[align=center]الإمام الشعراوى
" النور الذى شق السماء وعاد من الهداية بالمزيد "[/align]
[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم
" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. "
صدق الله العظيم .. [/align]
وإنا نحسبه والله عند الله على خير .. ولا نزكى على الله أحدا ..
انه الإمام محمد متولى الشعراوى الداعية الاسلامى الأشهر فى القرن العشرين .. والذى طبقت شهرته الآفاق بشعبية غير مسبوقة فى العصر الحديث باعتباره أحد أعلام الدعوة الأفذاذ على مر العصور ..
وبالرغم من ذلك .. فقد خفيت جوانب كثيرة من صفاته الإبداعية ومواهبه وكنوز شخصيته الفريدة إلا عن الخاصة دون العامة ..
فلم يكن العملاق الراحل رجل دعوة وتفسير فقط .. بل كانت شخصيته واحدة من الشخصيات المتعددة الأبعاد بحيث عجز وصف الداعية على استيعاب سائر صفاته .. فقط وحده لقب المفكر الاسلامى قد يحتويه ..
فالرجل فى فكره ومواقفه لم يكن قاصرا على مجال العقيدة ومعالجتها فقط بل امتد ببصيرته قبل بصره إلى شتى المجالات الفكرية والاجتماعية واضعا نفسه فى قلب كل حدث .. مـُطلقا فى كل حادثة حديث ..
لم تهن عزيمته لحظة .. ولم يركن لخوف أو إغراء .. وحاول خصومه جهدهم معه .. لكنه بقي عـَـلـَما فى كل قلوب محبيه
كان رحمه الله عظيما .. كما عرَف بنفسه مقياس العظمة حين قال ..
" إن مقدار عظمة المرء تكون بمقدار المسافة بين حب محبيه وبغض مبغضيه "
فرحمه الله من شخصية أعادت عهدا .. لا زلنا نتنسم شذاه عبر أفق التاريخ
[align=center]بادئة النبوغ ..[/align]
إن العبقريات تتسم بعدة شواهد وصفات يجب أن تتوافر لها لكى تكتمل صورتها فتنطلق معبرة عن نفسها ..
فبدايةً .. يكون التمرد والانطلاق من أهم سمات العبقري فى بداية حياته فالعبقرية بطبيعتها كما يقول الإمام الشعراوى تموت بقص أجنحتها وحريتها فان كـُبحت فى مجال ماتت فى بقية المجالات ..
ومع الحرية يجب أن يتوافر لها ولى الأمر القوى القادر ذو النظرة على إدراك النبوغ .. ولذلك نرى أغلب العبقريات التى أفصحت عن نفسها فى شتى المجالات .. كانت تحت تأثير أب واع أدرك بحسه النابغ ما لابنه من نبوغ فأعطاه حق تلك الموهبة ..
مثال ذلك والد الإمام الشعراوى .. ووالد الأديب الكبير يوسف السباعى .. ووالد المفكر العملاق محمد حسنين هيكل وغيرهم
ووالد الإمام الشعراوى هو الجندى المجهول أو المعلوم فيما بعد وراء تأسيس ولده النابغة حيث تمكن هذا الرجل البسيط بما أتاه الله من قدرة على تنسم أفق المستقبل فى ولده فصمت وصبر على عناد الطفل المتمرد وأصر بالرغم من المعاناة على بذل الغالي والرخيص لتبصير ولده بنفسه أولا ثم تبصير العالم به فيما بعد ..
والد الإمام الشعراوى هو المعلم وصاحب الفضل بعد الله سبحانه وتعالى فى تمهيد الطريق للإمام محمد الشعرواى ليتبوأ مكانه إمام القرن الذى هدى به الله ودفع عن العقيدة والفكر الإسلاميين شوائب الانحراف فى عالم متغير
وما أكثرها الأيام والمواقف التى خاضها الشيخ متولى الشعراوى الفلاح البسيط وتحملها دون مللٍ أو كدر مقتنعا بحق .. أنها ضريبة العبقرية التى قرأها فى ولده .. وتلك المواقف هى التى شكلت شخصية الفتى محمد الشعراوى ودفعته تحت رعاية والده لآفاق لم يكن يراها بعين الأمل غير هذا الأخير ..
مواقف صنعت النبوغ
• عندما اصطحب الشيخ متولى ولده الطفل الذى أتم حفظ القرءان لاختبار القبول بالمعهد الدينى .. وكان الطفل متمردا ورافضا لدخوله المعهد لم يجد حيلة لإثناء والده عن هذا الأمر غير اعتزامه الفشل عمدا فى اختبار القبول ودخل الطفل العنيد إلى لجنة الاختبار وكان عليها أحد الشيوخ الأجلاء ممن كان لهم أبلغ الأثر فى حياة الإمام فيما بعد
وعندما سؤال الطفل الحافظ للقرءان عما يحفظه كان يتعمد فى الإجابة أن يتلو الآيات بطريقة الإسقاط بمعنى أنه كان يقرأ الآية ويتجاوز التى تتلوها ثم يقرأ ما بعدها وهكذا .. فتنبه الشيخ المختبر لتلك الأخطاء وبدت له أنها أخطاء متعمدة من طالب يحفظ جيدا آيات القرءان الكريم لكنه يتعمد التفويت .. فصرخ فى الطفل لينتهى وبعث لوالده الشيخ متولى وقال له ..
