منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 20-06-2008, 11:04 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي أتصمت العصافير ـ 14ـ

في الصباح أخبرتني المراقبة أن هناك من جاء يزورني، فاستغربت هذا الذي يعرفني! و خفق قلبي، أتكون هي؟
و سبقت المراقبة أحث الخطى إلى قاعة الاستقبال حيث يلقى الزوار ذويهم العجزة.
هناك رأيته بوقفته المعتادة، يداه في جيبه تلعبان بالنقود، الشعر الأشيب الممشوط إلى فوق ، سعيد القهواجي.
وقفت إلى قريب منه أتطلع إلى عينيه الرماديتين، انحنى علي:
ـ ألا تسلم على عمك السعيد؟
و لامست شفتاي أشواك ذقنه، و راح يمطرني بأسئلة عن أحوالي في المركز، و هو ما يفتأ يزين لي المركز، ثم خيرني بين الذهاب معه و البقاء عند الدولة فأخبرته أني أفضل البقاء فابتسم و هو يلعب بالنقود في جيبه:
ـ لن أقطع عنك زيارتي، إذا رغبت في شيء ما أخبرني، لقد أوصاني بك المرحوم جدك.
ـ كلا، لم يكن جدي.
و استدرت على عقبي، عدت إلى أصحابي يملأني نحوهم إحساس ثقيل بالقدرية العمياء، مزيج من الحب و البغض، من الانتماء و الانفصال المرعب. كنت أراهم نسخا تتكرر في و أتكرر فيهم، أندفع معهم في اللعب إلى أقصى حد ثم يأخذني شرودي فأنزوي قي جهة ما، تشاكسني أسئلة ذئبية ، أتراها تخلت عني عمدا كما حصل مع هؤلاء الرضع في الجناح ـ ا ـ ؟ كما حدث مع كريم؟ أ تكون صورتها حقا كما رأيتها في الحلم ؟ الضرس المذهب في زاوية الفم يلمع عندما تضحك! ميتة لا أمل في اللقاء بها ؟ حية متشردة تسعى في البحث عني؟
و تقطع المربية" نوارة" خلوتي فتأخذني إلى النادي، تعاتبني على توحدي، تلاعبني الشطرنج، تزرع في حنانا معطرا، كانت أحب الناس إلي بعدما اختفى كريم و لم يعثر له على أثر، و تردد كلام في المركز أن سيارة تقودها مجموعة مخمورة في منتصف الليل صدمته، و لم نعلم أكان ذلك حق أم كذبوا علينا حتى يخوفونا من مغبة الهرب، لكن الحراسة شددت علينا منذ تلك الحادثة، و ألقى علينا المدير خطابا مطولا، أفهمنا أن الدولة تتكفل بنا، توفر لنا ما يضمن مستقبلنا، مستشهدا بأسماء تخرجت من المركز تمارس وظيفتها في الحياة الاجتماعية على أحسن ما يرام.
و أعيد تقسيمنا إلى أفواج على كل فوج مربية لا تغفل عنه، فكانت نوارة ترعانا تماما كما كنت أرعى غنم الشيخ مسعود ذات زمن في مرج عيطر، ترافقنا إلى المدرسة المجاورة صباحا ، و في المساء نجدها عند البوابة في انتظارنا لتقودنا إلى المركز عبر نفس الزقاق لا تحيد بنا عنه أبدا. كانت حازمة لا تسمع لتوسلاتنا إليها بأن تخرج بنا قليلا فنطوف في المدينة، تجيبنا دائما بقولها المكرور:
ـ لا ينبغي الخروج عن النظام يا أولاد، و إذا شئتم النزهة نتقدم بطلب إلى المدير.
و كان المدير عادة ما يرفض بحجة أن الميزانية لا تسمح، نتطلع إليها و هي تخرج من مكتبه يرتسم على وجهها تعبير الخيبة:
ـ هذه المرة لا يمكن، و لكن هلموا إلى نزهة أخرى.
تجمعنا حولها و تشرع في قراءة قصة من قصص ألف ليلة و ليلة ، ننشد إلى صوتها الأغن مقطوعي الأنفاس، يحلق خيالنا بعيدا خلف أسوار المركز، و لا ننتبه إلاّ على تلك الجملة التي لا نحبها: " و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح." فنصيح من غير وعي منا:
ـ أكملي، مازلنا في أول المساء.
تبتسم ابتسامتها الوقور بأن ترخي رموشها و تمد شفتيها من غير أن تظهر أسنانها و تطوي الكتاب:
ـ إلى اللقاء في نزهة أخرى يا أحبابي.
تواظب على مراقبة دفاترنا نهاية كل أسبوع، تتولانا بالنصيحة و الإرشاد تقول لنا:
ـ لا شيء كالعلم يفتح لكم الحياة، و يفسح لكم مكانا فيها.
تحفظنا الأشعار التي تملأنا ثقة:
لا تقل أصلي و فصلي أبدا.... إنما أصل الفتى ما قد حصد
تحبب إلينا الكتاب: " و خير جليس في الأنام كتاب."
كنا نحب حديثها ، و علاوة كنت أحب عطرها، و أحب الحفرتين المرتسمتين على خديها حين تبتسم.
قالت لي يوما و قد غلبتها في الشطرنج، أو أتاحت لي أن أغلبها:
ـ أنت ولد نبيه سيكون لك شأن لو حرصت على اتباع توجيهاتي.
فقلت و انا أقاوم انفعالا يغمرني كلما فكرت في فراق من أحببت:
ـ وهل تبقين دائما في هذا المركز ألا ينقلونك إلى جهة أخرى؟
ـ لا يمكن أن ينقلوني من غير أن أطلب ذلك.
ـ معك لا يمكن أن نفكر في الهروب من المركز.
فظهر على وجهها الاستياء :
ـ احذر أن تسمح لنفسك بالتفكير في هذا ثانية، ستتشرد و تجوع و تعرى ثم تقبض عليك الشرطة و تعيدك إلى هنا، و عندها سيضعونك تحت المراقبة المشددة، و يوجهون إليّ توبيخا .
ثم ابتسمت خفيفا كعادتها حين تعلن عن زوال استيائها :
ـ اشرح لي لماذا لا تفكر معي في الهروب؟
و قلت مندفعا بعواطفي التي أحسها تفيض صوبها دائما:
ـ لأني أحبك، أحب عطرك، و أحبك أكثر حين تبتسمين.
ـ تحب فيّ هذا فقط .
ـ لا، كلك ، حديثك، رموشك، قصص ألف ليلة، أنت حلوة يا سيدتي كحبة السكر.
و لأول مرة أراها تضحك ملء فيها حتى خيل إليّ أني أرى الضرس المذهب يلمع في أقصى فمها .
ـ و هل انت تغازلني أيها الشقي؟
ثم و هي تمسك ضحكتها:
ـ إذا كان صحيحا ما تزعم فلماذا لا تدعوني بماما نوارة كما يفعل زملاؤك ؟
و لم أجد ما أعلل به ملاحظتها :
ـ إننا في المدرسة ندعوا معلماتنا ب "سيدتي".







