منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الحوار الفكري العام

منتدى الحوار الفكري العام الثقافة ديوان الأقلاميين..فلنتحاور هنا حول المعرفة..ولنفد المنتدى بكل ما هو جديد ومنوع.

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع التقييم: تقييم الموضوع: 1 تصويتات, المعدل 5.00. انواع عرض الموضوع
غير مقروء 11-02-2009, 03:49 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل


افتراضي المناضل / ضافي موسى الجمعاني

ضافي موسي الجمعاني، ولد في مضارب عشيرة الجماعين، بني حميدة عام 1927 شرق قرية ذيبان في محافظة مأدبا الاردنية، عمل في الجيش الاردني، وتسلم قيادة بطارية مدفعية عام 1953 وهو برتبة ملازم ثان، وانضم الي تنظيم الضباط الأحرار بعد مؤسسية شاهر اليوسف ومحمود المعايطة وكان أصغر أعضاء قيادة التنظيم سناً ورتبة.
كما انضم إلي صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي في آذار (مارس) عام 1956 وأصبح عضواً في اللجنة العسكرية التابعة للقيادة القطرية في حينه. اعتقل ورفاقه قادة تنظيم الضباط بعد نهاية الفترة الديمقراطية الاولي في الاردن وأعيد اعتقاله وقادة تنظيم الضباط والكثير من البعثيين أثر ثورة شباط (فبراير) في العراق وانقلاب 8 آذار (مارس) عام 1963 في سورية وأمضي في هذا الاعتقال 14 شهراً. والتحق في صفوف حركة الثالث والعشرين من شباط، وعين حينها عضواً في لجنة تنظيم القطر ومن ثم رئيساً لهذه اللجنة وبعد عام من ذلك التاريخ تولي أمانة سير قيادة قطر الأردن لحزب البعث العربي الاشتراكي (قيادة سورية).



ومنذ تلك الفترة اسهم في العديد من المجالات السياسية والنضالية، حيث تولي بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967 مسؤولية طلائع حرب التحرير الشعبية (الصاعقة) وساهم في ايصال حركة المقاومة الي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، من من خلال تحالف حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) والصاعقة. وتمنح رواية ومذكرات الجمعاني عن حياته النضالية ومشاركته في معترك العمل السياسي، شهادة عن تلك المرحلة.
القدس العربي
إن موقفي المنفرد هذا في قيادة التنظيم جعل أصحاب الرؤية المغايرة يضعونني خارج إطار القرارات والأفعال الصميمية، إن شواهد عديدة بينت أن الرفيق محمود قد أبعدني بتصميم عن التقرير في قضايا مصيرية أهمها، عرض الملك حسين علي اللواء محمد المعايطة منصب رئيس الأركان، وكنت سأقبل وأدافع بقوة عن هذا العرض حتي ضمن الشروط التي وضعها الملك حسين، والتي أشك في صحتها، لأنني كنت مع أي بديل لعلي أبو نوار.
ثانياً: إن الرفيق أبو ساهر تجاوزني إلي من هم أدني مني موقعاً تنظيما، إن عسكرياً أو حزبياً. فحينما تقررت إقالة الفريق كلوب، كان محمود علي معرفة كاملة في كيفية تنفيذ العملية عسكرياً. وهو الذي أشرف علي تنفيذها (أي أنه شكل القائد الميداني للعملية تحت إشراف الملك حسين) كما جاء في مداخلته الهامة في الندوة التي أقيمت حول سليمان النابلسي في منتصف عام 1998 والتي بين من خلالها شكلاً ومضموناً جديدين لتنظيم الضباط الأحرار، يتوافق تماماً والذي أورده علي أبو نوار في كتابه حين تلاشت العرب .
امر اخر، لقد أعطي محمود مهمة السيطرة علي كتيبة مدفعية الميدان الأولي لتنفيذ الواجب المسند إليها حسب الخطة، بما فيها بطارية الميدان الثالثة، التي كنت أقودها إلي الرفيق النقيب عزمي مهيار، الأمر الذي يعني أنه يتجاهل موقعي القيادي في تنظيم الضباط، وحزب البعث العربي الاشتراكي. لماذا؟ لرؤياي المختلفة. وكأنه أيضاً لا يريد أن يعطيني شرف المشاركة. هذه الحقائق استنتجتها بعد خروجي من سجن المزة في شهر تشرين أول (نوفمبر) عام 1994. خلال لقائي بمحمود وعزمي ، ولكن حينما وجد الرفيق عزمي مهيار أن تنفيذ الواجب المعطي للكتيبة يحتاج إلي وجودي، استدعاني من إجازتي يوم الخميس الذي سبق تنفيذ الخطة العسكرية.
اما الامر الاخر، وهو الأخطر، إن الرفيق (أبو ساهر) قائد سلاح المدفعية، قد شارك في صنع القرار الذي اتخذته قيادة تنظيم الضباط في اجتماعها الذي انعقد في منزلي في معسكر الزرقاء والذي يقضي بالتصدي لقرار الملك حسين، تغيير الحكومة ومنعه من ذلك. ويعرف أن مهمة تنفيذ القرار قد أوكلت لي ولنذير، ويعرف هذا الامر كذلك المقدم أحمد زعرور، الذي شارك في صنع القرار، فما معني أن يرسل المقدم محمود النقيب عزمي مهيار ممثلاً لسلاح المدفعية. وكذلك يرسل المقدم أحمد زعرور النقيب موسي خلف جنكان ممثلاً لسلاح الهندسة، لحضور مجلس الحرب. الأمر الذي يدل أنهما علي معرفة مسبقة بانعقاد مجلس الحرب هذا، الأمر الذي يثير أخطر التساؤلات والدلالة علي الشبهة الشديدة التي أحاطت بهذا المجلس.
إن النقيب عزمي والنقيب موسي عندما رأيا هذه الحالة انسحبا قبل أن يشعر بهما أحد. ما هو المعني الحقيقي لهذه الواقعة؟ ومع ذلك يظل التساؤل مطروحاً، هل لو كنت موجوداً سيتغير مسار الأحداث؟ فأقول مختصراً شواهد عديدة أن قائد سلاح المدفعية (المقدم محمود المعايطة) هو قائد سياسي وأساسي في قيادة تنظيم الضباط، ويعرف تماماً قرار هذه القيادة. ومع ذلك لم يستثمر فرصة العمر التي سنحت له. هي الحالة التي كان عليها سلاح المدفعية في تلك الليلة، لأنه كان جزءاً من عملية التغيير المخططة التي جرت في الأردن. ومع ذلك فبالتأكيد أنني لو كنت موجوداً لقلت بوضوح أننا ندافع عن أرواحنا. وأنا لست علي استعداد أن أسلم رأسي دون مقابل.
إن الشاهد الأثبت علي أن المقدم محمود المعايطة كان شخصية رئيسية في عملية التغيير التي جرت في الأردن، هو نقل المقدم شاهر اليوسف إلي قيادة لواء المشاة الأول بعيداً إلي منطقة نابلس، وهو موقع أقل شأناً من قيادة سلاح المدفعية. وتسليم قيادة هذا السلاح المضمون وطنياً قاعدة وقيادة إلي المقدم محمود المعايطة.

المقدم شاهر اليوسف

إن أبو جبار رفيق عزيز ـ يرحمه الله ـ ومن المؤكد أنه صادق الوطنية حينما التزم بحزب البعث العربي الاشتراكي، وبعد ذلك عمل علي خلق تنظيم الضباط الأحرار. ولكنه وجد نفسه في الثلث الأول من عقد الخمسينات (1952ـ 1954) في واقع فرض عليه الانحراف عن الهدف الأساس لتنظيم الضباط، إلي هدف فرعي هو (تعريب الجيش)، بتأثير كل عوامل الواقع العربية والدولية. ومن بينها المقابلة التي جرت بينه وبين الفريق (كلوب) في منزل الأخير. والتي علي أثرها نقله مرافقاً له لفترة زمنية محددة، والتي قال له خلالها (الفريق كلوب)، إن الأردن يستند إلي ركيزتين أولاهما الملكية وثانيهما المعاهدة البريطانية، كما وردت في مذكرات شاهر، وكان شاهر صادق الرواية. الالتزام هذا بمقولة (كلوب) هذه، قاده إلي الوقوع بشبكة المخطط، بدأ بلقائه بعلي أبو نوار. ثم بعد ذلك بالملك حسين في لندن، وحتي دخولنا سجن المحطة والسؤال هو: هل كان بامكان شاهر أن يفلت من شبكة المخطط، وإن كانت لديه النية؟ فأقول لا، إلا في حالة الصدفة التي تتقاطع بها تحركات قوي متعارضة، تفرض عليه واقعاً ليس في باله. واقصد بذلك حالة سلاح المدفعية ليلة التمرد. والمخططون لا يتركون هكذا قضايا للصدف، ولذلك نقل من قيادة سرح المدفعية بعيداً إلي منطقة نابلس.

محمود يعود من القصر

في الفترة التي انتظرت بها عودة محمود، فكرت طويلاً وعرفت حينها أن الفيلة لمن فالها و أن الطيور طارت بأرزاقها ، كما يقال، ففي واقع غير مستقر كالواقع الذي كان عليه الأردن في حينه سنحت لك فرصة العمر للتغيير، فإن لم تستغلها ذهبت علي الأقل إلي ما بعد ذهاب العمر، وما علينا الآن إلا مواجهة مصيرنا الذي تقرر بشجاعة وكبرياء التقيت المقدم محمود بعد عودته، فقص علي ما حدث معه:
قال حين وصولي إلي القصر، أدخلوني فوراً إلي مكتب الملك فحييته، فدعاني إلي الجلوس، واستدعي أحد الحجاب، وقال له ادعوا الملازم (فلان) ودخل علينا ملازم ثان عليه شارة المدرعات الأولي، وطلب منه الملك، أن أذكر إلي المقدم محمود الأوامر التي أعطاكم إياها قائد الكتيبة في الاجتماع الذي عقده معكم، فسرد الملازم الأوامر التي أعطاها إليهم نذير. وجاءوا بالثاني والثالث وكرروا نفس الرواية، فقلت بانفعال إن هذه الأقوال هي من تدبير الشريف ناصر، فصاح الشريف ناصر وقد فوجيء بهذا الاتهام، فقال أقسم بالله أن لا علاقة لي بهذا الأمر، وبعدها خرجت من القصر عائداً مباشرة إلي الزرقاء. وكان الوقت بعد منتصف الليل. وتوجهت إلي قيادة كتيبة مدفعية الميدان الثالثة. وهناك وجدت نذير، فسألته عن ما قاله لي ضباط كتيبة المدرعات الأولي، فقال لي إنه صحيح، وطلبت من سائقي أن يوصل النقيب نذير إلي مقر قيادة القوات السورية في المفرق، وهم هناك سيؤمنوا وصوله إلي دمشق. وكان أول ما قاله نذير حين وصوله دمشق إلي الصحافيين، هو الهجوم علي الضباط البعثيين في الجيش الأردني. لماذا البعثيون؟ والصراع في الأردن لم يكن بين البعثيين والناصريين في حينه. بل بين الوطنية والديمقراطية من جهة، وبين الملكية المطلقة من جهة اخري.
إن هذا التصريح يدل علي الحقيقة العميقة عميق، ولم تظهر إلا بعد قرابة النصف قرن. في صباح اليوم الثاني زارني محمود (وأبو سامي) المقدم أحمد زعرور في كتيبة مدفعية الميدان الخامسة التي كنت أقودها، التقيا بي في نادي ضباط الكتيبة وكان هناك عدد من ضباط الكتيبة متواجدين في هذه الجلسة. وجري الحديث عن أحداث الليلة الماضية.
وكان تركيز محمود وأحمد علي الدور الأمريكي وأنه كان الأساس في انقلاب الملك حسين علي الديمقراطية. وخاصة دور الملحق العسكري الأمريكي. نعم كان للأمريكان دورا بارز في الأحداث، وخاصة دور ضابطين صغيرين من الصخور في لواء الأميرة عالية، الذي حدث به التمرد، وكانا علي علاقة بالسيد عاكف الفايز. ومع ذلك فإن دور الأمريكان كان علي السطح، ولم يكن هو الأساس في توجيه الأحداث. لقد كان الدور (الإنكليزي) هو الأهم والأفعل. المستور والقوي في مفاصل ومراكز القرار إن كان في القوي السياسية أو العسكرية. وبعدها قلت لمحمود وأحمد (اوبعدين)، هل نستسلم بهذه السهولة. لابد من عمل ندافع به علي الأقل عن أنفسنا. وبالرغم من يقيني الذي ذكرت (بأن الطيور طارت بأرزاقها). وأنه علينا أن نواجه مصيرنا بشجاعة. إلا أنني تناسيت كل ذلك في هذا اللقاء مع (أحمد ومحمود) وبدافع المكابرة قلت لهما، إنني سأبادر ولو بكتيبتي لوحدها بالعمل. فقال أحمد إن كنت تستطيع ذلك فأفعل، ولم يقل محمود أي شيء. بتقديري لأنه كان يدرك الواقع. وحاولت أن أنفذ ما قلته. فجمعت الكتيبة وتحدثت بهم عن أحداث الليلة الماضية. وعن الإشاعات التي يطلقها عملاء الاستعمار الذين يستهدفون خراب وطننا بأن هناك انقلاباً ضد الملك حسين وهذا ليس صحيحاً علي الإطلاق، ولكنني أقول لكم إننا لا نعبد أصناماً، ولما أنهيت حديثي، قلت للضابط المسؤول، كل بطارية إلي موقعها. وقبل إن يأمرهم الضابط المسؤول بالمسير، خرج من الصفوف صوت عال، يهتف، عاش الملك حسين. صحيح أنه لم تكن هناك استجابه ولا من صوت ثان، لغرابة الواقعة في (طابور) رسمي، وشذوذها عن الانضباط، لكنها كانت كافية للإشارة إلي طبيعة أحداث الليلة الماضية والتذكير بها. وقد عرفت من هو صاحب هذا الهتاف. وهو جندي سائق من الأزرق ومن مهاجري جبل حوران. ومع ذلك فقد أمرت أن تستعد الكتيبة للخروج إلي المناورة، فأعترض أحد الضباط، فقلت إن الكتيبة ستخرج وأنا قائد هذه الكتيبة. وأعطيت الأوامر لقادة البطاريات للاستعداد. وحين خروجي تبعني مساعد قائد الكتيبة وكان أحد الحضور حين لقائي بالرفيقين المقدم محمود والمقدم أحمد، وسمع الحديث الذي قلته. فقال لي، أرجو أن تفهمني، إن القيام بأي عمل من النوع الذي في ذهنك مستحيل. وحينها أصبح واجبي وواجب محمود هو المحافظة علي ماء الوجه كقادة لهذه الوحدات إلي أن يتقرر مصيرنا، الذي لم يعد بعيداً المحافظة عليها كوحدات عسكرية منضبطة، لأن كل وحدات الجيش في معسكرات (خو ـ الزرقاء)، فقدت كل ما يمت إلي الانضباط العسكري بصلة، فلم يعد هناك لا قادة ولا ضباط لهذه الوحدات، والجنود دائمو التظاهر والهتاف للملك حسين. ووفود ذاهبة ووفود راجعة منهم إلي القصر الملكي، وكان الملك يلتقيهم ويرحب بهم، وانهيار الانضباط العسكري هو ربيع النفس عند الجندي. والسلاح الوحيد الذي استمرت الأمور به طبيعية بتوتر، كان سلاح المدفعية وإلي قبل ليلة واحدة من اعتقالنا. وكانت تتوافد علي السلاح وفود من جنود الوحدات الأخري. لماذا لا تتظاهرون تأييداً لجلالة سيدنا، إنكم لستم موالين لجلالة الملك، وضباطكم خونة، لماذا لا تتظاهرون تأييداً للملك؟!
هذا التوافد والتحريض المستمر أثمر في الليلة الأخيرة قبل اعتقالنا ففي حوالي الساعة الثامنة مساء كنا، محمود وأنا (في نادي ضباط كتيبة المدفعية الأولي. هذه الكتيبة الأصيلة في وطنيتها والوحيدة في السلاح التي كان لها شرف القتال في فلسطين)، مشرفين علي معسكرات السلاح. وكما ذكرت جرت أولي المحاولات في كتيبة مدفعية الميدان الثالثة التي تصدت للتمرد بقيادة الرائد احسان الحلواني قائد الكتيبة.
وقد خرج من البلاد هو والعديد من ضباطه في نفس ليلة الأحداث بعد أن انتهت، وكذلك في كتيبة مدفعية الميدان الخامسة التي أقودها. وما أن سمعنا الهتافات ورأينا التظاهر، قمت ومحمود متجهاً هو إلي كتيبة مدفعية الميدان الثالثة، وأنا إلي كتيبة مدفعية الميدان الخامسة التي أقودها. إنك تحتاج إلي إرادة وشجاعة نفس لتواجه جنوداً فقدوا الانضباط والاحترام يتظاهرون ويهتفون للملك قاصدين إسماع قادتهم (الخونة) ذلك.
ومع ذلك فإن الانضباط العسكري في نفس الجندي، هو أرسخ العوامل التي تقوم عليها الجندية، وحالما تمسه بإرادة غير مترددة يستيقظ فوراً، وهكذا عادت الأمور في سلاح المدفعية طبيعية قبل أن نغادره نهائياً إلي موقع العقاب.

الملك حسين يستثمر انتصاره

قام الملك حسين في الأيام التالية للأحداث بزيارات ومقابلات في الوحدات العسكرية، كان هدفها إثبات الوجود وتطمين الخواطر قبل أن يقوم بالخطوة التالية، وهي اعتقال قادة تنظيم الضباط. فقد عقد اجتماعاً لقادة الوحدات المتمركزة في الضفة الغربية، في قيادة لواء المشاة الرابع في غور الأردن الغربي، ولم يحضره الرفيق شاهر، مع أنه قائد لأحد الألوية، ولكنه عرف ما دار في هذا الاجتماع. وما قاله الملك حسين في هذا الاجتماع، هو تطمينات ووعود.
استدعي الملك حسين اللواء علي الحياري في اليوم التالي لخروج اللواء علي أبو نوار من البلاد، وعينه رئيساً للأركان، وهي مفارقة تجلب الانتباه فاللواء علي الحياري هو الذي أمر بالتصدي للمؤيدين للملك حسين، وهو بالتأكيد لا يصلح أن يقود جيشاً، حددت من الآن عوامل تكوينه ومهماته المستقبلية وهي بالتأكيد ليست لها علاقة بالمهمات التقليدية للجيوش الوطنية. فكيف يمكن تكليف اللواء علي بهذه المسؤولية، وهكذا ما أن أمضي اللواء علي الحياري بقية يومه كرئيس للأركان وتوجه قاصداً مقر سكناه، في معسكر الزرقاء، ورغم العلم الذي يرفرف علي مقدمة سيارته، أجاب قائد المفرزة، أن لدينا أوامر بإيقاف جميع السيارات وتفتيشها.
وبعد هذا استمر في سيره حتي الحدود السورية، دون أن يمر علي أهله (كما قيل)، وذلك لإجبار اللواء علي أن يختار الخروج من البلد، لأن مهمات الجيش المقبلة لا يمكن أن يكون لها أوهي العلاقات بالوطنية.

الفرار الكثيف

في نفس الليلة التي خرج بها اللواء علي أبو نوار إلي دمشق، خرج كذلك الأستاذ عبد الله الريماوي أمين سر قيادة قطر الأردن لحزب البعث العربي الاشتراكي وبعض أعضاء القيادة، منهم الأستاذ عبد الله نعواس والأستاذ سليمان الحديدي والأستاذ كمال ناصر وأعداد من الكادر المتقدم للحزب. وكذلك بعض قادة وكوادر الحزب الشيوعي، وخرج من الحزب الوطني إلي دمشق الأستاذ شفيق الرشيدات، أما علي الصعيد العسكري، فقد خرج إلي دمشق اللواء علي الحياري رئيس الأركان، وفر جهاز المخابرات العسكرية بأكثريته والعقيد محمود الموسي مدير الجهاز، والمقدم قاسم الناصر معاون مدير الجهاز، والكثير من ضباطه الصغار وبعض ضباط الصف. وخرج من البلاد الرائد إحسان حلواني وعدد كبير من ضباطه وكانوا علي حق في هذا الخروج. فهم قد تصدوا للمتمردين، وقتلوا وجرحوا العديد منهم، فمن يحميهم وقد تعرضوا لأنصار الملك.

الاعتقال

في اليوم الثالث أو الرابع للأحداث، استدعينا نحن التالية أسماؤهم لمقابلة قائد لفرقة، العميد راضي الهنداوي، الذي تسلم هذا الموقع بعد اللواء علي الحباري. والسادة هم ـ المقدم شاهر اليوسف 2ـ المقدم أحمد زعرور 2ـ المقدم محمود المعايطة 4ـ المقدم نايف الحديد 5ـ الرائد تركي الهنداوي 6ـ الرائد شوكت السبول 7ـ النقيب جعفر الشامي 8ـ النقيب عبد الله قاعد 9ـ النقيب توفيق الحياري 10ـ النقيب ضافي الجمعاني.
وقد التقانا العميد راضي في نادي ضباط الفرقة، وكان تعاطفه معنا واضحاً. وتحدث إلينا حديثاً فيه تشجيع وليس فيه لوم. وذكرنا بما جري في إيران. وأبلغنا الأوامر التي أعطيت إليه لتنفيذها. وهي أنه علينا التزام منازلنا. ولما عدنا إلي هذه المنازل، وجدنا أن تلفوناتنا قد قطعت. هذا الأسلوب الناعم السلس، والمتسلسل للسيطرة علي الوضع، يدلك علي اليد الخبيرة التي تسيطر علي الأمور في هذا البلد. حاول محمود إقناعي بالخروج من البلد. وكان شاهر متفقا معه في هذا التوجه. ولكنني رفضت بإصرار، وذلك قبل وبعد لقائنا بقائد الفرقة.
وقد سهلت السلطة لنا ولكل من يريد الخروج من البلد، فهو أمر يعفيها من الكثير من الاحراجات. وإلي القاريء الواقعة الطريفة التالية التي تدل علي هذا التوجه، عينت الجهات المسؤولة قادة للوحدات التي كنا نقودها. فقد عينت الرائد في حينه عامر خماش، قائداً لسلاح المدفعية، وما أن وصل الرائد خماش إلي قيادة السلاح، حتي امتطي سيارة قائد السلاح (الفورد البيضاء) متوجهاً إلي عمان وعلم قائد سلاح المدفعية يرفرف علي مقدمة السيارة، ماراً من باب المعسكر الذي كان يحرسه الانضباط العسكري، ويقف هناك المقدم كامل عبد القادر قائد الانضباط العسكري، فلما رأي السيارة مقبلة وعلم قائد السلاح علي مقدمتها، فتح الطريق ولم يتعرض لها. وما أن خرجت السيارة من باب المعسكر حتي أمسك بالهاتف فرحاً، طالباً شخصاً معيناً في القيادة العامة، ولما أجابه المطلوب، قال بأعلي صوته (محمود الموسي فتشح) أي أن محمود الموسي هرب. فرد عليه الصوت من الطرف الآخر أن محمود الموسي هرب من أمس. فقال كامل عبد القادر، لا (محمود الموسي المعايطة). لقد كان محمود شديد الرغبة في الخروج من الأردن، ولكن عنادي الشديد حول هذا الأمر فوت عليه الفرصة.
والي القارئ الواقعتين التاليتين اللتين تدلان علي جانب هام من شخصيته، في اليوم التالي لالتزامنا بيوتنا، جاء المقدم كامل عبد القادر قائد الانضباط العسكري، إلي بيتي وطلب مني أن اصطحبه، ولما صعدت إلي سيارة (اللاندروفر) وجدت محمود يجلس علي الكرسي الخلفي. فجلست بجانبه، ولما خرجنا من بوابة المعسكر التفت إلي وقال همساً، إن مسدسي في يدي، سأضعه في عنق كامل عبد القادر وأجعله يتجه بالسيارة إلي المفرق، ولم يكن مع قائد الانضباط العسكري إلا السائق. فأجبته لقد قلت أكثر من مرة إنني لن أخرج.
وبعد ثلاث أيام من ذلك التاريخ، وقد جمعونا في بناية في المطار العسكري مخصصة كمهاجع للجنود البريطانيين. وكنا جميعاً نسير علي الممر الممتد امتداد العمارة، وكنت أسير واياه. قال لي اسمع، قلت ها، قال (إتشوف الخفير هذآك) قلت نعم، قال إنا سأطلق النار علي الخفير وعليك فوراً التقاط بندقيته. وكان الخفير يقف علي رأس الدرج الذي يوصل إلينا وهو في متناول اليد دون إطلاق نار. وأثني قائلاً، بعد ذلك سأطلق النار علي الخفير الذي يقف علي أسفل الدرج، واستولي أنا علي بندقيته. وكان الجد والعزم واضحين علي وجهه، وبعدها نهرب.
وكانت العملية مستحيلة النجاح حتي لو كانت رغبتي في الهرب تساوي رغبته. فقلت لو افترضنا أننا نجحنا بقتل الخفيرين وأخذ سلاحهما، كيف سنواجه السرية التي تطوق مقرنا، وهي في اللحظة التي تسمع أول إطلاقة لن نصل إلي الخفير الذي في آخر الدرج، إلا وكل البنادق مصوبة نحونا. ولو افترضنا أننا تمكنا من الإفلات من طوق السرية واستطعنا الخروج من محيطها، فكيف سنواجه هذا الحشد، كتيبة المشاة الثالثة وإحدي سرايا كتيبة المدرعات الأولي، وعندها إن بقينا أحياء سنحاكم بتهمة القتل العمد لجنود ليس لهم ذنب سوي أنهم يؤدون واجباً أسند لهم.
لقد تبين لي بعد عام من هذا التاريخ أن رغبة محمود الشديدة للخروج من الأردن كانت لها مبرراتها الصحيحة. لقد كان محمود يخاف واقعة إطلاق النار علي المتمردين ومسؤوليته المباشرة بإعطاء الأوامر التي تسببت بقتل أعداد وجرح أعداد أخري.
وفي مجتمع مثل مجتمع الأردن في حينه، لا تزال التقاليد العشائرية بأعرافها وتقاليدها مكينة، يمكن للسلطة أن تحرض أهالي القتلي والجرحي وتضع المسؤولية علي محمود، لتمتد المسؤولية بعد ذلك إلي عشيرته. وكان محقاً في هذا التخوف. ولو ذكرني بهذا الأمر لتغير موقفي تماماً من الخروج من البلاد.

