جلست داخل القفص، عن يميني ويساري حارسان مدججان بالسلاح، وأمامي في القاعة عدد هائل من الناس. معظمهم ينظر إليّ، وبعضهم يصورني أو يحاول التحدث مع محاميّ. حتى من كانوا يتحدثون شعرت أنهم يتحدثون عني. رأيت صورتي هذا الصباح في جريدة مع أحد الحراس. أخذ يتمعن فيها وقال لي هازئاً:
- نلت شهرة يا ابن الكلب لا أحد منا يحلم بربعها
أعلم أنني مشهور، وأن سبب شهرتي جريمة هزت كيان البلاد- كما سمعتهم يقولون- لكن ما هي جريمتي بالضبط لا أعلم. لم يحاول أي أحد أن يكلمني ويقول لي عن جريمتي. حتى المحامي لم أره من قبل. ولما حاولت أن أحادث أي من الحراس صفعني أحدهم بقسوة جعلتني أعوي من الألم وقال:
- توقف عن إزعاجي و إلا ستجد عصاي في مؤخرتك.
توقفت بعدها عن محاولتي للتحدث إليه واستسلمت لقدري، غير عابئ بمصيري المجهول.
دخل القاضي إلى القاعة فوقف الجميع.لكزني الحارس لكي أقوم. ما الفارق بين وقوفي وجلوسي؟. جلس الحاضرون ولكنني فضلت الوقوف. قام شخص كان يجلس على كرسي عال مثل كرسي القاضي. كان يواجهني بجسده ونظراته ، وانطلق يقول:
- سيدي الرئيس، السادة المستشارين . إن القضية التي ننظرها اليوم هي تكملة للقضية التي هزت البلاد كلها منذ شهرين أو يزيد، ولكن مع اختلاف المتهم، ففي المرة الأولى. وللأسف. نعم للأسف الشديد. كان يقف هنا هذا الرجل المريض نفسياً. متهما بمحاولة قتل زعيم الأمة. وحاميها، وقائدها، رئيس الجمهورية. الذي وُجد في حديقة منزله مطعوناً في ظهره، ولا دليل سوى طاقية وجدها البوليس بجانب الزعيم. وبالتحريات انحصرت الشكوك في هذا المريض نفسياً، المعروف بميله للعنف أحياناً، والذي يعمل أبوه بواب عمارة تقع على بعد شوارع قليلة من قصر الرئاسة. ورغم كل الشكوك لم نجد الدليل القاطع حول ارتكابه الجريمة. حتى ظهر المتهم الماثل أمامنا الآن. وتعرف على الطاقية وشهد أنها للرجل المريض، وحُكم عليه بالإعدام وتم تنفيذ الحكم بعد يوم واحد من صدوره، واعتقدنا أننا أدينا واجبنا. حتى الأسبوع الماضي فقط. عندما قامت الولايات المتحدة بالقبض على الإرهابي الدولي ( أبو أسماء) وهو يحاول دخول البلاد من المكسيك. وفوجئنا به على الهواء يعترف بجرائم كثيرة متباهياً ببطولاته، وآخر جريمة قال أنه ارتكبها هي..... محاولة قتل رئيس جمهوريتنا. كيف؟ ومن الذي أعدمنا؟ وكيف أثبتنا عليه التهمة؟ لم نجد سوى أنها تلك الشهادة. تلك الشهادة التي تسببت في تكليل القضاء والنيابة والبلاد كلها بالعار. شهادة هذا المتهم هي التي أعدمت البريء. وهي التي أطلقت المذنب. وجلبت لنا الخزي ، وشوهت صورتنا أمام الدنيا. ولا أستبعد أن يكون فعل ذلك تعاوناً مع الإرهابي الهارب. لذا فالعقوبة الوحيدة التي يستحقها هي إعدامه ليكون عبرة لبني جنسه.
لم أحتمل تلك الكلمات القوية فصرخت:
- أنا بريء. أنا بريء.
نظر إليّ القاضي وقال في عنف:
- اسكت يا كلب.
قفز المحامي من مكانه واقفاً وقال:
- سيدي الرئيس. أرجو عدم إهانة المتهم.
رد القاضي في دهشة:
- ولكنني لم أهنه. أليس كلباً؟
- بلى ولكننا لا ننادي المتهم الإنسان ونقول له يا بشر أو يا إنسان . بل نقول يا متهم.
قال القاضي وهو يضحك:
- حسناً. سنناديه بالمتهم بعد ذلك.
- والآن لتسمح لي عدالة المحكمة أن أقول مرافعتي .
- ليتفضل الدفاع.
أمسك المحامي بأوراقه وانطلق يقول:
- سيدي الرئيس. بدون اللجوء إلى الخطابة، وبدون الحاجة إلى إثارة المشاعر كما فعل الزميل الوكيل. سألخص لكم ما حدث. وسنبدأ بيوم محاولة قتل رئيس الجمهورية. تخيلوا معي رئيس الجمهورية. الذي يتسبب مرور موكبه أو مجرد وجوده في مكان قريب باحتجازنا بالساعات في الشارع. والذي لا يكاد أحد منا يتخيل كمية قوات الأمن التي تحرسه ، أو التكنولوجيا الأمنية التي يخضع لها قصره. هذا الرجل في حديقة قصره يُطعن. فمن يستطيع أن يفعل ذلك؟ لابد وأنه إرهابي خطير مدرّب تدريباً عالياً . يتبع منظمة إرهابية عالمية أو مخابرات معادية على مستوى عال. أما أن يفعلها إنسان عادي. فمستحيل. فما بالكم لو كان من فعلها إنسان مريض نفسياً . لم يكن مريضاً نفسياً. بل كان معاقاً ذهنياً. نعم معاق ذهنياً. وهذا ما رفضتم تصديقه. وهذا ما لم يواجه به أحد نفسه. ولم يدافع به محامي المتهم. لأنه كان يؤدي دوره في المسرحية التي أقيمت هنا في دار العدالة.
قاطعه القاضي في عصبية:
- سيادة المحامي أرجوك ادخل في القضية المنظورة أمامك ولا داعي للفرعيات؟
- سيدي الرئيس. كيف تم القبض على المتهم؟ ما هي نوعية التحريات التي قادتهم إليه؟ ومن هم المتهمون الآخرون؟ . إن ما حدث ببساطة هو ارتباك في جهاز الأمن. وذعر من الكبار لأن ما حدث سيطيح بهم من فوق كراسيهم. فماذا يفعلون؟ فليتهموا أي أحد. ويستحسن لو يكون شخصاً لا يستطيع أن يرد عن نفسه اتهاماً. وليكن أبوه شخصاً جاهلاً لا وزن له. ما حدث لم تكن تحريات. بل كانت عملية بحث عن الشخص المثالي لتلك القضية. عن كبش فداء يتم ذبحه بسرعة لإنقاذ بعض الأشخاص.
قاطعه القاضي مرة أخرى وهو في حالة أقرب للهياج:
- سيادة المحامي أنت تدخل في منطقة خطيرة، زائد أنك مازلت بعيداً عن قضيتنا.
وكأنه لم يسمعه أكمل:
- بقى شيء واحد لكي يتم الأمر. دليل. نقدمه للعالم لكي يقتنع. طاقية تظهر فجأة في موقع الجريمة. وهناك متهم.لكي تثبت القضية عليه نحتاج أن ننسب له الطاقية. والطريقة كلب. كلب يشم الطاقية ثم يأتي بصاحبها. وهو ما حدث. ولكن يظهر دليل قوي أن المتهم كان بريئاً. إذن الدليل باطل. كيف؟ .إما أن يكون الكلب كاذباً وهو ما اتجهتم إليه. أما الاحتمال الآخر، وهو الحقيقة، أن الطاقية لم تكن في موقع الجريمة ، بل كانت على رأس المتهم يوم القبض عليه.
ساد الهرج داخل القاعة، وظهر الارتباك على القضاة و وكيل النيابة. كل ما قيل أمامي لم أفهمه . ولم أعد أهتم بما سيحدث .رقدت على بطني و نمت . أحسست أنني نمت كثيراً. استيقظت بعدها فوجدت القاعة خالية إلا من القضاة والوكيل والمحامي. كان الحراس يحيطون بالمحامي، والقاضي يملي كاتب الجلسة الحكم.
- حكمت المحكمة حضورياً على المتهم الكلب بالإعدام رمياً بالرصاص، وعلى النيابة أن تقوم بالتحقيق مع المتهم الجديد بتهمة التواطؤ مع أحد أعداء الدولة، والدفاع عنه، وتقديم أدلة باطلة، والقيام بسب وقذف كل من: وزير الداخلية ، ومدير الأمن، ورئيس المخابرات. رفعت الجلسة.
ثم قال للمحامي في سخرية:
- لا أظن بعد تلك التهم ستجد محامياً يدافع عنك. وقريباً جداً ستنضم إلى أصدقائك. الأبله, والكلب...... وأبو أسماء.
(تمت)