" ولدك يقرأ آية ثم يترك ما بعدها ويقرأ التالية .. وتلك دلالة على حفظه الجيد أولا .. وثانيا تدل على عدم رغبته فى خوض الاختبار ..
ثم ألقي نظرة صارمة على الطفل والتفت لوالده مكملا " احمل ولدك يا شعراوى .. فهو ناجح .. "
وذاق الشيخ متولى الأمرين وهو يقنع ولده بضرورة الانتظام وحب الدراسة .. مع المحاولات المتكررة من الطفل للهرب من الدراسة وتقيدها
• عندما أتم الفتى اليافع محمد الشعراوى دراسته الأولية وحان الوقت لدخوله السنة الثالثة بالأزهر وهو اليوم الذى تمناه والده .. كان للفتى رغبة بعدم الدخول أيضا وخطر له خاطر أن يثنى والده بطريقة غير مباشرة عن إصراره العنيف بضرورة الاستمرار بالأزهر بشكل لا يغضب والده ..
فطلب منه أن يأتى معه للقاهرة ليشترى له بنفسه الكتب المطلوبة لدراسته فى عامه الثالث بالدراسة .. وهناك بالقاهرة وفى مكتبة الاتحاد الكبري وقف الفتى اليافع ينتقي أمهات الكتب والمراجع الكبري فى الفقه والتاريخ تحت زعم أنها مقررات دراسته بعد أن اتفق مع صاحب المكتبة الشيخ محمد زكى على السكوت عند اختياره لتلك المراجع وهو الأمر الذى صـُعـق له الرجل لعلمه بتلك المراجع التى لا يقتنيها إلا شيوخ الأئمة ومنها " شرح نهج البلاغة لبن أبي الحديد " و " مجمع الأمثال " ..
وكان ظنه أن والده الفلاح البسيط لن يدرك حيلته لعدم علمه بالمناهج الأزهرية فعندما يتبين له أن تكلفة عام واحد من أعوام الدراسة بلغت هذا الحد فسيتراجع بلا شك .. وتتحقق أمنيته بالعودة لقريته دقادوس التابعة لميت غمر فى الريف المصري
غير أنه فوجئ بوالده يشترى له كل ما أشار إليه من قمم الكتب والمراجع ويدفع الثمن المبالغ فيه دون كلمة اعتراض واحدة بالرغم من الأزمة الاقتصادية الطاحنة المعروفة باسم " أزمة الثلاثينيات " التى ألقت بظلالها على العالم كله فى تلك الفترة .. وخابت آمال الفتى فى رفض والده .. واضطر لحمل المراجع التى اشتراها والتى قلما توجد عند شيوخ الفقهاء إلى الحجرة التى استأجرها له والده ليقيم بها
وهناك بالحجرة المستأجرة .. تطلع الوالد الحكيم إلى رتل المراجع وقال لولده فى هدوء ..
" إنها تحتاج تجليدا يقيها شر الضرر من الاستعمال المتكرر يا ولدى .. "
وبالفعل قام من فوره وأتى بأوراق التجليد وانشغل بتجليد المراجع طوال الليل وفى الفجر قام محمد مصطحبا والده إلى محطة القطار ليعود الوالد إلى قريته .. وبينما القطار يستعد للمغادرة .. ابتسم الوالد متولى الشعراوى لولده وقال له فى لهجة معبرة ..
" أريد أن أقول لك شيئا بسيطا لكن لا تتضايق .. فقد عز على أن تظن أن والدك مغفلا .. أنا أعرف جيدا أن ثمن مقررات دراستك لا يتجاوز ثمانية وثلاثين قرشا وأن ما اشتريته لك من كتب اخترتها لا علاقة له بمستوى دراستك الحالى .. لكنى اشتريتها لك .. وما كنت أقول لك هذا إلا لشيئ واحد وهو ألا تحسب أنك نجحت فى خداع والدك البسيط .. وفقك الله ونفعك بها "
نزلت الكلمات على رأس الفتى كوقع الصاعقة وهو لا يدرى بأى كلمات يرد .. فلم يكن يتخيل مدى حصافة والده الذى لم يمنعه إدراكه من تنفيذ رغبات ولده الجامحة .. ومطاوعته لما طلب كى يعطيه درسا بعد أن صار مدركا ..