الانتقال الي مقر اعتقال جديد

وبعد يومين نقلونا الي مقر جديد يقع الي الغرب من طريق (المحطة ـ ماركا) (عمان ـ الزرقاء). وكانت عمارات ذات طابقين. وكانت كل عمارة تحتوي علي شقتين، بنيت لسكن عوائل ضباط الصف البريطانيين. وكان وضع البنايات علي شكل مستطيل، ووضعوا كل واحد في الطابق العلوي من الشقة، وفي الطابق الارضي كان يسكن جنود الحراسة. وكان هناك ثمان بنايات تتكون من ستة عشر شقة.
يسكنها في داخل السلك الشائك ظافي الجمعاني، وشاهر اليوسف، في الشقة التي الي اليسار، محمود المعايطة ونايف الحديد في الشقة التي في الصدر أمام المدخل. وجعفر الشافعي وأحمد زعرور في الشقة التي الي اليمين، وبقية المعتقلين كانوا في البنايات مع امتداد الشارع، ويسكن اللواء محمد المعايطة في الشقة التي كانت خارج المربع.
هذه العمارات كان لها مدخل واحد، وعلي امتداد المدخل وضعوا سلك شائك له فتحة، تفتح وتغلق بحاجز، يقف عليه جندي مسلح. والبناية الوحيدة التي كانت خارج هذا السلك الشائك هي البناية المحتجز بها اللواء محمد المعايطه. وهناك واقعة تدل علي جزء هام من شخصية محمود لابد من ذكرها هنا، كان الوحيد منا نحن الضباط المحتجزين الذي يحرسه حارسان مسلحان هو محمود، أحدهما يقف علي رأس الدرج أي أمام غرفته والآخر في أخر السلم. وفي أحد الأيام جاءت عائلة اللواء محمد وعائلة محمود وهما أختان من أم واحدة للزيارة، توقفت علي باب المدخل ليؤذن لها. وكان باب المدخل يواجه تماماً المكان الذي يعتقل فيه محمود، وكان ينظر إليهما من الشباك، ويظهر أن (نهي) وهي ابنته الكبري رأته وهو ينظر إليهم وكان عمرها لا يتجاوز الخمسة أعوام. فانفلتت من يد أمها، وركضت مسرعة متجهة نحوه، فلحق بها الحارس في منتصف الساحة، وأمسك بها، مانعاً إياها من الاستمرار. كل ذلك رآه محمود من شباك غرفته، فخرج عن طوره، ففتح باب الغرفة ودفع الحارس الذي علي رأس سلم الدرج، ونزل مسرعاً، ولما رآه الحارس الذي في أخر درج السلم علي هذا الشكل الهائج، أخلي له الطريق. ورأيته حينها من شباك غرفتي المطل علي الساحة، يسير مسرعاً، حاسي الرأس، يلبس بيجامه لها (دكه) تتدني وروب تملأه الريح كأنه مظله، فلما رآه الجندي الذي يمسك بالطفلة قادماً بسرعة علي هذا الشكل ترك (نهي) وهرب. أمسك بابنته إلي أن هدأ، قادها بيدها بعد ذلك إلي غرفته، هذا جانب مهم في شخصية محمود ولابد أن أتحدث عن الجوانب الأخري في شخصيته، لأن محمود كان الشخص الوحيد القادر في ذلك الحين علي تغيير اتجاه الأحداث لمصلحة الوطن. ومع ذلك لم يفعل، وقد قلت لماذا ؟ إن محمود من عشيرة المعايطه في الكرك، والمعايطه والمجالي ينتمون إلي أصل واحد. جده ساهر المعايطه، أعدم بثورة الكرك التي لم يعدم من أجلها زعيمها (قدر المجالي) وسجن فيها جدي مبارك الجمعاني في دمشق، ولكنه لم يبقي طويلاً في السجن.
لم تكن طفولة محمود مثل طفولتي أو طفولة شاهر، فوالدته ماتت وهو صغير. وحينما أنهي دراسته في مدينة الكرك لم يستطع الذهاب إلي مدينة السلط لعام واحد، ليكمل الثالث الذي كان في حينها نهاية الثانوية في الأردن، دخل الجيش كجندي لاسلكي وترك الجيش بعد فترة وعمل في قسم المساحة في دائرة الأراضي، وترك دائرة الأراضي ليعمل موظفاً في أحد البنوك، ثم ترك هذه الوظيفة وعاد إلي الجيش كمرشح ضابط. ساعده في ذلك شقيقه محمد الذي كان ضابطاً في الجيش في ذلك الحين. والعودة هذه بتقديري لم تكن بدون ثمن، إن محمود ذكي وشهم شديد الاعتزاز بنفسه، ثقافته الفكرية والسياسية في تلك الفترة غير بينة، العشائرية لها أساس في تكوينه، قادر علي بناء علاقات مع شخصيات متعارضة وحتي متناقضة في الفكر والمواقف السياسية، عداوته متطرفة وصداقته حميمة، بسيط حتي التساهل في بعض الأحيان، إذا طار مع غير سربه يسهل اصطياده. إن أبو ساهر رفيق عزيز، والحقيقة أنه رفيق عمر، فمرحلتنا المشتركة منذ عام 1951 وحتي عام 1971 حين اعتقالي، وما تخلل هذه المدة من أحداث ومواقف صعبة، لم يجر بيني وبينه أي خلاف يؤدي إلي القطيعة. حتي ونحن علي طريق الافتراق في منتصف عام 1971، لم يفرق رفعت أسد بين موقفينا في ذلك الحين. فأرسل ناقلة جنود من سرايا الدفاع التي كان يقودها، وحال خروجنا نحن الاثنين من قيادة الصاعقة إلي (اوتوستراد المزة) تبعتنا سيارة، وحين وصلنا الي نهاية الطريق، أدار محمود السيارة قاصداً العودة، وفي لحظة دورانه السيارة إلي اليسار، صدمت السيارة صدمة قوية في جانبها الأيسر الخلفي، فدارت السيارة علي نفسها أكثر من مرة وحطت واقفة، ولم اصب أنا وجرح محمود في وجهه. إن افتراقنا عام 1970 بعد حركة تشرين التي تسلم خلالها الرئيس الأسد السلطة في سورية، كان طبيعياً، فلقد كنا مختلفين فكرياً وسياسياً منذ أن تحول تنظيم الضباط عن الهدف الأساس الذي من أجله أقيم هذا التنظيم، إلي هدف فرعي هو تعريب الجيش. ولكن ظروف المرحلة وطبيعة القوي الفاعلة فيها عربياً ودولياً، وكذلك العلاقات التاريخية بيننا جعلتنا قادرين علي السير معاً حتي منتصف عام 1971 حين دخولي سجن المزة. والصحيح أن الافتراق حدث بعد انقلاب الرئيس الأسد في تشرين عام 1970. فقد وقف محمود إلي جانب الانقلابيين، ولم يكن بعيدا عن الحقيقة، حينما قال لي محاولاً تفسير موقفه، إنهم كلهم مثل بعضهم، الذين ذهبوا إلي السجن، أو الذين تولوا السلطة. وهذا تعميم تبريري وفيه الكثير من التجني، لأنه لا يمكن أن يكون كل الذين ذهبوا إلي السجن مثل الذين تولوا السلطة، وإلا لما كان هناك مبرراً للانقسام. نعم كان هناك بين الذين ذهبوا إلي السجن من ساهم بفعل جاد وعامد بإيصال السياسة السورية إلي نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة. ولكن كان بينهم قوميين شرفاء شكلوا عائقاً جدياً أمام هذا الهدف المقصود وأخص بالذكر (محمد عشاوي ويوسف زعين). إن الذين تولوا السلطة هم تصفية لمرحلة آذار وحتي الحركة التصحيحية، فتسلم الفريق الأسد السلطة هو نهاية مرحلة تاريخية في سورية والإقليم، وبداية مرحلة جديدة تتوافق تماماً وسياسة المعسكرين. لقد قال بعضهم أن محمود استغلني، وهذا قول مردود، إن محمود لا يستطيع أن يستغل أحداً، لانه نفسه كان موضع لاستغلال بشع، من أقرب الناس ومن أبعدهم. أما أنا فموقفي منذ التزامي واضح، صحيح أنني لم استطع إقناع رفاقي بما فيهم محمود وشاهر اسناده. ولكن لا شاهر ولا محمود كانا سبب ذلك.


منقول عن القدس







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 05-03-2009, 05:51 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل


افتراضي مشاركة: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

من كتاب المناضل ضافي الجمعاني ( مذكرات بعنوان من الحزب الى السجن )

الحلقة الاولى

سألني سليمان. اصغر أبنائي في إحدى زياراته لي في سجن المزة في دمشق وعمره ثمانية أعوام- قال ماذا استفدت من كل ذلك وقد أمضيت عمرك في السجون؟- هذا السؤال المليء باللوم لطفل افتقد أباه وعمره حينها خمسة أعوام،هذا التساؤل المشروع، أوجب الرد فبدأت أكتب سيرة حياتي .


ولدت في عام 1927 لأبٍ توفي قبل أن أعيه ولأمٍ من عشيرة بني حسن، كان إخوانها قد (جلو) عندنا لقتلهم رجلاً في عشيرتهم. أما لماذا هذا التاريخ الذي قد لا يكون دقيقاً؟ فذلك لأن والدتي وجدتي قالتا أنني ولدت (عام الهزة)، يومٍ (إنهدت الدار على سلامة) وهذه الأحداث هي التي كان يؤرخ بها في بيتنا آنذاك. توفي والدي صغيراً قبل أن أعيه ولا أتذكر أي شيء عنه في مجتمع (رعوي فلاحي).
كانت عائلتنا ميسورة، تملك أرضاً واسعةً للفلاحة وتمتلك أكثر من قطيع غنم ومتجراً هو الوحيد في المنطقة، وكنت أعمل فيه أثناء العطلة الصيفية، ومطحنة في ذيبان التي تعتبر حاضرة المنطقة (كولاك(1)) ، وكانت قريتنا التي لا نعيش فيها وإنما نخزن بها الحبوب والتبن والسمن واللبن. وبها أبار لجمع المياه، هي (أم الشجيرة) سميت كذلك لأن بها شجرة وحيدة آنذاك.
عشت طفلاً مدللاً في كنف عمّي سليمان وعبد الله وفي حضن جدتي (مريم العوض) سيدة الجدات، الجميلة النظيفة، كان لها بيت من الشَّعر مستقل، وتكن لها عشيرة الجماعين كل الاحترام، وكنت طفلاً صحيح الجسم، سليم البنية بعد أن شفيت من مرض كاد أن يودي بي قبل أن أنهي العام الثاني من عمري. وعلى العموم كانت طفولتي سعيدة، فأنا لم أشعر باليتم، كنت أشعر بالاهتمام.
لدرجة أنني (قعدت) عند (الخطيب) كما يقولون عندنا، والخطيب هنا تعني (الكتٌاب) أو المدرسة وكان الخطيب (يوسف) من قرية سنجل في قضاء نابلس، جاء إلى قريتنا قبل أن أولد وبقي عندنا إلى أن توفاه الله، وهو الذي سماني (ضافي) والصحيح أنه سماني (أحمد ضافي)، كان حريصاً جداً على تعليمي. درست مع عدد من التلاميذ عنده لمدة ستة أشهر في مضاربنا، وانتقلت بعدها إلى بلدة مأدبا لأدرس في مدرستها الوحيدة، ولما (فحصوني) ليختاروا لي الصف الذي أستحقه وضعوني في الصف الثاني، لقد كان خطي حسناً وجيداً في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01 كولاك – الفلاح ميسور الحال 0


الإملاء، ونحن عند (الخطيب) لا نتعلم إلا القرآن الكريم والخط والإملاء على(صفائح تنك) وريشة من القصب .
عشت ثلاث سنين في بيت عمي سليمان في مأدبا، درست خلالها صفوف الثاني والثالث والرابع الابتدائي الذي به كانت نهاية الدراسة في مأدبا.
لم يترك عمي سليمان أحدا من أبنائه وأبناء اخوته الذين يعيشون في بيت واحد، إلا وحاول أن يدفعه لأن يكمل دراسته في مأدبا. إلا انه كان يخفق في مسعاه النبيل. كان جميع أبناء عمومتي يهربون من الحضارة إلى البداوة، إن البداوة تستهوي من هم في هذا السن، فميدان اللهو كبير وحريتهم مطلقة، يركبون الخيل، يمرحون كثيراً ويعملون قليلاً، بعكس ما هي عليه الحال في مأدبا، فأنت محصور في بيت مع عمك وزوجه وأطفاله. مكانك وسلوكك محددان وعليك واجبات منزلية ومدرسية لابد أن تقوم بها، هذا الواقع لم يكن يتوافق وطبيعتهم وفهمهم للحياة. أما أنا فلـم أترك هواية خلفي تجذبني، وكنت قد عايشت عائلة عمي في فترات سابقة عديدة، وكنت أبدو هادئاً وغير مشاكس بل مطيعاً أقوم بالخدمات المطلوبة مني دون تبرم، وأتحاشى أن يوجه إلي لوم أو كلمة نابية، فأي زجر أو نهي حاد كان يبكيني. وقد عشت هذه السنوات الثلاث عند (أم خالد) زوجة عمي (وحماتي فيما بعد) - يرحمها الله- براحة تامة. ولا أذكر في هذه السنوات أنني تشاجرت مع أي من بنات عمي، فناجية كانت تكبرني بأربع سنوات، ووجدان تصغرني بخمس، وكان خالد طفلاً لا يتجاوز عمره عامين. وبعد أن أنهيت الدراسة في مأدبا، واجهت عمي مشكلة، فقد كان عمي يرغب رغبة أكيدة بأن أذهب إلى إحدى الثانويات في الإمارة، وكان في الإمارة حينها ثلاث ثانويات الثاني الثانوي في عمان والكرك وإربد، والثانوية الكاملة الوحيدة كانت في مدينة السلط. وهو لا يعرف أحداً في هذه المناطق يمكنني أن اسكن عنده. وقد فكر في إرسالي إلى مدينة الكرك عند أخوال له من عشيرة (ابن منيزل) هو شيخ عشيرة النوايسة لكنه تراجع عن ذلك، لأن الصلة بينه وبينهم كانت قد بعدت، وقد تحدث إلى بعض معارفه من أهالي مأدبا حول هذه المعضلة التي تواجهه، فقال له أحدهم، لماذا لا ترسله إلى مدرسة المطران في عمان؟ فسأله (وشيه مدرسة المطران هذي؟) أي ما هي مدرسة المطران هذه؟ فوصفها له قائلاً: إنها مدرسة أهلية داخلية، تضع ابن أخيك فيها وهم يكونون مسؤولين عن سكناه وإطعامه وتدريسه مقابل أجر. وارتاح عمي لأنه وجد مخرجا لهذه المشكلة. ومدرسة المطران مدرسة أهليةً أسسها في عمان مطران الطائفة الانجليكانية في القدس .
إلى مدرسة المطران :
في نهاية الموسم الزراعي كما هي العادة دوما خاصة إذا كان الموسم جيدا وقد كان كذلك في ذاك العام، سافر عماي إلى عمان ليشتريا لوازم عوائلهم من كسوة وحاجات أخرى، وكنت معهما أمسك بيد عمي عبد الله، قلت له عمو (قول لعمي سليمان أن يشتري لي حذوة) وكنت (أهاب) أن أطلب ذلك مباشرة من عمي سليمان، فقال عمي عبد الله، لعمي سليمان ذلك فرد (لوهي على حذوة لكانت بسيطة). وفي اليوم الثاني أخذني عمي سليمان بيدي -رحمه الله- وسار بي باتجاه جبل عمان حيث مدرسة المطران، وبعد أن قطعنا ثلث المسافة تقريباً وصلنا إلى بيت من طابقين، ولما صرنا على مسافة مائة متر بعد ذلك البيت، سمعنا صوت امرأة تنادي (يا عمي يا بدوي يا عمي يا بدوي) فتوقف عمي والتفت إلى صاحبة الصوت، فإذا بسيدة تقف على شرفة البيت وتقول بصوت عال (إتحط إبنك أجير) فلوى عمي نفسه قائلا: (عشمه(1)). انظروا إلى هذه المفارقة الطريفة، صبي يقوده والده ليضعه في أرقى مدرسة في الإمارة حينه. يلبس ثوباً وحطـه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01عشمة :ترغب في شىء ولا تحصل عليه0
وعقالاً وينتعل (أم إصبع) منظر يغري سيدة أن تقول ما قالت. وحين وصلنا إلى المدرسة دخل عمي وأنا معه على مدير المدرسة، فقبِل أن أكون أحد تلامذته الداخليين، وأعطى عمي قائمة طويلة باللوازم التي يجب أن تكون لتلميذ المدرسة الداخلي. خرج بي إلى سوق عمان واشترى لي كل اللوازم التي بالقائمة، وسلمني إلى مدير المدرسة وغادر - يرحمه الله-. ومن هنا بدأت حياة جديدة كل الجدة مختلفة تماماً عما قبلها دراسة وسلوكاً عاماً وأسلوب حياة، سواء على مائدة الطعام أو في الصفوف مع أقرانك الطلاب. وقد هبت هذا الواقع في الأيام الأولى، فأنا لا أعرف أحداً لا من المعلمين ولا من التلاميذ. ولم أكن أملك الجرأة على المبادرة للتعرف على هذا الواقع ومن هم فيه. وكان مظهر وعلامات البداوة واضحة عليٌ تماماً، فانفردت في الأيام الأولى بنفسي معتزلاً، وكنت أجلس بعيدا لوحدي وفي إحدى الأيام، مر بي أحد الأساتذة وقال لي مبتسماً: (مستوحش ها) وكان قولاً ودوداً، وعرفت فيما بعد أنه الأستاذ حنا الشوارب ابن الخوري عوده الشهير في الكرك.
وواضح أن انفرادي وابتعادي لم يشجع من هم في سني من الطلبة على الاحتكاك بي، فالطالب في مثل هذا السن لا يحتك عادة بزملائه إلا عن طريق المزاح أو السخرية بمن هم أضعف منه، أو التزلف والمجاملة بمن هم أقوى منه، ولم يكن هؤلاء الطلبة قد تبينوا معدني بعد، فابتعدوا عني في الأيام الأولى من وجودي بينهم، ولكن الفرصة واتتهم في الوقت والموقع الذي لابد أن نجتمع فيه. وفي مناوبتي لخدمتهم على مائدة الطعام.
كانت خدمة الطالب لرفاقه على مائدة الطعام دورية، فعلى كل طالب أن يقوم بها دوريا، فهو يحضّر المائدة، ويضع عليها كل ما تتطلبه من أدوات ويأتي بالماء والطعام لرفاقه، وإذا نقص الماء أو الطعام عليه أن يقوم ويأتي بالحاجة، وعليه أن يجمع أواني الطعام والصحون ويضعها على المجلى في المطبخ، ومن بعد ذلك يمسح طاولة الطعام وينظفها. وكنت طبعا لا أعي كل هذه المسؤوليات، فما كان من أحدهم هادفا استفزازي، أن طلب مني بلهجة الأمر (هات ميه). فأستأت من صيغة الأمر هذه ورفضت طلبه، فقال إما أن تجلب لنا الماء أو أشكوك للأستاذ المناوب. فقلت تشكوني (أنا لست خادما عند أبيك)! فشكاني للأستاذ المناوب قائلاً: أن هذا يرفض أن يجلب ما ينقص المائدة، فتوجه إلي الأستاذ قائلاً بود: لماذا لا تجلب لزملائك ما ينقص المائدة ؟ قلت له أنا لست خادما عندهم، فأدرك الإشكالية وتوجه إلي بلطف مبتسما قائلا: لا، إنك لست خادماً، ولكنك اليوم (Waiter ) (نادل)، ولم أكن أعرف معنى هذه الكلمة وقبلت هذا المخرج بسرور، لأن الأستاذ تحدث إلي بلطف مبتسماً، وقال لي طبعا أنت لست خادما، وأعطاني معنى لما أقوم به مع أنني لم أفهمه، ولكن الطلاب الذين كانوا على الطاولة ضحكوا كثيراً على هذا المخرج الذي سرني.
سارت بي الحياة بعد ذلك سيراً طبيعياً وليس أسهل على الطفل السوي من الاندماج في حياة أقرانه. وقد تبين لي بعد أن سارت بي الحياة شوطا في هذا الواقع، إنني كنت طفلاً مكبوتاً، وهذا أمر طبيعي ولا غرابة فيه، فالصغار في مجتمع البادية الذي نشأت فيه، ليسوا محط رعاية واهتمام على الإطلاق، بالرغم من أن حالتي مختلفة نسبياً. فأنا أثناء دراستي في مأدبا وسكناي في بيت عمي، لا أتذكر أنني قلت كلمة مسيئة أو رفضت طلبا، وكنت مطيعاً جداً، وقد تبين لي السبب الآن، وهو أنني كنت ممتلئ بالكرامة والكبرياء وأتحاشى أن يساء إلي، وقد اتضح بعد أن امتلكت حريتي ومارستها حسب طبيعتي دونما كبت ، أنني سريع الغضب شديد الانفعال مرتفع الصوت كأنني أرد على الواقع الذي كنت أعيشه ، هذا الواقع المختلف جذريا عما قبله والذي ساهم في إبراز إمكاناتي الدراسية والرياضية.







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 05-08-2009, 01:22 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
فيصل التميمي
أقلامي
 
إحصائية العضو







فيصل التميمي غير متصل


إرسال رسالة عبر Yahoo إلى فيصل التميمي

افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

هل يمكن الحصول على نسخة من كتاب مذكرات ضافي الجمعاني







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-10-2009, 05:00 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

سأكمل القصة ... الكتاب حسب معرفتي ممنوع ..







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 26-10-2009, 07:21 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
فيصل التميمي
أقلامي
 
إحصائية العضو







فيصل التميمي غير متصل


إرسال رسالة عبر Yahoo إلى فيصل التميمي

افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

اخت افتهان هل انت اردنيه وهل يوجد سبب لاهتمامك بشخص ضافي الجمعاني ام انها حالة نضال للمناقشة فقط
انا اعرف الكثير من المناضلين الاردنيين الذين لم يأخذوا حقهم اعلاميا ولا يعرف عنهم احد







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 27-10-2009, 03:55 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فيصل التميمي مشاهدة المشاركة
اخت افتهان هل انت اردنيه وهل يوجد سبب لاهتمامك بشخص ضافي الجمعاني ام انها حالة نضال للمناقشة فقط
انا اعرف الكثير من المناضلين الاردنيين الذين لم يأخذوا حقهم اعلاميا ولا يعرف عنهم احد

لست أردنية لكنني كلفت بذلك ولا أهتم بالسياسة نهائيا ..

شكرا لوجودك






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 27-10-2009, 04:00 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

وفي بداية الدراسة وضعوني في الصف الذي أنهيته في مأدبا، لأني لا أعرف الإنكليزية، والدراسة في مدرسة المطران في حينه، كانت بالإنكليزية لكل المواضيع الدراسية فيما عدا اللغة العربية وآدابها. سارت دراستي في ذلك العام سيراً حسناً وكانت نتيجتي هي (السابع) بين أكثر من عشرين طالباً في ذلك العام. وبقي مستواي الدراسي يتراوح بين الثالث والسابع حتى الأول الثانوي، بدأت بعدها في التراجع بعد أن دخلت سن المراهقة، إضافة إلى عامل فهم آخر كان يقود نشاطي في تلك المرحلة وهو الرياضة في كل ميادينها، وكنت من أبرز ممارسيها (في كرة قدم)، (كرة سلة)، (تنس) والعاب الميدان الأخرى. وفي السنتين الأخيرتين من الدراسة، أصبحت شخصية لا يسهل السيطرة عليها، إلا أن مدير المدرسة آنذاك وهو أمريكي أسمه السيد ( Suiten) كان يعتبرني إنساناً قادراً على النجاح، لأنني كنت أتمتع بشخصية قوية، متميز في الرياضة ولدي حس قوي في تقدير الأمور، إلا في (حالات الغضب) ومع أنني أعدت الصف الثالث الثانوي ولم أحصل على المعدل المطلوب الذي يؤهلني لدخول الجامعة الأمريكية في بيروت في العام التالي، إلا أن مجلس المعلمين بتأثير من المدير وبعض المعلمين أظن من بينهم الأستاذ (جريس هلسه) أوصى أن تقبلني الجامعة الأمريكية، إذا ما تقدمت للدراسة فيها. فلغتي الإنكليزية كانت جيدة لغة وكتابة وإثباتا لهذه الحقيقة تجري مدرسة المطران في نهاية الدراسة من كل عام، يوماً يسمى يوم الميدان (Field day ) تجري فيه مباريات في كل أنواع رياضة الميدان، وتمنح فيه الجوائز للمبرزين في آداب اللغتين العربية والإنكليزية، ويدعى لرعاية هذا الحفل إحدى الشخصيات السياسية البارزة. وكان راعي الحفل في ذلك العام (الجنرال كلوب)، وفي هذا الحفل سلمني جائزة الفائز الثالث في الإنشاء بالإنكليزية. وعلق على ذلك عندما سلمني الجائزة (بني حميده وجائزة باللغة الإنكليزية) .
التخرج :
تخرجت في مدرسة المطران عام 1947 بعد أن أمضيت سبعة أعوام في القسم الداخلي، كانت من أسعد الفترات في حياتي. وكان ذلك العام عام (قحط) هلك فيه الزرع والضرع. وحضر عمي حفل التخرج الذي كان ضيف الشرف فيه الأمير طلال ولي العهد وخطيب الحفل الأديب اللبناني البارز الأستاذ ميخائيل نعيمه، وبعد أن انتهى الحفل وخرجت مع عمي إلى ساحة المدرسة ممسكاً بيده، قال رحمه الله قولاً لم أنسه ما حيتت قال (والله يا ولد أخوي) ما أنا متأسف على الزرع والضرع الذي هلك، إلا لأنني لم أضع لك ألف دينار في البنك لأرسلك إلى الجامعة. وكان ما قاله لي يساوي ذهابي إلى الجامعة وتخرجي منها،فلم أنس هذا الموقف أبداً .