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 23-06-2008, 05:36 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
بوفاتح سبقاق
أقلامي
 
الصورة الرمزية بوفاتح سبقاق
 

 

 
إحصائية العضو







بوفاتح سبقاق غير متصل


افتراضي رد: أتصمت العصافير ـ 14ـ

نص جميل
الوصف يعتبر الركيزة الأساسية للإبداع
ننتظر الجديد دوما
تحياتي







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 23-06-2008, 10:53 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
أكرم حسن
أقلامي
 
إحصائية العضو







أكرم حسن غير متصل


إرسال رسالة عبر Yahoo إلى أكرم حسن

افتراضي رد: أتصمت العصافير ـ 14ـ

أستاذ خليف
تحية كبيرة
أنا على الموعد هنا .. مازلت مع سعد..
الصغير المراوغ الأكبر..عاشق.. العطر والرمش والسكر..
سكر كلامك أستاذي
دمت بخير وصحة
أكرم حسن







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 23-06-2008, 11:40 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
أحمد نورالدين
أقلامي
 
الصورة الرمزية أحمد نورالدين
 

 

 
إحصائية العضو







أحمد نورالدين غير متصل


افتراضي مشاركة: أتصمت العصافير ـ 14ـ

أستاذ خليف
تحية طيبة
لقد أجدت في وصف شعور سعد تجاه رفاقه
والمربية لها تاثير رائع على القصة ومن الواضح أنها ذات تأثير على البطل وقد يكون لها تأثير على مجرى الأحداث كذلك، ومن يدري..
خالص ودي