ويمكننا القول بما لا يدع مجالا لشك .. أن هذا الموقف كان له أبلغ الأثر فى تفجر مـَـلَـكات الإمام محمد الشعرواى الذى لم يجد مفرا من الخجل الذى اعتراه أمام والده إلا أن يعكف على دراسة وقراءة كل ما اشتراه من أمهات الكتب وأقسم ألا يعود لقريته فى إجازة قبل أن يحوى كل ما فيها وهو ما وضح أثره هو بعد لا يزال طالبا بالأزهر ويحضر مجالس والده بالقرية مع عليه القوم ويبرز فيها متحدثا ومعلما .. لا سيما وأنه تأكد من أن والده سيروى لرفاقه من كبار الموظفين والأئمة بقريته ما كان من ولده ولا شك أن الإمام محمد أعد نفسه لجلسة سخرية عنيفة منهم إن هو ذهب إليهم لا يعرف شيئا عن تلك المراجع .. ولذلك عندما عاد لقريته كان مستعدا فتلقفه رفاق والده بالأسئلة وهو يجيب بهدوء وثقة أثار انبهارهم بها وبالطبع كانت دافع تقدير كاسح من والده
• فى واحد من تلك المجالس .. وكان أحد معارف الوالد من أهل القرية رجلا بغيض الطبع لم يرقه ما يتمتع به طالب الأزهر الصغير من مكانه فقام بالترصد للفتى وكان قد علم بأن الشعرواى من المدخنين .. وبطبيعة الحال لم يكن والده يعرف بهذا العيب الخطير الذى كان ولا زال يعد كارثة فى الريف والصعيد المصريين بالنسبة لصغار الشباب
وبينما الإمام الشعراوى جالسا إلى جوار والده ومستويا فى جلسته كعادته إذا بهذا الرجل يخرج علبه سجائره ويمد يده إلى الحضور داعيا إياهم للتدخين ومنهم الإمام الشاب قائلا له فى لهجة ذات مغزى
" لا تتحرج يا مولانا من وجود والدك .. قم بالتدخين لا عليك "
فتغير وجه الشيخ متولى وان لم يشأ أن يبين هذا حفاظا على مكانه ابنه بين المجتمع .. فطوى على الأمر كشحا وكأنه مر مرورا عاديا وترك ولده يدخن سيجارته بشكل عادى جدا .. حتى أن الإمام محمد ظن وقع الأمر على والده وقعا عاديا .. وعندما جَـنَ المساء عاد الإمام إلى منزله وفى فمه سيجارة وما إن شاهده والده على تلك الهيئة حتى قام من فوره والتقط العصا التى كانت إلى جواره وأفرغ غضبه عبر ضرباتها التى وجهها إلى ولده النابغ وهو يصرخ مـُفهما إياه أن سكوته على هذا التصرف فى المجلس كان لأجل الحفاظ على صورة الشاب المتألق أمام الرجال فلم يكن لائقا أن يؤدبه وهو يستوى فى صدر المجالس واعظا ومعلما .. لكن هذا يعنى أن الأمر يمر عاديا حتى يتجرأ بالتدخين بالمنزل أمام والده ..
موقف آخر تبدى من الوالد المتمكن المدرك لمعنى الأبوة .. فقد كان عادة الريف المصري أن يلتحق كل أبناء فلاح بالفلاحة مهما كانت مجالاتهم وذلك فى خلال الإجازات الدراسية .. وهكذا كان من المفترض أن يعود محمد الشعراوى خلال الإجازة الصيفية ليشارك بقية إخوته فى أعمال الحقل .. لكن والده لم يكن ليرضي بهذا فقد كان يصر أن يسلك ولده أبواب المعرفة فى كل حين .. وتوصل إلى حل ماكر لكى يدفع عن قلوب أبنائه أى تطلع من جانبهم لأخيهم الشيخ الذى يقضي وقته فى أريحية بين كتبه بينما هم فى مكابدة الرزق مشتغلون .. فقام الوالد بنشر اشاعه مفادها أن وجه ابنه محمد وجه شؤم على الأرض فإذا جاء إلى الحقل حدثت كارثة واختلق لهذه الاشاعه ما يؤيدها فقام بكسر عدة أدوات حقلية وأفسد بعض أعمال الزراعة ليجد المبرر أمام بقية أبنائه لمنع محمد من نزول الأرض ..
وبالفعل نجح نجاحا مبهرا عندما اقتنع بقية أخوة محمد بهذا فتركوه لشأنه ..
تلك المواقف اللافتة تنم عن مدى الحكمة المتبدية فى هذا الرجل البسيط الذى كابد فلقي الجزاء فى ولده .. وكان أول الأعمدة التى أسست نبوغ الإمام محمد الشعراوى وصنعت منه أسطورة حقيقية خرجت من أفق الخيال حقيقة واقعه
والآن إلى المواقف التى أسست النبوغ عند الإمام الراحل
مواقف أسست النبوغ ..
