كمال الصليبي
خفايا التوراة / وأسرار شعب إسرائيل
Secrets of the Bible People
قصص التوراة
مَسأَلَـةُ نـوح
في رواية سفر التكوين لقصة نوح يلاحظ أنها تتحدّث أحيانا عن الرّب "يهوه" , وأحيانا أخرى عن "الله" .
وفي ذلك ما يوضح بأنها مزيج من قصتين , واحدة مأخوذة من التقليد "اليهوي" , وهي الخرافة , والثانية من التقليد "الإلوهيمي" , وهي الأسطورة .
ثم جاء التقليد "الكهنوتي" , فمزج بين الخرافة والأسطورة وأدخل عليها معلومات إضافية , منها الأنساب والتقويم الزمني .
ثم جاء "المحقق" , فوضع اللمسات الأخيرة لإضفاء صفة الوحدة على القصة المركبة أصلا .
عبر الجغرافيا القديمة للحضارات المختلفة هناك دائما قصة الطوفان (خرافة الطوفان) الذي قضى على الأشرار من البشر ولم ينج منه إلا قلّة من الصالحين .
الخرافة الصينية تعزوه إلى ارتفاع منسوب مياه الأنهار , وشعوب جزر المحيط الهادئ تعزو سببه إلى ارتفاع عظيم لأمواج البحر .
أما الرواية التوراتية للقصة / الخرافة فتتحدث عن "سيل عرم" أحدثه سقوط غزير للأمطار دام أربعين يوما بلياليها .
يعكس الدكتور الصليبي الاعتقاد السائد والقائل بأن الرواية التوراتية مأخوذة من قصة الطوفان الواردة في ملحمة جلجامش , ليقول بأن قصة ملحمة جلجامش مأخوذة عن القصة التوراتية للطوفان , لان القصة التوراتية تتحدث عن "سيل عرم" .
ولو كانت قصة الطوفان في ملحمة جلجامش هي الأقدم , لكانت عزت سبب الطوفان إلى ارتفاع منسوب الأنهار في ارض العراق وليس إلى "سيل عرم" ناتج عن مطر عظيم على ما هو مألوف في المناطق الغربية من شبه الجزيرة العربية .
ويقول الدكتور الصليبي أن هناك كل ما يبرر القول أن القصة العراقية هي القصة المنقولة لا الأصلية . وقد أخذت عن القصة الأقدم منها التي كانت رائجة في شبه الجزيرة العربية قبل أن تنتشر من هناك إلى العراق .
ولم تكن هذه القصة آنذاك مدونة حتى تم تدوينها في العراق , وادخل إليها ما ادخل من تعديلا مأخوذة عن التراث الشعبي المحلي ثم تم تدوين القصة ذاتها في نص التوراة في وقت لاحق , فبقيت هناك محافظة على شكلها الأصلي لان تدوينها في نص التوراة حصل في البيئة الأصلية للقصة .
بالتنقيب في النص التوراتي لقصة نوح في سفر التكوين هناك الكثير من النقاط المتعلقة بنوح تختصر بما يلي :
_ نوح هو من سلالة آدم , من الجيل العاشر من بعده .
_ أنجب نوح ثلاثة أبناء هم _ سام وحام ويافت _ بعد أن أتم المئة الخامسة .
_ حدث الطوفان عندما كان نوح قد أتمّ المئة السادسة .
_ كان نوح رجلا صالحا .
_ أقام الله ميثاقا مع نوح ومع نسله من بعده بعد الطوفان وجعل من قوس قزح علامة لهذا الميثاق , واحل لهم أكل الحيوان بالإضافة إلى النبات , ووضع لهم شريعة مقتضبة تقوم على قتل القاتل .
_ كان نوح "رجل الأدمة" , غرس كرما وصنع خمرا من عنبه .
شرب من خمرته فسكر وانكشفت عورته أمام بنيه .
من الممكن أن تكون الشخصية المسماة نوحا في التوراة هي في الواقع أربع شخصيات مختلفة:
_ الأولى للجد الأعلى المفترض لقبيلة نوح تفرعت عنها مع الزمن قبائل في ثلاث مجموعات (سام وحام ويافت) .
_ الثانية لبطل قصة الطوفان .
_ الثالثة لطائفة دينية لها شريعتها الخاصة .
_ الرابعة لرجل من مكان اسمه الأدمة كان يصنع الخمر وتروى عنه الفكاهات .