في مواجهة الحياة:
وهكذا وضعت في مواجهة الحياة ولم أكن مستعداً لها الاستعداد الكافي. كان من الصعب إيجاد عمل في الحكومة في ذلك الحين (تماماً كما هو الحال الآن في العام 1998). ومع ذلك فقد حاول عمي إرسالي إلى الجامعة عن طريق البعثات التي ترسلها وزارة التربية والتعليم. فقابل (الشيخ محمد الأمين الشنقيطي) وكان وزيراً للمعارف في حينه، فسأله الشنقيطي ومن أي مدرسة تخرج؟ فأجابه عمي من مدرسة المطران، فقال الشنقيطي (أف ما وضعته إلا في مدرسة الكفر هذه). وفي اليوم التالي قابل عمي الأمير عبد الله وطلب منه أن يرسلني في بعثة على حساب وزارة المعارف، فقال الأمير عبد الله لعمي: يا سليمان (ما تخليه يسرح بمعيزاه) أي يرعى الماعز. فرد عليه عمي قائلاً: يا سيدنا (إحنا ناقصنا رعيان) فقال الأمير لعمي: أنا أستطيع أن أرسله إلى الكلية العسكرية في بغداد، فأبلغني عمي ذلك فأجبته أنا أكره العسكرية، ولو كان لدي رغبة بذلك لدخلت سلك الجيش قبل أن أنهي الثانوية.
الوظيفة المؤقتة:
نتيجة للقحط في عام 1947 أوجدت الدولة مراكز لبيع الحبوب في المناطق التي أصابها الجفاف، فعملت في مركز مأدبا لمدة أربعة أشهر، انتهى بعدها هذا العمل. وذهبت بعدها إلى عمان أبحث عن عمل، راجعت جميع دوائر الدولة، ولكنني لم أوفق. فاضطررت أن أراجع قيادة الجيش من أجل عمل مؤقت، وكنت لا أزال مصراً على الدراسة الجامعية. ولست أدري لماذا سيطر هذا الأمر على ذهني ويبدو لي أن الحياة في مدرسة المطران استهوتني فرغبت أن أستمر في هذه الحياة أطول مدة ممكنة دون وعي.
عينتني قيادة الجيش معلماً في مدرسة ضباط الصف في معسكر العبدلي مدنياً برتبة (عريف) وعلاوة معلم خمسة دنانير.وهذا مبلغ جيد في ذلك الحين، لم أبق في هذا العمل سوى شهرين بعدها غادرت المكان غير نادم على تركه دون أن أبلغ المسؤولين. وذهبت إلى أهلي في مأدبا وطلبت من عمي أن يقابل (كلوب باشا) ليعطيني وظيفة مؤقتة في الجيش غير هذه الوظيفة. فاصطحبني إلى القيادة العامة للجيش في عمان، وفي القيادة طلب مقابلة (كلوب). فأذن له بعد فترة قصيرة ودخلت معه، فدخلنا معاً إلى مكتب (الباشا) فاستقبل عمي استقبالاً حسناً،قائلاً له: إننا لم نرك منذ مدة يا سليمان،فرد عمي قائلاً: (والله يا باشا أنت شايف السنتين امحول) (واللي ايشوفني على باب القيادة ايقول الجمعاني جاي يتشحد)، فرد (كلوب) لا عيَّ الله يا سليمان إحنا كل واحد له إضبارة. (ويشن انت بيه) أي ماذا تريد؟ فرد عمي قائلاً: والله أنا جاي لك من أجل ضافي، فقد أنهى دراسته الثانوية وكنت أنوي إرساله إلى الجامعة إلا أن السنة ما ساعدتنا. يريد عمل يستطيع إذا ما ساعدتنا الظروف أن يخرج منه ويعاود دراسته، عندها توجه الفريق كلوب بالسؤال إلي،ماذا تريد أن تدرس؟ فأجبته بما يتمناه كل طالب في ذلك الحين (طب أو هندسة)، فقال كلوب لعمي: إحنا نرسله على حساب الجيش.
ولما كان لدي نقطة ضعف لم أستطع التخلص منها إلا مؤخراً وبحدود جزئية، وهي أنني عندما أحدد موقفي من أمر آخذه بكليته، لهذه الحقيقة لم أستطع التمييز بين أن تخدم عسكرياً في سلك الجيش أو أن تذهب في بعثة دراسية على حساب الجيش (لتصبح بعدها طبيباً أو مهندساً، تكون هي مهنة الحياة) فأجبته: يا باشا أنا لا أرغب أن أخدم بالجيش، فرد علي طيب ماذا تريد؟ قلت وظيفة مؤقتة أستطيع الخروج منها لأكمل دراستي الجامعية إذا سمحت لي الظروف. فكتب لي ورقة وسلمني إياها قائلاً خذ هذه لحسام الدين . (وحسام الدين المفتي) كان مديراً لما يسمى بالسجل في ذلك الحين (أي إدارة الأفراد).
وذهبت في اليوم التالي إلى (السجل) والتقيت السيد حسام الدين وأعطيته الرسالة، وطلب ضابط صف برتبة (وكيل) وأعطاه الرسالة، أخذني ضابط الصف إلى مكتبه وأخرج (إضبارتي) القديمة ووجد مكتوب عليها أسمي ورقمي السابقين، ومكتوب عليها أيضاً (رُمّج لعدم الاستفادة)، فصاح قائلاً: الله أكبر تترّمج لعدم الاستفادة وتعاد للخدمة برتبة أعلى وبراتب أعلى! وقد عدت إلى ضابط الصف هذا بعد ثلاثة شهور بالضبط لأدخل مدرسة المرشحين، فنظر إلي بحقد قائلاً (والله بعد كم سنة إذا سارت الأمور هكذا غير تقعد محل كلوب). وهكذا اتجهت بي الظروف ودفعتني في مسار كرهت أن أجعله ميدان حياتي. وهذا دليل واضح على أن الإنسان في واقع مثل واقعنا - في حينه - لا يملك حرية الاختيار .
رحلة إلى فلسطين:
وقبل أن أغادر مدرسة المطران لأدخل ميدان الجيش، فأن على أن أكتب عن رحلة إلى فلسطين مع عدد من التلامذة في مثل سني بصحبة مدير مدرسة المطران.كانت الرحلة في نهاية العام قبل الأخير في مدرسة المطران، وقد ابتدأت رحلتنا في غور الأردن الشمالي وتحديداً من قرية العدسية المطلة على نهر اليرموك،قبيل مصبه في نهر الأردن،وهي تعاونية زراعية تملكها طائفة البهائيين ومقرها حيفا في ذلك الحين،ومؤسس هذه الطائفة من أصل إيراني وكذلك من يعيشون فيها. وكان إبن مسؤول هذه التعاونية طالباً في مدرسة المطران. استضافنا بها ليلتين، وكانت مزرعة حديثة تزرع الموز والحمضيات وتظلل أطرافها أشجار الكينا الباسقة. غادرنا هذه المزرعة عبر جسر المجامع إلى غور فلسطين الشمالي أي إلى المستعمرات اليهودية المقامة جنوب بحيرة طبريا، وكان خط سير رحلتنا بعد زيارة المستعمرات اليهودية هو طبريا - الناصرة – حيفا- تل أبيب- يافا - فالقدس.
وأذكر هذه الرحلة ليس لأنها كانت ممتعة حقا، بل لأنها عرفتني بواقع كنت أجهله، إذ لم يكن لدي أية فكرة عنه وأشارت إلى دلالات لم أميزها إلا مؤخراً، ومنها ما للمدارس التبشيرية من مهام ذات صلة برؤية القائمين عليها لمستقبل هذه البلاد.
كنت بعد أن قطعنا جسر المجامع سرنا إلى (كيبوتس أفيكيم(1)) وهي تعاونية زراعية لا أعرف حتى الآن مدلول أو معنى أسمها،وهي ملك لإحدى المؤسسات التي تعنى بالاستيطان في حينه في فلسطين.لا يملك القاطن فيها غير متاعه الشخصي ويكون غالباً عاملاً زراعيا. وفيما عدا السكن، فالحياة هناك جماعية يأكلون وجبات الطعام في مكان واحد ومن مطبخ واحد، ولأطفالهم مدارس واحدة وحضانة واحدة وللعامل في هذه التعاونية أجر محدد يصرفه على حاجاته ومتطلبات عائلته،وكل عامل له حرية المغادرة متى أراد ذلك، ضمن الأنظمة المعمول بها. لم أعد أذكر كم أمضينا في هذا (الكيبوتس)، ولكنها كانت أكثر من ليلة واحدة عايشنا بها ساكينيها. وأسرد إلى القارئ الواقعة التالية التي لم أدرك معانيها في حينه: كنت أقف على شاطئ بحيرة تربية الأسماك والتي كانت تستخدم للسباحة أيضاً ، وكان هناك فتاة تسبح في البحيرة كنت أقف متفرجا عليها، وكنت ألبس لباس الكشافة (الذي هو عنوان هذه الرحلة).وعلى كتفي شريطا الكشافة المشهورين، أحدهما أصفر والثاني أزرق سماوي، في هذا الحين وقف إلى جانبي رجل ليس شاباً ومد يده إلى الأشرطة التي على كتفي ضاحكاً، وسألني هل تعرف ماذا يعنيان هذان اللونان اللذان على كتفك (لم أعد أذكر، أقالها بالإنكليزية أم بالعربية) قلت له: أعرف فقط أنهما شارة الكشافة. فرد قائلاً: إن هذين اللونين هما لونا علم (إسرائيل).وطبعاً (إسرائيل) لم تكن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


موجودة، والاسم بذاته كان مجهولاً لي. وكنت أعرف بشكل عام أن اليهوديطلبون ويتمنون إقامة دولة في فلسطين. ومع ذلك فلا زلت أذكر اللامبالاة وعدمالاهتمام الذي قابلت به هذا القول، لأن القضية بكليّتها لم تكن واضحة لي، ولم تكن كذلك في عقل وفهم من هم مثلي في شرق الأردن في حينه، أما في فلسطين فالأمر مختلف جذرياً، وهذا ناتج عن واقع ذي اتجاهين - إرادة السلطة المنتدبة وأدواتها التي تتولى الحكم في الأردن.وثانيهما عدم قدرة القيادة الوطنية الفلسطينية على اختراق هذا الواقع وإيصال قضيتها ورؤياها لجميع مستويات الناس في شرقي الأردن، طبعا كان هناك مؤيدون ومريدون للرموز الأساسية في الزعامة الفلسطينية وخاصة الحاج أمين الحسيني - يرحمه الله- بينهم زعماء عشائر كثيرون ومهمون. بل إن كل من كان في المعارضة من هؤلاء الزعماء كان يعتبره الإنكليز والأمير عبد الله مؤيداً للحاج أمين.ولكن هذا التأييد لم يكن كافياً ولا فاعلاً لأنه لم يكن التزاماً مقروناً بفعل. وإثباتاً على مدى خوف الإنكليز وأداتهم( إدارة شرقي الأردن) من هذا الأمر، أروي للقارئ هذه الواقعة: وهي أن عمي سليمان سافر إلى الشام ليجهز لعرس أحد أبنائه وكان ذلك في عام 1941، وكان عمي من مريدي الحاج أمين، وبعد عودته بأيام قليلة أستدعي لمقابلة الأمير بواسطة أحد فرسان الدرك في مخفر ذيبان. في اليوم التالي توجه عمي إلى عمان، ولدى وصوله إلى ديوان الأمير أدخل فوراً إلى مكتبه قال عمي: بعد أن سلمت على الأمير وقال لي اجلس يا سليمان،وما أن جلست حتى سألني الأمير: يا سليمان أنت كنت بالشام؟ فعرفت الأمر ولكنني أخطأت ما في ذهن الأمير، فقلت نعم يا سيدنا كنت في الشام.وهناك التقيت صديقاً لي لا يمكن أن أكون في الشام دون أن ألقاه وهو الدكتور صبحي أبو غنيمه، زعيم المعارضة في الأردن آنذاك وكان لاجئاً بالشام في ذاك الحين. فرد الأمير قائلاً لعمي: يا سليمان سمعت أن الحاج أمين أعطاك ثلاثمائة ليرة لتقوم بثورة في جبل بني حميدة، فرد عمي قائلاً يا سيدنا أنت تعلم موقفي الموالي لسموكم، وكذلك تعرف أنني لست بحاجة إلى 300 ليرة فلسطيني. ولكنني أقول لك أن الناس في جبل بني حميده (جيعانه) (والجوع كافر) ولم يكتفِ الأمير بهذا اللقاء والنفي،بل أرسل إلى كل مشايخ بني حميده واجتمع بهم وتحدث اليهم في الأمر. الأمر الذي يدل على جدية الموضوع وخطورته.
أمضينا في(كيبوتس أفيكم) يومين وليلة واحدة عرفت فيهما نمط حياة جديد وفهم ومضمون جديدين، ومن بين ما عرفت من إحدى الفتيات التي أطعمتنا عنباً ممتازاً وقالت أن هذا العنب هو من عنب السلط. سافرنا بعد ذلك إلى طبريا وأمضينا بها ستة أيام في بيت لجمعية ال (Y. M. C. A) قائم على منحدر صخري يصطدم بالبحيرة مباشرة على الطرف الغربي لها. وكان قرب سكنانا مباشرة بركة ماء من نبع ماؤه دافئ كنا نسبح بها خلال النهار، وفي سكن مجاور لسكنانا شيخ جليل في العقد الثامن من عمره أمريكي الجنسية أظنه كان ينوي أن يقضي ما تبقى من عمره مجاوراً لتراث المسيح، وكان هذا الشيخ يرأس جمعية الشبان المسيحيين. وكنا نجلس ونتحدث إليه، وفي إحدى الجلسات قدم لنا سجاير فأخذ بعضنا وأنا منهم ودخنا فقال قولاً يبقى في الذاكرة، قال بالإنكليزية: (I am sorry for the man who smokes before forty , and I am sorry for the man who does not smoke after forty ) ( أنا أأسف على لمن يدخن وعمره دون الأربعين ولكنني أيضاً أأسف على من لايدخن وعمره فوق الأربعين).
خلال هذه المدة التي أمضيناها على (بحر الجليل) زرنا كل الأماكن التي لها علاقة بتراث المسيح. فعلى هذا البحر وعلى شاطئه قام السيد المسيح بأكثر من معجزة فحينما هبت ريح عاتية على قاربه هو وبعض حوارييه أمرها أن تسكت فسكتت، وعلى سطح ماء البحر هذا مشى السيد المسيح، وعلى شواطئ بحر الجليل عاش الصياد بطرس أشهر حواريي السيد المسيح، وقد أبحرنا كذلك في بحيرة الحولة التي كانت قائمة آنذاك. وخلف طبريا والى الجنوب الغربي منها تقع تلال حطين التي جرت على أرضها معركة حطين الفاصلة بين المسلمين والفرنجة
بعد عدة أيام من العيش في هذا المكان الجميل، تابعنا رحلتنا إلى مدينة الناصرة وكانت بيوتها حسنة البناء وشارعها الرئيسي مبلط ولم نبق طويلاً بها. زرنا إحدى الكنائس وغادرنا إلى حيفا.كانت جميع الطرق التي سرنا عليها مبلطة بشكل جيد وإشاراتها ودلالاتها منظمة، وبعض مواقف الانتظار على الطرق تستظل بالأشجار، وكان التشجير يلفت النظر في هذه المناطق الأمر الذي لم يكن موجوداً في شرقي الأردن. وصلنا إلى حيفا ونزلنا في معهد التكنيون الذي ما زال يحمل هذا الاسم حتى الآن وإن كان قد تحول إلى (جامعة التكنيون)، وتمتاز حيفا في حينه بمصفاة تكرير نفط العراق،وبشارع الملوك الواسع والذي تقع على جانبيه العديد من العمارات الكبيرة والحديثة وكذلك (بالهدارا كرمل) التل الذي يشرف على البحر، وهو مشجر وبه مساكن جميلة وفيلات حديثة. أمضينا في حيفا ليلتين بعدها اتجهنا إلى (تل أبيب - يافا). وصلنا تل أبيب في صباح يوم السبت، لقد كانت مدينة نظيفة حديثة منظمة معظم أبنيتها من الإسمنت. وكانت في ذلك الحين مدينة يهودية لا يسكنها أحد من العرب كما أن يافا الملاصقة لها لا يسكنها أحد من اليهود.
بعد أن نزلنا أحد الفنادق ووضعنا أمتعتنا هناك نزلنا إلى المدينة بقيادة مدير المدرسة وتجولنا في شوارعها الواسعة والنظيفة وكانت جميع متاجرها مغلقة في يوم السبت. اتجهنا إلى شاطئ البحر، ومع إنني كتلميذ داخلي في مدرسة المطران لم يكن منظر الفتاة يثيرني،فنحن نرى تلميذات مدرسة البنات الإنكليزية (C. M.S ) والتي كانت تجاورنا. وكانت تلميذات المدرسة الداخليات يأتين إلى الصلاة في مدرستنا كل أيام الآحاد، وكن يحضرن في أيام الأعياد والاحتفالات الرياضية التي تقيمها مدرسة المطران في نهاية كل عام فمنظر الفتاة بزيها الحديث لم يكن أمراً غير عادي بالنسبة لنا. غير أن الأمر كان مختلفاً تماماً على شاطئ البحر في تل أبيب، حشد هائل من البشر نساء - رجال - أطفال - لا يلبسون إلا ملابس البحر والكثير منها من قطعتين ،وهذا منظر نراه لأول مرة في حياتنا. نساء شبه عاريات على شاطئ البحر كان في حينه أمراً مثيراً لرفاقي. أما بالنسبة لي فقد كان الأمر مختلفاً فلم أحس بأي انفعال بل تحول إلى رد فعل معاكس. فهذا المرأى جعلني أميز بين فتاة جميلة ساترة جمالها تجعلك في شوق دائم لاكتشافه، وبين فتاة جميلة شبه عارية يفقد تأثيره بإدغامه بهذا الحشد العاري الذي فيه من القبح أكثر مما فيه من الجمال.
تجولنا في اليوم التالي في مدينة يافا وكانت يافا نقيض تل أبيب، مدينة عربية إسلامية محافظة. وفي اليوم التالي توجهنا إلى القدس وأمضينا هناك ثلاثة أيام في ضيافة مدرسة (سانت جورج) وفي العام التالي عدت وزرت مدينتي يافا وحيفا كعضو في منتخب الأردن لكرة القدم والتقينا مع شباب العرب في حيفا، ومع إسلامي يافا في يافا. وهكذا يرى القارئ أنني أعرف فلسطين جيداً وخاصة بعد دخولي الجيش فيما عدا منطقة غزة والنقب. وقبل أن أغادر تراث مدرسة المطران لابد لي أن أذكر أن لي إنتاجين، قصة قصيرة وموضوع سياسي بالإنكليزية عنوانه (Evolution is better than revolution) أي أن التطور أفضل من الثورة - إلا أن هذا الإيمان لم يثبت، ولقد فرض الواقع في وطننا تبدل في الأسلوب وليس في الجوهر ( فلو أن التطور في التاريخ كان يأخذ مجراه طبيعياً ولا تقف في وجهه أدوات القهر الاجتماعي والسياسي، لما كان هناك ثورات اجتماعية وسياسية).







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 07-11-2009, 06:47 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

الجيش:
في اليوم المحدد للذهاب إلى الفحص الطبي ومن ثم إلى التجنيد،ترددت كثيراً بالذهاب، ولو كنت أملك في حينه ما يكفيني مؤونة الذهاب، لما ذهبت إلى مقر التجنيد على الأقل في الوقت المحدد،لأنني كنت أكره أن يكون الجيش مهنة الحياة،لأن طبيعتي تتعارض مع كل ما تتطلبه الجندية من طاعة (وفي واقع مثل واقعنا طاعة عمياء وجاهلة) ( نفذ ومن ثم ناقش). ذهبت للفحص الطبي واجتزته، وفي اليوم التالي ذهبت إلى التجنيد (في معسكر العبدلي) وهناك تسلمت تجهيزاتي العسكرية مع أكثر من مائة مجند، نقلنا في اليوم التالي إلى مدينة أريحا، وبعد وصولنا بيوم واحد نقلنا من هناك إلى معسكر التدريب الأمامي (في مركز بوليص النبي صالح) في منطقة رام الله، والحقيقة أن المكان لا يصلح أن يكون مركزاً لتدريب الأغرار، فليس فيه أرض مستوية ذات مساحة كافية تصلح للتدريب. بدأنا تدريبنا على السير وعلى حركات السير بدون سلاح، وبعدها بالسلاح، ولم يكن هذا النوع من التدريب مجهولاً لدي. ومع ذلك فلا أحد يمكن أن يتصور الأسى الذي سيطر علي، أن تنتقل من مدرسة المطران إلى (وسط عسكر أبو إحنيك) عملية تبدو متناقضة لا بل صارخة التناقض. فالجندية ضمن تركيب الجيش في الأردن في ذلك الحين وما بعد ذلك وحتى يومنا هذا، هي عملية قلب لما يجب أن يسود من مفاهيم وقيم وقوانين وأنظمة تجعل الحياة في ظلها مقبولة لكل إنسان حسب معرفته وقدراته. فهذا الجيش في ذلك الحين كان مبنيا، بشريا ومعنويا، تدريباً وتسليحا ليخدم سياسة معينة ومحددة. وكنت أعرف هذه الحقيقة قبل دخولي إلى صفوفه،ومع ذلك فما على الإنسان السوي، إلا أن يتقبل الواقع ويواجهه بعقل وبنفس صابرة ،وهكذا عدت إلى طبيعتي ما قبل المطران، أكبت عواطفي وأعود إلى عزلتي ووحدتي وانفرادي. وطبعاً مع اختلاف الواقع والظرف المكاني والزماني. وقد عانيت من مشكلة مسلكية لم أستطع التغلب عليها كليةً، وهي أنني في سلوكي تجاه المدرسين والمسؤولين: أظهر سلوكا متعالياً خلافاً لما يتطلبه الأمر من جندي غر. وأنا بوجه عام لم أكن قادراً دوماً على تقديم الاحترام بالشكل المرضي في أي مستوى لمن لا يستحقه. ومن هنا كانت معاناتي شديدة فلقد خرجت من التدريب أكثر من مرة مقهوراً حد البكاء،إلا أن الأمور مع الأيام صارت تسهل، وبدأ المدربون والآمرون يتفهمونني، وبعدها سارت الأمور سيراً عادياً قبل أن أذهب إلى مدرسة مرشحي الضباط .


إلى دورة مرشحي الضباط:
وفور إعلان قيادة الجيش في ذلك الحين إعلان طلب متطوعين لدورة المرشحين المقبلة،تقدمت بطلب الفحص لهذه الدورة،وتمت الموافقة على طلبي، وفي الموعد المحدد ذهبت إلى عمان ومن هناك إلى مكان الفحص في محطة عمان. وبعد خمسة عشر يوماً من الفحص طلبت قيادة الجيش برقياً من قائد مركز تدريب النبي صالح الرائد عبد الحليم الساكت في حينه أن يبين رأيه بي، إن كنت أصلح أن أكون ضابطاً، فأجاب على برقية القيادة بكلمتين (بم، ممتاز) أي إشارة إلى برقيتكم المذكور ممتاز.
وفي فترة وجودي بمركز تدريب النبي صالح حدثت واقعتان لابد من ذكرهما، الأولى أحتل اليهود مدينتي اللد والرملة، وكان في مدينة اللد سرية مشاة مركز قيادتها في مركز بوليس مدينة اللد، يقود السرية النقيب (أديب القاسم)، وقد انسحبت هذه السرية دون قتال حسب الأوامر التي أعطيت لقائدها وهي (رواية لا تنسجم مع ما جاء في مذكرات اللواء صادق الشرع)، لأنه بعد احتلال اليهود لمدينتي اللد والرملة قامت سرية مدرعات من كتيبة المدرعات بقيادة الملازم في حينه (حمد أبو إدخينه) وبمبادرة ذاتية منه بهجوم على اليهود وأجلتهم عن كثير من المواقع وكبدتهم خسائر جسيمة. ولما أكمل قائد السرية ما ظنه واجباً قام بتنفيذه، أبرق إلى قيادته مفتخراً ومزهواً بالعمل الذي قام به، وطلب قوة (مشاة) لاحتلال المواقع التي طهرها وتمويناً وعتاداً لجنوده وسلاحه،فجاءه الرد: عليك أن تنسحب فوراً ولن نزودك لا بالعتاد ولا بالتموين، فاضطر إلى الانسحاب فعاد "الإسرائيليون" واحتلوا المواقع التي أخلاها (هذه الرواية رواها لي النقيب عبد الله قاعد الذي كان ضابط صف يقود إحدى فئات السرية). وهنا لابد أن أذكر قصة هذا الجندي الشجاع والمشهور في الجيش الأردني بكنية (أبو إدخينه) فمحمد أبو إدخينه،كما قيل من عرب فلسطين، فر من سجن (عكا) والحديد في قدميه مسجونا لجرم لا أعرفه (لكني أعتقد أنه سياسي)، ووصل إلى مضارب الخرشان في منطقة الموقر غرب عمان، ودخل على الشيخ حديثة الخريشه الذي بدوره (دخل على كلوب للعفو عنه) وجنّده (كلوب باشا) بعد ذلك في الجيش. والواقعة الثانية هي أنه بعد أن احتل اليهود مدينتي اللد والرملة، سارت جموع من اللاجئين الفارين من إرهاب اليهود نساءً وشيباً وأطفالاً إلى الشرق، حيث المناطق التي يحتلها الجيش الأردني، وهناك واجهت أول تجربة إنسانية، فقد أعطيت عدداً من سيارات النقل الكبيرة لتساعد هؤلاء الهائمين في الوصول إلى المقرات المخصصة في مدينة رام الله، وكانت تجربة لا تنسى. وكانت معركة القدس في تلك الفترة على أشدها، ووصلتنا الأخبار أن اليهود في القدس رفعوا الأعلام البيضاء وطلبوا الاستسلام، وكنا شديدي الفرح بهذه الأنباء،إلا أن اليهود لم يستسلموا لأن الهدنة قد أعلنت في لحظة تاريخية جرى اغتيالها بقرار سياسي من أعلى (إنها المؤامرة) .
الفحص لدورة المرشحين :
في الفحص الذي تقدمت إليه لدخول الجيش كمرشح ضابط،قدم لنا سؤال حول القضية الفلسطينية، لم أعد أذكر صيغة السؤال تحديداً ولكنه بشكل عام يطلب وضع رؤياك لحل القضية. وأنا الآن طبعا لا أستطيع أن أحدد مضمون إجابتي بدقة، إلا أن هناك فكرة أساسية في الإجابة لا يمكن نسيانها وهي أن توحد فلسطين بمن فيها من عرب ويهود مع شرقي الأردن تحت قيادة الأمير عبد الله. إن قضية التوحيد هذه لم تكن عفوية، ففي تلك الفترة كان الأمير عبد الله يطرح باستمرار مشروع سورية الكبرى كما كان يسميه، وكان القوميون السوريين يقولون بذلك أيضاً وكان هذا المشروع في تلك المرحلة يستهويني .
مقابلة قائد الجيش :
استدعيت إلى عمان مع جميع الذين نجحوا في فحص القبول، من أجل اللقاء (بكلوب باشا) قائد الجيش والذي يعتبر لقاؤه نهاية المطاف بالنسبة لقبولك ضابطاً في الجيش، دخلت عليه في مكتبه وحييته وكنت منفعلاً هذه المرة بخلاف ما كنت عليه حينما قابلته بصحبة عمي في المرة الأولى وسألني: لماذا تود أن تدخل الجيش؟ فارتبكت وتمتمت بشيء لم أعد أذكره، لأنني لم أستطع أن أقول الحقيقة التي يعرفها هو، وهي أنني اضطررت لذلك .
دورة المرشحين :
بعد قبولي كمرشح ضابط، ذهبت أنا وزملائي في اليوم التالي إلى مركز التدريب في معسكر العبدلي، وهناك زودونا بتجهيزات مرشح ضابط، واقتادوا المدنيين منا إلى مقر سكناهم في جناح تدريب المرشحين في المعسكر. أما العسكريون فقد أبلغهم قائد مركز التدريب أن عليهم العودة إلى وحداتهم التي كانوا يعملون فيها لإنهاء علاقتهم، وطلب مني قائد مركز تدريب العبدلي أن أكون مسؤولاً عن قافلة تحمل مجندين إلى مركز تدريب النبي صالح. فلبست ملابس (مرشح ضابط) وهو أمر غير مستساغ مع أنه جائز، وركبت في أول سيارة نقل وقدت القافلة إلى فلسطين،وفي الطريق بعد أن تجاوزنا بيرزيت باتجاه مركز تدريب النبي صالح، التقتنا سيارة (فورد صالون) ترفع على مقدمتها (علم قائد اللواء) وبإشارة من سائق الفورد، توقفت القافلة التي كنت أقودها. ولم أترجل من السيارة مع أنني رأيت ضابطاً عليه رتب عسكرية كثيرة وشارات حمراء، سأل بواسطة سائقه بالعربية، لماذا القافلة مسرعةً؟ فأجبت من موقعي أنها ليست كذلك، ولما رأى الضابط الكبير وهو إنكليزي أنني غير مهتم كثيراً بما يقول، أمر سائقه بالمسير، والواقع غير الطبيعي في الجيش تجاه الضباط الإنكليز في ذلك الحين، هو الذي فرض على قائد اللواء التسامح تجاه تصرفي ذاك، لكن في اليوم التالي وردت برقية من قيادة اللواء الأول إلى قائد مركز (تدريب النبي صالح) يسأل في هذه البرقية عن اسم ورتبة الضابط الذي كان يقود قافلة المجندين التي وصلتهم. فأجابه قائد مركز تدريب النبي صالح، أنه لم يكن هنالك ضابط في هذه القافلة. وهكذا أسقط الواقع أول مخالفة عسكرية لي.
أنهيت علاقتي بمركز تدريب النبي صالح وعدت إلى مركز تدريب العبدلي جناح المرشحين .
جناح تدريب مرشحي الضباط في معسكر العبدلي:
لم يكن جناحاً خاصاً بما تتضمنه كلمة الخصوصية من مضمون ومستلزمات، لقد كان هناك (براكيتين من الصفيح) BARRACKS مخصصتين للمرشحين إحداهما لسكناهم والأخرى مطبخاً، والجزء الآخر مكاناً للجلوس ومائدة للطعام. ولم يكن هناك حتى مغاسل نغسل عليها وجوهنا، بل كنا نستعمل أباريق الماء لغسل وجوهنا صباحاً. وكانت الحمامات عامة.
أمضينا فترة التدريب وكانت مدتها قرابة الثلاثة أشهر، وكانت عناوينها - المسير - المسير بالسلاح - التدريب على الأسلحة الخفيفة وبعض التكتيك الحربي الأولي، وختمنا الدورة بإسبوع في منطقة (قصر الخرانه)، حيث أجرينا تدريبات حربية بالسلاح. بعدها انتقلنا إلى مدرسة الإشارة (اللاسلكي) في معسكر الزرقاء لنأخذ فكرة عن وسائل الاتصال بالشيفرة واللاسكي لمدة ثلاثة أسابيع، وبدورة اللاسلكي هذه اختتمنا دورة مرشحي الضباط.
وفي نهاية الدورة انتخبوا منا ستة مرشحين لإرسالهم إلى كلية (ساند هرست) العسكرية في بريطانيا، وكنت من بينهم. طرنا من مطار عمان العسكري على إحدى طائرات شركة الطيران الأردنية التي تكونت حديثاً، طائرةً لا تتسع لأكثر من عشرة أشخاص مع أمتعتهم. جناحاها من طابقين أوصلتنا الطائرة بعد جهد إلى معسكرات (فايد) على قناة السويس، والجيش الأردني في حينه جزء من قوات (M. E. L. F)(Middle East Land Force) الشرق الأوسط. وبعد أن أمضينا ليلة واحدة،انتقلنا في اليوم التالي إلى ميناء بورسعيد ومن هناك ركبنا الباخرة إلى بريطانيا، وكانت باخرة تنقل جنوداً بريطانيين وعوائلهم إلى بريطانيا. واستغرقت الرحلة البحرية أسبوعين إلى ليفربول وكانت رحلة (كايفه(3)). انتقلنا بالقطار من ليفربول إلى لندن. وفي اليوم التالي استقبلنا الملحق العسكري في السفارة الأردنية،المقدم (كمال الحمود الخصاونة) الذي إرسلنا إلىمدرسة مرشحي ضباط الاحتياط الذين يؤدون الخدمة الالزامية في (Aulder - shot ) ومدتها ثلاثة أشهر. والمقدم كمال ضابط ناعم ووسيم وكان قائداً لمدفعية الجيش الصغيرة برتبة نقيب، وكانت مساهمة مدفعية الجيش الرئيسية هي الإعلان للناس في شهر رمضان أن موعد الإفطار قد حان، وكذلك موعد الإمساك،وفي إحدى هذه المرات سقطت إحدى قنابل الإبلاغ هذه على معسكر للاجئين البولنديين في منطقة الساحل في غزة وقتلت عدداً منهم وجرحت آخرين، فخفضت رتبته إلى ملازم أول وسرح بعض ضباطه. وقد دامت هذه الرحلة إلى بريطانيا قرابة أربعة أشهر منها شهر عشناه مع عوائل بريطانية من أجل اللغة والمعايشة …. وبعدها عدنا إلى الوطن .
في سلاح المدفعية :
تم فرزي بعد عودتي إلى الأردن إلى سلاح المدفعية، وكانت مدفعية الجيش تتكون في بداية عام 1949 من كتيبة مدفعية ميدان واحدة مؤلفة من بطاريتين ميدان عيار(25 Lb ) باوند، وكل بطارية تتألف من ثمانية مدافع. وملاك كتيبة مدفعية الميدان في حينه يتألف من ثلاث بطاريات،كانت قيادة الكتيبة في رام الله،أما البطاريتان فحول مطار (قلنديا)، البطارية الثانية في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
3. ممتعة