عندما طرق الإمام الشعراوى باب الفتوة والشباب كان مثار انبهار من يحتك به فى هذا العصر وتلك الفترة من أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات .. هذا العصر الذى كان العامة فيه أشبه بمعمل صانع الجواهر .. كانت الجماهير خير مقوم ومقدر .. فما بالنا بالأعلام إذا ..؟
كان الطريق إلى الشهرة والريادة معروف فقط بمدى نبوغ صاحبه لا بمدى معرفته بأهل النفوذ ..!
هو العصر الذى فتح أبواب التألق أمام العمالقة من شتى المجالات فبرزوا رغم المنافسة القوية وهم بعد شبابا يتريض فى شوارع الإبداع
فتألق الشعرواى والعقاد وحافظ وأبي القاسم الشابي وناجى ومطران ومصطفي كامل ومحمد فريد وغيرهم وهو بعد فى شرخ الشباب ..
فالمجال كان مفتوحا أمام كل صاحب موهبة وفكر للانطلاق بأقصي طاقته فى مضمار سباق محكموه من أهل الفكر لا أهل الحكم ..
وفى تلك الفترة .. كان للإمام الشعراوى رحمه الله نشاطا سياسيا بارزا وكان هذا طبيعيا فى ظل ظروف هذا العصر الذى كان الفلاح فى أرضه سياسيا لطبيعة إدراكه أن السياسة ليست مجالا محكوما على متخصصيه .. بل هى المجال الأعم الذى يحكم حياة الجماهير ومن ثم فهى مضمار كل ذى صوت وإرادة وكانت تلك المواقف هى التى أسست لتفرد الشعراوى فى شتى مجالات فكره
كان الوفد فى ذلك الوقت هو حزب الأغلبية الساحقة بكل ما للكلمة من معان .. وكان انتماء الشعراوى لحزب الوفد وقياداته التاريخية طبيعيا لأن قريته بأكملها كانت محكومة بانتمائها الوفدى الصارم بالشكل الذى لا يسمح لغير الوفديين بمجرد الإقامة بها مع الانتماء الشديد من أهل القرية للحزب الأول فى مصر ..
كان انتماء من الأعماق .. لا بالأوامر .. كان انتماء فعليا .. لا كما تقول الأوراق .. !!
وفى كل عام كانت القرية تقيم حفل تأبين كبير لذكرى الزعيم الراحل سعد زغلول مؤسس حزب الوفد الذى اقتبس اسمه من مهمته التاريخية بقيادة نداء مصر عبر زعمائها الوطنيين فى مؤتمر الدول الكبري وسعيا لتطبيق مبدأ حرية تحديد أو حق تحديد المصير الذى نادى به الرئيس الأمريكى ويلسون فى أعقاب الحرب العالمية الأولى
فلما طلب سعد زغلول ورفاقه من أمثال على علوبة بيك وعبد العال باشا حلمى وحمد باشا الباسل وغيرهم الإذن من السلطات البريطانية للسفر لعرض قضية مصر واستقلالها تم رفض طلبهم وفيما بعد كان الاعتقال والنفي مصيرهم لتتحرك جموع الشعب المصري رجالا ونساء وأطفالا فى ثورة شعبية رهيبة وجامحة عام 1919 م هاتفة باسم الوفد وزعيمه سعد باشا زغلول ..
وتأسس حزب الوفد بزعامة سعد زغلول ليتربع فى قلوب الجماهير حتى سرت فى ذلك الوقت مقولة شهيرة فى الأوساط السياسية أن الوفد لو رشح حجرا لانتخبناه .. وهى دلالة عبقرية على شعبية هذا الحزب
وفى موعد الحفل السنوى بقرية دقادوس أو بعاصمة الإقليم كان الشعرواى حاضرا بقوة فى كل عام .. فعرفه الناس متحدثا وشاعرا مفوها كما عرفوه من قبل فقيها يسبق عمره .. فكان الشعراوى الشاعر القدير ذو ملكة غير عادية فى الإبداع اللغوى لفتت نظر الجماهير والقادة وصارت أبياته الشعرية من دلائل الانبهار بهذا الشاب الذى تنوع فى نبوغه فتألق فى كل ما طرقه من مجالات
وكان من علامات وعيون شعره تلك القصيدة التى يقول فيها ..
