يقدم المترجم هنا رأيا تدميريا ..
((_ وقد يكون من نافل القول أو البديهي أن يقال : أن تطور اللغة مشروط بتطور الحضارة . لكن ما قد يكون أقل بداهة هو عكس هذه المقولة , والقول أن تطور الحضارة مشروط بتطور اللغة , بثورة لغوية , بتفجير للبعد اللغوي لعملية التغير والتطور الثقافية_الحضارية .
ولن يتم هذا التفجير , في تصوري , إلا بالمغامرة الرائدة , بالجرأة لا على نقل الفكر من العالم وحسب بل على اللغة أيضا , على بناها العميقة والسطحية , وعلى مكوناتها الصوتية , والمورفولوجية , والنظمية , جرأة تهدف في النهاية إلى انجاز جوهري هو توسيع اللغة .
وتوسيع اللغة ليس شرطا يخيف , بل انه شرط أساسي لتطور اللغة في مراحل الصدام الحضاري , شرط حققته العربية في عصر اصطدامها الأول بالحضارة العالمية , اليونانية والفارسية والهندية .
فقد كان المترجم العربي في تعامله مع اللغة أكثر جرأة على بنيتها ونظامها .
وقد يكون صعبا على التصديق الآن أن مصطلحات ومفاهيم بسيطة شائعة , حتى ضمن علوم أساسية كعلوم اللغة , كانت حين ظهرت , أي حين جرؤ المترجم العربي على اقتحام بنية اللغة وصياغتها , تمثل اختراقا للقوانين اللغوية الصارمة , وجرأة على الابتكار والتطوير .
(وهذه الفقرة أيضا , من المترجم , تحتاج لنص موازي يلي) . المجموعة )) .
لنلاحظ أولا المصطلحات التالية :
تفجير اللغة , المغامرة الرائدة , توسيع اللغة , بناها العميقة , الصدام الحضاري ..!!
الاستعمار ليس مؤامرة , وليس طبيعة حضارية أيضا .
هو الشكل الغربي "للحل الأسهل" لثلاثية الثورة الصناعية الثابتة : المواد الأولية , الأسواق , البيئة الآمنة "المستقرة" .
فلسفة هذا "الحل" ( تبرير الاستعمار ) لم تتوقف عند حدود معينة بل تجاوزتها إلى بنية العقل الغربي وإعادة تشكيلها استعماريا , وما هو أوسع من ذلك , تشكيلها إنسانيا .
في العمل الأكاديمي المستمر والمتواصل غربيا , وهو "عمل ثقافي" , بمعنى السوية الأقل من "العمل الفكري" , لسبب , العمل الثقافي يهدف إلى , أو يسعى إلى جواب على سؤال , ولو كان السؤال يتراوح بين , ما هو الحب ..؟؟ , وصولا إلى , ومن هو الله ..؟؟ .
أما العمل الفكري , فينطلق من جواب , أو تعريف , أو إحساس , فطري أو غريزي أو بسيط , ويتوسع أو ينمو إلى أسئلة معقدة , أنا حر , ما هي الحرية ..؟؟
إذا العمل الأكاديمي الثقافي الغربي المتواصل والمستمر , بسبب استمرار وتواصل الاتجاه الاقتصادي الغربي , إلى اعتماد "الحل السهل" لثلاثية اقتصاده "الاستعماري" , واستمرارية إنتاج الهيمنة بمعنى الاستشراق أو الأمركة اللاتينية أو الأفرقة , فلسفة الاستعمار الجغرافية ..
كان لا بد أن تتطور "تبريريا" , من , القصور الإنساني الفيزيولوجي , لسكان المستعمرات , إلى القصور الحضاري , إلى القصور العقلي , وصولا إلى القصور الديموقراطي "راهنا" ..
ماذا يعني ذلك على الأرض :
الحاجة إلى الاعتراف بالآخر الذي يجب استعماره , واستمرارية الحاجة إلى إيجاد مبرر لهذا الاستعمار من ضمن الاعتراف .
وبتقدم الإنتاج الصناعي وتطوره , هذا المنتج الضاغط تسويقيا , ماديا وفكريا بتلازم , صار يحتاج إلى أسواق وإنسان أكثر وعيا , وأكثر حضارة , وتحت قبضة الإعلان والبعد التسويقي , تحول "الآخر" من "الخصم" إلى "العدو" ..
وتحول الإشعاع الحضاري الغربي , إلى صدام حضاري مع آخرين ..
هذه العملية الثقافية الأكاديمية الغربية المستمرة , امتدت إلى ما وراء الحاجات الاستعمارية , لتتقاطع مع تطور الخصم , وتقديم المزيد من الاعترافات الغربية , بهويته وتاريخه وتراثه وحضارته .
مع الإصرار وضغط الحاجة لإبقائه "تابعا" بطريقة ما , ثقافيا واقتصاديا ووعيا ..
فكان التحول المبكر والتمهيد المبكر للإشكالية الاستعمارية المسماة "حتمية صدام الحضارات" التي تظهر في فكر مترجمنا هنا , مبكرا قليلا ..
ولكن الغرب لم يكن موفقا في فلسفة حتمية هذا الصدام , ولم يكن موفقا إطلاقا في اختراع العدو الجديد , البديل الجديد , عن الفكر الماركسي الخلاق , والدولة الشيوعية الملحدة . والحقيقة أن ربط ماركس بالإلحاد , خداع ثقافي غربي رهيب .
تماما كالقول بخطر البديل الجديد , الإسلام , وعنوانه العريض والوحيد , الإرهاب .
والماركسية الملحدة , والإسلام الإرهابي , على التوالي , تم إخراجهما للعقل الغربي , ثقافيا , وفق المفهوم الوحيد , والأبجدية الوحيدة الممكنة , الدين .
وهذا دليل واضح على عدم قدرة الفكر الغربي ما بعد الثورة الصناعي , وما بعد تحطيم سلطة الكنيسة الرومانية , على خلق أبجدية إنسانية حقيقة , فكر غربي حقيقي .
فكان لا بد من العودة إلى البنية الدينية القديمة في العقل الغربي , واستخدام أبجديتها المتهالكة , لرسم صورة الخصم وتحليل أبعاد خطره على "قيم غربية" , هي في حقيقتها عنصرية بيضاء ذكورية دينية .
على الهامش ..
بمقدار ما تعرضت تاريخيا الفلسفة الاعتزالية , وقدراتها الفكرية الايجابية القادرة على النمو , وأبجديتها العقلانية المادية التحليلية والمرنة , إلى التشويه والاغتيال والقمع .
كذلك تعرضت الفلسفة الماركسية حاضرا ولا زالت .
وفي الحالتين الإنسانيتين الاستثنائيتين , كان العقل وليس الدين هو المستهدف .
المعتزلة والماركسيين , اعتمدوا في صراعهما العقلاني الفكري , على العقل , وإعادة تحفيز أو توليد ذاتيه , لبنية عقل وقف على حدود مقدس , وقوفا قسريا .
وخصومهما , اعتمدوا على سلطة النص (الديني أو الفكري) وبنية العقل القديم , لتوليد مثبتات ذاتيه , تحول المقدس إلى مقدس متحرك , يمنع العقل الجماعي وعمليا , من أي قابلية للنمو والتوسع .
وبالرغم من سقوط الدولة الشيوعية , إلا أن الحرب لم ولن تتوقف على الماركسية الفلسفية , لأنه صراع وجود بين فلسفة تعيد العقل الغربي إلى واقعية تجبره على مواجهة ذاته ونقدها , وهو ما سيعني انهيار سلطة الاقتصاد الاستعماري على الداخل الغربي والخارج معا .
وبالرغم من سقوط الدولة الإسلامية التي قمعت المعتزلين الأوائل , وأوقفت الحركة الاعتزالية في أوج انفعالها وفاعليتها , إلا أن الحرب على الاعتزال لا تزال مستمرة , لأن الفلسفة الاعتزالية لا تدعو إلى "مقدس" خاص بها , بل تقود العقل الجماعي الإسلامي , إلى تحطيم أصنام مقدسه الأكثر تأثيرا وقدرة على فرض (سلطة وهيمنة) المؤسسة الإسلامية الدينية "الملحدة " عمليا .
لنعود إلى مصطلحات المترجم ..
تفجير اللغة , المغامرة الرائدة , توسيع اللغة , بناها العميقة , الصدام الحضاري ..!!
من البديهي القول أنها تحمل قلقا نفسيا حادا , غربيا , من أهم منتجات العقل الشرقي الخصم , اللغة العربية .
هذه اللغة التي تختزن أبجدية فلسفية توحيدية إنسانية عليا , وتاريخا إنسانيا فكريا حقيقيا متقدما دائما عن معاصريه .
وتختزن بالتالي مقوما قوميا شديد التماسك , نهائي الصيغة , واضح المعالم , مكتمل .
ويمتد على جغرافية مستمرة , تدخل في صلب بنية عقل الإنسان الناطق والمختزن والمولد والمتأثر و (الدائم الانفعال) , بهذه اللغة العربية .
اللغة العربية لا تزال تمتلك حيوية ولادتها , في لحظة ولادتها .
لذلك هي دافع قومي حقيقي , دائم الحضور ودائم التأثير , لا يمكن إحباط تأثيره , وتشويه ملامحه . وعكس اتجاهه .
المترجم هنا يعكس القلق الحقيقي للثقافة الاستعمارية الغربية , من قدرات اللغة العربية , والقرار المعتمد غربيا , بضرورة تحطيم اللغة العربية , عن طريق تطويرها بمبررات ايجابية , لضمان ((الهيمنة والسيطرة)) الغربية الاستعمارية على الإنسان العربي لغويا .
تطوير اللغة العبرية مثلا , قاد إلى تحويل كل التراث اليهودي إلى مسخ , وقاد بدوره إلى تحويل الإنسان اليهودي إلى "منتج استعماري" .
وشيء يشبه حدث للغة الكردية , قاد إلى انغلاق تراث إنساني عظيم على نفسه , وتحوله إلى "أداة استعمارية" تآكل وتدمر , الأكراد أنفسهم أولا , والتراث والتاريخ والإنسان الكردي المستقبلي .
بالعودة إلى كامل النص المقتبس أعلاه , وحتى لا نكرر نسخ النص هنا ..
صحيح أن اللغة العربية تطورت مع قيام العرب المسلمين بدورهم الحضاري في فترة اكتمال نمو البناء الإسلامي في الجغرافيا المحيطة , بجزيرة العرب .
ولكن هذا التطور كان توسيعا لمروحة ما يجب تسميته باستيعاب الآخرين في اللغة العربية , ولم يلامس أبدا (الجذر الفلسفي للغة العربية) الأعلى مرتبة من جميع المتجاورين معها , أو المنتمين الجدد إليها , والى ساحاتها ومساحاتها .
استيعاب اللغة العربية للتراث الفارسي على سبيل المثال , وهو الأقوى في زمنه من الجميع , (( كان حتميا وليس سلطويا )) , وجد الفرس في اللغة العربية متسعا لتراثهم وبدايات فلسفتهم , وفكرهم الجماعي , كانت اللغة الفارسية , ولا تزال , عاجزة عن امتلاك الجذر الذي يسمح "لضجيج" (ناتج عن الحراك الطبيعي الملح) العقل البشري المتماثل إنسانيا , في الإنسان الفارسي , الذي عجز , لأسبابه , عن الارتقاء بلغته في بيئته الجغرافية , إلى المستوى الذي يسمح له بالتعبير دائما وبسهولة , عن حراكه العقلي الفردي والجماعي .
إذا اليوم , يمكننا القول بسهولة , أن الدعوة إلى توسيع اللغة العربية , وفي مرحلة تاريخية معاكسة تماما , لقيام الدولة العربية الإسلامية , والفلسفة العربية الإسلامية , هو عمل فكري أوروبي غير مبرر , قد يلامس أحيانا حدود "المؤامرة الفكرية والإنسانية" , لضمان استمرارية السيطرة والهيمنة الغربية على الشرق العربي , وعلى المنتجات الاستعمارية الغربية في هذا الشرق والى جوار العرب , والأهم على الإنسان الغربي القلق تصاعديا (من ذاته) , بسبب وتيرة تلامسه واحتكاكه "القسري" بالعقل العربي (( المقاوم )) .
خريف 2008
..
م : لا بد من حديث انفعالي مشبوب بالأمل , عن اللغة العربية قبل الاستمرار .
..
_________________