نهايته والأولى على جانبه الجنوبي. وكان يقود البطاريتان والكتيبة ضباطإنكليز. فألحقوني حينها ببطارية مدفعية الميدان الأولى ولم يتواجد في حينه من ملاكها من الضباط إلا النقيب (هولمان) قائد البطارية والملازم الثاني زهير عمر مطر (وصل إلى رتبة لواء مديراً للأمن العام)، أما بقية الضباط فقد كانوا في بريطانيا لأسباب عديدة، منها دورات تدريبية واقتصادية (لمصلحة السياحة) ومنها التعرف على بريطانيا.
حدث بعد التحاقي ببطارية المدفعية الأولى بفترة قصيرة أن زار الملك عبد الله مدينة القدس، وحطت طائرته (بمطار قلنديا)، فذهب كبار الضباط لاستقباله بمن فيهم الضباط الإنكليز ولم أكن طبعاً من بينهم،وكما هي عادة الملك عبد الله فقد تأخر وصوله عن الوقت المحدد،وعلى مائدة الغداء خاطبني قائد البطارية بالإنكليزية قائلاً:لماذا لا تعلموا ملوككم إحترام الوقت،فأجبته قائلاً على السجية (لقد قطعتم رأس أكثر من ملك حتى تعلم ملوككم ذلك)، فأستغرب الجواب ولكنه احترمه.
انتقلت كتيبة مدفعية الميدان الأولى في بداية الشتاء إلى غور فلسطين شمال مدينة أريحا، وفي هذا المكان بدأ قائد الكتيبة أولى دورات التدريب الجدية للمرشحين الجدد في السلاح وكنا ثلاثة، أحدنا المرشح في حينه صديقي عزمي مهيار،ونقطة الضعف في هذه الدورة أن برنامجها كان متقطعاً ولم تكن الدورة كافية لإعطائنا المعلومات اللازمة عن واجبات الضابط المدفعي من مستوانا، ولكنها أعطتنا صورة عامة عن مواصفات مدفع الميدان وإمكاناته وواجبات المدفعية بصورة عامة.
في هذه الفترة زار الكتيبة ملازم أول على ذراعه شارة سلاح المدفعية.كان له دور وتأثير في بلورة وتحديد توجهاتي السياسية والعقائدية. شاب وسيم يلبس شماغ وعقال مقرون غير رفيع رتبته عالية بالنسبة لسنه،غادر الكتيبة بعد الزيارة دون أن نتعارف. ولما سألت عنه بعد أن غادر،قالوا لي إنه شاهر اليوسف ضابط في سلاح المدفعية معار إلى لجنة الهدنة الأردنية - الإسرائيلية. أمضينا شتاء ذلك العام في غور فلسطين وقد (أثلجت) علينا في مكاننا هذه،وهذا قلما يحدث في الأغوار.وفي أوائل الصيف انتقلنا إلى منطقة مدينة الزرقاء – شرقاً - وقد أصبحت هذه المنطقة معسكرات ثابتة لأسلحة الجيش المساندة. وكان يقع شرق مدينة الزرقاء مباشرة معسكر لقوة حدود شرقي الأردن التي كانت تتبع مباشرة لقيادة القوات البريطانية في فلسطين كان أغلب مجنديها من العرب والاقليات في فلسطين بشكل خاص وقادتها ضباط بريطانيون،انحلت هذه القوة قبل حرب فلسطين عام 1948، وورث الجيش العربي معسكرها هذا - الذي اصبح جزء منه مساكن وخدمات للجيش العربي. وفي هذا المقر الثابت اكتمل ملاك كتيبة مدفعية الميدان الأولى وأصبحت ثلاثة بطاريات مدفعية تملك أربعة وعشرين مدفعاً - يقود هذه البطاريات ضباط بريطانيون. في هذا الوقت من العام نفسه عاد ضباط المدفعية الذين كانوا في دورات تدريبية في بريطانيا. إلا أنهم لم يلتحقوا جميعاً في سلاح المدفعية، فقد تشكل في حينه في مطار عمان العسكري جناح اسمه جناح الملاحظة الجوية خاص بسلاح المدفعية. التحق به في حينه كل من الملازم الأول عامر خماش، والملازم الأول عبد الله البيطار، والملازم الأول منذر عناب، والملازم الثاني عبد الرحمن العرموطي، والملازم الثاني سامح فالح. والتحق بسلاح المدفعية الملازم الاول محمود المعايطه والملازم الثاني بهجت المحيسن .
أم الرشراش – ايلات:
في أواخر عام 1950 استولى اليهود على قرية أم الرشراش على رأس خليج العقبة مع الحدود الفلسطينية، وكان يدافع عن هذا الموقع سرية مشاة يقودها ضابط إنكليزي برتبة نقيب اسمه (Promig) يتحدث العربية على طريقة كلوب، انسحبت السرية دون قتال، لأنه حسب المخطط لابد أن تطل إسرائيل على البحر الأحمر وتفصل مصر بريا عن المشرق العربي. أمام هذه الرؤيا الاستراتيجية الإسرائيلية-الإنكليزية، لن تقف اتفاقية الهدنة أمام هذا الهدف، وكان يرأس الحكومة آنذاك السيد سعيد المفتي-الذي كره أن يحدث ذلك في عهد حكومته. ولذا أصر على استعادة هذا الموقع ولو بالقتال، وطلب من قيادة الجيش العمل على ذلك. فكان لابد لقيادة الجيش أن تطيع أوامر رئيس الوزراء ولو مضطرة.فتحركت كتيبة المشاة الأولى تساندها بطارية مدفعية الميدان الأولى وسرية مدرعات. وكنت في حينها بين ضباط بطارية المدفعية، تحركت هذه القوة بالقطار إلى معان، وهناك عسكرنا في معسكر بريطاني مهجور وبقينا في هذا المعسكر عدة أسابيع لا تتجاوز الشهر، ولم تتقدم أبعد من ذلك،إلى أن استقال السيد المفتي من رئاسة الوزراء.
عدنا بعدها إلى معسكرنا في منطقة الزرقاء وكنت قبل ذهابنا في هذه المهمة قد تزوجت من ابنة عمي سليمان في 2/11 /1950 وسكنت مدينة مأدبا. بعد عودتنا من معان التحق بكتيبة المدفعية الأولى النقيب شاهر اليوسف وكان قد ترفع في شهر (12) عام 1950 إلى رتبة نقيب والملازم الأول محمود المعايطه. وتسلم شاهر ركن الكتيبة ومحمود مساعداً لقائد البطارية الأولى التي كنت أخدم فيها، وتعرفت عليه لأول مرة،وأنت حينما تتعرف على محمود ترتاح إليه من أول وهلة وتشعر تجاهه بالإطمئنان. ومحمود مشهور بأنه ضابط شجاع قاتلَ في فلسطين بشجاعة موصوفة. توثقت علاقتي به بسرعة لكنه لم يبق طويلاً في سلاح المدفعية، فقد نقل إلى مركز تدريب العبدلي،في ملاك جناح (التدريب الحربي) .







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-11-2009, 06:49 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

اغتيال الملك عبد الله:
في منتصف عام 1951 على ما أتذكر اغتيل الملك عبد الله في المسجد الأقصى في القدس وهو يشق طريقه بين المصلين. وقد بكيته بالرغم من مأخذي على سياسته الخاصة بالقضية الفلسطينية وعدائه للحاج أمين الحسيني. فالملك ترك فراغاً بين الأردنيين لا يملأ بسهولة، فالأردنيون - كما يعرف الجميع في ذلك الحين - كانوا عشائر مسيحييهم ومسلميهم. وكان شيخ هذه العشيرة وقاضيها هو الملك عبد الله. وكان تقياً فقيهاً وأديباً بسيطاً وصادقاً، وكان الناس يحتكمون اليه كما يحتكمون إلى كبارهم. وكان أهل الأردن في زمانه يشعرون بالأمان ولا يشعرون بأن الإنكليز يستعمرونهم. بالرغم من وجود (كلوب) الذي كانت طباعه ولغته العربية وصلاته بالعشائر تكاد تنفي عنه صفة المستعمر. وكان الإنكليز لأسباب استراتيجية خاصة بالاقليم وخاصة القضية الفلسطينية يهمهم استقرار الأردن، ومن هنا لم يشعر أهل الأردن في زمن الأمير عبد الله بضيق اقتصادي خارج سني (المحل) التي اعتادوا عليها، حتى في زمن الحرب لم يحدث في الأردن ضيق اقتصادي مثل الذي حدث في فلسطين وسورية.
صحيح أن احتياجات الأردن كانت بسيطة في ذلك الحين، ولكن المبدأ السياسي العام للإدارة البريطانية كان باتجاه خلق واقع مستقر في الأردن في تلك المرحلة، أي أثناء الحرب العالمية الثانية، والأهم من ذلك أن الملك عبد الله كان طموحاً ولا زالت أسباب قيام الثورة العربية حية في ذهنه وضميره، وقد سعي جاهداً إلى تحقيق ما كان يسميه مشروع سورية الكبرى، ولما فشل في ذلك توجه إلى العراق، وطلب من رياض الصلح رئيس وزراء لبنان الأسبق أكثر من مرة أن يزوره، ولما زاره حمّله رسالة إلى المسؤولين في العراق قائلاً لهم: إنه في آخر عمره والملك فيصل الثاني لا يزال صغيراً، فلتتوحد العراق والأردن تحت قيادته وبعدها يتولى الملك فيصل الملك. لا أعرف هل قبل رياض الصلح القيام بهذه الوساطة أم لا، لأنه في طريقه إلى المطار اغتيل رياض الصلح. وكان الذي اغتاله رقيب في المخابرات العسكرية الأردنية وبعض من ينتمون للحزب القومي الاجتماعي، رداً على إعدام (أنطوان سعاده(4)) وبعده باسبوع اغتيل الملك عبد الله. وما كان له أن ينجو من هذا الصراع المحتدم منذ قرن بين المشروع الصهيوني الاستعماري وبين طموح الشعب العربي المعادي لهذا المشروع. والكيان الأردني المخلوق ليكون عاملاً رئيساً من العوامل المساعدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4.إنطوان سعادة :رئيس الحزب القومي السوري في حينه



لنجاح المشروع الصهيوني، ومن وراءه من عتاة المستعمرين. والملك عبد الله كان يحاول أن يخرج من هذا الفخ،وأنا أعرف الكثير من الجوانب الإيجابية في شخصية الملك عبد الله، الروايات التي كان عمي يرويها لي. فمنها أروي واقعتين من حوادث عديدة تدلان القارئ على جوانب من شخصية هذا (السيد).
بعد ثورة ابن عدوان الشهيرة،وسلطان ابن عدوان هو (شيخ البلقا) التي تسكن عشائرها بين جرش وسيل الزرقاء شمالاً ووادي الوالة جنوبا، وهي أكبرتجمع عشائري في الأردن في حينه، هي ثورة نسج خيوطها الإنكليز، وذلك من أجل إضعافه وإضعاف طموحاته بإظهار أن أهل البلاد يكرهون سلطانه. وبعد أن قامت الثورة قمعها الإنكليز بالطيران والمدرعات ليقولوا له بعد ذلك، أنك لا تستطيع البقاء في هذه البلاد دون دعمنا وتأييدنا ومساندتنا لك. بعد قمع هذه الثورة قام الأمير بجولة على كل مناطق الأردن، وطبيعي أن يفعل ذلك بعد هذا الحدث، ومن بين المناطق التي زارها،بلدة مأدبا، وخيم في ظاهر البلدة في منطقة تسمى (بيادر مأدبا). وكان وجهاء البلدة وشيوخ عشائر بني صخر والبلقاء وبني حميده وغيرهم يتوافدون على مخيمه يومياً. ويجلسون في مجلسه يتحدثون إليه. وفي إحدى هذه الجلسات كان المجلس مليئاً بوجوه المنطقة. وكان بين الموجودين سليمان الجمعاني، توجه الشريف شاكر -يرحمه الله- وكان ساعد الأمير الأيمن،توجه إلى الأمير عبد الله في حينه قائلاً: يا سيدي (والله إذا لم نضرب الرؤوس الحامية بقوة - أمس قام عليك أبن عدوان - باكر يقوم عليك أبن فايز) فرد الأمير على الشريف قائلاً (يا شاكر والله لصار عندي من (ذول ميتين) أي من هؤلاء مئتين (وكان هناك جنود يتدربون أمام المخيم لإظهار القوة) (ماني إمسايل عن كل شيوخ هذه البلاد) أي ( ما أنا سائل )، فقال عمي إنتظرت أن يرد على هذا القول من هم أكبر مني سناً ومكانة في شيوخ العشائر الجالسين،ولما لم يرد منهم أحداً. رفعت صوتي قائلاً يا سيدنا: فالتفت إلي وقال: ها - الجمعاني – فقلت: يا سيدي والله بعيوني الثنين ذول. اللي سبان ما يأكلهن الدود (شفت الآلاف من مثل ذول هاربين يركض وراهم من هو على بعير، والا على رجليه) وكانت الإشارة إلى جيش فيصل وهو يطارد جيش الأتراك،ففهم الأمير المغزى وضحك وقال والله إنك صادق, وهذه صفة معروفة فيه، فعندما تقول الصدق أمامه لا يمكنك أن تخاف. وأما الواقعة الثانية فهي إنسانية وسياسية حيث، قام بزيارة لمنطقة الطفيلة وبينما هو جالس في المضيف، تقدم منه رجل ووضع عقاله في عنقه، الأمر الذي يعني حسب العادات والتقاليد أنا داخل عليك. فقال له الأمير (وراك يا رجل ويش أنت به) أي ماذا بك،فقال الرجل يا سيدنا،أنا دخيل عليك قال له ممن،قال الرجل،من قاضي الصلح هذا غرمني خمسة دنانير لا أملك منها فلساً واحداً. (لأنني جمعت حطب أدفي بيه عيالي أيام البرد)، فالتفت الأمير إلى قاضي الصلح سائلاً، هل هذا صحيح؟ فرد القاضي قائلاً نعم هذا صحيح يا سيدنا، لقد حكمته بموجب القانون. والقانون مصدق عليه من سموكم. فقال الأمير: بغضب، ألا تخاف الله،القانون مطاط وبه ميدان واسع للرحمة. أما إنني وقعت عليه فنعم،صاغه (كوكس) ووقعت عليه رغم أنفي هذا. هل هناك اعتراف بالواقع أبلغ من هذا. من أجل هذه الصفات شن الإنكليز من خلال عملائهم، حملة جدية من الافتراءات عليه من أجل تشويه سمعته بين الناس .
الملك طلال وولاية العهد:
وحينما اغتيل الملك عبد الله، كان الأمير طلال ولي العهد يستشفي من مرض عقلي في مستشفى حلوان في مصر. ولهذا عين الأمير نايف الأبن الأصغر للملك وصياً على العرش، وذلك كون الأمير الحسين بن طلال الإبن الأكبر للملك طلال لا يزال تحت السن القانوني لارتقاء العرش. وفي واقع مثل هذا، ولي العهد مريض والابن الأكبر لا يزال تحت السن القانوني،والوصي على العرش هو الأخ الأصغر لولي العهد،فمن الطبيعي أن تبرز اتجاهات في مراكز القوى بالدولة تدعو إلى هذا وتحبذ ذاك. وأنا لا أعرف التفاصيل حول هذا الأمر.إلا أنه جرت محاولة لتجاوز الأمير حسين في حينه، وتنصيب الأمير نايف ملكاً على الأردن. وكان أبرز الشخصيات الواضحة في هذا الاتجاه المؤيد من العراقيين (نوري السعيد والأمير عبد الإله). والعقيد في حينه حابس المجالي قائد الحرس الملكي،وقد حسم هذا الأمر حين تولي توفيق أبو الهدى رئاسة الوزراء، إثر استقالة السيد سمير الرفاعي بعد واقعة الاغتيال مباشرة. فلقد جيء بالأمير طلال من مشفى حلوان في مصر، وتم تنصيبه ملكاً على الأردن، وما كان لتوفيق أبو الهدى أن يقوم بهذا الأمر لولا أن البريطانيين قد أشاروا عليه بذلك. وتوفيق أبو الهدى والإنكليز كانا يعرفان أن الأمير طلال مريض عقلياً، ولا يمكنه البقاء ملكاً على البلاد طويلاً. والسبب الأهم وراء هذه الإجراءات، هو تثبيت ولاية العهد للأمير حسين قبل أي هدف أخر.
بدايات التزامي السياسي:
في أواسط عام 1951 كان لي صديقان هما النقيب شاهر اليوسف والملازم الأول بطرس حمارنه، وكان الأول ينتمي إلى حزب البعث العربي الاشتراكي والثاني للحزب القومي الاجتماعي السوري، وقد أطلق بطرس على ابنه البكر اسم مصطفى تيمناً باسم مصطفى إرشيد الأمين العام للحزب القومي السوري آنذاك. وكان كل منهما ينشط معي لكسبي إلى حزبه. وكان لدي فكرة عن القوميين السوريين (الاجتماعي فيما بعد). فقد كان لهم وجود جدي في كل من سوريا ولبنان وفلسطين. وكانوا يدعون إلى وحدة سورية الكبرى،أي سوريةولبنانوفلسطين،والأردن، وفيما بعد إلى وحدة الهلال الخصيب. أي اضافة العراق الى هذه الدعوة، ولم يكن لدي فكرة واضحة عن حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان ما زال يحبو في حينه. وكان لبعض شخصياته رواج دعائي كعبد الله الريماوي وعبد لله نعواس وكمال ناصر (يرحمهم الله). من خلال هجوم (جريدة الصريح) الدائم عليهم. والعروبة كواقع ملموس أصبحت موجودة من خلال مظهرين بارزين أولهما الجامعة العربية ونشاطها الظاهر في حينه حول القضية الفلسطينية والثاني دخول الجيوش العربية تحت قيادة موحدة بغض النظر عن النتائج والأهداف التي لم تتحقق. هذا بالإضافة إلى عامل ذاتي وأساسي بالنسبة إلي وهو (الحرية)، فقد اتصفت عقيدة القوميين السوريين بإلغاء الحرية في المجتمعات التي تسود فيها، مثلها في ذلك، مثل العقيدة الجرمانية الألمانية. (وهي مأخوذةً عنها ). ومن خلال تربيتي المدرسية كنت أعشق الحرية وأعتنقها كمذهب سياسي لبناء المجتمعات والحياة. وقد تطور فهمي فيما بعد ونال الأسس الاجتماعية التي يجب أن تبنى عليها الحرية (أي أنك لا يمكن أن تناضل نضالاً ديمقراطياً في ظل نظام قمعي إرهابي)، ومن هنا جاءت شعارات البعث في الوحدة والحرية والاشتراكية لتلبي في نفسي هذا الطموح. وهكذا توثقت علاقاتي بشاهر الذي بدأ يطلعني على نشرات الحزب ونتحدث معاً في الشؤون السياسة وشؤون الجيش والحكم وكيف ضاعت فلسطين. وبقيت صداقتي لبطرس كما كانت دائماً .
التنظيم في الجيش الأردني :
لم أعد أذكر بدايات التنظيم في الجيش، إلا أنني أعتقد أن هذه الفترة كانت في نهاية عام 1951 وبداية عام 1952، كانت الفترة التي بدأ فيها تنظيم الضباط في الجيش. ولست هنا بصدد التأريخ الدقيق فأنا لا أستطيع تذكره في واقعي الحالي، ولكن ما يهمني هو الحدث ومضمونه وحقيقته. إن شاهر الذي انتمى إلى حزب البعث العربي الاشتراكي قبل ذلك هو أول من بدأ تنظيم الضباط في الجيش الذي أطلق عليه في حينه ( تنظيم الضباط) وكان شاهر في نفس الوقت هو مسؤول عن تنظيم حزب البعث العربي الاشتراكي في الجيش الأردني. وبتقديري أن فكرة تنظيم الضباط في الجيش خرجت من صلب تنظيم البعث في الجيش لأن الأساسين في (تنظيم الضباط) ما بين عامي 1952 -1954 هم البعثيون، شاهر اليوسف، محمود المعايطه، قاسم الناصر، تركي الهنداوي، ضافي الجمعاني ولم أكن قد أقسمت اليمين بعد،ولكنني كنت عضواً في تنظيم الضباط. هذا ما قلته في مذكراتي قبل أن أقرأ مذكرات الرفيق شاهر والتي يقول فيها (أنني حينما طرحت فكرة تنظيم حزبي في الجيش على الأساتذة عبد الله الريماوي وعبد الله نعواس - عارضاً فكرة تكوين تنظيم حزبي في الجيش) وهذا يعني قبول بعثيين في الجيش يكونون جزءاً من تنظيم الحزب، وليس تنظيماً عسكرياً في الجيش، وهذا أمراً يستحيل واقعياً تطبيقه. ومن هنا يمكن أن يكون التوجه الذي قام به شاهر بتشكيل تنظيم للضباط في الجيش وليس تنظيماً للحزب،يستند إلى واقعة رفض قيادة الحزب تكوين تنظيم في الجيش. وهذا أمر يدعو إلى التساؤل؟ مع أن فكرة توسيع التنظيم ينقله من واقع حزبي إلى واقع وطني هي فكرة صحيحة وسليمة .
الملك طلال والإشاعات التي تدور حول حالته العقلية:
