وفي بداية الدراسة وضعوني في الصف الذي أنهيته في مأدبا، لأني لا أعرف الإنكليزية، والدراسة في مدرسة المطران في حينه، كانت بالإنكليزية لكل المواضيع الدراسية فيما عدا اللغة العربية وآدابها. سارت دراستي في ذلك العام سيراً حسناً وكانت نتيجتي هي (السابع) بين أكثر من عشرين طالباً في ذلك العام. وبقي مستواي الدراسي يتراوح بين الثالث والسابع حتى الأول الثانوي، بدأت بعدها في التراجع بعد أن دخلت سن المراهقة، إضافة إلى عامل فهم آخر كان يقود نشاطي في تلك المرحلة وهو الرياضة في كل ميادينها، وكنت من أبرز ممارسيها (في كرة قدم)، (كرة سلة)، (تنس) والعاب الميدان الأخرى. وفي السنتين الأخيرتين من الدراسة، أصبحت شخصية لا يسهل السيطرة عليها، إلا أن مدير المدرسة آنذاك وهو أمريكي أسمه السيد ( Suiten) كان يعتبرني إنساناً قادراً على النجاح، لأنني كنت أتمتع بشخصية قوية، متميز في الرياضة ولدي حس قوي في تقدير الأمور، إلا في (حالات الغضب) ومع أنني أعدت الصف الثالث الثانوي ولم أحصل على المعدل المطلوب الذي يؤهلني لدخول الجامعة الأمريكية في بيروت في العام التالي، إلا أن مجلس المعلمين بتأثير من المدير وبعض المعلمين أظن من بينهم الأستاذ (جريس هلسه) أوصى أن تقبلني الجامعة الأمريكية، إذا ما تقدمت للدراسة فيها. فلغتي الإنكليزية كانت جيدة لغة وكتابة وإثباتا لهذه الحقيقة تجري مدرسة المطران في نهاية الدراسة من كل عام، يوماً يسمى يوم الميدان (Field day ) تجري فيه مباريات في كل أنواع رياضة الميدان، وتمنح فيه الجوائز للمبرزين في آداب اللغتين العربية والإنكليزية، ويدعى لرعاية هذا الحفل إحدى الشخصيات السياسية البارزة. وكان راعي الحفل في ذلك العام (الجنرال كلوب)، وفي هذا الحفل سلمني جائزة الفائز الثالث في الإنشاء بالإنكليزية. وعلق على ذلك عندما سلمني الجائزة (بني حميده وجائزة باللغة الإنكليزية) .
التخرج :
تخرجت في مدرسة المطران عام 1947 بعد أن أمضيت سبعة أعوام في القسم الداخلي، كانت من أسعد الفترات في حياتي. وكان ذلك العام عام (قحط) هلك فيه الزرع والضرع. وحضر عمي حفل التخرج الذي كان ضيف الشرف فيه الأمير طلال ولي العهد وخطيب الحفل الأديب اللبناني البارز الأستاذ ميخائيل نعيمه، وبعد أن انتهى الحفل وخرجت مع عمي إلى ساحة المدرسة ممسكاً بيده، قال رحمه الله قولاً لم أنسه ما حيتت قال (والله يا ولد أخوي) ما أنا متأسف على الزرع والضرع الذي هلك، إلا لأنني لم أضع لك ألف دينار في البنك لأرسلك إلى الجامعة. وكان ما قاله لي يساوي ذهابي إلى الجامعة وتخرجي منها،فلم أنس هذا الموقف أبداً .