وبناء على ها الافتراض , يمكننا أن ننطلق منه إلى التحليل لامتحان صحته .
_ قبيلة نوح
وككل القبائل , تأخذ أسماءها من أوطانها الأصلية , من جغرافيتها , وليس من أجدادها الأسطوريين .
ولذلك تأخذ قبائل مختلفة أسماء متشابهة من جغرافية واحدة عبرت فيها واستوطنتها فترة من الزمن .
فنوح التوراتي الذي عاش 950 سنة , لم يكن شخصا فردا بل قبيلة مشخصة بجدّ أعلى أو بطل أطلق عليه اسمها .
وكذلك أسلاف نوح التسعة الذين تسميهم التوراة وتبالغ في أعمارهم , كانوا هم بدورهم قبائل _ آدم , شيت , أنوش , قينان , مَهْلَلئيل , يارد , أخنوخ , متوشالح , لامك ( وهو غير لامك سليل قايين) _ .
ومن هذه الأسماء الستة الأخيرة , ما زالت أسماء ثلاثة موجودة في المناطق الوسطى من اليمن كأسماء لقبائل _ الوُرْد , حِناك , مالك _ .
واسم قينان لا يزال هو ذاته اسم بلدة قينان باليمن , بناحية جبل أَدِم .
ولعل اسم متوشالح هو في الواقع اسم "السليح" , من القبائل اليمنية التاريخية التي "تشاءمت" أي نزحت شمالا زمن الرومان إلى الشام .
ولا بد أن مهللئيل هو الشكل الأصلي لاسم بني مُهَلْهِل , وهو اسم ما زال يطلق على مجموعة من القرى باليمن بناحية صنعاء .
وبالتالي لا بد أن تكون قبيلة نوح بدورها , في الأصل , من قبائل اليمن .
ويستمر اسمها "بشكله التوراتي" تماما في منطقة حضرموت بجنوبي اليمن , وكذلك في منطقة المدينة من الحجاز بناحية خيبر .
إذن قبيلة نوح كانت في الأصل من قبائل اليمن , وبعد المئة الخامسة من تاريخها تفرعت عنها ثلاث قبائل أخرى , سام وحام ويافت .
وإضافة إلى وجود هذه الأسماء في جغرافية بلاد اليمن هناك تقاليد يمنية قديمة تصرّ على اعتبار نوح وبنيه من أبناء البلاد , وتعزو إلى أحد أبناء نوح , وهو سام , بناء مدينة صنعاء .
ويبدو أن طوفانا كبيرا حدث في بلاد اليمن عندما كانت قبيلة نوح في العام 600 من تاريخها , فاجبر هذا الطوفان الفرع الأساسي من بني نوح على النزوح شمالا إلى منطقة المدينة بالحجاز , حيث استقروا , بينما بقيت الفروع الثلاثة من القبيلة مستقرة في اليمن .
وقد حدث طوفان آخر في اليمن في وقت لاحق أجبر عددا كبيرا من القبائل اليمنية على النزوح شمالا إلى بلاد الحجاز والشام , على ما تقوله التقارير , وما هذا الطوفان إلا "السيل العرم" الذي أحدثه انفجار سد مأرب في زمن دولة حمير .
_ قضية الطوفان
الطوفان حدث حقيقي حصل بالفعل في وقت ما قبل التاريخ .
وكان حدوثه في وادي نجران , وهو من الأودية المعرّضة طبيعيا للسيول , حيث كان الموطن الأصلي لقبيلة نوح على أطرافه .
وبعد السيل اضطرت القبيلة إلى النزوح إلى مكان آخر , حتى استقرت أخيرا في ناحية خيبر بالحجاز .
ولا بد من الإشارة إلى أن ما يفترض أنه في التوراة (الفلك المصنوع من "خشب جفر") , هو في الواقع اسم موقع في المرتفعات الشمالية الشرقية لليمن حيث يبتدئ سيل وادي نجران , والموقع لا يزال يعرف إلى اليوم باسم "جَفَر" .
من التحديدات الدقيقة في سفر التكوين لقصة الطوفان , يتضح أننا بصدد تقويم خاص يبتدئ مع بداية حياة نوح (القبيلة) , وربما كان هذا التقويم معتمدا في بلاد اليمن وقت كانت فيه هذه القبيلة محورا لمجتمع أوسع مُنتَظِم على شكل دولة هناك , وهذا ما حدث في وقت لاحق في دولة حمير .
وتقويم قبيلة نوح أو "دولة نوح" إذا جاز التعبير , كان تقويما شمسيا .
بعملية حسابية بسيطة , يكون نوح وذووه قضوا في الفلك 370 يوما , هو المدة التي قضتها قبيلة نوح في الانتقال من منطقة نجران المنكوبة بالطوفان إلى أن استقرت بجوار "نحا" , في ناحية خيبر , شمال المدينة , بالحجاز .
وهو التفسير المعقول , غير تفسير سفر التكوين , للمدة الطويلة التي قضاها نوح وذووه في الفلك , على ما تقوله القصة .
والمسلك الطبيعي لهذا الرحيل لا بدّ من أنه كان طريق اليمامة التي تتجه من وادي نجران شمالا , ثم تنحرف إلى الشرق حتى تصل مرتفعات جبل طُويْق في أواسط الجزيرة , ومن هناك تتفرع إلى مختلف الاتجاهات .
وربما كانت مرتفعات جبل طُويْق في أواسط الجزيرة , تعرف في الأزمنة الغابرة باسمها التوراتي [ ءررط ] , نسبة إلى واحة هناك ما زالت تعرف إلى اليوم باسم أُرط .
وبالتأكيد القصة التوراتية لا يمكن أن تشير إلى جبل أراراط الحالي بأرمينية .
جدير بالملاحظة أن مسافة الطريق من وادي نجران إلى جوار أراط بجبل طُويْق تبلغ 750 كم تقريبا .
وهي مسافة يمكن لقبيلة أن تقطعها , في مدة 150 يوما , بمعدل 5 كم يوميا .
ويلاحظ أيضا أن سفر التكوين لا يذكر "جبل أراراط" بالمفرد بل يتحدث عن "جبال أراراط" , بالجمع .
وجبل أراراط في أرمينيا جبل وحيد , أمّا جبل طويق بالجزيرة العربية , فهو سلسلة من المرتفعات .
وتضيف القصة بأن مياه الطوفان نشفت بعد 163 يوما من وصول الفلك إلى جبال أراراط .
وبعد 57 يوما من ذلك , خرج نوح وذووه من الفلك وأقاموا ذبائح الشكر على نجاتهم .
هذا يقود إلى الاستنتاج أن مدة 163 يوما هي المدة التي قضتها قبيلة نوح للانتقال من أراط بجبل طويق إلى الطابة بجبل سلمى في شمال نجد .
والمدة الإضافية التي مرّت بين جفاف الأرض وخروج نوح وذويه من الفلك حسب القصة , وهي 57 يوما , هي المدة التي قطعت فيها القبيلة مسافة الـ 500 كم الفاصلة بين الطابة إلى نحا بشمال الحجاز حيث استقرت أخيرا .
ونحا هو ذاته اسم نوح [ نح ] , وهناك قبيلة في الجوار من الحجاز لا زال أهلها يعرفون بالنحايين .
_ ديانة نوح وسرّ قوس قزح
من هنا ننتقل من الأسطورة المرتبطة حتما بالجغرافيا كالتاريخ تماما , إلى الخرافة في قصة نوح كما ترويها التوراة .
فالقصة ليست سجلا لانتقال قبيلة نوح من اليمن إلى الحجاز بسبب كارثة الطوفان , بل تتضمن معاني دينية خفية تتعلّق بأنواع العبادات التي كانت رائجة في شبه الجزيرة العربية في الأزمنة المنسية من تاريخها .
وهذه المعاني الدينية تشكّل مضمون "خرافة نوح" . وشخصياتها الأساسية تبدو للوهلة الأولى أربعا وهي الرب يهوه , ونوح , والفلك , وقوس قزح .
ونحن أمام ميثولوجيا أين منها الميوثولوجيا اليونانية , وهي تتضمن أسرارا كانت في زمنها وقفا على طبقة الكهنة وخاصة العارفين .
ولا تزال أسماء الآلهة الواردة فيها لاماكن مختلفة في جزيرة العرب .
وجميع الشخصيات البشرية وغير البشرية في هذه الميثولوجيا كانت آلهة :
_ الربّ يهوه .
_ نوح , وهو في الخرافة غير نوح القبيلة , "إله الاستقرار" .
_ الفلك , "إله الثبات والتوازن والصمود" .
_ البشر , أو "ذو الجسد" , وهناك إلها اسمه "بشر" وجد اسمه على نقش يمني قديم . وربّما تمثل على شكل ثور ويرمز إلى المخلوقات ذات الأجساد الحيّة عموما , وخصوصا إلى لحمها .
_ القوس , أي قوس قزح , والإله قوس , أو "قيس" , كان من أكثر الآلهة في الجزيرة العربية شهرة في القدم , ويبدو أن عبادته لم تنتهي إلا بمجيء الإسلام .
_ السحاب , ويبدو أن القدماء في جزيرة العرب كانوا يعبدون إلها للسحاب .
هذه الأسماء لا تزال قائمة جميعها في الجزيرة العربية إلى اليوم , وبمواقعها حيث هي ضمن حيز جغرافي متقارب في منطقتين رئيسيتين الأولى هي في جوار واحد من مرتفعات عسير بالنسبة للآلهة (يهوه , نوح , الفلك , السحاب , قيس) . والثانية في جوار منطقة اليمامة بالنسبة للآلهة (آل ثابت , آل بشر "ذي الجسد") , توّفر لنا المدخل إلى السرّ الدفين في خرافة نوح , ما كان يتوارثه العارفون من القيّمين على ديانة نوح في القدم , وذلك قبل زمن التوراة بأجيال كثيرة .
وربما كانت هذه الخرافة تفسر في زمنها على الوجه الآتي :
يبدو أن عبادة الإله بشر , آل بشر , نباتيه , ومنتشرة بين قبائل بلاد اليمن , ومنها قبيلة نوح .
تحالف الرب يهوه والذي كان يحبذ أكل اللحوم ويأنس رائحة المحرقات الحيوانية وكانت علاقته بالغة السوء مع الإله بشر .
تحالف مع بقية الآلهة للقضاء على الإله آل بشر الذي يحبذ التقدمات النباتية , عبر الطوفان الذي صنعوه مجتمعين .
واتسعت عبادة الرب يهوه وانتهت عبادة الإله آل بشر , وسمح الرب يهوه بأكل اللحم المصفى من دمه بالإضافة إلى تشريع ثاني يقضي بقتل القاتل .
هذا هو السر الديني الذي نسجت حوله خرافة نوح . ويبدو أن هذا السر كان مرتبطا , من الناحية الجغرافية بثلاث مناطق من الجزيرة العربية , وهي جوار وادي نجران , ومرتفعات عسير , ومنطقة جبل الطويق .
وقد يأتي علم الآثار في يوم من الأيام فيلقي مزيدا من الضوء على طبيعة هذه الديانات القديمة والتصارع فيما بينها .
_ نوح وكرمه
وهي قصة رجل من اليمن , من القرية التي لا تزال تعرف بالأدمة في جوار بلدة ذَمار , إلى الجنوب من صنعاء . والمنطقة هذه مشهورة بجودة عنبها .
وقصة نوح رجل الأدمة ما هي إلا فكاهة من نوع مألوف في مختلف الحضارات والأزمنة عن رجل شديد الميل إلى صناعة وشرب الخمر .
ولكن التقليد "الكهنوتي" المهتم بالأنساب , أخذ القصة بعد أن افترض أن نوحا رجل الأدمة الضعيف الإرادة هو نفسه نوح بطل قصة الطوفان , ثم أدخل عليها ما أدخل لتبرير واقع تاريخي يتعلق بقبيلة كنعان من المتفرعات الأربعة لقبيلة حام ابن نوح , وهو السيطرة التي صارت لبني إسرائيل على أرض كنعان في تهامة عسير , واستعباد بني إسرائيل للقبائل الكنعانية التي كانت أصلا هناك بعد أن تمت لهم السيطرة على أراضيها .
وكذلك يشير التقليد "الكهنوتي" إلى التداخل الجغرافي بين مواطن قبيلتي يافت وسام .
ويمكن الجزم أن جغرافية قبيلتي يافت وسام هي اليوم في جبل "وفيت" , من بلاد اليمن , وقرية "شُمّ" في الجوار المباشر له .
قصص التوراة
البُرج الذي لم يكن في بابل
ينتهي سفر التكوين من سيرة نوح , فيروي بعدها قصّة "برج بابل" .
يعيد الدكتور الصليبي في هذا الفصل ترجمة الأصل العبري إلى العربية لإظهار حقيقة أن القصة وضعت في أصلها نظما وليس نثرا .