لقد كانت أولى تجاربي في ممارسة النشاط السياسي والخروج على الشرعية العسكرية وممارسته بالفعل، في زمن تولي الملك طلال العرش. فقد كثرت الإشاعات حول مرض الملك طلال، وكنا نعتقد أن هذه الإشاعات تثار لتبرير عزل الملك طلال لأنه ملك وطني. فتحدث إليّ شاهر حول هذا الأمر، وقال تعال نذهب إلى عمان لنلتقي عبد العزيز عصفور. وكان عبد العزيز -رحمه الله - ضابطا في سلاح المدفعية برتبة ملازم أول منتدب كمرافق للملك طلال (قتل في حادث تدهور سيارة الملك طلال في مصر بعد تنازله عن العرش)، ركبت مع شاهر في سيارته اللاندروفر وسرنا إلى عمان. وكان عبد العزيز يسكن في جبل عمان خلف (مجلس النواب السابق)، وحين وصلنا البيت وجدناه في المنزل، يحمل طفلته الرضيع. فرحب بنا وأدخلنا غرفة الضيوف، وبعد أن شربنا القهوة، قال لنا: خيراً ما وراءكم ؟ قال شاهر: إننا جئناك لنسألك عن أمر واثقين أن ما ستقوله لنا سيكون القول الفصل. إننا نشعر أن الإنكليز ينوون عزل الملك طلال وهم يشيعون إشاعات حول حالته العقلية تمهيداً لذلك، ويقولون أنه (مختل من الناحية العقلية) وعبد العزيز صريح ومباشر وثقتنا بما يقول مطلقة، قال لنا: نعم (إن الملك طلال مريض) نهضنا وودعناه وعدنا إلى الزرقاء.
لماذا التنظيم في الجيش ؟
لم يكن هذا العمل التنظيمي الذي بدأه شاهر في هذه المرحلة، هو أول تنظيم في الجيش. فقد سبقه محاولة لا نستطيع أن نقول عنها أنها عمل تنظيمي، وإنما نستطيع أن نقول عنها أنها محاولة جمع قوة قام بها (عبد الله التل) يرحمه الله للفكاك من الاختناق المر الذي فرضه الإنكليز والعرب الموالون لهم على الجيش، ومنعه على الأقل مما كان قادراً عليه في حرب فلسطين. أما لماذا التنظيم؟ فالحقيقة أنني لم أطرح هذا السؤال على نفسي في ذلك الوقت. ولم توضع أهداف محددة في بداية التنظيم ليعمل التنظيم من أجل تحقيقها، أو أن الأهداف كانت محددة وموضوعة وقام التنظيم من أجل تحقيقها، إلا إذا افترضنا أن العمل التنظيمي الذي مارسه شاهر لكسب عناصر في الجيش لعضوية حزب البعث العربي الاشتراكي، ومن بعد تطور إلى عمل تنظيمي يشمل ضباطاً وطنيين في الجيش سمي فيما بعد (تنظيم الضباط الأحرار) هو من وحي عقيدة حزب البعث العربي الاشتراكي، وهذا الافتراض سليم، وكنت مقتنعاً به. فأي إنسان مكون فكرياً وملتزم بالعمل على تحقيق أهداف هذا الفكر، يقوم بعمل تنظيم في الوسط الذي هو منه وفيه،لابد وأن يكون هذا التنظيم هو للمشاركة في تحقيق أهداف هذا الفكر، وهكذا كنت أنا شخصياً أنظر لأهداف هذا التنظيم.
ومع ذلك وفي أي واقع سياسي مثل واقع الأردن في حينه تكون أسباب الوهن والمخاطر بارزة بحيث تصبح بديهيات، فوجود الإنكليز وسيطرتهم على الأداة الأساسية التي هي الجيش، والتي لو كانت وطنية لتغيّرت النتائج التي أفرزها الصراع على فلسطين في حينه والمخاطر الأمنية على مواطني الدولة، فلسطينيين وأردنيين في ظل نظام لا يملكالإرادةولا النية لمواجهة هذه المخاطر، بعد أن قامت الدولة الصهيونية. أن هذه الأسباب الرئيسة التي دعت الساخطين والخائفين من المستقبل، إلى العمل على قيام تنظيم وطني في صفوف الجيش. هذه الأسباب قادتني إلى التجاوب دون تردد، للالتحاق في صفوف هذا التنظيم .
دورة إلى بريطانيا:
في أواخر عام 1952، التحقت مع عدد من ضباط سلاح المدفعية بدورة تدريبية في مدرسة المدفعية في بريطانيا، وشارك في هذه الدورة عدد من الجنسيات المختلفة بينهم (ضابط إسرائيلي) وهي دورة ( قادة مواقع ) مدتها ثلاثة أشهر. ومهمة( قائد الموقع) في بطارية الميدان حينما تكون بطارية الميدان في حالة فعل (أي حرب)، تكون مهمة قائد الموقع إدارة رمي المدفعية حسب ما يطلبه ضباط المدفعية المرافقين لوحدات المشاة لإسنادها. ولما عدت عملت في بطارية مدفعية الميدان الأولى في موقع (قائد الموقع). وفي بداية عام 1953 نقلت من البطارية الأولى، إثر خلاف بيني وبين قائد البطارية آنذاك النقيب محمد خليل عبد الدايم (رئيس للأركان فيما بعد لفترة قصيرة)، وسبب الخلاف أنه تحرش بجندي يعمل في إمرتي،فشكا الجندي أمره إليّ،وكان هذا الجندي صغير السن ولكنه (شاب رجّال) فتحدثت إليه (وهو قائد البطارية) بما أبلغني به الجندي، ونصحته بالابتعاد عن هذا الجندي، الأمر الذي شكل خلافاً شديداً بيني وبينه، فشكاني في فترة لاحقة لقائد الكتيبة تحت ذريعة أنني أتأخر عن الاجتماع الصباحي للبطارية. استدعاني قائد الكتيبة وأبلغني شكوى قائد البطارية،فقلت لقائد الكتيبة بالإنكليزية إنه كاذب والسبب غير ذلك، وأنا لا أريد أن أقول السبب الحقيقي. فنقلني قائد الكتيبة إلى بطارية الميدان الثالثة في نفس الكتيبة وهي بطارية عين لقيادتها النقيب شاهر اليوسف، وكان في حينها في دورة في بريطانيا. وكنت حينها برتبة (ملازم ثاني) وكان في البطارية ثلاثة مرشحين جيدين، هم إبراهيم المحادين وفوزي أبو نوار وخالد أبو فرحه. أثبتُ خلال ثلاثة أشهر من قيادتي البطارية بالإنابة، أنني ضابط قادر على القيادة. وهكذا بعد أن أنهى شاهر دورة التدريب في بريطانيا والتحق بكتيبة مدفعية الميدان الثالثة التي كانت تتشكل في ذلك الحين مساعداً لقائد الكتيبة. تم تعيني رسمياً حينها قائداً لبطارية مدفعية الميدان الثالثة تحت إصرار قائد الكتيبة المقدم (TARR) وهو ضابط كفء يحترمه المسؤولون في قيادة سلاح المدفعية، وكانت السابقة الوحيدة في تاريخ سلاح المدفعية أن يتسلم ملازم ثان قيادة بطارية ميدان، وهناك في السلاح الكثيرون الذين هم أعلى منه رتبة، وأقدم منه في رتبته يحتلون مسؤوليات أقل مكانة (ولم أخيّب أمله، فقد بيّضت وجهه في إحدى تدريبات الاختبار).
تسارع نمو ­­تنظيم الضباط:
في عام 1953 لقي التنظيم تجاوباً من ضباط مهمين في الجيش في هذه المرحلة، بالإضافة إلى الضباط البعثيين الذي ذكرت، انضم إلى التنظيم الرائد محمود الروسان الذي كان يشغل في حينه رئيس أركان اللواء الثاني مشاة،وبذلك يكون محمود الروسان هو أعلى قادة التنظيم رتبة، كما انظم إلى قيادة التنظيم النقيب أحمد زعرور (هندسة الميدان الأولى) وهو الضابط العربي الأقدم في هذه الكتيبة والملازم الأول نذير رشيد (السلاح المدرع كتيبة المدرعات الأولى) والنقيب المهندس شوكت الشبول والملازم الأول مهندس جعفر الشامي – مشاغل الجيش، والملازم الأول غازي العربيات استخبارات الجيش والملازم الأول عبد الله قاعد (السلاح المدرع كتيبة المدرعات الثانية) والملازم الأول مازن العجلوني. هؤلاء الضباط شكلوا وشاهر اليوسف ومحمود المعايطه وقاسم الناصر وتركي الهنداوي وضافي الجمعاني قيادة تنظيم الضباط الأحرار، إلى أن تم اعتقالهم عام 1957 باستثناء الملازم الأول مازن العجلوني والمقدم قاسم الناصر. وغازي العربيات الذي كان دورة في بريطانيا،إلا أنه اعتقل بعد عودته بعد أن أصر هو على العودة. وكان بإمكانه البقاء لاجئاً سياسياً في سورية. وكان سبب تسارع التنظيم في هذه الفترة هو الدور الذي قام به تنظيم الضباط الأحرار في مصر في تغيير نظام الحكم وقيام الجمهورية في مصر. وتأثراً بهذا الحدث سمي تنظيم الضباط في الجيش (بتنظيم الضباط الأحرار).
في هذا الحين كنا نبحث عن ضابط ذو رتبة عالية (أي عن محمد نجيب آخر في تنظيم الضباط الأحرار في الجيش الأردني) بعد أن أصبح التنظيم قادراً على الفعل،ليكون وجهاً وقائداً لهذا التنظيم، يطل به على الواقع إذا حدث الفعل. ولم يكن بين الضباط العرب في تلك المرحلة رتبة عالية أعلى من رتبة مقدم، إلا بين معاوني كلوب وخلصائه أو الذين ليس لهم علاقة بالعمل السياسي. ووقع اختيارنا على المقدم علي الحياري وكان قائداً للكتيبة الخامسة مشاة ومقرها في قيادة (مركز بوليس) مدينة نابلس، وأبو صخر ضابط جيد، وهو أكفأ الضباط العرب القادة العسكريين في الجيش الأردني (كضابط ميدان)، شخص اتسم سلوكه العام بالنظافة لم يقترب من واقع سياسي يمكن أن يمسه. فعبد الله التل –رحمه الله- كان قد قام بدور في المباحثات بين الملك عبد الله "والإسرائيليين"، وكان مسؤولاً عن أمنهم ونقلهم من القدس إلى قصر المصلى (في شونة ابن عدوان). حيث كانت تجري المباحثات التي كان من أبرز المترجمين فيها الأستاذ حمد الفرحان الذي كان يعمل في الحكومة في حينه. وأيضاً لم يكن بين الضباط الذين شكلوا الوفد العسكري في محادثات (رودس). ولا حتى في لجان الهدنة، وقد كلفت قيادة التنظيم الملازم الأول نذير رشيد والملازم الأول ضافي الجمعاني بالتحدث إلى المقدم علي حول هذا الأمر، والذي أصبح رئيساً للأركان قبل لجوئه إلى سوريا في شهر نيسان عام 1957، وزيراً للدفاع قبل أيلول عام (1970).
وصلنا إلى مقر قيادته في (مركز بولبس نابلس) ظهراً ووجدناه ومساعده الرائد راضي العبد الله الشهير بصلته (بكلوب). فأصابنا نحن الاثنين ارتباك شديد، ولا أذكر الأسباب التي قدمناها كمبرر لهذه الزيارة (وظهراً لم نقل شيئاً). ولكن الأمر بالتأكيد لم يخف على الرائد راضي – وجلسنا جميعاً نتحادث حتى الغداء،وذهب كل منا إلى مكان يستريح فيه،وبعد فترة وجيزة من دخولي إلى مكان استراحتي،دخل عليٌ المقدم علي وجلس وخفتأن أتحدث إليه في المهمة التي كلفتنا قيادة التنظيم بها. بعد أن عرف الرائد راضي هذه الزيارة. وتأملت أن يكون نذير قد قام بالمهمة ، ولكن تبين لي أن نذير قد اتخذ نفس الموقف. وفي فترة لاحقة زاره بعض أعضاء التنظيم في منزله في معسكر الزرقاء، وأظن أنه كان من بينهم الرائد شوكت السبول، فقال: لهم أرجو أن لا تتحدثوا معي في مواضيع مثل هذه.
أسلوب عمل قيادة تنظيم الضباط الأحرار:
المرحلة التالية لخلق التنظيم. وهي المرحلة التي وجد من أجلها التنظيم. وكان التصور حولها مبهماً ومختلفاً عليه بين الشخصيات الأقدم في التنظيم لا أذكر منذ أن بدأ التنظيم وحتى إعفاء الفريق (كلوب) من مسؤولياته، أن تم جمع قيادة التنظيم كاملة أو أكثرية الأعضاء، وذلك من أجل مناقشة الواقع ووضع الأسس اللازمة للعمل السياسي والعسكري من أجل تحقيق الهدف الذي من أجله قام التنظيم إلا مرة واحدة. كانت هناك لقاءات ثنائية أو ثلاثية لكنها لم تطرح ولم تناقش بجدية وبمستوى ما (العمل)، لتضع تصوراً عملياً لمهمات التنظيم، ولم يكن أقرب من شاهر ومحمود ومني بعضنا البعض، ومع ذلك لم يجر بيننا بحث جاد على هذا المستوى. صحيح أنه لم يكن من السهل حينه جمع هذا العدد من الضباط في ظل رقابة سيطرة مخابرات الجيش، لكن بتقديري أن السبب لم يكن أمنياً فقط، بل أن السبب الرئيسي في جانبه الأهم، هو نقص الوعي معرفةً وممارسةً، بمهمات، لقد كان هدف التنظيم محدداً وهو أحداث تغيير الإطاحة بالنظام، وكل قول وفعل جاء بعد ذلك هو نتيجة ومحصلة لواقع قيادة تنظيم الضباط الأحرار. فالتنظيم لم يخلق في الجيش من أجل (طرد الإنكليز وإبقاء النظام ولكن من أجل تغيير النظام)، وطرد الإنكليز محصلة لذلك،
لقاء الإخوان المسلمين:
ولم يحدث إطلاقاً أن تكّون تنظيم في أي جيش في أي واقع مثل واقع الأردن من أجل هدف جانبي كإخراج الإنكليز وعلى رأسهم (كلوب) من الجيش، وخاصة إذا كان مؤسسو التنظيم حزبين ملتزمين بأيديولوجية تنادي بالوحدة العربية. أما اللقاء مع الإخوان المسلمين، فلم يتطرق إلى النوايا الحقيقية لكلا الطرفين، وإنما للاستماع إلى رد الإخوان على ما طرح، والذي لم أعد أتذكره. ولكن بالتأكيد إننا لم نفصح عن أهدافنا ونوايانا. وكنت أنا وشاهر ونذير المشاركون في هذا اللقاء عن تنظيم الضباط. وكان رد المرشد العام للإخوان المسلمين هو التالي: "حتى نتعاون وإياكم فعليكم أن تكونوا جزءاً من تنظيم الإخوان المسلمين، تؤمنون بعقيدته وتلتزمون بنهجه السياسي". وبهذا القول لم نعد للاتصال معهم. أما الحزب الآخر والذي كان ممثلاً بتنظيم الضباط تمثيلاً مؤثراً فقد كان حزب البعث العربي الاشتراكي، والذي اعتبرت أنا موافقته على أهداف التنظيم أمراً بديهياً،انطلاقاً من فهمي لموقف الحزب،كان تسليمي بنوايا شاهر وقيادة الحزب مطلقاً في تلك المرحلة ولو لم أكن بعثياً ملتزماً لكنت بالتأكيد قد طرحت على شاهر وغيره الكثير من الأسئلة والاستفسارات.
الاجتماع الحاسم الذي أقر فيه التنظيم هدفاً ثانوياً بديلاً عن الهدف الأساس:
في أواسط عام 1955، جرى على نهر الزرقاء في قرية السخنه غرب مدينة الزرقاء، اجتماع حضره العدد الأكبر من أعضاء قيادة التنظيم، وكان ذلك اليوم يوم جمعة. طرح المجتمعون فيه لأول مرة للمناقشة الواقع السياسي في الأردن،وتحديد مسؤوليات تنظيم الضباط الأحرار في المساهمة في تصحيح هذا الواقع. وقد لاحظت أثناء المناقشة أن هناك تحولاً عن الهدف الأساس الذي قام من أجله التنظيم، إلى هدف فرعي آخر وهو طرد الإنكليز من قيادات الجيش العليا والدنيا. وحينما جاء دوري في الحديث قلت إن هدف التنظيم الذي قام من أجله، لم يكن طرد الإنكليز، بل الإطاحة بالنظام والعمل على أحداث تغيير جذري في بنية لنظام السياسي الأردني تجعل من هدفكم هذا (تحصيل حاصل)، أن يذهب الإنكليز مع النظام، وهي فرصة أن نتخلص من النظام. وما أن قلت ذلك حتى أطبق الصمت على الجميع- بعدها سألني أحدهم، وماذا نعمل في الأردن؟ وهنا أجبت الإجابة التي تدل على وعي سياسي فقير في تلك المرحلة،قلت أن الأردن جزء من سورية اقتطعت لأهداف استعمارية، وعلينا أن نعيده إلى أصله. ولم يعلق أحد من الحاضرين على هذا الرأي، ولم يناقش هذا الرأي. فعرفت في حينه أنه رأي غير مقبول وأن الهدف الأساس للتنظيم قد جرى تجاوزه. وقد ورد على ذاكرتي تساؤل، لو أنني طرحت على رفاقي قائلاً إن الأردن قادر أن يعيش بدون ملكية مرهقة لإمكاناته المادية والسياسية، لكان بالتأكيد قد وجد من يناقش هذا الرأي بين المجتمعين، كالتزام خجول بأسباب قيام تنظيم الضباط الأحرار، ولكن إقراره كان مستحيلاً وخاصة بعد الرأي المتطرف الذي طرحته .
وفي أوائل عام 1955 أستثني شاهر من الترفيع إلى رتبة (رائد) وترفع ضباط إلى هذه الرتبة وهو أقدم منهم ،فقدم استقالته، فاستدعاه الفريق (كلوب) بعد ذلك (والقصة مذكورة في مذكرات شاهر ) قال له كما أبلغني شاهر ( يا حبيبي أنت تشتغل بالسياسة ) (وإحنا نغض النظر عن ذلك، وأنت ضابط صغير ولن نسمح لك أن تصبح ضابطاً برتبة كبيرة وتشتغل بالسياسة )، وقد ذكر لي شاهر الجهة التي يمكن أن تكون قد سربت ( لكلوب ) المعلومات عن نشاطاته. لقد كان لشاهر صديق برتبة نقيب في سلاح الهندسة يدعى نايف السعد البطاينه، وكان شاهر قد تحدث إليه حول موضوع التنظيم ودعاه إلى ذلك. ومن هنا وصلت إلى كلوب المعلومات عن نشاط شاهر. وأنا مقتنع أن شاهر لم يكن مخطئاً. (بالرغم من محاولة شاهر تبرئة نايف السعد مما قاله لي في مذكراته ). وبعد مقابلة شاهر لكلوب (والتي يذكرها تفصيلاً في مذكراته ) استدعاه كلوب وعينه مرافقا عسكريا له، وبعدها رفع إلى رتبة رائد حسب أقدميته، ولم يكن شاهر الوحيد بين قادة تنظيم الضباط الأحرار الذي عمل مرافقاً لكلوب. فقد عمل قبله الرائد تركي الهنداوي.
وهناك حادثة طريفة تدخل في باب التشكيك في الضباط المعروفة تطلعاتهم الوطنية، زار الفريق (كلوب) كتيبة مدفعية الميدان الأولى التي كنت أخدم فيها، وأقمنا له طعام الغذاء في نادي ضباط الكتيبة، وكان كل ضباط سلاح المدفعية عرباً وبريطانيين موجودين في معيته وبعد الغذاء والانتهاء من شرب القهوة، تقدمت منه وطلبت إليه تجنيد أبن عم لي في الجيش،فوقف وأخذ بيدي وقادني إلى غرفة جلوس مجاورة، وأغلق الباب خلفه وجلس وأجلسني بجانبه وقال لي بالحرف، ما رأيك في أن نبني ساحتين (للبولو) إحداهما للعرب والأخرى للإنكليز، وكنت ألعب البولو، فأجبته بالحرف: يا باشا البولو ما فيها إنكليز وعرب هذهرياضة. فنهض وخرج وخرجت خلفه. وقد عرفت فوراً هدف هذه العملية. لقد قصد أن يخلق شكاً بي لدى أقراني من الضباط وقد حدث ذلك بالفعل. فالضباط الإنكليز تساءلوا حول الواقعة، والعرب داخلهم الشك. ولما توجهت وشاهر ومحمود إلى منازلنا القريبة مشياً على الأقدام، شعرت أن شاهر من أولئك الذين داخلهم الشك،كما أظن أن الباشا كان يريد أن يعرف هل أنا متعصب ضد الإنكليز وطبعاً أنا لست كذلك.
تتويج الملك حسين:
توج الملك حسين ملكاً على الأردن وعمره آنذاك أقل من ثمانية عشر عاماً ميلادية. بعد أن نفذ توفيق أبو الهدى عملية تتويج الملك طلال،وكذلك عملية إنزاله. وقد جاءت عملية التتويج بنفس التوقيت الذي توج فيه الملك فيصل الثاني ملك العراق ولم تكن صدفة، وذلك لتحاشي حالة تنتج عن تتويج ملك العراق وهناك فراغاً في العرش الأردني، وكان الساسة في العراق وعلى رأسهم نوري السعيد، ينادون بتوحيد الكويت والعراق والأردن.
بعد تتويج الملك حسين استقالت حكومة السيد توفيق أبو الهدى حسب العرف الدستوري، وكلف بتشكيلأول حكومة في العهد الجديد السيد فوزي الملقى الذي كان وزيراً لأكثر من مرة،وآخر منصب له، كان سفير المملكة الأردنية الهاشمية في لندن. في هذه المرحلة أصبحت الملكة الوالدة صاحبة الرأي الأول وكأنها وصية على العرش. كانت الملكة (زين الشرف) سيدة ذات شخصية قوية وهي ابنة للشريف ناصر أخ الشريف الحسين بن علي، كانت سيدة جميلة وذات شخصية قوية لكنها لم تكن سعيدة في حياتها الزوجية، وعانت عائلة الأمير طلال في حينه (من ضيق ذات اليد)، والحقيقة أن كل العائلة المالكة في الأردن قد عانت من ذلك، فالأردن بلد فقير، ومخصصات الدولة المنتدبة كانت شحيحة في ذلك الحين. وكان لهذا الواقع تأثير كبير على مسارهم السياسي في الغابر من السنين.
حكومة الدكتور فوزي الملقي:
دامت حكومة الدكتور فوزي الملقي قرابة العام، وهي في حقيقتها حكومة انتقالية حتى يستقر العهد الجديد، ويصبح أكثر قدرة في فن إدارة السياسات الداخلية، ثم عاد بعدها السيد توفيق أبو الهدى رئيساً للوزراء