يهون القلب فى تحرير مصرٍ ×× وعذبٌ .. فى قضيتها العذابُ
وهى القصيدة التى قدم فيها قصيدته بمقدمة نثرية شديدة البلاغة نالت استحسان الحضور حتى صفق الجميع له وكانت أول مرة يصفق فيها بحفل تأبين .. وكان التصفيق بادئا من عند الأديب الكبير محجوب ثابت التى بهرته بلاغه الشعراوى .. كما بهرت الحضور لدرجة تنازل كل صاحب خطبة عن دوره للشعراوى لكى يزيدهم من مفاتن كلماته
وأترك القارئ الكريم حرية التمتع بتلك البلاغة المنسكبة عبر هذا البيت الفاتن الذى يـُعد واحدا من أنبغ ما قالته العرب فى تاريخها والتى نقلها مندوب الوفد فى ذلك الوقت مصطفي بيك نصرت إلى زعيم الوفد مصطفي باشا النحاس فصمم النحاس على استقبال الشعرواى بل ولقاء والدته فى قريتها بعد الموقف الطريف الذى تصورت فيه الأم التلقائية التعبير أن كلمة " أعد " التى أخذت جماهير الحفل ترددها للشعراوى استحسانا .. حسبتها من قبيل الاستياء لعدم إجادة والدها حفظ ما يـُلقي
وعندما تخرج الشعراوى وحان موعد استلامه لعمله .. فضل أن يؤجل استلامه العمل الحكومى لتكون له حرية حضور الاحتفال المهيب المنعقد بمناسبة اليوبيل الفضي لتأسيس حزب الوفد بمرور ربع قرن .. وكان الوفد فى ذلك الوقت خارج الحكومة فى صفوف المعارضة فخشي الشعراوى مغبة الالتحاق بالوظيفة الحكومية لأن الحكومة معادية للوفد وكان طبيعيا أنها ستلجأ للضغط على موظفيها لعدم حضور الحفل الجارف الشعبية
وكان للشعراوى فى الحفل الضخم حضور متوقع .. فألقي إحدى قصائده التى عُدت من أساطين البيان فيما بعد .. خاصة مع معالجته لمسألة الحساسية لدى الأقباط والتى نجمت اثر فصل الوفد لمكرم باشا عبيد أحد أقطابه المعروفين وواحد من أعلام المحامين والمفكرين الأقباط فى مصر .. وكان الفصل نتيجة للخلاف العنيف بين مكرم عبيد والنحاس .. وبطبيعة الحال كان خروج شخص بوزن مكرم عبيد عامل مؤثر زادت فاعليته عندما لجأ الأقباط الوفديون لإثارتها كمسألة طائفية لا كخلاف سياسي
فكانت وصية النحاس باشا إلى من سيصعد خطيبا بضرورة التركيز على تلك المسألة ونزع الحساسية من الصدور بمشرط البلاغة
وكان الشعراوى بقصيدته أحد أهم العوامل فى إثارة هذا الأمر ونزع فتيله بما أتاه الله حيث قال
إخوانـنا الأقباط فـيما بـيـننـا ×× ودٌ قـديم .. ثابتٌ لم يـُفصمِ
عطف الهلال على الصليب فحاذروا ×× أن تجعلوا روح المسيح بمكرمِ
لا تجعلوها غـضـبةً ديـنــيـةً ×× فلكم فصلنا قبلـه من مسلمِ
والأبيات ليست بحاجة إلى لفت نظر إليها .. قمة التعبير والأداء الشعري بأى مقياس منطقي ولم يقتصر نبوغ الشعراوى اللغوى على الشعر .. بل كان النبوغ النثري وسرعه البديهة علامة حاضرة بكل قوة فى شتى المواقف منها ما عبر به دفاعا عن موقف الوفد عندما تمسك بالأحكام العرفية عندا أتى للحكم .. بينما كان الوفد لا يكف عن مطالبه الحكومة التى سبقته بضرورة ترك الأحكام العرفية ..
واستغلها خصوم الوفد للدعاية ضد شباب الحزب باعتبار الوفد فقد منطقيته التى ينادى بها دائما ..
فاجتمع الشعراوى مع شباب الحزب لإيجاد مخرج من هذا المأزق .. وتمكن الشعراوى من الخروج من المأزق ببراعة لافته .. عندما خطب قائلا
" نعم كان الوفد حريصا وهو فى صفوف المعارضة على نبذ الأحكام العرفية .. فلما جاء للحكم .. تمسك بها .. وليس هذا بغريب أو داعى تناقض .. فالمشرط فى يد الجراح .. غيره فى يد السفاح "
وكانت تلك الخطبة من علامات المجتمع السياسي وحديث الصالونات فى ذلك الوقت بعد أن بلغ الإعجاب بسرعة البديهة عند الشعراوى أن قام نجيب باشا الهلالي بإلقاء غطاء رأسه " الطربوش " على الأرض لمدى انفعاله بما سمع
وفيما بعد عندما شد الإمام الشعراوى الرحال إلى الحجاز فى رحلة عمل بإعارة لتدريس الفقه هناك .. أثناء ولاية الملك سعود بن عبد العزيز .. وكان أن عرف الشعراوى بقرار الملك نقل مقام إبراهيم من مكانه بالحرم إلى مكان قصي بغرض توسعه المكان
وكان النقل فى مرحة التنفيذ الفعلى .. فلم يصمت الشعراوى مع إدراكه بعدم شرعية النقل وبعث للملك ببرقية هاتفية طويلة يشرح فيها بأمانه العلماء خطأ الإجراء .. وابتلعت البرقية الطويلة راتبه بالكامل إلا أنه لم يأبه ..