في مواجهة الحياة:
وهكذا وضعت في مواجهة الحياة ولم أكن مستعداً لها الاستعداد الكافي. كان من الصعب إيجاد عمل في الحكومة في ذلك الحين (تماماً كما هو الحال الآن في العام 1998). ومع ذلك فقد حاول عمي إرسالي إلى الجامعة عن طريق البعثات التي ترسلها وزارة التربية والتعليم. فقابل (الشيخ محمد الأمين الشنقيطي) وكان وزيراً للمعارف في حينه، فسأله الشنقيطي ومن أي مدرسة تخرج؟ فأجابه عمي من مدرسة المطران، فقال الشنقيطي (أف ما وضعته إلا في مدرسة الكفر هذه). وفي اليوم التالي قابل عمي الأمير عبد الله وطلب منه أن يرسلني في بعثة على حساب وزارة المعارف، فقال الأمير عبد الله لعمي: يا سليمان (ما تخليه يسرح بمعيزاه) أي يرعى الماعز. فرد عليه عمي قائلاً: يا سيدنا (إحنا ناقصنا رعيان) فقال الأمير لعمي: أنا أستطيع أن أرسله إلى الكلية العسكرية في بغداد، فأبلغني عمي ذلك فأجبته أنا أكره العسكرية، ولو كان لدي رغبة بذلك لدخلت سلك الجيش قبل أن أنهي الثانوية.
الوظيفة المؤقتة:
نتيجة للقحط في عام 1947 أوجدت الدولة مراكز لبيع الحبوب في المناطق التي أصابها الجفاف، فعملت في مركز مأدبا لمدة أربعة أشهر، انتهى بعدها هذا العمل. وذهبت بعدها إلى عمان أبحث عن عمل، راجعت جميع دوائر الدولة، ولكنني لم أوفق. فاضطررت أن أراجع قيادة الجيش من أجل عمل مؤقت، وكنت لا أزال مصراً على الدراسة الجامعية. ولست أدري لماذا سيطر هذا الأمر على ذهني ويبدو لي أن الحياة في مدرسة المطران استهوتني فرغبت أن أستمر في هذه الحياة أطول مدة ممكنة دون وعي.
عينتني قيادة الجيش معلماً في مدرسة ضباط الصف في معسكر العبدلي مدنياً برتبة (عريف) وعلاوة معلم خمسة دنانير.وهذا مبلغ جيد في ذلك الحين، لم أبق في هذا العمل سوى شهرين بعدها غادرت المكان غير نادم على تركه دون أن أبلغ المسؤولين. وذهبت إلى أهلي في مأدبا وطلبت من عمي أن يقابل (كلوب باشا) ليعطيني وظيفة مؤقتة في الجيش غير هذه الوظيفة. فاصطحبني إلى القيادة العامة للجيش في عمان، وفي القيادة طلب مقابلة (كلوب). فأذن له بعد فترة قصيرة ودخلت معه، فدخلنا معاً إلى مكتب (الباشا) فاستقبل عمي استقبالاً حسناً،قائلاً له: إننا لم نرك منذ مدة يا سليمان،فرد عمي قائلاً: (والله يا باشا أنت شايف السنتين امحول) (واللي ايشوفني على باب القيادة ايقول الجمعاني جاي يتشحد)، فرد (كلوب) لا عيَّ الله يا سليمان إحنا كل واحد له إضبارة. (ويشن انت بيه) أي ماذا تريد؟ فرد عمي قائلاً: والله أنا جاي لك من أجل ضافي، فقد أنهى دراسته الثانوية وكنت أنوي إرساله إلى الجامعة إلا أن السنة ما ساعدتنا. يريد عمل يستطيع إذا ما ساعدتنا الظروف أن يخرج منه ويعاود دراسته، عندها توجه الفريق كلوب بالسؤال إلي،ماذا تريد أن تدرس؟ فأجبته بما يتمناه كل طالب في ذلك الحين (طب أو هندسة)، فقال كلوب لعمي: إحنا نرسله على حساب الجيش.