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 24-06-2008, 11:58 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
حدريوي مصطفى (العبدي)
أقلامي
 
الصورة الرمزية حدريوي مصطفى (العبدي)
 

 

 
إحصائية العضو







حدريوي مصطفى (العبدي) غير متصل


افتراضي رد: أتصمت العصافير ـ 14ـ

الأحداث تمشي الهوينى نحو الجواب عن اتصمت العصافير؟ ) لنمش على خطاها مع سعد وبإيقاعها...
لا جديد لم تشذ ...ولكن اعجبتني طريقتك الفنية وانت تضع نهاية للصديق ـ صديق سعد ـ بتلك الطريقة حسب الرواية القابلة للتصديق ودونه ...احسست كانك لم تحبه أو لم تكن...ربما عاداك سعد .. فعمدت إلى التخلص منه هكذا.... وقد اوحى لي هذا علامة الاستفهام التي وضعتها بعد اختفائه.... عفوا فأنا ابدا ادون ما يعن لي هي قراءة وددت ان ان تشاركني اياها فاقبلها على علاتها...
تحيتي وفائق احترامي
حدريوي مصطفى العبدي







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 25-06-2008, 08:30 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: أتصمت العصافير ـ 14ـ

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بوفاتح سبقاق مشاهدة المشاركة
نص جميل
الوصف يعتبر الركيزة الأساسية للإبداع
ننتظر الجديد دوما
تحياتي
الأديب المبدع بوفاتح سبقاق تحية جميلة ولك خالص الشكر على موروك
وددت لو واصلت تشر حلقات روايتك الاعصار الهادئ أنت ايضا .
تحيتي و تقديري






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 25-06-2008, 08:38 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: أتصمت العصافير ـ 14ـ

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أكرم حسن مشاهدة المشاركة
أستاذ خليف
تحية كبيرة
أنا على الموعد هنا .. مازلت مع سعد..
الصغير المراوغ الأكبر..عاشق.. العطر والرمش والسكر..
سكر كلامك أستاذي
دمت بخير وصحة
أكرم حسن
أديبنا المبدع أكرم حسن ، صدقني إن كلامك هو الأشهى و الأحلى ، إني سعيد جدا لإنضمامك إلى الرفاق الذين يتابعون حلاقات هذه الرواية ، والذين إذ أنزل حلقة منها إنما أبعثها مضمخة بعطر المحبة الخالصة لهم ولك .
تحيتي وتقديري






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 25-06-2008, 08:52 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: مشاركة: أتصمت العصافير ـ 14ـ

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد نورالدين مشاهدة المشاركة
أستاذ خليف
تحية طيبة
لقد أجدت في وصف شعور سعد تجاه رفاقه
والمربية لها تاثير رائع على القصة ومن الواضح أنها ذات تأثير على البطل وقد يكون لها تأثير على مجرى الأحداث كذلك، ومن يدري..
خالص ودي
مبدعنا أحمد نور الدين تحية جميلة
شكرا لك مرورك الكريم وحدسك الفني الجميل فيما يتعلق بالمربية نوارة
تحيتي وتقديري






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 25-06-2008, 09:00 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: أتصمت العصافير ـ 14ـ

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مصطفى العبدي مشاهدة المشاركة
الأحداث تمشي الهوينى نحو الجواب عن اتصمت العصافير؟ ) لنمش على خطاها مع سعد وبإيقاعها...
لا جديد لم تشذ ...ولكن اعجبتني طريقتك الفنية وانت تضع نهاية للصديق ـ صديق سعد ـ بتلك الطريقة حسب الرواية القابلة للتصديق ودونه ...احسست كانك لم تحبه أو لم تكن...ربما عاداك سعد .. فعمدت إلى التخلص منه هكذا.... وقد اوحى لي هذا علامة الاستفهام التي وضعتها بعد اختفائه.... عفوا فأنا ابدا ادون ما يعن لي هي قراءة وددت ان ان تشاركني اياها فاقبلها على علاتها...
تحيتي وفائق احترامي
حدريوي مصطفى العبدي
صديقي العزيز مصطفى ما أجمل قراءتك ! إنها عطر النصوص وقطر نداها و بل صداها ، فكيف تقول لي تقبلها على علاتها !؟
لك كل المحبة و التقدير