وفور وصول البرقية أمر الملك بتشكيل لجنة من أئمة السعودية وفقهائها لمناقشة الإمام الشعراوى والوصول لفتوى واضحة حول الأمر .. وبالفعل أتى الشعراوى فحاور العلماء الذين بهرتم قوة حجته وأدلته فأجمعوا معه على خطأ الإجراء ليصدر الملك أمره بوقف التنفيذ وإعادة المقام إلى مكانه بقلب الحرم
بهذه المواقف التى روينا منها بعض الأمثلة .. عرفنا الجو الذى خرج فيه الشعراوى عملاقا صنع النبوغ عبر مرحلتين من حياته ...
مرحلة عاش فيها مواقفا صنعت نبوغه وصقلته بوعاء الحزم والخبرة .. ومرحلة تالية عاش فيها مواقفا صنعها هو .. وأسست لتألقه ولفتت إليه أنظار عيون المجتمع المصري فى ذلك الوقت ..
ليعبر الإمام الشعراوى إلى سنوات الخمسينيات بوجه آخر .. وجه جديد .. هو وجه المفكر الذى حوى فوعى .. فجاء بوقته وأوانه لأداء رسالة عجز عنها ـ رغم التألق ـ أساطين الدعوة فى ذلك الوقت ..
لأن الهجمات على الإسلام من المستشرقين ودعاتهم والعلمانية وسائر المذاهب الإنسانية التى ثبت فشلها بالتجربة فيما بعد
لم تكن تلك الهجمات تتطلب داعية وفقط .. مهما كان عملاقا فى دعوته .. رائدا فى الذود عن عقيدته
فالداعية مهما بلغت براعته سيكتفي بموقف الدفاع ومحاولة تفنيد ما يأتى به المهاجمون من سقطات يتصورونها فى العقيدة الإسلامية فيتخذون منها سبيلا للتشكيك فى العقيدة والتاريخ الإسلاميين
ولذلك كانت الجماهير بحاجة إلى مفكر .. مفكر حقيقي تشرب الثقافة والفكر بخلفية إسلامية صلبة
مفكر عرف العلم بالمطالعة المثمرة .. وهى تلك القراءة الواعية التى تكتسب من خبرات الأجيال ثقافة رفيعة المستوى وتدمجها لتخرج بنتائج جديدة وفكر معبر لم يطرقه من قبله أحد
مطالعه منتجة فكريا .. تسمح بالخروج بكل ما يناسب العصر عن طريق التبصر بما فات من التاريخ وأحواله وتمكن صاحبها ليس فقط من الدفاع والذود عن العقيدة .. بل تتيح له فرصة مهاجمه العقائد الفكرية المضادة واثبات تفوق الإسلام عليها عقيدة وتاريخا
وكل هذا توافر جوهريا فى شخص وقلب وعقل الإمام محمد متولى الشعراوى كما سنرى الآن
[align=center]عصر القوة[/align]
لو أننا بصدد تأريخ للإمام محمد الشعراوى لما كفتنا الصفحات .. ليس لإلقاء الضوء على تاريخه .. بل لمجرد إلقاء الضوء على فكره الشاسع .. وعدد المسائل التى احتواها منهجا وفكرا وأرسي بها معارفا لم تتح من قبله لأحد
بل نحن نلقي الضوء على أمثلة معبرة عن منهج الإمام الشعراوى وفضله وتقواه وزكاة علمه رحمه الله
وفى تلك الحقبة التى ظهر بها نجم الشعراوى .. حقبة الخمسينيات .. كان العصر عصر قوة فى المجال السياسي والوطنى والفكرى .. مع ظهور المذاهب المتضادة وانقلاب الصراع بين القوى العظمى إلى صراع عقائد لا صراع مناجزة بالسلاح
فتقلب الشباب بين الشيوعية والعلمانية والرأسمالية وما إلى ذلك من مذاهب أغرت العديدين حتى نحوها جانبا بعد إدراكهم .. ومنهم من استمر بها ومن أمثلة الذين مروا بتلك التجارب وانقلبوا عليها فيما بعد ووصلوا إلى قمة الفكر الاسلامى ودعوته الكاتب الاسلامى الكبير خالد محمد خالد والمفكر الاسلامى البارز د. محمد عماره العالم الجليل د. مصطفي محمود وغيرهم ممن عبروا طرق الفكر الشائكة حتى وصلوا بالاقتناع إلى قمم الفكر السالك
وظهرت دعوة الإخوان المسلمين كمتحدثة رسمية باسم الإسلام والدفاع عن الأصولية لكنها انكشفت مبكرا كجماعه سياسية وليست دعوية وليس فى ذلك بأس ..إذا ما تم الإعلان عن هذا التوجه السياسي بوضوح لكن ما هو غير مقبول أن يـُزج بالإسلام فى معرض تسويات سياسية وصفقات حكومية .. ومع ذلك تصر الجماعة على أنها ليست حزبا بالرغم من أن لقب الجماعة الدعوية لم يكن يتناسب مع متناقضات السياسة التى سمحت للمستشار حسن الهضيبي المرشد العام الثانى للجماعة أن يقول عن فاروق بعد الأزمة بين الجماعة والقصر فى تعقيبه على الصحفيين بعد زيارته لفاروق " زيارة كريمة لملك كريم "
فتلك المقولة نتصورها فى رئيس حزب سياسي تدفعه ضرورات العمل الحزبي لتلك المجاملة أما أن تصدر باسم جماعه تتخذ الدين والعقيدة وتصر على أن الحكم ليس هدفها .. هنا وقفة بالطبع .. لأن تعقيب الهضيبي لم يكن منطقيا مع مفاسد فاروق التى انكشفت فى ذلك الوقت للشعب كله عبر الجرائد وما يتسرب من أخبار القصر
بالمثل ..
