التناقضات في عالمنا الإسلامي كبيرة وكثيرة ولا حصر لها، ولكن المؤسف منها ما يمس المصير العام، والتحركات التي تنبئ عن تصارع ديكة في حلبة صراع كلٌ يدَّعي أن قناته وصوته هو الخالص لوجه الله وهو الحق وما دونه هرطقات لا داعي لها..
هدأت المظاهرات، وهدأت الثورات، وهدأ الغضب، رغم إحراق السفارات، وتكسير المحلات، وتهميش العربات وإحراق السيارات، رغم الضحايا من مصابين وأموات، ولكن المؤسف المخجل هدأت قبل تحقيق الغرض من اندلاعها، ودون الاستجابة لمطالبها..
ما يؤسف له والملفت في حين اندلاع هذه الأزمة بأن أصوات علمائنا ودعاتنا غابت وكنا في أمس الحاجة منهم ذلك الوقت لسماع أصواتهم المنادية بكبح جماح الغضب المنطلق بلا قيد وبلا ضابط، ولكن الذي حصل أن قام كل منهم يعد عدته مع رفقته في التخطيط لإخراج قنبلة الموسم من مؤتمر يحقق به ضربة إعلامية مستبقة، وهذا ما رأيناه ولمسناه شللية وتكتلات واتجاهات حتى بين الدعاة ولا يؤخذ عليهم هذا الأمر من حيث المنهج بل إن هذا هو الوضع الصحي لسماحة الإسلام ومنهجه ولولا ذلك لما جاءنا في المسألة الواحدة أكثر من حكم فقهي، ولكن هناك في حياة الأمة من المواقف ما لا يحتمل التخبط والعشوائية، مواقف تستدعي نكران الذات، وتقديم مصلحة الأمة قبل مصلحة الفرد، تستدعي تقديم مصلحة الإسلام قبل مصلحة (شاهدونا حصرياً)..
ونحن هنا لا نريد أن ندخل في تقييم موقف كل جماعة، فلكل منها لاشك رؤيتها ومنطلقاتها الخاصة بها، ولكن ما نريد قوله بأنه ليس في هذا الوقت الذي فيه صدمة المليار مسلم مازالت في أوجها، وبدلاً من أن يكون محصوراً في مواجهة الإساءة الكاريكاتورية أصبح مشتتاً مع أي التيارات يناصر، والأمرُّ من ذلك هو التراشق الحاصل بين الجميع..
نعم من المؤسف القول بأن أزمة الدانمارك كشفت عن تناقض غاية في الألم، وقرارات غير ذات خلفيات وأرضيات يُستند عليها، ففي جلسة نهار يتم إعلان المقاطعة، وفي ساعة من نهارٍ آخر يتم توزيع صكوك الغفران على هذه الشركة وعلى تلك بدعوى أن هذه استنكرت، وتلك تم إدراج اسمها خطأ، وأخرى ثبت أنها خرجت من أصولها الدانماركية... إلخ إلخ.. غير آبهين بمشاعر المسلمين التي مازالت مجروحة، وبسيلٍ من دماء الكرامة مهراقة لم تجف، وبدأت بشائر الضغط الشهواني للبطون تلوح في الأفق أن ألغوا مقاطعة (جبنة سين) و(حليب صاد) فقد اعتذر مالكها عن الإساءة، وفي نفس اللحظة يصرِّح رئيس اللجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء بأن ما قامت به هذه الشركة لا يُعد اعتذاراً بل هو استنكار وشجب وأن قرار إلغاء المقاطعة بناء على طلب مسلمي الدانمارك، أولئك المسلمين الذين أقحمنا أنفسنا قسراً في إعلان المواجهة على مجتمعهم كما حصل مع مسلمي أمريكا في سبتمبر، دون مراعاة مسبقة وتقدير لطبيعة المجتمع الذي يتعايشون معه، لكي نوسع دائرة خلافاتنا مع الآخرين يوماً بعد يوم..
حذرنا منذ اندلاع أزمة الدانمارك عن تضخم أزمة عواطف في مواجهة الموقف، وقلنا بالنص في مقالٍ سابقٍ لنا بعنوان: "حتى لا نجتر العالم ضدنا" بأن "موقف اليوم هو الموقف الذي ستذكره أوروبا بأكملها إن مرَّ بعد كل هذا الإعصار بسلام وكأن شيئاً لم يكن"، ولكن للأسف هذا هو الذي حصل بالفعل..