ولما كان لدي نقطة ضعف لم أستطع التخلص منها إلا مؤخراً وبحدود جزئية، وهي أنني عندما أحدد موقفي من أمر آخذه بكليته، لهذه الحقيقة لم أستطع التمييز بين أن تخدم عسكرياً في سلك الجيش أو أن تذهب في بعثة دراسية على حساب الجيش (لتصبح بعدها طبيباً أو مهندساً، تكون هي مهنة الحياة) فأجبته: يا باشا أنا لا أرغب أن أخدم بالجيش، فرد علي طيب ماذا تريد؟ قلت وظيفة مؤقتة أستطيع الخروج منها لأكمل دراستي الجامعية إذا سمحت لي الظروف. فكتب لي ورقة وسلمني إياها قائلاً خذ هذه لحسام الدين . (وحسام الدين المفتي) كان مديراً لما يسمى بالسجل في ذلك الحين (أي إدارة الأفراد).
وذهبت في اليوم التالي إلى (السجل) والتقيت السيد حسام الدين وأعطيته الرسالة، وطلب ضابط صف برتبة (وكيل) وأعطاه الرسالة، أخذني ضابط الصف إلى مكتبه وأخرج (إضبارتي) القديمة ووجد مكتوب عليها أسمي ورقمي السابقين، ومكتوب عليها أيضاً (رُمّج لعدم الاستفادة)، فصاح قائلاً: الله أكبر تترّمج لعدم الاستفادة وتعاد للخدمة برتبة أعلى وبراتب أعلى! وقد عدت إلى ضابط الصف هذا بعد ثلاثة شهور بالضبط لأدخل مدرسة المرشحين، فنظر إلي بحقد قائلاً (والله بعد كم سنة إذا سارت الأمور هكذا غير تقعد محل كلوب). وهكذا اتجهت بي الظروف ودفعتني في مسار كرهت أن أجعله ميدان حياتي. وهذا دليل واضح على أن الإنسان في واقع مثل واقعنا - في حينه - لا يملك حرية الاختيار .
رحلة إلى فلسطين:
وقبل أن أغادر مدرسة المطران لأدخل ميدان الجيش، فأن على أن أكتب عن رحلة إلى فلسطين مع عدد من التلامذة في مثل سني بصحبة مدير مدرسة المطران.كانت الرحلة في نهاية العام قبل الأخير في مدرسة المطران، وقد ابتدأت رحلتنا في غور الأردن الشمالي وتحديداً من قرية العدسية المطلة على نهر اليرموك،قبيل مصبه في نهر الأردن،وهي تعاونية زراعية تملكها طائفة البهائيين ومقرها حيفا في ذلك الحين،ومؤسس هذه الطائفة من أصل إيراني وكذلك من يعيشون فيها. وكان إبن مسؤول هذه التعاونية طالباً في مدرسة المطران. استضافنا بها ليلتين، وكانت مزرعة حديثة تزرع الموز والحمضيات وتظلل أطرافها أشجار الكينا الباسقة. غادرنا هذه المزرعة عبر جسر المجامع إلى غور فلسطين الشمالي أي إلى المستعمرات اليهودية المقامة جنوب بحيرة طبريا، وكان خط سير رحلتنا بعد زيارة المستعمرات اليهودية هو طبريا - الناصرة – حيفا- تل أبيب- يافا - فالقدس.
وأذكر هذه الرحلة ليس لأنها كانت ممتعة حقا، بل لأنها عرفتني بواقع كنت أجهله، إذ لم يكن لدي أية فكرة عنه وأشارت إلى دلالات لم أميزها إلا مؤخراً، ومنها ما للمدارس التبشيرية من مهام ذات صلة برؤية القائمين عليها لمستقبل هذه البلاد.