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 26-06-2008, 12:33 AM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
محمد عبد الحكيم كليب
أقلامي
 
إحصائية العضو







محمد عبد الحكيم كليب غير متصل


افتراضي رد: أتصمت العصافير ـ 14ـ

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خليف محفوظ مشاهدة المشاركة
في الصباح أخبرتني المراقبة أن هناك من جاء يزورني، فاستغربت هذا الذي يعرفني! و خفق قلبي، أتكون هي؟
و سبقت المراقبة أحث الخطى إلى قاعة الاستقبال حيث يلقى الزوار ذويهم العجزة.
هناك رأيته بوقفته المعتادة، يداه في جيبه تلعبان بالنقود، الشعر الأشيب الممشوط إلى فوق ، سعيد القهواجي.
وقفت إلى قريب منه أتطلع إلى عينيه الرماديتين، انحنى علي:
ـ ألا تسلم على عمك السعيد؟
و لامست شفتاي أشواك ذقنه، و راح يمطرني بأسئلة عن أحوالي في المركز، و هو ما يفتأ يزين لي المركز، ثم خيرني بين الذهاب معه و البقاء عند الدولة فأخبرته أني أفضل البقاء فابتسم و هو يلعب بالنقود في جيبه:
ـ لن أقطع عنك زيارتي، إذا رغبت في شيء ما أخبرني، لقد أوصاني بك المرحوم جدك.
ـ كلا، لم يكن جدي.
و استدرت على عقبي، عدت إلى أصحابي يملأني نحوهم إحساس ثقيل بالقدرية العمياء، مزيج من الحب و البغض، من الانتماء و الانفصال المرعب. كنت أراهم نسخا تتكرر في و أتكرر فيهم، أندفع معهم في اللعب إلى أقصى حد ثم يأخذني شرودي فأنزوي قي جهة ما، تشاكسني أسئلة ذئبية ، أتراها تخلت عني عمدا كما حصل مع هؤلاء الرضع في الجناح ـ ا ـ ؟ كما حدث مع كريم؟ أ تكون صورتها حقا كما رأيتها في الحلم ؟ الضرس المذهب في زاوية الفم يلمع عندما تضحك! ميتة لا أمل في اللقاء بها ؟ حية متشردة تسعى في البحث عني؟
و تقطع المربية" نوارة" خلوتي فتأخذني إلى النادي، تعاتبني على توحدي، تلاعبني الشطرنج، تزرع في حنانا معطرا، كانت أحب الناس إلي بعدما اختفى كريم و لم يعثر له على أثر، و تردد كلام في المركز أن سيارة تقودها مجموعة مخمورة في منتصف الليل صدمته، و لم نعلم أكان ذلك حق أم كذبوا علينا حتى يخوفونا من مغبة الهرب، لكن الحراسة شددت علينا منذ تلك الحادثة، و ألقى علينا المدير خطابا مطولا، أفهمنا أن الدولة تتكفل بنا، توفر لنا ما يضمن مستقبلنا، مستشهدا بأسماء تخرجت من المركز تمارس وظيفتها في الحياة الاجتماعية على أحسن ما يرام.
و أعيد تقسيمنا إلى أفواج على كل فوج مربية لا تغفل عنه، فكانت نوارة ترعانا تماما كما كنت أرعى غنم الشيخ مسعود ذات زمن في مرج عيطر، ترافقنا إلى المدرسة المجاورة صباحا ، و في المساء نجدها عند البوابة في انتظارنا لتقودنا إلى المركز عبر نفس الزقاق لا تحيد بنا عنه أبدا. كانت حازمة لا تسمع لتوسلاتنا إليها بأن تخرج بنا قليلا فنطوف في المدينة، تجيبنا دائما بقولها المكرور:
ـ لا ينبغي الخروج عن النظام يا أولاد، و إذا شئتم النزهة نتقدم بطلب إلى المدير.
و كان المدير عادة ما يرفض بحجة أن الميزانية لا تسمح، نتطلع إليها و هي تخرج من مكتبه يرتسم على وجهها تعبير الخيبة:
ـ هذه المرة لا يمكن، و لكن هلموا إلى نزهة أخرى.