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 07-01-2010, 12:48 PM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

حكومة الدكتور فوزي الملقي:
دامت حكومة الدكتور فوزي الملقي قرابة العام، وهي في حقيقتها حكومة انتقالية حتى يستقر العهد الجديد، ويصبح أكثر قدرة في فن إدارة السياسات الداخلية، ثم عاد بعدها السيد توفيق أبو الهدى رئيساً للوزراء .
تدمير قرية قبيه:
وفي خريف عام 1954 قام الإسرائيليون بعمل عدواني شديد الوحشية، فقد دمرت قرية قبيه، الواقعة على الحدود مع فلسطين المحتلة في منطقة رام الله تدميراً شاملاً. قامت بهذه العملية وحدة مغاوير قيل أنه يقودها في حينه (شارون) ولم يكن في هذه القرية أو قريباً منها أية قوات عسكرية. ولذلك كان اليهود يهدمون ويفجرون منازل سكانها (على كيفهم ) وبطريقة انتقائية همجية، وكان لابد أن تظهر ( دولة الأردن) رد فعل مناسب، فاستنفر الجيش ودخلت قوات الفرقة بكاملها إلى الضفة الغربية، وانتقلت قيادة الفرقة إلى (شونة بن عدوان). والتحقت كتيبة مدفعية الميدان الأولى التي كنت أقود البطارية الثالثة فيها باللواء الأول لإسناده حيث انتشرت بعض كتائبه على خطوط الجبهة. وكانت البطارية الثالثة التي كنت أقودها بإسناد كتيبة المشاة الخامسة التي كانت قيادتها في (دير قديس)، وأخذت قيادة البطارية والفئة الأولى منها مواقع لها في بساتين قرية (خربتا) إلى الشمال من القرية، ويبعد هذا الموقع عن قرية (قبيه) التي دمرت حوالي أربعة كيلومترات (خط نظر)، واحتلت الفئة الثانية من البطارية موقعاً لها في قرية (بيت عور التحتا) وكان على البطارية في حينه أن تغطي (قوس رمي من اللطرون جنوباً حتى شمال قرية قبيه)، وقد أمضينا في مواقعنا هذه حوالي ثلاثين يوماً دون أن نأتي بأي عمل ثأري. وبعد هدوء الخواطر كما كان يظن المسؤولون في الجيش والحكومة. تقرر عودة القوات إلى مواقعها في الضفة الشرقية. ثمة واقعتين لهما دلالات عميقة تثبتان نظرة الجندي العربي الأردني العادي على هذه السياسة ومعرفته المسبقة بها، فبعد أن اتضح الأمر للجنود وضباط الصف بأننا لن نرد على تدمير قرية قبيه، وانتشرت الأخبار بأننا في طريقنا إلى العودة إلى مواقعنا الثابتة في الضفة الشرقية، أصاب الجنود وضباط الصف إحباط شديد ويأس، وفي صباح أحد الأيام وحوالي الساعة السادسة والنصف صباحاً وكنت أغسل وجهي ويدي أمام خيمتي المحفور لها في الأرض، سمعت دوي انفجار، فرفعت رأسي وأنصت،لأرى أو أحدد مكان الانفجار حيث أيقنت في حينه أنها قنبلة قد تكون رميت علينا. ولما لم أسمع أو أر انفجاراً نظرت أمامي،فرأيت أحد ضباط الصف المسؤول عن أحد المدافع يحاول وضع القنبلة الثانية، وهناك ضابط صف آخر يحاول منعه من ذلك، فركضت إليه وأمرته أن يتوقف فأطاع. وهو ضابط صف برتبة (رقيب أول) من بني حسن واسمه (حتمل) وكان جندياً ممتازاً، وكان واضحاً عليه الإعياء، وكأنه لم ينم لعدد من الليالي. فقلت له ماذا تفعل؟ فرد علي قائلاً: تكذبون علينا كل مرة يدمر اليهود بيوتنا ويقتلون نساءنا وأطفالنا وأنتم فقط (إتجيبونا واتردونا) دون أن نفعل شيئاً فأبلغت قيادة الكتيبة بالحادث، ووصل فوراً قائد الكتيبة المقدم (tarr) وهو ضابط كفء ذو طبيعة إنجليزية هادفة، قال: اسألوا (ضابط الملاحظة)، أين وقعت القذيفة، فسألناه وجاء الرد أن القذيفة سقطت على الهدف. فسر قائد الكتيبة، وقال هذه نتيجة حسنة لهذا الخطأ. فسألته في حينها. ماذا سنفعل (بضابط الصف)، فقال لي: عليك أن تختار، أنا الآن قائدا للواء الأول مشاة بالوكالة ولدي صلاحيات محاكمته، أو أن أطلب تشكيل هيئة تحقيق يحال بعدها إلى مجلس عسكري. وكنت أعرف أن إحالته إلى مجلس عسكري يعني تنزيل رتبته وسجنه وطرده من الجيش. فقلت له طبعاً أنا أرغب في أن تحاكمه أنت، ولكن ما هو حكمك عليه؟ أجابني أنني سأنزله إلى رتبة جندي، فهالني الأمر، فلما رأى القنوط على وجهي،قال أسمع إنني سأنزل رتبته إلى جندي ولكنني أعدك أنني سأعيد رتبته إليه خلال عام (وقد بر بوعده).
أما الواقعة الثانية، فكان اليهود يتدربون على قتلنا،بقتلنا فعلياً،ويصفعوننا على وجوهنا دون السماح لنا برفع أيدينا إلى وجوهنا لاتقاء هذه الضربات. كان الإسرائيليون يدربون مقاتليهم تدريبات ليلية (تكتيكية) ولم يكونوا بحاجة أن يفترضوا هذا العدو، فهو أمامهم على الحدود، كانوا يقومون بإرسال دوريات ليلية لجلب الأسرى، أو دوريات قتل قادة في الخط الأمامي، أو دوريات إزعاج ليلية. وكان أسلوبهم هو التالي، بعد تحديد الهدف ونوع المهمة ينفذون الخطة الموضوعة لذلك وهي على الأعم إرسال دوريات (لتلغيم) طرق النجدات وكمين للتغطية، وبعد أن يقوموا بذلك على جميع الطرق التي يمكن لقوى الإسناد أن تأتي منها يقومون بالهجوم على الموقع (الهدف) بالرمي من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وفور سماع الضابط المسؤول (وهو عادة بمستوى قائد سرية) لأن المواقع التي تهاجم بالنيران هي (نقاط مراقبة) (أو نقاط ستر)، يقوم بإرسال نجدة للموقع المهاجم فتقع النجدة بالمصيدة المعدة، فيجرح جنود ويؤسر في بعض الحالات آخرون. بعدها ينسحب الإسرائيليون وقد حققوا هدفهم. وفي إحدى تدريبات الإسرائيليين هذه، قاموا في إحدى الليالي بالهجوم على موقع مراقبة تابع لإحدى سرايا كتيبة المشاة الخامسة التي بإسنادها إحدى فئتي بطارية الميدان الثالثة التي أقودها، وكانت قيادة السرية في منطقة (بيت عور التحتا)، هاجم الإسرائيليون نقطة المراقبة التي تقع على الحد الشمالي لواجهة السرية، وما أن أبلغ قائد السرية بالأمر حتى اتبع الأسلوب الحربي المعمول به. أرسل فئة مشاة للإسناد تتقدمها مدرعة (مقصوصة) سارت هذه الفئة على طريق يمر بمحاذاة موقع فئة المدفعية، وما أن تقدمت إلى مسافة مائتي متر على هذا الطريق الذي ينحدر إلى الوادي حتى اصطدمت باللغم المزروع لهذه الغاية فأوقفها،فما كان من الكمين الإسرائيلي الذي كانت مهمته حسب ما ظهر هي (جلب أسير)، إلا أن رمى بشبكة على من كان على ظهر المدرعة فأصطادهم، وهما رقيب وجندي وحالما أصطادهم انسحب. أحدثت هذه الواقعة ضجة في الجيش وأسى وغضباً في نفوس كتيبة المشاة الخامسة، حتى أن الفريق (كلوب) زار الموقع بنفسه وكنت بين مرافقيه، وشعرت حينها أنه غير مرتاح لدور المدفعيين في هذه الحادثة وفي ذهنه أننا أكثر معرفة من قائد السرية وضباطه وكان يجب أن نعينهم على تفادي هذا المطب.وهذا الأمر في حدود ما صحيح لو أن هناك تعاوناً وتفاعلاً بين المدفعيين والمشاة على جميع المستويات جنوداً وضباطاً،ولكن هذا التفاعل والتعاون كانا مفقودين.فهذا الأمر كان سياسة مقرة في الجيش فمن هو الضابط الصغير بمستوى قائد سرية أو حتى قائد كتيبة القادر على القفز فوق سياسة (فرق تسد) (وبدو وحضر) المعمول بها في حينه. قلت لقد ترك أسر الرقيب والجندي أثراً غاضباً في نفوس جنود كتيبة المشاة الخامسة (البدو) وصمموا على أخذ الثأر. ومشروعية الثأر هنا مطلقة،فأخذ أحدهم بندقية وقنبلتين يدويتين وسار إلى موقع يعرفه تمام المعرفة. كان لجيش العدو نقطة مراقبة في السفح الشرقي لمنطقة البرج، يشرف على الطريق الموصلة بين بيت سيرا اللطرون يأتون لنقطة المراقبة هذه صباحاً مع الضوء ويخلونها قبل حلول الظلام،فكمن هذا (الذيب) في سفح نقطة المراقبة في الهزيع الأخير من الليل وعند طلوع الفجر رأى جنديان يتقدمان أحدهما يسير مسافة والآخر يكمن ليحميه، وهكذا إلى أن وصلا الموقع واستقرا به، فزحف إليهما ورمى قنبلته الأولى وأتبعها بالثانية وتقدم بعد ذلك وأجهز عليهما وأخذ سلاحهما وعاد إلى وحدته. وما أن عُلم بالحادث حتى أعلن ناطق باسم الجيش أن هذا الجندي تصرف من ذاته، وتبين أنه (مختل عقلياً).
هاتان الواقعتان ومثلهما الكثير الذي لم يدون تعطيان صورة حقيقية عن جنودنا ونظرتهم وفهمهم وإدراكهم للأمور في تلك المرحلة .
الأردن وحلف بغداد:
في هذه المرحلة من الصراع الخفي بين الإستعمارين القديم والجديد، بدأت بريطانيا بتنفيذ إستراتيجية مستقلة خاصة بها في مناطق نفوذها آنذاك، أساسها الحفاظ على نفوذها ومصالحها المهددة في المواقع التي كانت فيها قبل الحرب العالمية الثانية. وبهذا بدأت بالعمل على خلق تجمع إقليمي في منطقة ما يسمى بالشرق الأوسط يضم دولاً عربية وغير عربية هدفه المعلن مواجهة الاتحاد السوفيتي. والحقيقي حماية المصالح البريطانية من الغول الأمريكي الزاحف على مناطق النفوذ هذه. وقد شكلت نواة هذا الحلف من تركيا والعراق وإيران وسمي في حينه حلف (بغداد)،وكان البلد العربي الثاني المرشح للدخولفي هذا الحلف هو الأردن ، نظراً لما كان يتمتع به النفوذ البريطاني من موقع قوي في هذا البلد في ذلك الحين. وبدأت السياسة البريطانية بإعداد المسرح السياسي والعسكري لقبول هذا الأمر، فعلى الصعيد السياسي عاد توفيق أبو الهدى إلى رئاسة الحكومة، وكان الهدف من عودته هو تهيئة الواقع السياسي لقبول هذه الاستراتيجية، فأجرى انتخابات نيابية في خريف عام 1954 وسمح للجيش والأمن العام بالانتخاب كل من موقعه، الأمر الذي يحدث لأول مرة في تاريخ الأردن، وتفاءل منتسبو الجيش والأمن العام وخاصة ذوي التوجه الوطني الذين اعتبروا هذا الأمر مؤشراً إيجابياً باتجاه الديمقراطية.
وكنت والبطارية التي أقودها لا نزال في مواقعنا في الخط الأمامي في منطقة رام الله. وأذكر أنني تحدثت إلى جنودي حول هذه الانتخابات، وحقهم في الانتخاب. وأشرت عليهم بطريقة ما انتخاب المرشحين الوطنيين ومن بين الأسماء التي ذكرت السادة عبد الله الريماويوإبراهيم بكر، وكمال ناصر(يرحمهم الله)،وتبين بعد أن أجريت الانتخابات أن وهمنا حول الإيجابية في عملية الانتخاب هذه كان كبيراً،فقد جرت أكبر وأوقح عملية تزوير في تاريخ الأردن، خاصة في صناديق الاقتراع الخاصة بالجيش. فقد رميت الصناديق التي وضع الجنود أصواتهم بها جانباً، واستبدلت بصناديق مملوءة سلفاً بالأصوات لمصلحة مرشحي الحكومة والجيش. ومن أجل فسح المجال واسعاً أمام هذا التزوير سمحت الحكومة للجيش والأمن العام بالتصويت كل من موقعه، وقد جرت احتجاجات دامية على نتائج هذه الانتخابات خاصة في الضفة الغربية واربد وعمان، وسقط خلال المظاهرات عشرات القتلى والكثير من الجرحى. لم يجر أبو الهدى عملية التزوير هذه إلا بسبب التوجه السياسي الإنكليزي حول مستقبل الأردن السياسي ودوره المقبل في (حلف بغداد). قدم توفيق أبو الهدى استقالة حكومته بعد افتتاح مجلس النواب الجديد كما يقضي العرف الدستوري. إلا أنه كلف ثانية بإعادة تشكيل الحكومة،وأول ما قام به توفيق أبو الهدى بعد تشكيله الوزارة هو الطلب إلى الحكومة البريطانية التفاوض حول تعديلات محددة في بنود المعاهدة البريطانية الأردنية، ظاناً أنه مقابل هذه الخدمة (حسب فهمي) ستمنحه الحكومة البريطانية مقابلاً معنوياً بمحو فعلته. وقد قبلت الحكومة البريطانية مبدأ التفاوض. بعدها غادر رئيس الوزراء ووفده المفاوض إلى لندن.بدأت المفاوضات وكان يرأس الجانب البريطاني السيد أنتوني إيدن وزير الخارجية. وفي أول اجتماع للوفدين أوضح رئيس وزراء الأردن الهدف الرئيسي الذي يسعى إليه من هذه المفاوضات، وهو تعديل بند في المعاهدة الأردنية البريطانية، خاص بالمعونة المالية التي تدفعها الحكومة البريطانية للجيش الأردني مباشرة إلى قيادة الجيش (أي إلى كلوب باشا)، أن تتحول إلى معونة للأردن وتدفع إلى خزينة الدولة الأردنية وبذلك ستصبح الحكومة الأردنية مسؤولة عن صرف هذه المعونة (وللجيش) ولكن بالطريقة التي تراها الحكومة الأردنية مناسبة. فرفض الجانب البريطاني هذا الطلب، ولما أصر توفيق أبو الهدى على موقفه، قال له رئيس الوفد البريطاني المفاوض،إن حكومتك لا تستند إلى (شرعية ديمقراطية) فحكومتك تستند إلى برلمان مزور، الأمر الذي يعني أن بريطانيا لم تعد بحاجة إلى خدمات أبو الهدى. فعاد أبو الهدى (بخفي حنين) وكانت آخر رئاسة لتوفيق أبو الهدى. وتوفيق أبو الهدى من فلسطين وله قربى بعائلة التاجي الفاروقي. وكان من أقوى رؤساء الوزارات الأردنية منذ تأسيس الإمارة حتى مغادرته ممارسة سلطة رئاسة الوزراء عن الحكم. يحترم نفسهوكان نظيف اليد. ومن أكثر رؤساء الوزارات علاقة ومعرفة برؤيا الإنكليز لمستقبل شرق الأردن. وكان هناك تناقض غير بيّن وواضح لا يعرفه الكثيرون، بين سياسة توفيق أبو الهدى والأمير عبد الله (قبل أن يصبح ملكاً) بشأن العلاقة مع اليهود،إن الامير عبدالله في حينه هو الذي وضع حجر الاساس للجامعة العبرية في القدس ، وهو اول سياسي نصح الفلسطينيين بقبول التقسيم (يكفينا تزويراً للتاريخ ) فلم يكن الملك عبد الله يناهض ويناصب الوكالة اليهودية العداء بل حاول الاستعانة ببعض شخصياتها وبها لتخفيف ضغط الإنكليز عليه في كثير من الحالات. أصيب أبو الهدى بسرطان المثانة، وقيل أنه شنق نفسه في منزله ولكن الحقيقة، أن أحداً قام بشنقه واستولى على مذكراته ذات الأهمية الخاصة. وهذه الحقيقة يعرفها (اللواء محمد رسول الكيلاني).
بريطانيا تضغط بقوة على الأردن :
استقال توفيق أبو الهدى بعد فشل المفاوضات التي قادها مع بريطانيا، وشكل الحكومة بعده السيد سعيد المفتي.وكان حلف بغداد قد أصبح في ذلك الحين حقيقة واقعة،ولم تنفع محاولات عبد الناصر مع نوري السعيد لثنيه عن هذا الاتجاه، الذي سيضعف وحدة الموقف العربي، وقد تسارعت مطالب الحكومة البريطانية وتكثفت من أجل دفع المسؤولين في الأردن وعلى رأسهم الملك من أجل اتخاذ الخطوة الواجبة للدخول في حلف بغداد. إلا أن حكومة السيد سعيد المفتي لأسباب تبدو مجهولة لم تكن قادرة على الإقدام على مثل هذه الخطوة. وفي بداية عام 1956 حينما رأت الحكومة البريطانية أن الأساليب الدبلوماسية والإلحاح والضغوط التقليدية لم تأت بنتيجة، قامت بالضغط غير التقليدي، فأرسلت رئيس أركان حرب الإمبراطورية (الجنرال تمبلر) كمبعوث خاص إلى الملك حسين من أجل تقديم طلب الانضمام هذا، وكان الأردن في مهب تيارين عاصفين، الحكومة البريطانية وما تمثله من نفوذ مادي وسياسي، يضاف إليه العراق الذي تحكمه العائلة نفسها،وتيار عبد الناصر والقومية العربية والشعب العربي في الأردن وفلسطين المعادي بالفطرة لكل ما هو إنكليزي. يضاف لذلك الموقف السعودي والموقف الأمريكي غير الملتزم بالمشاريع البريطانية. لكن تردد الملك حسين بعد مقابلته للجنرال (تمبلر) التي قال فيها للملك (إن عرش جلالتكم مهدد إذا لم ينضم الأردن إلى حلف بغداد). بعد هذه المقابلة استقال السيد سعيد المفتي وحكومته، وكلف السيد هزاع المجالي برئاسة الحكومة. وكان تعيين السيد هزاع المجالي في هذا المنصب بذاته إعلان قبول الأردن الدخول في (حلف بغداد). والسيد هزاع المجالي هو أول أردني غير متجنس يصبح رئيساً للوزراء، إن كان في زمن الإمارة أو المملكة.هذا الإعلان عن تشكيل حكومة السيد المجالي أشعل النار في الهشيم، فقد قامت في الأردن بضفتيه مظاهرات عارمة ضد الحلف وحكومة السيد المجالي وكانت مظاهرات دامية، لأن السلطة بجهازيها الأمني والجيش الذين كانا تحت قيادة الفريق كلوب قد أعدا لمثل هذا، وخاصة الجيش الذي لم يكن من قبل قد زج في مثل هذا المستوى لمواجهة اضطرابات شعبية. وقد أعدت قيادة الجيش وحداتها إعداداً مسبقاً لهذا اليوم، فقد تدربت كل وحدات الجيش بما فيها أسلحته المساندة لأول مرة في تاريخه على أسلوب كيفية تفريق المظاهرات ومن ثم قمعها. وأذكر مثلاً أننا في كتيبة مدفعية الميدان الأولى وصلنا فريق تدريب بقيادة الرائد عكاش الزبن ليدرب الكتيبة على كيفية مواجهة المظاهرات وأعمال الشغب وقمعها وتفريقها. وأنتقل فريق التدريب هذا ليقوم بنفس المهمة في كل كتائب سلاح المدفعية. وحين قامت المظاهرات كان لسلاح المدفعية باع طويل للتصدي لها. فكتيبة الميدان الثالثة التي كان شاهر مساعداً لقائدها كانت مسؤولة عن هذا الأمر في أريحا ومنطقتها،وكتيبتي مدفعية الميدان الأولى والثانية كانتا ضمن القوات المخصصة لعمان، واستخدام الأسلحة المساندة من مدفعية ودروع يدل على أن كل القوى العاملة في الجيش كانت في مهمة التصدي لهذه المظاهرات إضافة إلى قوى الأمن العام .
الشعور العام في الجيش تجاه هذه الأحداث:
كانت هناك ظاهرة أقلقت القادة البريطانيين، وهي أن الجنود في أكثريتهم الساحقة يخطئون الأهداف التي تعين لهم من بين المتظاهرين. لقد ذكر لي شاهر أنه في إحدى هذه الحالات أنه كان واقفاً وقائد الكتيبة البريطاني على حاجز على طريق القدس أريحا،ويقع هذا الحاجز في منتصف الطريق بين مخيم (عقبة جبر) ومدينة أريحا،وأمام هذا الحاجز ثلاثة جنود منتقين يأخذون (وضع الرمي)، فأقبلت باتجاه الحاجز مظاهرة حاشدة تستهدف الوصول إلى المدينة، فلما أصبحت على مسافة مائتي متر من الحاجز أبلغناهم بمكبرات الصوت أن لا يتقدموا، وأن عليهم أن يتفرقوا وإلا أطلقت عليهم النار. إلا أن المظاهرة لم تتوقف واستمرت بالتقدم نحونا،وإن بخطى أبطأ، حينها أمر قائد الكتيبة (البريطاني) أحد الرماة أن يرمي شخصاً حدده له، وكان شاباً يعتلي أكتاف المتظاهرين، فرماه الجندي ولكنه اخطأ، فأمر الجندي الثاني فأطلق وأخطأ وكذلك كانت نتيجة الرامي الثالث. فما كان من قائد الكتيبة إلا أن أخذ بندقية أحدهم فأطلق وأصاب الشاب،وحدث في عمان أن كانت فئة من مدفعية الميدان الثانية تحرس حاجزاً أمام أمانة عمان القديمة، هدفه منع المتظاهرين من السير باتجاه القصور الملكية. وكان مسؤولاُ عن هذا الحاجز أحد مرشحي الضباط، فلما أقبلت جموع المتظاهرين أمرهم بمكبرات الصوت أن لا تتقدم المظاهرة، إلا أنهم استمروا في تقدمهم، فلما رأى المرشح هذا الجمع الغفير يتقدم باتجاهه سيطر عليه الخوف فأمر بإطلاق النار، فجرح العديد من المتظاهرين، وفي الصف الأمامي، ولكن لم يقتل أحد. هكذا كان الأسلوب العام في مواجهة المتظاهرين، وكان هناك تجاوزات كثيرة لهذا الأسلوب وفي مواقع كثيرة في فلسطين وعمان وأربد وكذلك في المخيمات، فحينما ينفرد الجيش والأمن بمجموعات صغيرة من المتظاهرين يضربونهم ويعتقلونهم.
في هذه الفترة الصعبة. كنت ملتحقاً بدورة تدريب عنوانها (قادة السرايا) في مركز تدريب العبدلي، ولذلك لم أشارك في مسؤولية مقاومة المظاهرات، في تلك الفترة كانت فئة من البطارية التي أقودها تقوم بحراسة قيادة الجيش، وفي أحد الأيام وكانت الاضطرابات على اشدها، الأمر الذي جعل المدربين وبعض المتدربين يغيبون ليقوموا بمهام أوكلت لبعضهم. ذهبت لأتفقد جنودي الذين كانوا يحرسون القيادة العامة للجيش. وبعد أن أمضيت معهم فترة تفقدت خلالها أوضاعهم غادرت وسرت ماشياً مع الشارع الذي يمر أمام القيادة باتجاه بيت رئيس الوزراء الأسبق السيد توفيق أبو الهدى، وعلى رأس الشارع حين يتفرع قبل الوصول إلى بيت رئيس الوزراء، كانت تقف مدرعة وبجانبها يقف طاقمها وبينهم ملازم من سلاح الدروع، وحال وصولي إليهم أقبلت مجموعة من طالبات المدارس الثانوية،وكان واضحاً أنهن شاركن في المظاهرات وحين أصبحن في محاذاتنا رأينا إحداهن تبكي، الأمر الذي يعني أنها ضربت، فقال الملازم بعطف لماذا تبكين؟ فالتفتت إلينا وقالت، إنني أبكي عليكم وعلى من هم مثلكم، لأنهم سيرسلونكم إلى حدود إيران، فأصبنا بتأثر بالغ لهذا القول الوطني الواعي.


سقوط حكومة السيد هزاع المجالي:
بقيت المظاهرات مستمرة وعنيفة حتى استقالت حكومة السيد هزاع المجالي. وهكذا منعت هذه المظاهرات العنيفة والتي عبرت بصدق عن العمق الحقيقي للكراهية التي يكنها الشعب العربي في الأردن وفلسطين لبريطانيا ومشاريعها في تلك المرحلة، والنابعة من الإيمان المثبت أن الاستعمار البريطاني كان وراء الواقع السيء الذي تعيشه الأمة العربية في تلك المرحلة. وللحقيقة أن المظاهرات وحدها لم تمنع الأردن من الانضمام إلى حلف بغداد، وإنما كان لمصر بقيادة عبد الناصر تأثيرها البالغ في تلك المرحلة على الشعب الأردني وخاصة العربي الفلسطيني منه، إضافة إلى السعودية، وأمريكا التي كانت تقف خلف السعودية والتي أيضاً كانت تأمل بعبد الناصر خيراً. والأهم أنها تكره أن يستعيد النفوذ البريطاني في المنطقة قواه. وكان النفوذ الأمريكي المتقدم والذي أصبح يطأ أصابع قدم النفوذ البريطاني المتراجع، كان هذا النفوذ على استعداد كامل لمساعدة الأردن،إذا ما سحبت بريطانيا دعمها المادي للأردن ومن هنا كان البديل للسيد هزاع المجالي المؤيد للسياسة البريطانية هو السيد سمير الرفاعي رجل أمريكا في تلك المرحلة. والأردن من أكثر الأقطار العربية تجانساً سكانياً، فليس هناك أقليات عرقية ولا طائفية. صحيح أن هناك نصارى ولكنهم عرب وهذه بلادهم قبل الإسلام، ويتمتعون بعادات عربية أصيلة ولا يشعرون شعور الأقلية. مع أن الاستعمار البريطاني الشهير والقدير على التفرقة حاول ذلك. إلا أن تأثيره كان ضعيفا. أما معضلة الأردن فهي انه لم يشكل في تاريخه ذاتا مستقلة،واقتطع من جزء يشكل وإياه وحدة واحدة من أجل أهداف المستعمرين الإنكليز والفرنسيين التي تحققت في اتفاقية (سايكس بيكو) (ووعد بلفور) الذي قال بإقامة وطن لليهود في فلسطين، الأمر الذي يتطلب مكاناً ينزح إليه المشردون من أهل فلسطين. وهذا الأمر كان واضحا في ذهني حتى في ذلك الوقت،حينما طرحت على قيادة تنظيم الضباط (في اجتماع السخنه). ان هدف التنظيم لم يكن طرد الإنكليز من الجيش ولكن إلغاء النظام ومن ثم الكيان، والضباط والنفوذ الإنكليزي هما جزء من محصلة التغيير وعندما لم أجد استجابة حتى من رفاقي البعثيين لم اعد إلى طرح هذا الأمر مرة أخرى. ليس لأنني تجاوزت هذا الفهم، كلا ولكن لأنه لم يتسنَّ لي ذلك.لأن قيادة تنظيم الضباط لم تجتمع اجتماعاً آخر بعد اجتماع السخنه إلا بعد إقالة (الفريق كلوب) ولم تكن عدم الاجتماعات هذه مصادفة أو أنه لم يكن هنالك واقع يستدعي ذلك بل العكس هو الصحيح. ومع ذلك فقد قلت رأيي الذي أومن به إلى اللواء علي أبو نوار مباشرة - بعد تسلمه لمنصب رئيس الأركان،لظرف استلزم ذلك. وسآتي على ذكر هذه الواقعة في القادم من هذه المذكرات.
لقد لعب الإنكليز ومن بعدهم النظام الحالي في الأردن على حبال (بدو، حضر - وشمال – وجنوب) وأخيراً وليس آخراً (أردني فلسطيني) ولكن قضية الأردن لا يتيه عنها بدوي ولا حضري - لا فلسطيني ولا أردني - إذا ما قيلت لهمبصدق. فهي قضية مستقبلهم وأمنهم ومستقبل وأمن أطفالهم الذي له علاقة صميمية بقضية فلسطين والغزو البربري الزاحف علينا من الغرب عبر المتوسط والأطلسي - والسلطة هي التي تسيد وبالتالي تسيد مفاهيمها وقيمها بالقمع والإرهاب والتضليل والتحايل لمصلحة وقيم أسيادها المضادة تماماً لمصلحة الوطن ومواطنيه. ولو انتزعت السلطة من يد هؤلاء المحتالين، لما بقي من مفاهيمهم وقيمهم المزورة أثر ولسادت مفاهيم وقيم أصيلة، أصالة حضارة وتراث شعب هذه الديار، دون عناء، بأساليب ووسائل بسيطة لكنها صادقة متوافقة والواقع موضوعياً.
قيادة تنظيم الضباط وأحداث حلف بغداد:
لم يتوسع تنظيم الضباط ولم ينضم إلى قيادته أحد منذ المحاولة التي جرت مع المقدم علي الحياري. والحقيقة أن تنظيم الضباط الأحرار لم يكن بحاجة أن يكون أوسع مما هو عليه في تلك المرحلة (إذا ما بقي الهدف الأساسي للتنظيم وهو تغيير النظام ملتزماً به) لا في القاعدة ولا في القمة،فالجيش الأردني جيش صغير والضباط المتنورين وذوي الاتجاهات الوطنية يمكن الاستدلال عليهم، وقاعدة التنظيم كانت قادرة على الفعل الذي تقرره القيادة. فسلاح المدفعية المكون من ثلاث كتائب مدفعية ميدان وكتيبة دفاع جو المضمون القاعدة والقيادة وكتيبة هندسة الميدان الأولى والسلاح المدرع المكون من كتيبتي مدرعات خفيفة كان المسؤول في كتيبة المدرعات الملازم الأول نذير رشيد عضو قيادة التنظيم ومسؤول كتيبة المدرعات الثانية الملازم الأول عبد الله قاعد عضو قيادة التنظيم وكتيبة دبابات كانت تحت التشكيل يقودها النقيب تركي الهنداوي، وبعض ضباط وقيادي التنظيم المنتشرين في مواقع متعددة، والذين إن لم يكونوا قادرين على الفعل فهم قادرون على التحييد.
لم تجتمع قيادة تنظيم الضباط الأحرار أثناء أحداث حلف بغداد لتقرر رأياً حول الأحداث. وقد تكون الظروف والواقع في حينه يبرران ذلك، ولكن بعد أن هدأت الحال وتغير الاتجاه السياسي، بعد سقوط حكومة هزاع المجالي، كان على قيادة التنظيم أن تجتمع للتحدث وتناقش الأحداث التي مر بها القطر. وعن دور جماهير الشعب والتضحيات التي قدمها من أجل إسقاط هذا الاتجاه السياسي. وأن ترى في دور الجماهير والنهوض والوعي الذي أظهرته دلالة نضوج وعيها وتستمد منه دافعاً حقيقياً للسير إلى الأمام نحو تحقيق الهدف الذي وضعه التنظيم لنفسه. لكن الأمور على ما يبدو كان لها ميدان أخر تتفاعل فيه خارج إطارمؤسسة القيادة لتنظيم الضباط،وإثباتاً على ذلك دعيت إلى اجتماع يعقد في منزل الملازم الأول مازن العجلوني أحد مرافقي الملك وعضو قيادة تنظيم الضباط (طبعاً كان عضواً في قيادة التنظيم قبل أن يصبح مرافقاً للملك) وكان منزله يقع في أول جبل (اللويبدة)، ولقد حاولت الوصول إلى مكان الاجتماع ولكن محاولاتي فشلت بعد وصولي إلى (المحطة) لأن الاضطرابات كانت على أشدها. فجميع الطرق كانت مغلقة إما بواسطة الجيش أو بواسطة المتظاهرين. فعدت من هناك دون أن احضر الاجتماع. لم أعرف من حضر هذا الاجتماع ولا الذي دار فيه من حديث. وأنا لا أسأل إذا لم يكن أحد من الذين حضروا لديه الاستعداد أن يبلغني ذلك لكنني علمت فيما بعد أنه إضافة إلى بعض قيادي تنظيم الضباط كان هناك ضباط آخرون دعوا من خارج تنظيم الضباط. وأنا لا أعرف الأسباب التي استدعت عقد هذا الاجتماع في حينه. (أما الآن فأنا أعرف) الأمر الواضح أنه حينما يجري اجتماع للعديد من الضباط بينهم من هو قيادي في تنظيم الضباط وبينهم من هو غير ذلك وفي الظروف الشديدة الاضطراب التي وصفت، سيكون حينها مناقشة الواقع ذات فهم مختلفاً ولهذا سيكون تصور العلاج مختلف عن ما سيكون عليه الأمر في اجتماع لقيادة تنظيم الضباط.
وزعت منشورات باسم الضباط الأحرار وأنا لم أقرأ نص هذا المنشور، ولم يصدر عن تنظيم الضباط ولكن من المؤكد أن المنشور قد صيغ وطبع في الملحقية العسكرية (لجمهورية مصر العربية). لان الملحقية العسكرية المصرية ،كانت على معرفة تامة بهذا التنظيم، من خلال علاقة كانت قد قامت بين أحد أعضاء قيادة التنظيم. وبعض الضباط المصريين الذين كان بعضهم أعضاء في مجلس قيادة الثورة.والذين قاتلوا وتواجدوا في منطقة الخليل أثناء الحرب في عام 1948 .







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-03-2010, 12:03 PM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

المقدم علي أبو نوار:
كان علي أبو نوار ضابطاً معروفاً في الجيش الأردني. دخل الجيش بعد أن أكمل دراسته الثانوية في مدينة السلط. عمل في فلسطين مع وحدات الجيش التي كانت تعمل تحت إمرة الانتداب البريطاني في فلسطين. عمل أيضاً ضابط ركن في أحد ألوية المشاة أثناء حرب عام 1948. وقد تطوع أن يقود إحدى الكتائب حينما أخلي قائدها بسبب جراحه إلا أن تطوعه لم يقبل. كان من بين ضباط وفد المفاوضات المهمين إلى محادثات رودس هذا الوفد الذي كان يرأسه (رياض المفلح) وكيل وزارة الداخلية في حينه - ويرأس الجانب العسكري فيه اللواء أحمد صدقي الجندي. رأيته مرة واحدة قبل أن يصبح رئيساً للأركان، وهو يخرج من مكتب قائد كتيبة مدفعية الميدان الأولى وكان في حينه برتبة نقيب، ضابط أنيق،وسيم، متناسق التكوين وكان قبل أن يستدعيه الملك حسين ليعينه كبيراً لمرافقيه ويرفعه إلى رتبة مقدم، ملحقاً عسكرياً في سفارة الأردن في باريس. وقد أبعد الرائد علي أبو نوار عن الجيش كملحق عسكري وأنت لا تعرف الأسباب لهذا الإبعاد، فالسبب المعلن أو الذي سرب إلى أفواه الدعاة قد لا يكون السبب الصحيح، وفي الوقت الذي أبعد فيه الرائد علي أبو نوار ابعد كذلك ملحقاً عسكرياً الرائد محمود الروسان إلى واشنطن،وفي باريس تعرف الملك حسين على الرائد علي أبو نوار الملحق العسكري في السفارة الأردنية كان الملك حينها يدرس في الكلية العسكرية البريطانية في (ساند هرست) ويقضي إجازته بين باريس ولندن. لم يكن المقدم علي أبو نوار من بين تنظيم الضباط الأحرار، ومع ذلك فإن عوامل عدة جعلته على علاقة وثيقة ببعض قادة تنظيم الضباط منهم الملازم الأول مازن العجلوني الذي عمل في إمرته بعيد حرب عام 1948 في منطقة رام الله وكذلك بعد تعينه كبير مرافقي الملك حسين. وكان على علاقة بمحمود المعايطة وشاهر اليوسف وعلى علاقة وثيقة مع الرائد قاسم الناصر آنذاك وكلهم عايشوا الكارثة في فلسطين، مع أنني حقيقة لا أعرف مدى تأثره هو بهذه الكارثة. كان ضباط مدينة السلط خمسة من أصل ثلاثة عشر عضواً هم قيادة تنظيم الضباط. والعشائرية لم تغادر واقعنا حتى بعد أن لحقها التطور من عشيرة إلى قرية إلى بلدة. يصبح من هو من هذه القرية ينتسب إليها وكذلك البلدة فكل من هو من مدينة السلط هو (سلطي)، وهكذا فإنني أكاد أكون الوحيد في قيادة التنظيم من لا يعرف المقدم علي في حينه. وأيضاً ليس متأثراً بأي من العوامل التي أشرت إليها خاصة، وأنا تقريباً أصغر المؤسسين سناً ورتبة. جرى بيني وبينه اتصال هاتفي قبل أن ألقاه وأتعرف عليه. وقد جرى الاتصال (بالصدفة المرتبة)، فقد اتصل بقيادة بطارية المدفعية التي أقودها يسأل عن الملازم فوزي أبو نوار، وهو أبن عمه ويعمل في إمرتي في حينه. سلم علي بحرارة وسألني عن حالي بمودة مما أقنعني أن الهدف هو التحدث إلي.
الاتجاه السياسي لقادة تنظيم الضباط الأحرار:
إنني أكتب الآن بعد خبرة طويلة، ونمو في الوعي فكرياً وسياسياً وممارسة عملية، إلا أنني لن أدخل هذه الخبرة بتقييمي هذا، بعد أن نخل الطريق الطويل والصعب صفات هؤلاء الرفاق على جميع الصعد. خلال الواقع الذي فرضته قوى عاتية علينا. وسأقتصر في تقيمي للمرحلة التي تعاونا فيها وضمن معرفتي الذاتية للرفاق في تلك المرحلة. لقد كانت اتجاهات هؤلاء السادة وطنية والأشمل عروبية، وقد انقسموا في التزامهم السياسي والعقائدي إلى نوعين، ملتزم بحزب سياسي أو غير ملتزم إلا بتنظيم الضباط الأحرار، وشكل غير الملتزمين أكثرية. وفي واقع كواقع تكويننا الفكري والثقافي والسياسي آنذاك كانت العلاقات الشخصية هي الأكثر تأثيراً، وكانت الكتلة الأساسية البارزة هي كتلة الضباط البعثيين وهم شاهر اليوسف ومحمود المعايطه وضافي الجمعاني، كأساس. فهؤلاء الثلاثة كانوا متقاربين التزاما ورفقة سلاح وعلاقات شخصية. ومن ثم يدخل معهم في الالتزام الحزبي ولو شكلاً قاسم الناصر وتركي الهنداوي، وكان المهندس شوكت الشبول أقرب إلى الشيوعيين وكان المهندس جعفر الشامي قومياً عربياً وكذلك (ماسوني). أما الذين لم يكن لهم التزام سياسي حزبي فهم - الرائد محمود الروسان - النقيب أحمد زعرور - الملازم أول غازي العربيات والملازم أول نذير رشيد - والملازم أول عبد الله قاعد والملازم أول مازن العجلوني.
وقبل أن أدخل في صلب الذكريات السياسية على القارئ أن يعرف أنني لا أستهدف الإساءة إلى أحد أو المساس به. وحينما أتحدث عن الأردن ككيان ودوره غير الإيجابي بل السلبي في مقاومة ضياع فلسطين، وحركة نهوض العرب من خلال واقعه وموقعه، والقوى التي تفرض عليه هذا الواقع ومن خلاله، فأنا لا أستهدف الإساءة إلى الملك حسين كذات وكإنسان. ولكن كون الملك حسين ملكاً على الأردن وقيادته في كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولهذا فدوره أساس في هذه الذكريات. ولابد أن يكون في العديد من مواقعها محورياً، سلباً، أو إيجاباً، فالهاشميون عترة (رسول الله) كانوا أكبر المضحين وآثارهم شاهد على ذلك (بغض النظر عن دوافع هذه التضحيات). وفي تاريخ العرب الحديث ثورة (الحسين بن علي) أبرز الشواهد على أن العرب لم يموتوا. ويكفي فيصل فخراً إضافة إلى انتمائه العروبي قبل الثورة ودوره البارز فيها. أنه أسس العراق الحديث وحقق له الشرعية.ومع كل هذا الإرث العظيم فلا يحق لأي هاشمي أن يدعي حق الوراثة السياسية بعد هذا التطور في الزمن والواقع في كل ميادين الحياة وأبعادها، فلكل إنسان في هذه الأمة حق القيادة من خلال الفعل المتميز، والإيمان والقدرة على القيادة ودفعها باتجاه هدفها المنشود في التحرر والتوحد والعدالة.
الوضع السياسي في الأردن بعد هزيمة انضمامه إلى حلف بغداد:
يتأثر الأردن تأثراً بالواقع السياسي السليم وطنياً وقومياً إن كان في مصر أو سورية. وفي تلك الظروف كانت (ثورة يوليو) في أوج تحديها للاستعمارين القديمين الإنكليزي والفرنسي/ هذا الفعل المتحدي جعل من عبد الناصر بطلاً قومياً ومن صوت العرب الذي كان يدعوه الإنكليز(the voice of uenon ) صوت الجائعين للكرامة. وأثناء اضطرابات حلف بغداد، قال أحد قادة كتائب المشاة الإنكليز (الكتيبة السابعة/ بادية) ماذا أستطيع أن أفرض بهؤلاء الجنود الذين يتحلقون حول الراديو لسماع صوت العرب وأحمد سعيد وكانت واجبات هذه الكتيبة فرض منع التجول على مدينة الزرقاء. ويجب أن أنبه هنا أنه خلال مسار (ثورة يوليو) والتناقض في قمة السلطة بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر كانت قيادة تنظيم الضباط إلى جانب محمد نجيب. وبقيت غير واثقة من عبد الناصر لفترة. لقد كانت شخصية جمال عبد الناصر في تلك المرحلة غير واضحة ودوره في الثورة غير معروف وكان تقييمنا له أنه ضابط متطلع إلى السلطة،يستهدف فرض دكتاتورية عسكرية. وهذا لم ينتج في جانبه الأهم عن تقييم شخصيتي جمال عبد الناصر ومحمد نجيب، بل بسبب الأسلوب الذي تعامل به عبد الناصر مع الأحزاب بعد ذلك. وخاصة (حزب الوفد) وعلى الأخص مع (النحاس باشا)، هذه الشخصية التي كانت تحظى بالاحترام والمحبة في أوساط الشعب العربي وفي كل أقطاره.
إلا أن المسار الصحيح للثورة وعلى الأخص مع أعداء العرب التقليدين الأستعمارين الإنكليزي والفرنسي، وبسبب التواجد البريطاني على أرض مصر وتراثه الاستعماري البغيض في مصر والوطن العربي ومحاولاته ترسيخ هذا التراث من خلال شق العرب بين مؤيد لحلف بغداد ومعارض له، وتأييده المطلق للثورة الجزائرية ودعمها مادياً ومعنوياً، وتبني ثورة يوليو سياسياً وإعلامياً طموحات الإنسان العربي، سواء في فلسطين أو على ساحة الوطن العربي هذا الواقع الذي بينته ثورة يوليو، جعلت من عبد الناصر قائداً تتطلع إليه جماهير العرب في كل أقطارها، بآمال وأمان عريضة. هذه الحقيقة جعلت المستعمرين الإنكليز يصنفون ويعيدون حساباتهم، خاصة وقد أصبح واضحاً أن الأردن لن يكون عضواً في حلف بغداد.ومن هنا أعادت الحكومة البريطانية تقييم سياستها تجاه الأردن. وأصبح الأساس في هذه السياسة هو الحفاظ على الأردن ككيان مستقل، والتخلص من العبء المادي الذي تتحمله الخزينة البريطانية المثقلة في إطار الاستراتيجية التي وجد من أجلها وهما قضية فلسطين وتكريس التجزئة. والأمر الآخر المهم هو استمرار الوجود البريطاني على أراض ثابتة في هذه المنطقة المهمة، والتأكد من الحضور الدائم في قضايا الاقليم المعقدة، والدخول في المساومات والمناورات وعمليات الأخذ والعطاء في السياسة الدولية.
وكان هناك فراغ قيادي في السلطة في الأردن بعد اغتيال الملك عبد الله، وهذا الفراغ لا يمكن أن يملأ بدون مخاطر إلا بالملك لضمان الخلود للنفوذ الإنكليزي والغربي في الإقليم. إذاً لابد من خلق واقع يثبت من خلاله الملك حسين أنه قادر على ملء هذا الفراغ، ولديه الكفاءة والقدرة الوطنية على ذلك ليقنع على الأقل جزءاً مهماً من مواطنيه بهذه الحقيقة. ومن هذه الضرورات جاءت قضية طرد (الجنرال كلوب)، والمسرحيات التي تتابعت بعد ذلك في ميدان الديمقراطية والانفتاح الداخلي السياسي. وكانت عملية البناء ماسة وضرورية أمام المد الشعبي المعادي للاستعمار البريطاني، والذي كانت تدفعه بقوة ثورة 23 يوليو في مصر وتستقطبه شخصية جمال عبد الناصر.
وقد بدأ تنفيذ الملك حسين أولى خطواته لتنفيذ المخطط حينما عين الرائد علي أبو نوار (الملحق العسكري في باريس) كبيراً لمرافقيه العسكريين ورفّعه إلى رتبة مقدم. بدأ كبير مرافقي الملك اتصالاته بمن يعرفهم من الضباط وأنا لا أعرف من اتصل بمن، ولم يكن لدي اطلاع على أي من هذه الاتصالات. فأنا لا أسأل عن أمر لا يقال لي وليس مقصوداً أن أعلمه. ومن نافلة القول أن هذه الاتصالات التي أجراها كبير مرافقي الملك قد خفيت على القيادة العامة للجيش التي كان على رأسها (كلوب باشا) وهو من هو. وهكذا رفعت القيادة العامة للجيش قائمة بأسماء العديد من الضباط إلى رئاسة الوزراء طالبة الموافقة على إخراجهم من الجيش ومن بين الأسماء عدد من قيادي (تنظيم الضباط)، فرفض الملك الموافقة على تسريح أي من هؤلاء الضباط، وطبيعي أن تكون هذه العملية من ضمن السيناريو المعد لكسب تأييد الضباط للملك. وكان لدخول كبير مرافقي الملك على الخط السياسي لتنظيم الضباط الدور الحاسم في تغيير الهدف الأساسي للتنظيم، الذي يستهدف النظام كأساس والإنكليز كحصيلة.
طبعاً أصبح الهدف واضحاً لي وإن لم يبحث في اجتماع لقيادة التنظيم. فقد توقفت اجتماعات قيادة التنظيم منذ اجتماع السخنة والذي تحول بعده التنظيم عن هدفه الأساس إلى هدف فرعي أي (من هدف أساسي إلى هدف مرحلي) كما قال شاهر. ففي حديث مع شاهر ومحمود حاولا فيه إقناعي أن هدف التنظيم لا يزال قائماً (أي التخلص من النظام) وأن طرد الإنكليز من الجيش يسهل علينا الأمر، وكنت حتى في ذلك الحين مقتنعا بعدم صحة هذا الرأي. فأنت حينما تكشف نفسك كتنظيم عسكري لصاحب السلطان فأنت على الأقل لا تستطيع بعد ذلك ستره. ومن هنا لم يعد لدي أي نوع من الاهتمام بالواقع إلا متى سيكون هذا الأمر. وفي يوم الخميس الذي سبق يوم السبت الذي تم فيه قرار الحكومة بإنهاء خدمات (الفريق كلوب)، أخذت إجازة مدتها 48 ساعة وأخذت أطفالي إلى مأدبا قاصداً أن أمضي وإياهم يوماً على (سيل الواله) ،وبعد ساعتين من وصولي،وصلني إخطار من قائد مقاطعة مأدبا بأن علي أن أكون في الزرقاء بأسرع وقت. فعرفت الأمر ولكنني استغربت هذه (الشفرة) المفضوحة، فركبت سيارتي العسكرية وعدت إلى الزرقاء، وتركت عائلتي عند أهلنا تحسباً - وفور وصولي (التقيت إما الملازم أول عزمي مهيار أو محمود المعايطة) لم أعد أذكر الذي أبلغني الأمر والواجب الذي علي أن أقوم به،وهو احتلال معسكر الزرقاء ومنع الخروج والدخول إليه. وتأمين أمن الضباط الإنكليز وعائلاتهم،وسيقوم محمود باحتلال مطار عمان العسكري بكتيبة مدفعية الميدان الثانية (أي أن يقودها من الزرقاء إلى عمان لتحقيق هذا الهدف، وهي مهمة لم تكن سهلة، فكلانا محمود وأنا يقود بطارية من أصل ثلاث بطاريات في الكتيبتين الأولى والثانية. فلم يكن أي منا قائد كتيبة ولا حتى مساعد قائد كتيبة وكان محمود برتبة نقيب وهو أقدم ضابط في الكتيبة بعد قائد الكتيبة ومساعده الرائد إميل جميعان.أما أنا فقد كنت برتبة ملازم أول،وكانت مهمة محمود أسهل لأنه أعلى رتبة،وله تجربة طويلة،وكان له معرفة مسبقة بالمهمة وهذا هو الأهم. ومع ذلك لابد من تنفيذ الأمر. وكان تحركنا لاحتلال أهدافنا هو الساعة الرابعة بعد ظهر يوم الجمعة.
استطاع محمود أن يقود بطاريتين من كتيبة مدفعية الميدان الثانية وينتقل بهما إلى مطار عمان العسكري. واستطعت أنا أن أقود كامل كتيبة مدفعية الميدان الأولى إلى هدفها (معسكر الزرقاء)، هاتان الوحدتان هما الوحيدتان اللتان تحركتا لاحتلال مواقع خارج معسكراتها كوحدات.
حدثت واقعة وحالة انفعال لابد من ذكرها هنا، أثناء عملية جمع جنود الكتيبة وتوزيع السلاح يساعد في ذلك الكثير من الضباط الشجعان أذكر منهم الملازم الأول عزمي مهيار، فوزي أبو نوار، وخالد أبو فرجه وغيرهم. وصل إلى الكتيبة مساعد قائد الكتيبة الرائد مصطفى الخصاونة فقال لي أحد الضباط إن مساعد قائد الكتيبة قد وصل، هل نعتقله؟ فقلت لا. ولكن دعني ألتقيه فجاءوا به إليّ، فحييته فقال لي بالحرف الواحد (ماذا تفعل يا عم؟) فقلت له (هللي إتشوفه)، فرد علي قائلاً: (هل تعرف عواقب ما تقوم به؟) فقلت له: (يا أبو زياد ماودها نصايح) إختار أحد أمرين: إما قيادة الكتيبة إلى واجبها أو الذهاب إلى بيتك،فرد قائلاً: لا يا عم أنا ذاهب إلى بيتي،فقلت (الله أيسهل عليك).أما الأمر الآخر فهو أن أكثر من شخص قال لي فيما بعد بقصد النيل مني أن وجهي كان أصفر خلال عملية السيطرة على الكتيبة. طبعاً مهما كانت إرادة الإنسان قوية ومؤمنة بالفعل الذي يقوم به فهو غير قادر على السيطرة على آلية جسمه التي تجعل الوجه أصفر أو أحمر. فهذا خارج عن الإرادة خاصة إذا كان ما يقوم به هي تجربته الأولى في عمل خطر وما كان يقلقني أكثر هو هل أستطيع تنفيذ المهمة بالكتيبة كاملةً أم لا!


ما بعد كلوب:
كان الفريق (كلوب) يعني ببساطة المعونة البريطانية للجيش في الأردن، وكان مقدارها في ذلك الحين كما يقال إثني عشر مليون جنيهاً إسترلينياً،وذهاب الجنرال كلوب المظهري الذي جرى يعني ذهابها والذين قرروا إعفاء كلوب يعرفون هذه الحقيقة، كما أنهم أيضاً يعرفون من أين يأتي البديل. أما الذين سقطوا في الفخ فهم بعض الضباط والسياسيين وأهم من الجانبين الوطن. لقد بدأت أمريكا تهيئة موضع قدم لها في الأردن، في زمن الملك عبد الله حينما شملته بمعونات النقطة الرابعة التي أنشأت بعض السدود السطحية لجمع المياه في البادية ورش بذور نباتات الرعي في هذه المناطق. وكان (كلوب) يحذر شيوخ العشائر الذين يزورونه أو الذين يزورهم في مضاربهم،قائلاً لهم يا (حبيبي) (هذه البذور اللي يرموها الأمريكان في البادية تطلع عشب يسم الطرش) والذين يعرفون من البديل للبريطانيين وهم السلطة ومن يلوذ بها، تجاهلوا أنهم يعرفون ذلك، ليضعوا المشكل أمام الناس ويخلقوا واقعاً صعباً من أجل القبول بالحلول المعدة .
الوضع في الجيش بعد الفريق كلوب :
إنني أكتب من الذاكرة بعد فترة طويلة من الحدث، وفي واقع لا تتوفر فيه المصادر، ولهذا فأنا غير دقيق في تاريخ الحدث ذاته، لكن مضمونه واضح في ذهني بل هو أكثر وضوحاً. عين اللواء راضي عناب رئيساً لأركان الجيش، واللواء راضي كان مساعداً لرئيس أركان الجيش للإدارة وكان قبل ذلك في الأمن العام، أحيل على التقاعد برتبة عقيد ثم أعيد للخدمة وعمل في رئاسة أركان الجيش، وحين أنهيت خدمات الضباط استلم بعض الضباط العرب مواقعهم ومن هؤلاء الضباط استلم المقدم علي أبو نوار كبير مرافقي الملك في حينه مديرا للعمليات في رئاسة الأركان خطوة على الطريق، وعين العقيد علي الحياري قائداً للفرقة والعقيد محمد المعايطه قائداً لسلاح المدفعية والمقدم محمود الروسان قائداً لسلاح الدروع. والرائد أحمد زعرور قائداً لسلاح الهندسة والرائد شوكت السبول مديراً لمشاغل الجيش وهكذا يكون تنظيم الضباط قد سيطر على أهم أسلحة الجيش. بقي اللواء راضي عناب رئيساً للأركان لفترة لا تتجاوز الثمانية أشهر، عين بعدها المقدم علي أبو نوار رئيساً لأركان الجيش، بعد أن رفع إلى رتبة لواء وفي معيته رفع كل الضباط الكبار في الجيش الذين كنا نطلق عليهم (ضباط كلوب) وكانوا جميعهم أعلى منه رتبة، رفعوا إلى رتبة أعلى وبأقدمية أدنى. وبهذه المناسبة لم يسرح من الجيش الأردني في حينه إلا عدد قليل جداً من الضباط لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين،لم يكن الفساد هو سبب تسريحهم ولكن كان ولاؤهم المفضوح. أما أبناء (الصحن) والذين تدل كنيتهم على منبت طيب فقد جاء عمهم عبد الرحمن الصحن مع كلوب من العراق - سرحوا جميعهم لقربهم منه (وقد أعيد كل من سرح من الخدمة إلى الجيش بعد أحداث نيسان عام 1957) خلال هذه المدة أي منذ تسلم اللواء راضي عناب رئاسة الأركان حتى تسلم اللواء علي أبو نوار ذلك المنصب .
وما تم خلال هذه المدة من إجراءات سلسة لم يظهر منها ما يقلق من كان متخوفاً،كانت هذه المدة كافية لتهدئة الخواطر،فبدأ رجال المرحلة الماضية إن كان في الجيش أو في الدولة يطلون برؤوسهم أولاً،ثم الحديث همساً بعد ذلك. وحين تولى اللواء علي أبو نوار رئاسة الأركان وبدا لهم أن لا جديد في نهجه. بدأ الحديث بصوت عال،أن لا أحد يحق له الادعاء بأي دور في عملية عزل الفريق كلوب سوى جلالة الملك. فلو أعطى جلالته أوامره إلى أي قائد وحدة في الجيش لنفذت أوامر جلالته. طبعاً هذا إفتراء على الحقيقة وواقع الأمر وهو كذلك قول غير صحيح بالمطلق يستطيع جلالته بموجب صلاحياته الدستورية ومن خلال مجلس وزرائه كما حدث بالضبط أن يعفي الفريق (كلوب) من الخدمة أما أن يأمر وحدات عسكرية بالتحرك لتنفيذ واجبات محددة، احتياطاً لعملية الإقالة (حتى وإن كانت عملية مظهرية قد يكون لها أهداف أخرى خارج الإسلوب الذي أتبع فهو محض افتراء) ولا يمكن أن يقوم بهذا الأمر إلا الملتزمون - هذا عدا عن أن (جلالة سيدنا) في تلك الفترة كان صغير السن قليل الخبرة والمعرفة في الجيش، ولم يكن في ذهن الضباط وخاصة الوطنيين (لأن بقية الضباط هم ضباط كلوب)، إلا صورة جلالته وكلوب - بتقدمه ليلقي كلمات في تجمعات للضباط أقيمت لهذه الغاية في حينه، من أجل أن يتحدث جلالته عن مميزات ومكاسب الدخول (في حلف بغداد).

المردود الإيجابي الذي تلقاه الملك حسين على هذه الخطوة:
فعلى الصعيد الداخلي إرتاحت الأوساط السياسية والشعبية ومن بينها الأحزاب التي كانت تمارس نشاطاتها السياسية سراً بدون مشروعية.ففي ذلك الحين لم يكن تشكيل الأحزاب السياسية مسموحاً به، واعتبرت هذه الأوساط أن عزل الفريق كلوب وتعريب الجيش هو خطوة مهمة تدعم الاستقلال الوطني للأردن. وتلقى الملك حسين مردوداً إيجابياً أكبر مما كان متوقعاً على الصعيد العربي فلقد أشادت الصحف والإذاعات العربية بهذه (الخطوة الجريئة)، وكان الإعلام المصري أطولها باعاً، فهو في تلك المرحلة إعلام مسموع ومقروء على كل المستويات الشعبية في الوطن العربي. مع إن قيادة الثورة في مصر كانت تعرف المرامي والأهداف الحقيقية لهذه المسرحية، ولكن كان في تقييمهم أن ذهاب (كلوب) والضباط الإنكليز من الجيش في الأردن مهماً ومفيداً لسياسة مصر العربية.
وبعد هذه الخطوة الهامة وطنياً، خطا العهد الجديد خطوة مهمة باتجاه بناء واقع سياسي جديد في الحياة السياسية الأردنية، تتوافق وتفكيره السياسي ونهجه الوطني (وذلك ضمن الصورة المراد تعميقها في أذهان الناس)، فلقد تقرر السماح بتشكيل الأحزاب السياسية تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة لمجلس النواب، بعد أن حل مجلس نواب عام 1954، ولكي يعطى الناس عامتها وخاصتها سياسيها ومثقفيها تصوراً مسبقاً عن نوعية هذه الانتخابات. فقد كلف السيد علي مسمار(رئيس محكمة التمييز) (وهو قاض مشهور بنزاهته) تشكيل حكومة الانتخابات هذه .
الانتخابات:
جرت الانتخابات بعد أن تشكلت الأحزاب، وأعطيت المهلة اللازمة والحق القانوني في الدعاية الانتخابية، بهدوء وبدون أحداث.وكان وزير داخلية حكومة الانتخابات هو السيد (عمر مطر)، وهو إداري قديم ووزير سابق لعدد من المرات ولم يكن تعينيه وزيراً للداخلية في حكومة الانتخابات دون هدف، بل من أجل ضبط نتائجها بإسلوب فني يتوافق ورؤية (صانع القرار السياسي). ففي هذه الانتخابات لم يسمح للجيش والأمن العام بالاشتراك فيها. وكان عدد أعضاء مجلس النواب في حينه أربعين نائباً موزعين بالتساوي بيمن فلسطين وشرقي الأردن. وكانت نتائج الانتخابات على النحو التالي:
أ- الحزب الوطني الاشتراكي 16 نائباً
ب- الحزب الشيوعي الأردني نائبين
ج- حزب البعث العربي الاشتراكي نائبين
د- الجبهة الوطنية نائبين
و- حزب التحرير الإسلامي نائب واحد

وكانت بقية الشخصيات مستقلة بينهم الأستاذ هزاع المجالي، وهو من شخصيات الحزب الوطني الاشتراكي التي فازت والأستاذ عبد الحليم النمر الحمود العربيات نائب رئيس الحزب والأستاذ حكمت المصري والأستاذ شفيق الرشيد،أما رئيس الحزب الأستاذ سليمان النابلسي فقد أخفق في الحصول على مقعد في مجلس النواب عن مدينة عمان ومثل حزب البعث العربي الاشتراكي الأستاذان عبد الله الريماوي وكمال ناصر وكلاهما عن منطقة رام الله وفاز الأستاذ فائق وراد والدكتور يعقوب زيادين عن الحزب الشيوعي الأردني. الأول عن منطقة رام الله والثاني عن مدينة القدس، وقد نجح الدكتور يعقوب زيادين الذي كان له عيادة طبية في المدينة وهو من بلدة السماكية في محافظة الكرك،من خلال تحالف قوي بين الأقلية الأرمنية وآل "نسيبه" إضافة إلى التأييد الكامل من الحزب الشيوعي. وقد مثل الجبهة الوطنية الأستاذ عبد القادر الصالح عن محافظة نابلس والأستاذ جودت المحيسن عن مدينة الطفيلة. أما ممثل حزب التحرير الإسلامي فقد كان الشيخ المجاهد (أحمد الداعوق) عن مدينة قلقيلية.
لقد كانت الانتخابات قياساً إلى انتخابات عام 1954 وكل ما سبقها من انتخابات جرت في الأردن، يمكن اعتبارها بحدود عالية نزيهة إلى حد كبير وتمثل الواقع في حينه وحدث التزوير في مواقع محددة وكان فنياً وغير واضح. أما الديمقراطية بمعناها العملي والتي تعني حكم الشعب بواسطة ممثليه (أو منتخبيه دون تزييف أو تزوير أو تدخل) والتي تجعل من مجلس النواب مصدراً لكل السلطات فأين نحن من ذلك، الجداول الانتخابية تملأ بالأموات، والدوائر الانتخابية تقسم حسب رؤية السلطة لمصلحتها إلى بدو شمال وبدو وسط وبدو جنوب، مدن المملكة الكبرى مثل عمان والزرقاء وفيهما أكثر من ثلث سكان المملكة تتساوى في التمثيل مع مدن ومناطق المملكة الأخرى، وحتى تصبح نوايا العهد الجديد الديمقراطية - جلية وواضحة للإنسان المسيس والعادي، استدعى الملك حسين الأستاذ سليمان النابلسي رئيس حزب الأكثرية وكلفه بتشكيل حكومته الديمقراطية، والأستاذ سليمان متخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت سياسي وطني بارز صار وزيراً اكثر من مرة، شكل في فترة أثناء حكم الملك عبد الله نقطة التقاء لبعض المثقفين في الأردن كان لها نشاط سياسي محدود يمكن اعتباره معارضاً في مرحلة ومهادناً في أخرى، ليس له عقيدة سياسية محددة وهو في حقيقته ابن الواقع غير القادر على تطويره وإنهاضه. ولا يمكنني أن أنسى أن هذا السياسي البارز الكريم جاهد جهاداً حقيقياً من أجل إطلاق سراحنا نحن البعثيين الأردنيين المسجونين في سورية (دون محاكمة) بعد تولي الفريق حافظ أسد السلطة، وسأذكر باحترام دائم أنه أمضى ليلة كاملة وهو مريض بالمرض الذي قضى به ينتظر مقابلة الرئيس السوري الذي كان يزور عمان،ليطلب منه إطلاق سراحنا،ولكن الرئيس السوري لم يستقبله وهكذا تجري الأمور في هذا الوطن (تهزل فيسومها كل مفلس) .







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-03-2010, 12:05 PM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