كنت بعد أن قطعنا جسر المجامع سرنا إلى (كيبوتس أفيكيم(1)) وهي تعاونية زراعية لا أعرف حتى الآن مدلول أو معنى أسمها،وهي ملك لإحدى المؤسسات التي تعنى بالاستيطان في حينه في فلسطين.لا يملك القاطن فيها غير متاعه الشخصي ويكون غالباً عاملاً زراعيا. وفيما عدا السكن، فالحياة هناك جماعية يأكلون وجبات الطعام في مكان واحد ومن مطبخ واحد، ولأطفالهم مدارس واحدة وحضانة واحدة وللعامل في هذه التعاونية أجر محدد يصرفه على حاجاته ومتطلبات عائلته،وكل عامل له حرية المغادرة متى أراد ذلك، ضمن الأنظمة المعمول بها. لم أعد أذكر كم أمضينا في هذا (الكيبوتس)، ولكنها كانت أكثر من ليلة واحدة عايشنا بها ساكينيها. وأسرد إلى القارئ الواقعة التالية التي لم أدرك معانيها في حينه: كنت أقف على شاطئ بحيرة تربية الأسماك والتي كانت تستخدم للسباحة أيضاً ، وكان هناك فتاة تسبح في البحيرة كنت أقف متفرجا عليها، وكنت ألبس لباس الكشافة (الذي هو عنوان هذه الرحلة).وعلى كتفي شريطا الكشافة المشهورين، أحدهما أصفر والثاني أزرق سماوي، في هذا الحين وقف إلى جانبي رجل ليس شاباً ومد يده إلى الأشرطة التي على كتفي ضاحكاً، وسألني هل تعرف ماذا يعنيان هذان اللونان اللذان على كتفك (لم أعد أذكر، أقالها بالإنكليزية أم بالعربية) قلت له: أعرف فقط أنهما شارة الكشافة. فرد قائلاً: إن هذين اللونين هما لونا علم (إسرائيل).وطبعاً (إسرائيل) لم تكن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موجودة، والاسم بذاته كان مجهولاً لي. وكنت أعرف بشكل عام أن اليهوديطلبون ويتمنون إقامة دولة في فلسطين. ومع ذلك فلا زلت أذكر اللامبالاة وعدمالاهتمام الذي قابلت به هذا القول، لأن القضية بكليّتها لم تكن واضحة لي، ولم تكن كذلك في عقل وفهم من هم مثلي في شرق الأردن في حينه، أما في فلسطين فالأمر مختلف جذرياً، وهذا ناتج عن واقع ذي اتجاهين - إرادة السلطة المنتدبة وأدواتها التي تتولى الحكم في الأردن.وثانيهما عدم قدرة القيادة الوطنية الفلسطينية على اختراق هذا الواقع وإيصال قضيتها ورؤياها لجميع مستويات الناس في شرقي الأردن، طبعا كان هناك مؤيدون ومريدون للرموز الأساسية في الزعامة الفلسطينية وخاصة الحاج أمين الحسيني - يرحمه الله- بينهم زعماء عشائر كثيرون ومهمون. بل إن كل من كان في المعارضة من هؤلاء الزعماء كان يعتبره الإنكليز والأمير عبد الله مؤيداً للحاج أمين.ولكن هذا التأييد لم يكن كافياً ولا فاعلاً لأنه لم يكن التزاماً مقروناً بفعل. وإثباتاً على مدى خوف الإنكليز وأداتهم( إدارة شرقي الأردن) من هذا الأمر، أروي للقارئ هذه الواقعة: وهي أن عمي سليمان سافر إلى الشام ليجهز لعرس أحد أبنائه وكان ذلك في عام 1941، وكان عمي من مريدي الحاج أمين، وبعد عودته بأيام قليلة أستدعي لمقابلة الأمير بواسطة أحد فرسان الدرك في مخفر ذيبان. في اليوم التالي توجه عمي إلى عمان، ولدى وصوله إلى ديوان الأمير أدخل فوراً إلى مكتبه قال عمي: بعد أن سلمت على الأمير وقال لي اجلس يا سليمان،وما أن جلست حتى سألني الأمير: يا سليمان أنت كنت بالشام؟ فعرفت الأمر ولكنني أخطأت ما في ذهن الأمير، فقلت نعم يا سيدنا كنت في الشام.وهناك التقيت صديقاً لي لا يمكن أن أكون في الشام دون أن ألقاه وهو الدكتور صبحي أبو غنيمه، زعيم المعارضة في الأردن آنذاك وكان لاجئاً بالشام في ذاك الحين. فرد الأمير قائلاً لعمي: يا سليمان سمعت أن الحاج أمين أعطاك ثلاثمائة ليرة لتقوم بثورة في جبل بني حميدة، فرد عمي قائلاً يا سيدنا أنت تعلم موقفي الموالي لسموكم، وكذلك تعرف أنني لست بحاجة إلى 300 ليرة فلسطيني. ولكنني أقول لك أن الناس في جبل بني حميده (جيعانه) (والجوع كافر) ولم يكتفِ الأمير بهذا اللقاء والنفي،بل أرسل إلى كل مشايخ بني حميده واجتمع بهم وتحدث اليهم في الأمر. الأمر الذي يدل على جدية الموضوع وخطورته.
أمضينا في(كيبوتس أفيكم) يومين وليلة واحدة عرفت فيهما نمط حياة جديد وفهم ومضمون جديدين، ومن بين ما عرفت من إحدى الفتيات التي أطعمتنا عنباً ممتازاً وقالت أن هذا العنب هو من عنب السلط. سافرنا بعد ذلك إلى طبريا وأمضينا بها ستة أيام في بيت لجمعية ال (Y. M. C. A) قائم على منحدر صخري يصطدم بالبحيرة مباشرة على الطرف الغربي لها. وكان قرب سكنانا مباشرة بركة ماء من نبع ماؤه دافئ كنا نسبح بها خلال النهار، وفي سكن مجاور لسكنانا شيخ جليل في العقد الثامن من عمره أمريكي الجنسية أظنه كان ينوي أن يقضي ما تبقى من عمره مجاوراً لتراث المسيح، وكان هذا الشيخ يرأس جمعية الشبان المسيحيين. وكنا نجلس ونتحدث إليه، وفي إحدى الجلسات قدم لنا سجاير فأخذ بعضنا وأنا منهم ودخنا فقال قولاً يبقى في الذاكرة، قال بالإنكليزية: (I am sorry for the man who smokes before forty , and I am sorry for the man who does not smoke after forty ) ( أنا أأسف على لمن يدخن وعمره دون الأربعين ولكنني أيضاً أأسف على من لايدخن وعمره فوق الأربعين).
خلال هذه المدة التي أمضيناها على (بحر الجليل) زرنا كل الأماكن التي لها علاقة بتراث المسيح. فعلى هذا البحر وعلى شاطئه قام السيد المسيح بأكثر من معجزة فحينما هبت ريح عاتية على قاربه هو وبعض حوارييه أمرها أن تسكت فسكتت، وعلى سطح ماء البحر هذا مشى السيد المسيح، وعلى شواطئ بحر الجليل عاش الصياد بطرس أشهر حواريي السيد المسيح، وقد أبحرنا كذلك في بحيرة الحولة التي كانت قائمة آنذاك. وخلف طبريا والى الجنوب الغربي منها تقع تلال حطين التي جرت على أرضها معركة حطين الفاصلة بين المسلمين والفرنجة
بعد عدة أيام من العيش في هذا المكان الجميل، تابعنا رحلتنا إلى مدينة الناصرة وكانت بيوتها حسنة البناء وشارعها الرئيسي مبلط ولم نبق طويلاً بها. زرنا إحدى الكنائس وغادرنا إلى حيفا.كانت جميع الطرق التي سرنا عليها مبلطة بشكل جيد وإشاراتها ودلالاتها منظمة، وبعض مواقف الانتظار على الطرق تستظل بالأشجار، وكان التشجير يلفت النظر في هذه المناطق الأمر الذي لم يكن موجوداً في شرقي الأردن. وصلنا إلى حيفا ونزلنا في معهد التكنيون الذي ما زال يحمل هذا الاسم حتى الآن وإن كان قد تحول إلى (جامعة التكنيون)، وتمتاز حيفا في حينه بمصفاة تكرير نفط العراق،وبشارع الملوك الواسع والذي تقع على جانبيه العديد من العمارات الكبيرة والحديثة وكذلك (بالهدارا كرمل) التل الذي يشرف على البحر، وهو مشجر وبه مساكن جميلة وفيلات حديثة. أمضينا في حيفا ليلتين بعدها اتجهنا إلى (تل أبيب - يافا). وصلنا تل أبيب في صباح يوم السبت، لقد كانت مدينة نظيفة حديثة منظمة معظم أبنيتها من الإسمنت. وكانت في ذلك الحين مدينة يهودية لا يسكنها أحد من العرب كما أن يافا الملاصقة لها لا يسكنها أحد من اليهود.
