كانت عيناها أشبه بستارين ممزقين ورغم ذلك فلم ينم تحتهما أي نور ولم تراقصهما أية نسمات ..لم أر فيهما سوى ورودا تسافر في الربيع و أوراق شجر تحتضر في الخريف ومطرا ينفجر همّا في الشتاء...لذلك كله أحسست أن ليس فيّ دفء لأشعر بأحداث قصتها وليس فيّ ظمأ حتى لأرويها ولا لرجفة أناملي جبروت يخطها حقيقة بشرية.. وليس فيّ نهل أدبي ليسير في دروبها وحكي مسار روايتها .. فأنا ضعيفة أمام الحزن و فيه تولد وتموت كلماتي ..
رغم صمتها فقد كنت أسمعها وهي تروي وتقول وتبكي وتصرخ..حتى أني بت أسمع صمتها ..فأحسست بخوف كبير ..شفتاها مرساتان وأذنيّ تردد كلّ ما في نفسها من تصاوير شعرية وتشابيه أدبية فكأنها تسرق لغتي ولكنها لا تروي قصتي..يالهول ما يحدث ..أتراها أنا ؟ لكنها إمرة قتلت خمسين عاما وأنا لم ألد سوى العشرين؟ خصلات شعرها هنود حمر نصفهم فارّ والآخر عتيق متشبث بوهن بذكرى الأجداد وأنا خصلات شعري سوسنات سوداء مزروعة بأمل ملفت ...أتراني أُُميت ماضيها و هي تلد آتي ..بعد هذه الشكوك التي سكنت كاهلي قررت أن أكتب ..فلبست دفاتري واتكأت على قلمي وشربت حبري وها أنا أغني الخرافة الأولى..
كأي أنثى كانت تجبل البيوت برحمها وتزرع الأطفال في مشاتلها, رأيتها هناك تخبز التراب في زقاق الحارات الشعبية..تكتنز الهمّ ما بين جدائلها..وطفلا تحت عباءتها السوداء يبكي ..اقتربت منها علّي أفهم سر هذه اللوحة التشكيلية..عرفت أنها مريم صانعة الخبز زوجة صالح السكران , هكذا قال أولا د الحيّ وقالوا أيضا أنها أم صابر المسكين الذي يضرب أباه أمه دائما والذي يحتسي عرقها بكوب من عرق..وقالوا أيضا أنه في يوم هشّم ملامح وجهها ومن ثم بعثرها أما م كلّ البيوت في الحي ليعلن عن رجولته التي لم تأخذ حقها من الصيت إلا بعد تلك الحادثة ولأن ن مريم أصبحت تمثالا ضائع الملامح بعد فعلته تلك قرر هو أن يعيد نحته باللون الذي يشاء ومن بعدها لم يعد أحد يفهم مريم سواه ..فمريم غدت أملا بريا فالا من مشنقة الواقع ..وغدت سطورا تقر في نفس المساكين رضاهم ..وعلقوا بها كل أحلام الصبر الوحيدة وتشبثوا بأوتاد الحياة رغم أن الشوك الذي يسندها يدميهم..مريم أصبحت الحرية الوحيدة التي هربت من قيود الحزن ..فما عاد أحد يدرك ما الذي يضاء في وجنتيها أ هي سنابل قمح تتمايل ضعفا من وجع الأيام ؟ أم شموس تحيك كذبة لتنذر بأقدار ممطرة؟ الدموع في وجنتي مريم لم ترحل من عينيها ولم تر حل إلى قلبها؟ مريم عاشت أما لا زوجة ..في أرض عاقر تتضاءل فيها الخيارات و لا ربيع فيها يعود..فأحلام الأنثى ا تموت مع أول ولادة.. صالح هو الأخر كان صابر يوما ما وصابر قد يكون صالح في إحدى الأزمان ..فالفرق بينهما ولادة أو موت...لكن مريم لا تملك سوى أن تكون مريم ..زوجة لا تملك سوى الرضي بزوج مبعثر ..ولا تملك سوى أن تضحي لأجل طفل في طريقه إلا البعثرة..هذا كله لم يقله الأطفال لي .. فأطفال ذاك الحي لم يتقنوا بعد لغز ا لدمع الضاحك في عيون الدمى..حتى صابر..فصابر عاش دهرا جنينا مكتنفا برحم متعب يحميه من أب غائب وحاضر كلحظة موت الروح في الجسد..صابر بات نبضا تحيى وتموت دقاته مع أحداث الزمان حوله ..الزمان الذي لم يراه سوى بنور عباءة أمه السوداء..ولم يسمعه إلا بأنينها..
عاش لتلبس مريم نفسها ثوب التضحية وتتركه هو عاريا من العطاء..عاش في المسرح ليشاهد أمه تتقن كل الشخصيات ..الأب والأم ..ولتتركه بلا ملامح..عاش يتيما بنفس أبيه..وحزينا بسعادة أمه المقنعة؟؟عاش مستظلا بجسد أب بلا روح..وأم حاولت كثيرا أن تنفخ في هذه الروح..فلا أحيتها ولا عاشت هي حيه..عاش كما تريد أمه بين أب وأم لتحميه من العقد الشرقية التي تلتف بجذورها حول أعناقنا فور انفصال منجبينا..وتعذب ضمائرنا بذنوب لم نكتبها..هكذا رأت مريم ..رأت أنها تأوي نفسه من الحرمان ولو بالحرمان..فصالح لم يكن يفهم أنه أمه هي أبوه..وأن أبوه الحي متوفى ..وأن أمه لا ترحل من الشقاء تمسكا بسعادته..ولا تقاوم سلاسل السجون بغية حريته..أيفهم صالح ما تبصره عين الأم وتخفيه رموشها؟ رغم أنه في يوم ما لن يكون أما ؟ .. ..صالح كان طريقا مقفلا في لوحة لم يكملها فنان..
اقتربت أكثر من أوراق تلك الرواية لعلي أسمع شيئا لم تنشّزه السنون من قبل في أذني ؟ فأنا في النهاية وجدت أن قصة مريم قديمة مكررة تولد وتمت كل يوم فمريم .. هي نساء كل الأرض وكل الحارات وكل المدن وكل البلدان وكل الحضارات ..ولأكون موضوعية أكثر فأنا لم أتعاطف مع مريم ولم أحكم بالإعدام على صالح ! ليس لموت شعوري إلّا أن كثرة الإحساس تدميه أو تقتله!أتراني أكذب الان ؟أم أني في أكثر لحظات الكذب صدقا..فنحن البشر قي كل ما نقول كاذبون وأصدقنا أكثرنا صدقا في كذبه.. فأنا لا أنكر أن لحظة الإصغاء لأطفال الحيّ كانت أمتع من لحظة الحنين لقصة مريم ..فكلّ طفل سرد لي ما يراه بشفاه من حب.. قسوة.. رضى.. غضب.. ومنهم من كان يروي بشفاه صالح ... وربما كانت هي الأصدق ..
عدت كثيرا لأزور مريم لعلني ألمح نهاية حق تخط بداية هذه القصة.. وفي مرة سمعت امرأة تهمس لأخرى أن في إحدى الأزمان اجتمعت نساء الحيّ ليجدوا في حيرة مريم صرفة وفي النهاية أقررن أنها شبح ولم يقررن أنها تسكن كل واحدة منهن.... وقلن أيضا أن صالح المسكين يقضي أيامه مجنونا يلاحقه أطفال الحي الذين سيلاحقون أيضا يوما ما ..فصالح ابن مريم ..صنيع رحمها..والرحم الشقي لا يصنع أطفالا سعداء