{وهنا لا بد لنا من التذكير دائما بأهمية , و "تميز وفرادة" , دراسات وأبحاث ونظريات الدكتور الصليبي , الذي يمتلك (أدواته اللغوية الضرورية) والوحيدة للقيام بالتنقيب الأفقي والعمودي في النص والتراث العبري لغويا أولا وقل كل شيء , وجغرافيا أيضا} .
والقصة هي في الواقع حياكة متقنة من قصّتين , كل واحدة منهما من مصدر مختلف .
لعل أهم ما يشير إلى ذلك , هو الخطأ اللغوي الفاضح في آخر النص التوراتي , حيث يفسر اسم "بابل" [ ببل ] على أنه مشتق من الفعل [ بلل ] الذي يفيد بالعبرية معنى "البلبلة" .
ولا يخفى على أحد أن اسم مدينة بابل التاريخية (باللغة الأكادية باب ءيلي أي بب ءل) يعني ببساطة "باب الله" .
وإذا كان هناك مدينة تحمل اسما مشتقّا من الجذر [ بلل ] , فلا بدّ أن يكون اسم هذه المدينة "بلال" , وليس "بابل" .
ولا بد أن نتذكر دائما أن بابل العراق كانت في القدم , والى ما بعد زمن التوراة , مدينة عظيمة , بل من أعظم مدن العالم .
فكيف يعقل أن يكون قد أتى أحد بأسطورة , في أي وقت , يتحدّث عن بابل هذه بالذات على أنها مدينة تبدد شعبها قبل أن يكتمل بناؤها ؟
كما هو حال القصة التوراتية الواضحة المعاني والدلالات .
لنستمر في البحث على أساس أن النص يتكون من قصتين , وننظر في كل من القصتين على حدة , مبتدئين بما يعتبره الدكتور الصليبي القصّة التاريخية .
_ الهجرة إلى "شنعار"
يرفض الدكتور الصليبي افتراضا سائدا بأن (شنعر) هو ذاته الاسم السومري (شنجر) أو الاسم الأكادي (شنخر) , وهو ما يعرف اليوم باسم جبل "سنجر" بشمال العراق .
ويقول بأن البحث عن أرض (شنعر) لا يجب أن يكون في ارض كلها سهل كجنوب العراق حيث لا معنى لذلك , بل في أرض جبلية وعرة .
لنعود مع الدكتور الصليبي إلى النص العبري .
يقول النص العبري للقصة إن الهجرة إلى أرض "شنعار" كانت ارتحالا من الشرق , وليس "شرقا" كما في الترجمات المألوفة , ومنها الترجمة العربية .
والاعتقاد السائد هو في اعتبار ارض "شنعار" هي بلاد العراق .
والصحيح أن البلاد التي وفد المهاجرين منها (وليس البلاد التي وفد المهاجرين إليها) كانت في جنوب العراق .
وبالتالي يكون اتجاه هذه الهجرة إلى الغرب من جنوب العراق إلى "أرض شنعار" التي انتهت إليها هذه الهجرة .
يعيد الدكتور الصليبي النظر في جغرافية بلاد الشام والعراق والحجاز , فيشير إلى أنه تاريخيا ومنذ الأزمنة القديمة كان هناك اتصال طبيعي مباشر بين جنوب العراق والحجاز عن طريق وادي الباطن ووادي الرّمة , وكان له أثره التاريخي على مرّ العصور .
لنتذكر أحداث نقل مقرّ الخلافة في عهد علي من مكة إلى الكوفة , وأحداث كربلاء , وثورة عبد الله بن الزبير .
وقد كانت هناك دائما , وعلى مرّ العصور , كما يبدو , صلة بشرية قائمة دوما بين المنطقتين عن طريق الهجرات المستمرة للقبائل (من الواحدة إلى الأخرى) .
وهذا ما يجلي الغموض حول أمور كثيرة تتعلّق بتاريخ العراق في العصور القديمة .
ومن هذه قضية سرجون ملك ( ءجد ) الذي أسس الدولة البابلية الأولى في العراق . والذي لم يتوصل علماء الآثار والمؤرخين حتى الآن إلى تحديد موقع ( ءجد أو ءكد ) .
الدكتور الصليبي يستبعد أن يكون اسم ( ءجد ) هو نفسه ( ءكد ) , ويطرح نظرية جديدة تقول أن سرجون كان ملكا على ما هو جغرافيا اليوم قرية "الوقيد" في منطقة حائل , بشمال نجد .
أمّا ( ءكد ) فهي باعتقاده قرية "الواكد" بالحجاز , في منطقة الطائف .
ولا بد من الحفريات في كلّ من القريتين للتأكّد من جليّة الأمر .
وكذلك نحن في حاجة إلى علم الآثار في جوار الطائف , بجنوب الحجاز , في قرية تعرف "بكلاداء" التي يعتقد الدكتور الصليبي أن أصل "الكلدانيين" العراقيين منها , وهم من أسس الدولة البابلية الثانية في العراق .
ويجزم الدكتور الصليبي بان "شنعار" لم يكن في وقت من الأوقات اسما يطلق على بلاد العراق , كما هو الاعتقاد السائد .
بل إن ( شنعر ) ما هو إلا اسم القرية المعروفة اليوم باسم "الشراعِن" , وهي من قرى الوادي الخصب المعروف بوادي كلاخ , بمنطقة الطائف من الحجاز , حيث "الكلاداء" التي تسمى "الكلدانيون" التاريخيون باسمها .
وتصبح القصة الأولى في النص العبري تتحدث عن هجرة من الشرق من جنوب العراق إلى سهل "البقعة" في "أرض شنعر" , ومحاولتهم بناء مدينة من اللبن والحمر كما كانت عادتهم في جنوب العراق وكانوا ينوون تسميتها "بابل" , على اسم بابل العراقية التي قدموا من جوارها .
ولكن القصة التوراتية تؤكد أن هذه المدينة لم يتم بناؤها .
ومن المحتمل أن الإشارة إلى عمل الرب يهوه الذي قام بتبديد أهلها وهي في طور البناء ترمز إلى ما قام به فريق من سكان تلك المنطقة , الذين كانوا يتعبدون للرّب يهوه , تجاه المستوطنين الجدد الوافدين إلى وادي كلاخ من العراق .
ومن غريب الأمر أن هناك في مرتفعات بني مالك حيث قرية "الهواء" , أي إلى الجنوب من الشراعن ووادي كلاخ , قرية تحمل اسم "آل بلال" ( ءل بلل ) .
والاسم هذا باللغة الكنعانية (ومنها العبرية) يعني بكلّ بساطة "إله البلبلة" .
وفي قصة "برج بابل" , إشارة إلى الجذر بلل للدلالة على "بلبلة الألسنة" , في محاولة فاشلة لتفسير اشتقاق اسم "بابل" [ ببل ] .
وهنا يبتدئ الاختلاط في القصة بين الناحية التاريخية منها والخرافة التي كانت قصّة مستقلة قائمة بذاتها في الأصل .
_ خرافة تعدّد الألسنة
يفترض الدكتور الصليبي في تقديمه للقصة الخرافية المُتَضَمنة في قصة برج بابل التوراتية , أن قدماء جزيرة العرب , كانوا يعترفون بإله خاص بالبلبلة واسمه "آل بلال" , وإله ثاني خاص باللغة والكلام واسمه تبسيطا "آل لسان" .
ويستند كدليل جغرافي على استمرار الاسمين في قريتين في مرتفعات عسير إلى الجنوب من بلاد بني مالك من منطقة الطائف هما قريتي آل شافي و آل لسان والى الجوار منهما قرية آل بلال , بالإضافة إلى أكثر من قرية تشير إلى الإله يهوه .
وبوجود الآلهة الثلاثة تكتمل شخصيات الخرافة التي كان يتداولها قدماء جزيرة العرب , لتفسير ظاهرة تعدد اللغات فيما بينهم , وفي العالم القديم على وجه العموم , على شكل صراع انتهى كالعادة , لصالح الإله يهوه الذي تخوف من أبعاد وحدة اللغة بين الناس , بما يمكنهم من كسب قدرات لا حدّ لها عن طريق التفاهم والتعاون فيما بينهم , فيصبح بإمكانهم الاستقلال عن إرادته , فقام بما يلزم ليمنع ذلك , متحالفا مع آل بلال لتحقيق هذه الغاية .
المسرح المفترض لأحداث القصة هو منطقة الطائف بالحجاز , التي كانت تمثل ذروة تقاطع المسالك البرية المكملة للمسالك البحرية الواصلة بين حضارات وبالتالي ثقافات ولغات العالم القديم .
وكل ذلك يستمر إلى يومنا هذا في تعدد أسماء الأماكن والقبائل في تلك الأزمنة الغابرة , ومنها أسماء أكادية , أو مصرية قديمة , أو يمنية قديمة , أو حبشية , إلى ما هنالك .