بعد أن نزلنا أحد الفنادق ووضعنا أمتعتنا هناك نزلنا إلى المدينة بقيادة مدير المدرسة وتجولنا في شوارعها الواسعة والنظيفة وكانت جميع متاجرها مغلقة في يوم السبت. اتجهنا إلى شاطئ البحر، ومع إنني كتلميذ داخلي في مدرسة المطران لم يكن منظر الفتاة يثيرني،فنحن نرى تلميذات مدرسة البنات الإنكليزية (C. M.S ) والتي كانت تجاورنا. وكانت تلميذات المدرسة الداخليات يأتين إلى الصلاة في مدرستنا كل أيام الآحاد، وكن يحضرن في أيام الأعياد والاحتفالات الرياضية التي تقيمها مدرسة المطران في نهاية كل عام فمنظر الفتاة بزيها الحديث لم يكن أمراً غير عادي بالنسبة لنا. غير أن الأمر كان مختلفاً تماماً على شاطئ البحر في تل أبيب، حشد هائل من البشر نساء - رجال - أطفال - لا يلبسون إلا ملابس البحر والكثير منها من قطعتين ،وهذا منظر نراه لأول مرة في حياتنا. نساء شبه عاريات على شاطئ البحر كان في حينه أمراً مثيراً لرفاقي. أما بالنسبة لي فقد كان الأمر مختلفاً فلم أحس بأي انفعال بل تحول إلى رد فعل معاكس. فهذا المرأى جعلني أميز بين فتاة جميلة ساترة جمالها تجعلك في شوق دائم لاكتشافه، وبين فتاة جميلة شبه عارية يفقد تأثيره بإدغامه بهذا الحشد العاري الذي فيه من القبح أكثر مما فيه من الجمال.
تجولنا في اليوم التالي في مدينة يافا وكانت يافا نقيض تل أبيب، مدينة عربية إسلامية محافظة. وفي اليوم التالي توجهنا إلى القدس وأمضينا هناك ثلاثة أيام في ضيافة مدرسة (سانت جورج) وفي العام التالي عدت وزرت مدينتي يافا وحيفا كعضو في منتخب الأردن لكرة القدم والتقينا مع شباب العرب في حيفا، ومع إسلامي يافا في يافا. وهكذا يرى القارئ أنني أعرف فلسطين جيداً وخاصة بعد دخولي الجيش فيما عدا منطقة غزة والنقب. وقبل أن أغادر تراث مدرسة المطران لابد لي أن أذكر أن لي إنتاجين، قصة قصيرة وموضوع سياسي بالإنكليزية عنوانه (Evolution is better than revolution) أي أن التطور أفضل من الثورة - إلا أن هذا الإيمان لم يثبت، ولقد فرض الواقع في وطننا تبدل في الأسلوب وليس في الجوهر ( فلو أن التطور في التاريخ كان يأخذ مجراه طبيعياً ولا تقف في وجهه أدوات القهر الاجتماعي والسياسي، لما كان هناك ثورات اجتماعية وسياسية).