فموقف الجماعة من الاتفاق المعقود بين الجماعة ممثلة فى عمر التلمسانى وبين الرئيس الراحل أنور السادات فى منتصف السبعينيات لا يمكن قبوله من جماعه دينية دعوية .. لأنه اتفاق سياسي محض دخل فى لعبة التوازنات مع السلطة عندما قبل التلمسانى عرض السادات بالعودة للشارع السياسي تحت رعاية السلطة نظير القضاء على التيارات السياسية المزعجة للنظام وقتها والمتمثلة فى الناصريين والشيوعيين .. وهو الاتفاق الذى أودى بحياة السادات نفسه فيما بعد
ومن غريب الأمور رفض الجماعة الصارم للإعلان عن التوجه السياسي لها بوضوح مع كل ما تتمتع به من شرعية فعلية وشعبية خرافية فى الشارع السياسي لم يفلح أمامها النظام الحاكم عبر ثلاثة عهود ..
خاصة وأن الرفض لم يكن ليجدى فى درء خطر الاضطهاد والترصد من النظام .. فما الداعى لرفض الإعلان والتخوف والنتيجة واحدة
فى كل الأحوال .. فنية الجماعة فى الحكم وطموحها المشروع فى الوصول لسدة الحكم أمر لا يخفي على أطفال الشارع السياسي ..
ولا أتصور جماعه كالإخوان المسلمين تحتوى على كوادر سياسية عملاقة مثل كخيرت الشاطر ود. خالد صلاح أبو إسماعيل ود. محمد مرسي ود.عصام العريان وغيرهم
لا أتصورها تعتقد أن الظهور بالوجهة الدعوية سيمثل دافعا أمام النظام ليتركها لحالها أو يدعمها كما يفعل مثلا مع دعاة الصوفية فهؤلاء الفئات مغيبة عقلا والنظام يسعد بها ومن ثم فجميع أجهزة الدولة تمضي فى ركابهم وتشجعهم ..
أما الإخوان المسلمون .. وتنظيمهم العالمى الذى ينظر لمقر الجماعة بمصر على أنها مركز القرار حتى للجناح الموجود بالسلطة الفلسطينية عبر منظمة حماس .. فلا يمكن قطعا أن يركن النظام لتلك الدعاوى التى تريد إلهاءه عن الأغراض الحقيقية للجماعة
والشاهد حاليا مع الصحوة السياسية التى ضربت بنصلها الجمهور المصري وقواه السياسية لتوقظه من عميق سباته .. قد أفلحت وصبت فى مصلحة ميل القيادات التاريخية للإخوان إلى وجهة نظر شباب قياداتها فى مكتب الإرشاد بالإعلان الواضح عن نيتها وحقها المشروع فى نشاطها السياسي ..
وعودة إلى حقبة الخمسينيات وما تلاها من عصور المناجزة الفكرية بعد تلك الإطلالة السريعة ..
ففي تلك الفترة ظهرت الدعاوى المشككة فى العقيدة بتساؤلات تحمل معها ما تصوره المتسائلون تناقضا فى العقيدة ما بينها وبين المنطق أو بينها وبين العلم وغير ذلك من تساؤلات أعجزت من أمامها وكادت تؤدى إلى كارثة ..
مثال تلك الأسئلة .. هل الإنسان مخير أم مسير .. ؟!
ما دام الله يعلم السابق والآتى ويقدر كل شيئ بمشيئته .. فلم يعذب العصاة مع أن قدرهم طرق العصيان ؟
وصول الإنسان للقمر دليل على طرقه أبواب علم الله التى قال باختصاصها له وحده ؟
كما توجه المستشرقون إلى القرءان الكريم باحثين فيه عن ما يزعمون من أوجه التناقض .. فمثلا .