اللواء علي أبو نوار رئيساً للأركان:
تقاطر المهنئون من الضباط على معسكر العبدلي حيث كان يسكن اللواء علي، فاصطحبني شاهر، ومحمود المعايطة إلى عمان لتهنئة اللواء علي أبو نوار بالمنصب الجديد، وحين وصلنا إلى المنزل أدخلونا إلى غرفة الضيوف، فوجدناه ومجموعة من الضباط بينهم العقيد محمود الموسى مدير الاستخبارات العسكرية. سلمنا وباركنا للواء علي بالمنصب الجديد وجلسنا، وبدأ الجالسون يتحدثون إليه ويخاطبونه بقول (يا باشا)، وفجأة وبدون مقدمات سيطر عليّ غضب شديد، وأنا حينما تتملكني هذه الحالة، أقول ما يدور في نفسي دون تردد مهما كانت مخاطر هذا القول شديدة، والذي أثار هذا الغضب في نفسي هو السؤال الذي أثقل علي من وحي الواقع، وهو هل تقزمت قضيتنا التي كانت كبيرة في وعينا إلى هذه الحصيلة الرخيصة! استبدال (كلوب) بعلي أبو نوار، فكشفنا حقيقتنا لمخاطر مقبلة ليس أشخاصنا بل قضيتنا التي من أجلها عرضنا أنفسنا لمخاطر التنظيم في الجيش. فقلت مخاطباً رئيس الأركان وكنت في حينها برتبة (نقيب) قلت: لقد كلفنا ترفيعك إلى رتبة لواء ومن ثم رئيساً للأركان، كلفنا الكثير، فجميع الضباط الكبار في الجيش ضباط العهد السابق ترفعوا في معيتك وهم قبلوا أقدميتك وموقعك على أن يبقى كل منهم في موقعه في الجيش. فوجم الحضور وأصبح الصمت مطبقاً. فبادر هو وقال: دعونا ننتقل إلى نادي الضباط. (وقد تخلص من الإحراج بأسلوب ذكي، واللواء علي لا ينقصه الذكاء) وحين خروجنا نادى علي وقال تعال: اركب معي. ركبت إلى جانبه وقاد هو السيارة ولم يركب معنا أحد، بقي صامتاً حتى خرجنا من المدينة. وحينها التفت إليّ وسأل ما معناه. ماذا تريد؟ فأجبته دونما تردد أو تحسب. لأنك حينها تواجهه بحقيقة فهمك وتقول له ما قلته، عليك أن تكون واضحاً وصادقاً في ردك على سؤاله الذي نتج عن واقع أنت أثرته. فقلت له: هل تظن أننا أوجدنا تنظيماً في الجيش الذي يقوده ويموله الإنكليز من أجل عزل (كلوب والضباط الإنكليز). إننا قمنا بذلك من أجل إلغاء هذا الكيان الذي نعتقد أن لبريطانيا دوراً وهدفاً في وجوده. ولم يجبني حينها بحرف، ولكنه أجابني على هذا السؤال بعد أربعة عشر عاماً من هذا التاريخ.وكان الواقع ومعطياته قد تغيرا كثيراً، وقد استقرت طموحاته. وجاء هذا الرد على مائدة غداء ولي العهد الأمير حسن بعد خروج المقاومة من الأردن إثر الصراع المسلح الذي قام بين النظام والمقاومة في أيلول وخروج المقاومة إثر ذلك من مدينة عمان. عدنا إلى عمان تحت علم بعثة الجامعة العربية برئاسة الباهي الأدغم للتفاوض. وبعد جلسة المفاوضات الأولى مع رئيس الوزراء في حينه السيد وصفي التل ووفده. قال لنا: أننا وإياكم مدعوون للغداء على مائدة ولي العهد – نائب الملك في حينه، في قصره الذي يجاور قصر بسمان، وحينما حان الوقت ذهبنا (الوفدين) معاً في رتل واحد. وأذكر من المدعوين في حينه السيد سعيد المفتي الذي أقبل علي يتحدث معي وكنت التقيته في القاهرة،في إحدى دورات المجلس الوطني،وقد كان مدعواً لحضوره،وكذلك اللواء علي الذي فارقته مديراً لشركة الفوسفات. وأثناء تناولنا الطعام وكنت أقف ورئيس الوزراء على (منسف واحد) رأيت اللواء علي يقف بجانبي ويقول لي بصوت عال (إمغلب حالك ودَك وحدة عربية، ما في وحدة عربية)، فاستهجنت الأمر ولم أجبه بحرف، لأنه بعد أن قال كلمته مشى ولم ينتظر ردي. لماذا لم يقل لي اللواء علي هذا الكلام حين سألني ذلك السؤال قبل أربعة عشر عاماً. وكنت حينها في متناول يده،لأنه ببساطة كان اللواء علي حينها يطمح أن يلعب دوراً سياسياً قيادياً على الساحة الأردنية، بوجود الملك وبإرادته أو بغير إرادته، أو حتى بدون وجوده، ولذلك صمت عن إجابتي على تساؤلي في ذلك الحين، منتظراً أن تتاح له الفرصة المناسبة للاستعانة بهذا المتطرف! طبعاً هذا اجتهاد يخضع للنقد وللنقض، فاللواء علي لعب دوراً شديد الغموض. هل كان دوراً مرسوماً أم دوراً فرضه الواقع؟ لا أحد يستطيع أن يجلو الحقيقة إلا اللواء علي-رحمه الله- والملك حسين .
المقدم محمود الروسان :
لم أتعرف على المقدم محمود الروسان إلا بعد أن تسلم قيادة اللواء المدرع بعد إقالة (الفريق كلوب)،إلا أنه كان ضابطاً معروفاً في الجيش الأردني وعمل في حرب عام 1948 أركان حرب الكتيبة الرابعة مشاة المشهورة في باب الواد،تحت قيادة المقدم حابس المجالي وكان برتبة ملازم أول آنذاك. التقاه شاهر أبو شاحوت وهو برتبة رائد يعمل ركن أول للواء المشاة الثاني ودعاه إلى التنظيم، فلبى الدعوة بلا تردد وجاء بقلم وورق وبدأ يرسم خطة الإطاحة بالنظام، هذا الاندفاع حد التهور أخاف قيادة التنظيم وخاصة المتنفذين فيه آنذاك،فقطع الاتصال معه منذ ذلك الحين. وقد أرسل إلى واشنطن ملحقاً عسكرياً في السفارة الأردنية هناك في نفس التاريخ الذي أرسل فيه الرائد علي أبو نوار إلى باريس. لقد أصاب المقدم محمود الروسان هياج غاضب لتعيين المقدم علي أبو نوار رئيساً للأركان بعد ترقيته إلى رتبة لواء، وقد اعتبر نفسه أحق بهذا الموقع من المقدم علي أبو نوار،فهو أقدم منه ويتميز عنه أنه من قيادة تنظيم الضباط. وكان لقيادة التنظيم دور في تسلم المقدم محمود الروسان قيادة السلاح المدرع أقوى أسلحة الجيش،ظانّة أنها بذلك ستصبح في المركز الأقوى تماماً. حاولنا جاهدين أن نقنعه أن قيادة التنظيم ليس لها علاقة إطلاقاً بتعيين اللواء علي رئيساً للأركان، فالذي عينه هو الملك، ولو كان اللواء علي عضواً في قيادة التنظيم لكان في وجهة نظره بعض الحق. وقد قلت له هذا القول شخصياً حين التقيته في قيادة السلاح المدرع،إلا أن أبو زياد -رحمه الله- كان على ما يظهر يستعجل الأمور، تدفعه قوى كان لها أهداف في خلق انقسامات في صفوف تنظيم الضباط وفي الجيش. ولذلك قام بعملية حمقاء هدفها ما ذكرت. ففي إحدى الأمسيات كنت أقف مع محمود المعايطة في الشارع الذي تقع على جانبيه بيوت سكن ضباط سلاح المدفعية أقرب إلى منزله من منزلي وكانت الساعة حوالي العاشرة ليلاً،وكنا نتحدث قبل أن نفترق،وأثناء وقوفنا تقدم منا شخص،وحين أصبح بيننا رفع يده إلى الأعلى وأطلق اطلاقة واحدة من مسدس يحمله وانحرف هارباً، ولم تترك السرعة التي حدثت بها الواقعة وكيفية حدوثها مجالاً لا للرعب ولا للمبادرة من أي نوع. وقدرت أن المقصود بعملية الإرهاب هذه هو محمود. لم نقل كلمة واحدة حول هذا الأمر بعد أن عرفنا صاحب هذا الفعل. وكان الوكيل في الجيش ماجد الروسان شقيق المقدم محمود الروسان.
(بعد الإفراج عني من سجن المزة في دمشق)، وبعد سنتين من هذا التاريخ، التقيت محمود أكثر من مرة. وفي إحدى هذه المرات كنا مدعوين على الغداء والداعي،هو رفيقنا عزمي مهيار روى محمود الواقعة بشكل مختلف مكاناً وقال أنها حدثت قرب منزل عزمي تخللها بعض العراك وانتزاع المسدس وايده عزمي في ذلك وروايتي هي الأصح. هذا الاتجاه الذي سار عليه المقدم محمود الروسان في التفكير والفعل قاده إلى التآمر مع مجموعة من الضباط المسرّحين من الخدمة، وحين اكتشاف (التآمر) اعتقل المقدم محمود الروسان هو وكل من معه، وشكلت لهم هيئة تحقيق من أجل تقديمهم للمحاكمة،وقبل أن تنتهي هيئة التحقيق من تحقيقاتها أفرج عن المقدم محمود الروسان ومن معه وأرسل إلى واشنطن ليعمل في سفارة الأردن هناك .
حكومة سليمان النابلسي:
شكل الأستاذ سليمان النابلسي أول حكومة في تاريخ الأردن السياسي بصفته رئيساً لحزب الأغلبية في مجلس النواب. وكانت حكومة ائتلاف وطني ضمت بالإضافة إلى الحزب الوطني الاشتراكي، البعثيين والجبهة الوطنية. وكانت حكومته تستند إلى تأييد اثنين وعشرين نائباً عدا عن بعض النواب المستقلين. وأبرز وزراء هذه الحكومة هم السادة : -
- عبد الحليم النمر الحمود نائب رئيس الوزراء.
- وشفيق الرشيدات .
- وعبد الله الريماوي .
- وعبد القادر الصالح.
وتولى السيد حكمت المصري رئاسة مجلس النواب.والحزب الوطني الاشتراكي الذي كان يرأسه الأستاذ سليمان النابلسي، يتشكل من أعيان الضفتين، ويمكن تصنيفه (ماركسيا مطعماً بالبرجوازية الوطنية). وهؤلاء السادة الذين ذكرتهم وغيرهم في الحكومة، يعتبرون في حينه أبرز الوجوه الوطنية سياسياً في الأردن.
وحينما باشرت حكومة السيد سليمان النابلسي مسؤولياتها كانت المهام الصعبة التالية في مواجهتها : -
أ - تراث النفوذ البريطاني المتمثل بالمعاهدة البريطانية الأردنية، والمعونة المالية للجيش الأردني.
ب - الواقع العربي المجزأ والوضع الإقليمي المضطرب.
ج - الوضع الداخلي.
أ - المعونة البريطانية :
هل كان بإمكان الأردن الاستغناء عن المعونة المالية البريطانية وكذلك البديل عنها (أي المعونة الأمريكية) ؟ فأقول نعم. ولكن ليس بواقعه الذي كان عليه أو أسلوبه الذي سار إليه – وكنت أعي هذه الحقيقة حتى في ذلك الحين. كانت معونة بريطانيا اسماً إثني عشر مليون جنيه إسترليني، تدفع للفريق كلوب، لا يتدخل في كيفية صرفها أحد لا حكومة الأردن ولا أية شخصية فيها. فمن المؤكد أن الذي يُصرف من هذه المعونة في الأردن، هي رواتب أفراد الجيش والأمن العام. ولأن منتسبي الجيش والأمن العام في ذلك الحين، هم ما بين عشرة آلاف واثنتي عشر ألفاً في أعلى تقدير، وسأحدد من خلال الهيكل التنظيمي للجيش عدد أفراد الجيش إلى أقرب ما يمكن من الدقة. يتكون الجيش الأردني في ذلك الحين من فرقة مشاة وأسلحتها المساندة، ثلاثة ألوية مشاة ولواء مدفعية، مؤلف من ثلاث كتائب ميدان وكتيبة (بوفر ضد الجو)، وسلاح مدرع يتكون من كتيبتي مدرعات حقيقية وكتيبة هندسة ميدان وكتيبة اتصالات،وسرية نقليات الفرقة. ومجموع هذه الوحدات هو سبعة عشر كتيبة،إضافة إلى كتيبة دبابات لم يكن بدأ تشكيلها بعد. ولما كان معدل موجود الكتيبة، هو دوماً بين الثلاثمائة وخمسة وسبعون عنصراً وجميعها أي الكتائب كان تعداد أفرادها دون المستوى المقرر أيام الحرب ورقم 375 هو رقم مقبول جداً، وبذلك يكون موجود عناصر الفرقة المسلحين هو ستة آلاف وثلاثمائة وخمسة وسبعون عنصراً يضاف إلى هذا الرقم العناوين التالية:
1- قيادة الجيش 2- الانضباط العسكري 3- الطبابة
4- مشاغل الجيش 5- المستودعات 6- مركز تدريب العبدلي
7- قيادة الفرقة 8- قيادات الألوية والأسلحة المساندة

وهذه العناوين لا يتجاوز تعداد منتسبيها ألفاً ومائتي عنصر، وبهذا يصبح تعداد الجيش الأردني سبعة آلاف وسبعمائة وخمسة وسبعون عنصراً،وحتى نجعل الرقم بالآلاف نقول ثمانية آلاف عنصر، يضاف إلى هذا الرقم ثلاثة آلاف فرد هم منتسبو قوى الأمن، ليصبح حينها الرقم أحد عشر ألف عنصراً منتسباً للجيش والأمن العام الذين يتسلمون رواتبهم من المعونة البريطانية. وإذا ما أخذنا معدل الرواتب الذي لا يمكن أن يتجاوز خمسة وعشرين ديناراً، لان الملازم الأول والذي يعيل زوجة وطفلين ويضاف إلى راتبه بدل إطعام، لا يتجاوز راتبه اثنين وعشرين ديناراً في ذلك الحين، وهذا كان راتبي في ذلك الحين. فتكون رواتب منتسبي الجيش والأمن العام في حينه ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف دينار. يضاف إلى هذا الرقم الملابس، لأن الإطعام يدخل ضمن الراتب أضف إلى هذا الرقم 300.000 آلف دينار (ثلاثمائة آلف دينار) هي اللباس والصيانة والمحروقات ليصبح المبلغ حينها المبلغ الاجمالي ثلاثة ملايين وستمائة ألف دينار أردني، وحتى لا يقول أحدهم أن هناك محاولة تهزيل الأمر، نقول أن ما يصرف من المعونة البريطانية في الأردن هو أربعة ملايين جنيه إسترليني، وهذا يجعل المصروف في الأردن بالدينار الأردني أعلى من الرقم المذكور.
أما المساعدات أو الرشاوى التي كان يمنحها الفريق (كلوب) لشيوخ العشائر، فكانت تأتي من الاقتطاعات من الراتب التي تأتي بسبب العقوبات المقتطعة من رواتب العناصر المعاقبة. أما ثمن الأسلحة التي يتم توريدها للجيش الأردني فهي في حينه من مخلفات الحرب العالمية الثانية المكدسة. فهم إن لم يبيعوه لمن هم مثلنا ويأخذوا ثمنه وتنقله بواخرهم بأجر، فلابد أن يرموه في البحر ويدفعوا تكاليف ذلك.
هل كان يمكن تدبير هذا المبلغ من مصادر أخرى غير أمريكا؟ أقول نعم إن اتجاهاً وطنياً معززاً بالديمقراطية كان بالتأكيد قادراً على ذلك، وهناك مصدر أردني ثابت. شركة (التاب لاين T. A.P Line )، والتي لا أعرف كم كانت تدفع للخزينة الأردنية، ولكنني أعرف واقعة وهي أن السيد سمير الرفاعي الذي كان في حين توقيع الاتفاقية، رئيساً للوزراء قبل برقم معين عن مرور كل برميل للنفط، بينما طلب السيد (Living-stone) (ليفغستون) مدير الأراضي والمساحة في الأردن في ذلك الحين والذي كان عضواً في وفد المفاوضات مع شركة (التاب لاين) الأمريكية، من الشركة ثلاثة أضعاف الرقم الذي قرره رئيس الوزراء، طبعاً لم يكن موقف السيد (Lvining-stone) نابعاً من حبه للأردن، ولكنه نابع من كرهه للنفوذ الأمريكي، ومع ذلك فاذا كان الرقم الذي طلبه السيد ( ليفنغسون ) عالياً، فإن الرقم الذي وافق عليه رئيس الوزراء متدني جداً. وكان السيد سمير الرفاعي يستلم من الشركة مبلغاً قدره خمسة آلاف دينار سنوياً،لا أعرف بأية صفة،والعرب قادرون على مساعدة الأردن إذا ما أحسن القيام بسياسة ثابتة تستند إلى عدم الدخول أو خلق محاور ضارة في الواقع السياسي العربي، وأن لا يكون ممراً ولا مستقراً للنفوذ الصهيوني والاستعماري، والاستناد إلى واقع داخلي ( أساسه حرية المواطن وديمقراطية المجتمع )، إلا أن هذا الواقع يحتاج إلى نظام قادر على تحمل مسؤولية هذه السياسة واتجاهاتها .
تأميم قناة السويس:
في الذكرى الثالثة للثورة وفي الخطاب التقليدي الذي ألقاه الرئيس عبد الناصر في الإسكندرية، فاجأ عبد الناصر العالم خاصة دولتي (الاستعمار القديم) (بريطانيا وفرنسا)، بإعلانه تأميم ( قناة السويس ) رداً على سحب بريطانيا وأمريكا موافقتهما على أن يقوم البنك الدولي بتقديم قرض لمصر للمساعدة على بناء سد أسوان. وهذا الإجراء كان تبريراً موضوعياً في ظرفه، لأن إعادة القناة إلى أهلها لابد أن تكون على رأس أولويات عبد الناصر الوطنية. وقد وقع هذا النبأ وقوع الصاعقة على قادة بريطانيا أولاً، وعلى فرنسا ثانياً، ووقع على نفس الإنسان في الوطن العربي المقهور في حينه من هذين المستعمرين برداً وسلاماً.
اضطرب جو السياسة الدولية اضطراباً شديداً، وصمم البريطانيون ومعهم الفرنسيون (التي كانت دوافعهم لعداء مصر مختلفة)، فصمموا على عدم تمكين مصر وعبد الناصر من الفوز، وظنوها فرصة لابد من اغتنامها لإعادة التاريخ إلى الوراء، فنسقوا جهودهم السياسية في المراحل الأولى من الأزمة ومن بعد جهودهم العسكرية. وقد حاول ( دالاس ) وزير خارجية أمريكا تهدئة حلفائه بطرح مشاريع تسوية، تمتص الاندفاع البريطاني والفرنسي، إلا أنها فشلت جميعاً لأن الأمر بالنسبة إلى بريطانيا وفرنسا (الخط الأحمر)، ولابد من الوقوف والقتال للدفاع عن واقعهم القديم كدولتين عظميين. وهكذا بدأتا بتخطيط عسكري مشترك، هدفه احتلال قناة السويس وإسقاط عبد الناصر،وكان رأس الحربة في هذا المشروع العسكري والسياسي هو الكيان الصهيوني الذي أوجدوه لمثل هذه المهمات.
لقد كان واضحاً أن بريطانيا مصممة على قتال عبد الناصر واستعادة نفوذها على قناة السويس وفي مصر، ففي عشاء أقامه مدير كلية الأركان في الجيش الأردني (وهو بريطاني )، وكنت أحد المدعوين إلى هذا العشاء، أقف بعيداً وأحد رفاقي الضباط، تقدم نحوي القائم بالأعمال البريطاني الذي كان مدعو،أيضاً تقدم قاصداً بالتأكيد أن يُسمعني ما يريد قوله،قال بوضوح وبدون دبلوماسية، أن بريطانيا العظمى ستقاتل من أجل حقوقها في قناة السويس إذا أصر الرئيس عبد الناصر على قرار التأميم.
واجه هذا التطور، حكومة الأستاذ سليمان النابلسي في بداية تسلمها مسؤولياتها. وبناءاً على الاتفاقيات السياسية والعسكرية المعقودة بين مصر والأردن، والمعلومات الواردة إلى المخابرات العسكرية، بأن إسرائيل قد استدعت الاحتياط. استنفر الجيش الأردني وتوجهت معظم وحداته إلى الضفة الغربية في فلسطين، واحتلت رئاسة الأركان موقعاً متقدماً لها في منطقة (صويلح)، أما قيادة الفرقة فقد احتلت مواقع لها في (طيبة رام الله)، وكان اللواء الثاني (مشاة) الذي كان يقوده في حينه العقيد راضي الهنداوي، ويرأس أركانه الرائد عبد الرحمن العرموطي، تأخذ قيادته موقعاً لها في (عين سينا ) وتحتل بعض كتائبه مواقع لها في سلسلة هضاب (النبي صموئيل ) التي تشرف على القدس من الشمال الغربي، يساند هذا اللواء كتيبة مدفعية الميدان الثانية يقودها الرائد محمود المعايطه ويساعده النقيب ضافي الجمعاني،وكانت الكتيبة تعسكر في أخر الوادي حيث يتسع المنحدر (من بيرزيت - عين سينا )، ولم تكن الكتيبة في حينه لا في واقع الاستعداد ولا حتى الانتشار. كم بقينا هكذا لم أعذ أذكر، ولكنها الفترة التي سبقت الهجوم على مصر ،وكنا نمضي الليالي نلعب الورق عند عبد الرحمن في قيادة اللواء، إلى أن بدأ الهجوم الإسرائيلي على مصر. حين أعلنت "إسرائيل" أن قواتها تقاتل على ضفاف قناة السويس، والحقيقة أنها أنزلت مظليين قرب القناة من أجل إعطاء المبرر لدول العدوان لتوجيه الإنذار سيء الصيت للمتحاربين لوقف القتال وسحب قواتهم مسافة حددها الإنذار، أي أن تسحب مصر قواتها من أراضيها إلى أراضيها وتسحب "إسرائيل" قواتها من أرض مصرية إلى أرض مصرية. (وهكذا هم المستعمرون يخلقون الواقع بالقسر ويعتبرونه حقيقة تخدم أهدافهم. وطبعاً رفضت مصر الإنذار، وحينها بدأ الهجوم البريطاني- الفرنسي، الذي كانت إسرائيل طليعته وانتظرت أن يقوم الجيش الأردني بفتح جبهة ضمن إمكاناته،لكن ذلك لم يحدث ولم يكن هناك ما يدل هذه النية.
تذكرت حينها حرب عام 1948 حينما كان الحكام العرب يتآمرون على بعضهم البعض وعلى القضية الفلسطينية مع الإنكليز وبعضهم مع اليهود، وتذكرت كذلك حصار (الفالوجة ) المشهور، حينما كان الجيش المصري محاصراً والجيش الأردني قريب منه في منطقة الخليل، ولم يقدم له أي عون سوى إرسال ضابط بريطاني ليقدم لهم عرضاَ، وهو أن ينسحبوا عبر الأراضي الفلسطينية التي يسيطر عليها الجيش الأردني،وتركون أسلحتهم الثقيلة غنيمة للجيش العربي ومثل هذا العرض قدمه اليهود لانسحاب الجيش المصري، إلا أنه رفض مع أن الطريق إلى سيناء ومن ثم مصر كان أسهل و أقرب .
تحدثت إلى محمود في هذا الأمر وذكرته بهذه الحقائق والتي تكررت الآن وكان لدى محمود نفس الشعور،فاتفقنا أن نذهب للقاء قائد الفرقة اللواء علي الحياري،فذهبنا سوية إلى قرية الطيبة وفور وصولنا طلبنا مقابلته،خرج إلينا من (الكرفان) الذي يقود منه وحداته، وفور وصوله إلينا واجهته دون مقدمات،قائلاً: إننا نترك مصر تقاتل لوحدها وكأنها ليست جزءاً منا، وكأنه لا يوجد بيننا وبينها مواثيق. إنني سأطلق نيران كتيبة مدفعية الميدان الثانية على القدس وأجبركم على دخول الحرب،فانزعج جداً وقال لي: انتظر،ودخل مقر قيادته، وعاد وفي يده ورقة ومدها إلي وقال: اقرأها إنها برقية من عبد الحكيم عامر يطلب إلينا فيها عدم التدخل بالقتال الدائر لأن هذا التدخل سيضر بقضية مصر. هم يطلبون منا ذلك وهم القيادة العليا. لم أتناول البرقية لأقرأها لأن الصدق كان واضحاً على وجه اللواء علي (وأبو صخر لا يكذب ).
عدت ومحمود المعايطة وجلسنا على صخرة نبكي، وفي المساء سمعنا الإنذار السوفيتي الشهير،فوقفت قائلاً (عاش الاتحاد السوفيتي صديق الشعوب الضعيفة) وما أن أعلن عن قبول وقف إطلاق النار وبدأت الجيوش الغازية بالانسحاب من أراضي مصر، حتى انسحب الجيش الأردني إلى معسكراته التي تقع في الضفة الشرقية ما عدا الوحدات المعطي لها واجبات في الضفة الغربية .
عبد الناصر وتأميم قناة السويس:
لا شك أن الرئيس عبد الناصر قام بعمل عظيم حيث اعاد لمصر رمزاً من رموز تضحياتها، فالأهرام والقناة يشكلان الشاهد الحي على التضحيات الجسيمة التي بذلها إنسان مصر على مدى تاريخه العريق. لقد حقق عبد الناصر إنجازين كانا يمثلان كل التراث الاستعماري على مدى قرن كامل وهما إجلاء القوات البريطانية عن أرض مصر وثانيهما استعادة حق مصر الكامل في قناتها. ولسوء حظ مصر أنها لم تستطع الحفاظ على ما حققه عبد الناصر لماذا؟ لأن الرئيس الراحل لم يهيئ الأداة التي تتصدى وتتحمل معه هموم مصر وحملها الثقيل والحفاظ على ما أنجزه، والأداة الوحيدة القادرة على ذلك هو الشعب المنظم الواعي والمؤمن بما يقوم به، تقوده طليعة متحررة واعية لمهماتها المرحلية والإستراتيجية. والرئيس الراحل لم يكن قادراً على فعل ذلك في تلك المرحلة لا من حيث وسطه الذي تكون فيه ولا من حيث أداته التي قامت بالثورة. لقد وعى هذه الحقيقة خلال مساره الطويل التجريبي، ولكن بعد أن أنهكته الأحداث. والرئيس الراحل لم يكن الوحيد من قادة العالم الثالث في مرحلة التحرر الوطني الذي آل ما بنوه إلى انتكاس ( مع الفارق الجدي بين مهمة عبد الناصر ومهام الآخرين وبين ما تعرض له عبد الناصر وما تعرض له الآخرون)،لقد كانت معركة مصر بقيادة عبد الناصر، هي معركة الأمة العربية وهي معركة مصير بالنسبة للاستعمارين القديم والجديد وحليفتهما الصهيونية العالمية، ولهذا يستحيل إنجاز مرحلة تحرر الأمة العربية خلال مسيرة بطل واحد من أبطالها ضمن الواقع الدولي والعربي الآن وحين ذاك.
إن الرئيس الراحل هو بطل مرحلة من مراحل نضال هذه الأمة على طريق تحررها،ولا يمكن لأية أمة مثل الأمة العربية لها من الأعداء مثل هؤلاء الأعداء الذين يسيطرون على العالم، وفي واقع مثل واقعها في حينه وحتى الآن أن تحقق أهدافها في التحرير والوحدة إلا بتكاثر أبطالها وتضحياتها جيلاً بعد جيل، ومرحلة إثر مرحلة ليتراكم تراثها النضالي فكراً وفهماً وممارسة ويصبح مناراً واضحاً يهدي الأجيال المتعاقبة إلى الطريق الذي سيقودها إلى أهدافها.
التقيته (يرحمه الله) قبل رحيله عن هذه الدنيا بأشهر في معية الأخ ( أبو عمار) ياسر عرفات إثر المظاهرات التي جرت في عمان ضد قبوله مبادرة (روجرز)،وقد أساءت إليه بعض التنظيمات الفلسطينية، وما أكثر المشبوهين في فصائل الثورة الفلسطينية. التقيناه في استراحة المعمورة في الإسكندرية. هذه الاستراحة الصغيرة والبسيطة على شاطئ المتوسط إلى الشرق من (قصر رأس التين ) وكنا، أبو عمار والمرحومين أبو أياد وأبو الهول والمرحوم الأستاذ إبراهيم بكر وأبو اللطف وأنا. وقد قادنا ورافقنا بهذه الزيارة الأستاذ محمد حسنين هيكل. وصلنا إلى الاستراحة عصر أحد الأيام ودخلنا غرفة جلوس صغيرة في الطابق الأرضي لا تتسع لأكثر من عددنا،بها أثاث بسيط،(صوفا في الصدر وعلى جانبيها ثلاث مقاعد). جلس أبو عمار والأستاذ محمد حسنين هيكل على الصوفا وصلاح خلف (أبو أياد) والأستاذ إبراهيم بكر إلى اليمين. وهايل عبد الحميد (أبو الهول) (وأبو اللطف) فاروق القدومي وضافي الجمعاني إلى اليسار. انتظرنا أقل من عشر دقائق قبل أن يصل إلينا ولما دخل علينا قال باسماً: (كنت أمرن نفسي) وكان يعني أنه كان يمرن نفسه على ضبط الأعصاب. وهو معروف بحساسيته تجاه الرأي العام العربي وخاصة الفلسطيني. كان يلبس قميص (نص كم). وضع كرسيه في الوسط بمواجهة أبو عمار والأستاذ محمد حسنين هيكل، وكان لا يمكن أن يراني دون أن يلتفت.تحدث إليه في هذه الجلسة أبو عمار ومن بعده أبو أياد وتحدث بعد ذلك الأستاذ إبراهيم (لا أذكر حقيقة ما قالوه،لأن الأحاديث العادية لا تعلق في الذهن،إلا أنه كان حديثاً يدور حول الثورة الفلسطينية وظروفها الصعبة. وبعد أن أنهوا حديثهم تحدث هو قائلاً:أنا قبلت مبادرة ( روجرز )، وقبولي لها ليس ( تكتيكاً سياسياً ) لأن نسبة فشل هذه المبادرة وحل المشكلة سلمياً هو 99% وقبولي بها لا يلزم المقاومة الفلسطينية ولا يضر بأهداف نضالها، وموقف مصر من المقاومة الفلسطينية هو التأييد المطلق لها وأقول لكم صادقاً أنني مؤمن بأنما أخذ بالقوة لا يستعاد إلا بالقوة،ولذلك ليس هناك ما نختلف عليه وهذا أهم ما جاء في حديثه. وبعد أن أنهى حديثه، طلبت الحديث قائلاً: تسمح لي سيادة الرئيس فاستدار باتجاهي فقلت أنا سعيد أنني في مصر (وكنت صادقاً في ذلك) فأرتاح لهذا القول، قلت: أن في مصر نظاماً وطنياً لابد له أن يستعيد أرض مصر ولو بالقوة. وكذلك يتعلق الأمر بسورية (وكنت هنا مخطئاً ) أما نحن في الأردن فاستعادة الأرض بالقوة تعني انتصارنا،وهذا النصر ليس من مصلحة النظام السياسي الأردني. فالتفت إلى الأستاذ هيكل وقال له: (جاوب يا هيكل) وعاد وتوجه إلي ثانية قائلاً: خذوا النظام. تناولنا العشاء معه وكان قد شكا أكثر من مرة أثناء عشائنا وجلوسنا معه. بعد خروجنا التفت أبو عمار إلى الأستاذ هيكل قائلاً له: إن الزيارة لم تكتمل ولم أفهم أنا لماذا لم تكتمل الزيارة. وفي صباح اليوم التالي زارنا الأستاذ هيكل في مقر إقامتنا بالإسكندرية وتحادث مع بعض الأخوان وقال لي،إن الرئيس استغرب أن تكون بعثياً، فأجبته قائلاً أنا بعثي أصيل. بعدها قال إن الرئيس ينتظرنا فلنذهب. ذهبنا والأستاذ هيكل ولما وصلنا الاستراحة وجدنا الرئيس بالفعل بانتظارنا،فجلسنا معه ومن بعض ما قاله، إن مهمتي تنتهي حينما استعيد لمصر أرضها.فسألته بعد هذا الذي قاله وماذا ستفعل ؟ قال بتصميم (حسيب،حمشي) التقطنا صوراً معه وعند ذاك عرفت معنى قول أبو عمار (أن الزيارة لم تكتمل) يرحمه الله وعوضنا بمثله







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 02:43 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط