قصة للكاتب السويدي المعروف ايفار لو -جوهانسون-(1901-1990)
ولد هذا الكاتب في افقر طبقات المجتمع السويدي ,طبقة منظفي مداخن الفحم,تمرد على هذه الطبقية وتعلم ذاتيا,واحترف الكتابة,ومعظم كتاباته تنتقد الفوارق الطبقية.
هذه القصة هي مما ورد في سيرته الذاتية,اترجمه لكم بشئ من التصرف,بهدف الاختصار مع المحافظة على المضمون.
اخيرا رضخ والدي لرغبة امي في ان ترى قدميه في حذاء جديد,مر وقت طويل وهي تحاول اقناعه ان حذاءه اصبح باليا جدا ولم يعد يصلح للاستعمال,وبالفعل كان حذاءابي مشققا ممزقا بدرجة كبيرة,ويبدو ان خبر موافقة ابي على التوجه للمدينة لشراء حذاء جديد قد شاع في الحي,وها هم الجيران قد بداوايدلون بدلوهم في الموضوع ويقدمون اقتراحاتهم, جارنا حارس الغابة السيد كارلسون اقترح على ابي ان يشتري نوعية اسمها بوكسكالف,من الجلد القوي ,تدوم طويلا كما قال,وسعرها مناسب ايضا.
سالني ابي ان كنت ارغب في مرافقته للمدينة لشراء الحذاء الجديد,وافقت طبعا,وكنت اعلم ان ابي يسعد بصحبتي,ويانس بوجودي الى جواره,ابي كان رجلا بسيطا وخجولا.
في الحي القديم من المدينة بحثنا طويلا عن عنوان محل الاحذية الذي وصفه جارنا السيدكارلسون.
سرنا طويلا وبعد تيه وجدنا انفسنا امام محل كبير للاحذية,لم نصدق ما رات اعيننا لحظة دخولنا المحل ذو الواجهات الزجاجية الجميلة اللامعة,كانت المرايا الصقيلة المذهبة الاطر تنتشر في كل ركن من اركان المحل,وعمال المحل من الجنسين بملابسهم الانيقة يتنقلون بين الزبائن ويساعدونهم في اختيار الاحذية المناسبة,الزبائن ومعظمهم من النساء كانوا على درجة عالية من الاناقة,وتضوع منهم روائح العطور الثمينة.
تقدمت احدى البائعات منا وسالت ابي
-تريد حذاء لك سيدي ام لابنك؟
-لي انا ,ابني حذاؤه ما يزال جديدا كما ترين
-ما هو القياس سيدي؟
-لا اعرف, ولكني اريده حذاء بوكسكالف
-عفوا ,هذه النوعية لا نبيعها هنا,ماركة اخرى من المعروض هناترغب في تجربته سيدي؟
-نعم, ماركة غير بوكسكالف التي ليست عندكم
كنت اعرف ان ابي لا يعرف اي اسم لاي ماركة حذاء
خلع ابي حذاءه واخذت البائعة فردة منه لتعرف قياس قدمه
ولاحظت الفرق بين قدمي ابي الكبيرتين الخشنتين,واقدام الزبائن الاخرين
تاملت احدى السيدات وهي تدخل قدمين جميلتين ناعمتين بجواربها الحريرية الشفافة في حذاء بديع الصنع,ثم رايتها تسد انفها وتمضي مبتعدة في اللحظة التي خلع بها ابي حذاءه.
انا احببت دائما رائحة ابي, دائما ظننت ان كل رائحة من جسم ابي طيبة وطبيعية,رائحة انفاسه..رائحة اقدامه ..رائحة عرقه. اول مرة الاحظ ان هناك من ينفرون من رائحة ابي ولا يخجلون من اظهار نفورهم.
احضرت البائعة لابي حذاء ليجربه,وضع ابي قدميه في الحذاء الجميل, وبدت ملامح السرور على محياه وهو يخطو بضع خطوات فوق السجادالاحمر الثمين.وبدا واضحا جدا ان الحذاء اعجبه
-كم ثمنه؟سال البائعة
-هذا الحذاء سيدي من ماركة معروفة,ولزبون خاص مثلك نبيعه بثمان وعشرين كرونا
كنت اعرف ان ابي لا يملك سوا عشرة كرونات, وانه قدر ان يشتري حذاء بقيمة ثمانية الى ثمانية كرونات ونصف.
ورايت ابي يخلع الحذاء الجديد ويرتدي مسرعا حذاءه القديم .
وسمعت ونحن نغادر المكان احد الزبائن المتغطرسين يسال البائعة متاففا
-كيف دخل هذا الى هنا؟
ولاول مرة وجدت في ضعف سمع ابي ميزة حسنة, اذ جنبته المزيد من الهوان بما جاء من تعليقات ساخرة من اولئك المتغطرسين
لقد فهمت يومها ان الاختلاف بين الفقير والغني ياخذ شكلا هرميا,يبدا من القاعدة التي هي القدمين ونوع والحذاء....يتنتهي بالقمة....الراس ونوع القبعة.
خرجنا من المحل ورايت على وجه ابي خيبة امل واضحة لعدم حصوله على ذاك الحذاء الذي اعجبه,سرنا غير بعيد في سوق المدينة فاذا نحن وجها لوجه امام المحل الذي وصفه لنا السيد كارلسون,وهناك جرب ابي على عجل حذاء من نوع بوكسكالف الذي اقترحه جارنا,خلعه ابي وقال للبائع,
-انه صلب ويضغط على الاصابع بشكل مؤلم,ابتسم له البائع وعلق قائلا
-انت تعرف يا سيدي ان كل الاحذية الجديدة تكون كذلك قبل ان تعتادها القدم.
ابي الذي كان قد جرب منذ قليل حذاء جديدا رائعا مريحا لم يصدق ما قال البائع,ومع ذلك فقد نقد البائع ثمانية كرونات ونصف ثمن الحذاء,وحمل حذاء ه الجديد تحت ابطه بعد ان لفه البائع باوراق صحف قديمةومضى.
وفهم ابي وفهمت انا ان احذية الفقراء فقط هي التي تؤلم الاقدام حين تكون جديدة.
وما زالت ذكرى ذلك اليوم الذي اشترى فيه ابي حذاء جديدا يحرك في نفسي كل مشاعر الكره لطبقية بغيضة تشمل حتى ما يرتدي الانسان في قدمه.