قول الله تعالى فى وصف شجرة الزقوم " طلعها كأنه رؤوس الشياطين "
هنا تناقض واضح لأن الله تعالى شبه غير معلوم بغير معلوم فشجرة الزقوم مجهولة وكذلك رؤوس الشياطين ؟
تلك الأسئلة المغالطة وضعت الأئمة والشباب الغيور على دينه فى موقف لا يحسدون عليه .. فهم مدركون بوجود التفسير لكنهم يعجزون عن إبدائه والتصدى لمثل تلك السفسطة ..
هنا .. كان الظهور الأول للإمام الشعراوى على المستوى العام .. حيث استطاع الاعلامى الفذ أحمد فراج استضافة الإمام الشعراوى فى حلقات متابعه ببرنامجه العملاق " نور على نور "
وفى قلب الحلقة الأولى ألقي أحمد فراج بتلك المغالطات ليستمع الشيخ إليها مبتسما .. ثم تنفرج شفتاه إيذانا بقلب المائدة على رؤوس المستشرقين ومن والاهم طيلة أربعه عقود من الزمان خسروا فيها كل منطق أمام فتاوى الشعراوى حتى هتفوا من أعماقهم بصيحة مشهورة أتت دليلا لهزيمتهم " أسكتوا هذا الرجل "
خاصة بعد أن انفرد الشعراوى بحديث متسلسل يشرح به خواطره عن القرءان والتى امتدت حتى نهاية عمره رحمه الله ومات وقد أتمها لتصبح مرجعا عملاقا فى التفسير والتاريخ والعقيدة .. فلم تكن تفسيرا قاصرا على أسباب النزول وأحكامها أو شرح للعقائد بل كانت فى شطرها الأهم مناجزة فكرية عملاقة لكل مهاجم للعقيدة
بدأ الشعراوى بحمد الله تعالى والثناء عليه وإنكار الطباع البشرية التى تتبغض إلى رب يتفضل بالنعم ورغم ذلك لا يمنعها طيب الرزق ولا يقف أمام توفيقها بعقاب
ثم تناول السؤال الأول هل الإنسان مسير أم مخير .. ؟!
وعلى منضدة المنطق قام بتشريح السؤال ليكشف أمام الجميع أن السؤال لا يحتاج إلى إجابة بل إلى تصحيح !!
فالإنسان فى جزء فيه مسير وهو جزء الجوارح التى لا تعمل بإرادته كالتنفس ونبض القلب وغيرها
ومخير فى جزء آخر فى الأفعال والطباع والعقل القادر على تفنيد الأمور واختيار طريقه .. وهو الجزء الذى منح الله فيه لعباده حرية التصرف والجزاء فيما بعد أمام حكم عدل ..
وفى مسألة أن الله قدر للعاصي عصيانه فعلام عقابه .. فمردود هذا أن الله ترك لكل إنسان حرية اختياره لكن تلك الإرادة لا تتأثر بعلم الله بما سيكون من أثر لها فيما بعد بعصيان أو طاعة
ودلل على ذلك بأن المدرس فى أى فصل يكون عالما بما أتاه الله من علم ومشاهدة أى تلاميذه سيتفوق وينجح وأيهم سيفشل .. فهل نزعم أن علم المدرس بهذا ينفي مرجعية فشل التلميذ إلى إهماله ؟!!
كلا بالطبع
وفى شأن وصول الإنسان للقمر كدليل على بزوغ فجر سلطان العلم .. ضحك الشيخ ساخرا وهو يقول
" إن القمر يا سادة يعد ضاحية من ضواحى الأرض .. فأين أنتم من تلك السماوات المتناهية العظمة وكل ما فى مجرتنا ومجموعتنا الشمسية لا يتجاوز فى رحاب الكون إلا عقال بعير "
وفى شأن آية شجرة الزقوم .. فسر الشيخ فى بساطة سبب إرجاع غير معلوم إلى غير معلوم .. بعكس مألوف اللغة
فالحكمة الإلهية فى ذلك النص اقتضت أن تخوف الناس بسوء العاقبة المتمثلة فى شجرة الزقوم نعوذ بالله منها ومن منبتها وكيف أنها تنبت فى أصل الجحيم .. وليس هناك إعجاز فى التخويف قدر إعجاز التخويف بالمجهول .. فالناس أعداء ما يجهلون .. فعندما يقول الله تعالى طلعها كأنه رؤوس الشياطين سيطير خيال كل قارئ إلى الصورة البشعة التى يتخيلها للشيطان .. وتلك التصورات تختلف من عقل لآخر لأن كل عقل سيصور مشهدا مخيفا ومرعبا كما يتصور صاحبه .. وتلك مسألة نسبية بين البشر ومن ثم جاء الإسناد مجهولا
وتتابع أحاديث الشيخ الإمام على نحو يخرس الألسنة بعد أن عجزت أمام منطقه الحاسم وحجته التى لم تعتمد على دلائل العقيدة وهى تواجه غير المؤمنين بها بل اعتمدت أكثر على اللغة التى يفهمها هؤلاء وهى لغة المنطق والتفنيد وتلك هى حقيقة قدرة الإمام
وللحديث بقية