تجمعنا حولها و تشرع في قراءة قصة من قصص ألف ليلة و ليلة ، ننشد إلى صوتها الأغن مقطوعي الأنفاس، يحلق خيالنا بعيدا خلف أسوار المركز، و لا ننتبه إلاّ على تلك الجملة التي لا نحبها: " و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح." فنصيح من غير وعي منا:
ـ أكملي، مازلنا في أول المساء.
تبتسم ابتسامتها الوقور بأن ترخي رموشها و تمد شفتيها من غير أن تظهر أسنانها و تطوي الكتاب:
ـ إلى اللقاء في نزهة أخرى يا أحبابي.
تواظب على مراقبة دفاترنا نهاية كل أسبوع، تتولانا بالنصيحة و الإرشاد تقول لنا:
ـ لا شيء كالعلم يفتح لكم الحياة، و يفسح لكم مكانا فيها.
تحفظنا الأشعار التي تملأنا ثقة:
لا تقل أصلي و فصلي أبدا.... إنما أصل الفتى ما قد حصد
تحبب إلينا الكتاب: " و خير جليس في الأنام كتاب."
كنا نحب حديثها ، و علاوة كنت أحب عطرها، و أحب الحفرتين المرتسمتين على خديها حين تبتسم.
قالت لي يوما و قد غلبتها في الشطرنج، أو أتاحت لي أن أغلبها:
ـ أنت ولد نبيه سيكون لك شأن لو حرصت على اتباع توجيهاتي.
فقلت و انا أقاوم انفعالا يغمرني كلما فكرت في فراق من أحببت:
ـ وهل تبقين دائما في هذا المركز ألا ينقلونك إلى جهة أخرى؟
ـ لا يمكن أن ينقلوني من غير أن أطلب ذلك.
ـ معك لا يمكن أن نفكر في الهروب من المركز.
فظهر على وجهها الاستياء :
ـ احذر أن تسمح لنفسك بالتفكير في هذا ثانية، ستتشرد و تجوع و تعرى ثم تقبض عليك الشرطة و تعيدك إلى هنا، و عندها سيضعونك تحت المراقبة المشددة، و يوجهون إليّ توبيخا .
ثم ابتسمت خفيفا كعادتها حين تعلن عن زوال استيائها :
ـ اشرح لي لماذا لا تفكر معي في الهروب؟
و قلت مندفعا بعواطفي التي أحسها تفيض صوبها دائما:
ـ لأني أحبك، أحب عطرك، و أحبك أكثر حين تبتسمين.
ـ تحب فيّ هذا فقط .
ـ لا، كلك ، حديثك، رموشك، قصص ألف ليلة، أنت حلوة يا سيدتي كحبة السكر.
و لأول مرة أراها تضحك ملء فيها حتى خيل إليّ أني أرى الضرس المذهب يلمع في أقصى فمها .
ـ و هل انت تغازلني أيها الشقي؟
ثم و هي تمسك ضحكتها:
ـ إذا كان صحيحا ما تزعم فلماذا لا تدعوني بماما نوارة كما يفعل زملاؤك ؟
و لم أجد ما أعلل به ملاحظتها :
ـ إننا في المدرسة ندعوا معلماتنا ب "سيدتي".
الأخ العزيز خليف
بطلك الصغير أحب مربيته بعمق ، ولعل الحب هو ما ينقصنا في كثير من تعاملاتنا .
دمت قاصاً جميلاً .






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 26-06-2008, 04:02 PM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: أتصمت العصافير ـ 14ـ

الأديب محمد عبد الحكيم كليب سلاما جميلا.
هذا البطل الصغير له قصة غريبة أنشرها ههنا في حلقات ، يسعدني كثيرا متابعتك لها .
شكرا لحضورك الجميل
تحيتي.







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 14-07-2008, 02:10 PM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
داليا فاروق
أقلامي
 
الصورة الرمزية داليا فاروق
 

 

 
إحصائية العضو







داليا فاروق غير متصل


افتراضي رد: أتصمت العصافير ـ 14ـ

أعتذر لنفسي عن غيابي وحرماني من تفاصيل اعيشها من حياة سعد
وهاأنذا جئت لأحيا مرة اخرى

معك سيدي







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 12:34 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط