرف يأس شارد , فيشمت وتكون النهاية .. هى جلسة مسائية ضمت ثلاثة من الأصدقاء وكاتب المقال .. بدأناها بقليل من الطعام ؛ كى يكسر حاجز الملل اللحظى , ثم تطرقنا إلى أحاديث مختلفة عن الحب والسياسة والزواج والغيرة وكل مايخص النكهة المصرية الأصيلة .. دار الحديث عن اليُتم فاكتشفنا أن رباعيتنا تنهل جميعاً من كأس واحدة .. كأس اليتم ..ربمأ أشرب كثيرا ويشرب هو قليلا .. ربما نتسابق على تذكر تواريخ وفياتنا .. لكننا جميعا نشترك فى تلك الصفة الآدمية00 يتامى وبلا فخر .. ضحكنا جميعاً من تلك الصدفة العجيبة , ثم بدأنا سرد الأحداث بالتفاصيل والأرقام التى كنا نعتقد أنا نسيناها .. هذا توفى أبوه منذ ثلاثة أعوام ... هذا تركه أبوه وحيداً هنا على هذه الأرض ليواجه مشاكسين مثلنا ويبتسم .. هذا رحلت أمه منذ اثنى عشر عاماً ؛ لتتركه يتعلم كيف ينطق أبجديات الحياة من جديد .. وهذا أنا ... اكتشفتُ أن الأم رحلت منذ أربعة عشر عاماً ... يا إلهى كيف لى أن أتحمل برد كل هذه السنوات دونما خطأ؟! .. تبسمنا جميعا ثم غمزنى أحدهم " مين قدك ياعم بقيت قائد لواء اليتامى .. وماذا بعد؟! 0
2:
كنتُ على وشكٍ أن أصدق خبراً داخليا أذاعته محطاتى القلبية عن حالةٍ من الجمود العاطفى والقسوة المتجددة اجتاحت شواطئ قلبى المغمور .. انزعجتُ كثيراً حين أذيع هذا الخبر عنى .. فمثلى لا يحب أن ينتقدنى .. كنت فى حفل زفافٍ عائلى حيث " الفتيات الأمورات" وحيث كل من كان فى الحفل منشغلاً بطلاء وجوههم استعداداً لصورة جديدة .. التفتُّ حولى فوجدتُ بجانبى " الشيخ جمال" .. رجلٌ أعرفه جيداً كما أعرف قلمى ..ربما لقبوه بالشيخ لتأخرٍ عقلى أصابه منذ الصغر .. ربما لقبوه بهذا لأنهم لم يدركوا كيف يتعامل هذا " المسكين الجبار" مع هذه الحياة بكل بساطة وسلاسة , فى الوقت الذى يقعون فيه ضحايا لنفس الحياة المشتركة .. وكلما يكبرُ الشيخ يصغرون وتكتمل الصورة .. حياة مشتركة ...أفرادُ سُذَّج .. مبتسمُ ذكى ...
تذكرتُ قديماً حين كانت ابتسامته تمسح عن هذه الدنيا بعض ما أصابها من عفنٍ أبدى .. تذكرتُ كيف كان أحدنا يستطيع أن يسلب منه ـ وهو الأمىُّ ـ سورة الإخلاص وابتسامةً عريضة وأسنانا يزداد لمعانها كلما اقترنت بضوء الشمس .. كل هذه فقط حين نعطيه رشفة من زجاجة الكولا .. أرهقنى عناء التذكر أمام هذه الأفواج من الفتيات اللاتى يدخلن ويخرجن على مهل سريع .. استدرتُ إلى الشيخ " جمال" وأنا أتناول قطعة من الشيكولاتة , فأردتُ أن أعطيه نصفها الباقى .. فتلعثم فى الكلام ثم حدثنى .." وحشة ... شيكولاتة مسكر .. وحش السكر " ..تذكرتُ أن هذا المسكين الجبار لم ينجُ من ضحايا مرض السكرى اللعين ..تألمتُ لبضع ثوانى , ثم تذكرتُ خبر إذاعتى الداخلية .. فهمستُ مبتسماً : وماذا بعد؟!0
الجزء الأول بقلم / أحمد حراز